أفكار منتصف النهار (11): المؤتمر العالمي للكتابة في أميركا

في عام 2010 تمت دعوتي إلى المؤتمر العالمي للكتابة في جامعة أيوا في أميركا ، هو مؤتمر ضخم تتم فيه دعوة حوالي 35 كاتب من مختلف أنحاء العالم ومدته ثلاثة أشهر ، كان قد سبقني في الدعوة الكاتب خالد خليفة وقبله الكاتب نهاد سيريس ، يومها اتصل بي الأستاذ عبد الرؤوف عدوان وكان مدير المركز الثقافي الأميركي في دمشق وطلب مني أن أتقن الإنكليزية قدر الإمكان ، وفعلاً تسجلت في القنصلية البريطانية وكان الأستاذ إنكليزياً وتابعت الدورة الإنكليزية ثمانية أشهر ، ويعود الفضل لابنتي ندى التي كانت كالشرطي تجبرني أن أتكلم معها بالإنكليزية وألا أتهرب من الوظيفة . كنت سعيدة أنني الكاتبة السورية الوحيدة التي ستمثل  سوريا الحضارة والثقافة ، وكان يتوجب علي أن ألقي بعض المحاضرات وأن ألتقي طلاباً جامعيين وأن أقرأ فصلاً كاملاً بالإنكليزية من روايتي امرأة من هذا العصر وهو الفصل الرابع من الرواية والذي ترجمه ترجمة ممتازة عيسى بلاطة إلى الإنكليزية  ونُشر في مجلة بانيبال . قبل أن أبدأ بالتحدث عن المؤتمر العالمي للكتابة أي قبل سفري ، كنت في اللاذقية واتصل بي الأستاذ القدير عبد الرؤوف عدوان وقال لي أن موظفتين أمريكيتين في المركز الثقافي في دمشق ستسافران إلى اللاذقية وأنهما ترغبان بلقائي ، وهما موظفتان منذ أكثر من أربع سنوات في المركز الثقافي الأميركي في دمشق ، وفعلا التقيتهما في الكازينو ( نادي النقابات المهنية ) أهدياني كتاباً رائعاً عن أهم مئة قصة قصيرة أمريكية معاصرة ، استمر لقائي معهما نصف ساعة فقط لانشغالهما بأمور عديدة .

الساعة الواحدة ليلاً وكنت نائمة أيقظني اتصال لجوج على الموبايل ، اعتقدت أن أحد المرضى يتصل أو ربما هناك حالة إسعافية في المشفى الوطني ( كنت لا أزال موظفة ) لكن أتاني صوت رجل وقدم نفسه أنه ( ياسر من أمن الدولة ) اعتقدت للوهلة الأولى أنه كابوس لكنه أكد لي أن لي أن أحضر صباح اليوم إلى أمن الدولة ، قفزت من السرير حتى كاد رأسي يلامس سقف الغرفة وسألته : ما السبب ، شو القصة ؟ !! فأجاب : لا أستطيع أن أقول لك لأن المكالمات مُراقبة ، فأجبته بذهول : ألستم أنتم من تراقبون المكالمات ، فغضب واعتبر كلامي إهانة . وبدأت أفكر باحتمالات استدعائي إلى مخابرات أمن الدولة ، اعتقدت للوهلة الأولى أن السبب أنني أكتب في جريدة العرب القطرية لكنني كنت أكتب في صفحة ثقافة تحديداً عن كتب أعجبتني أو مواضيع عامة ، ثم فكرت أنه ربما أحد ما كتب تقريراً مسيئاً لي ، طلع الفجر وأنا أفكر باحتمالات ، وآمنت أن العقل السوري يستحيل أن يصيبه الخرف لأنه يبقى متيقظاً وفي حالة تفكير طوال الوقت  . باختصار كان استدعائي إلى أمن الدولة لسؤالي عن لقائي بالسيدتين الأمريكيتين ، وعن ماذا تحدثنا ؟ أجبت أنني سأشارك في المؤتمر العالمي للكتابة وأنهما موظفتين في المركز الثقافي الأمريكي في دمشق ، لكن المحقق قال بأنه يخشى أن يكون هدف السيدتين الأمريكيتين تمرير مخططات من خلالنا ( نحن المثقفين ) !! فسألته : ماذا تقصد ما المخططات التي يُمكن تمريرها من خلالي مثلاُ ؟ قال : هناك مخاوف من الأمريكان ونخشى تمرير مخططات من خلال المثقفين السوريين ، فأجبته بأنني لست قاصراً وبأنه يُفضل أن يتصل بمدير المركز الثقافي الأمريكي في دمشق والسؤال عنهما . وتجرأت وقلت للمحقق : إذا كانت لديكم مخاوف من السيدتين الأمريكيتين لم لا تطردانهما من سوريا .

ليست هذه غايتي مم أريد كتابته بل أريد أن أحكي عن المؤتمر العالمي للكتابة في أميركا ، فعلاً كان هناك أكثر من ثلاثين كاتب من مختلف بلاد العالم وفرحت بصداقة جون من جنوب إفريقيا وهو روائي وأستاذ جامعي ، كذلك صداقة ( هو houw) وهو من الصين وصداقة كاتبة من كوريا الشمالية وأخرى من نيجيريا وكتاب آخرين ، لكن الذي أزعجني وجود شاعرتين من إسرائيل تتحدثان طوال الوقت عن جمال تل أبيب وعن ازدهار السياحة في إسرائيل وعن جمال بلدهم إسرائيل ، وكانتا تتحدثان عن السلام وتقرآن قصائد عن السلام !!! صدقاً كانت صورة محمود درويش حاضرة بقوة وهما تتحدثان عن السلام ( كان قد مضى عام أو عامين على وفاته ) وهو روح فلسطين . وفي الواقع رفضت رفضاً تاماً التعامل م الشاعرتين من إسرائيل ، ولم أكن أحضر أبداً نشاطاتهما الأدبية ، مم دفع مدير المؤتمر أن يسألني لماذا لا أحضر الأمسيات الشعرية للشاعرتين من إسرائيل واعتبر موقفي تعصباً وغير لائق ، فقلت له جوابي ببساطة أنني أؤمن بفلسطين كوطن تم اغتصابه وقتل وتهجير أهله ، فقال لكن الآن هناك محادثات سلام ، أعدت كلامي نفسه مع التشديد أن فلسطين وطن مُغتصب . لكن أعترف أن نوب توتر شديدة كانت تنتابني لمجرد وجود شاعرتين إسرائيليتين في المؤتمر العالمي للكتابة ، وأن يتم اتهامي أنني ألتقي مع إسرائيليين ، حتى أنني لم أكن أجرؤ أن أحكي مع أحد في سوريا وأحكي له عن قلقي ومخاوفي كنت أتصل بأصدقاء في أميركا وأوروبا ليساعدوني في تخفيف قلقي ، لكن الخوف السوري من نوع استثنائي عصي عن الذوبان وعن الكسر ، خوف موجود في ( DNA) خلايانا ، خوف وراثي كما نرث لون البشرة ، كنت أمشي كل يوم لساعات وأنا أحاول لي ذراع خوفي وهو يلحقني كظلي وفقدت أكثر من ثماني كيلوغرام من وزني . لكن علي – للأمانة والصدق – أن أعترف بدعم لامحدود لي من أبناء بلدي هما نعمان أبو سنة وأخته هالة أبو سنة وزوجها ، كانوا أسرة داعمة لي رغم أنني لم أكن أعرفهما من قبل ، كان حبهما لسوريا لامحدود ، ومراراً دوني لزيارتهم وساعدوني في الترجمة وفي لفظ بعض الكلمات الإنكليزية ، أدين لنعمان أبو سنة بالكثير كذلك لأخته هالة ، كم تملك سوريا مبدعين وناس يعشقون وطنهم ، كنا نحكي طوال الوقت عن سوريا ، وكان أدق تفصيل يهمهما ويطلبون أن أحكي المزيد . ما يؤلمني فوق التصور هو ذلك الخوف السوري كما كتبت مقالاً ذات يوم بعنوان ( متهم حتى يثبت العكس ) أي أن المواطن السوري الخائف دوماً من تهم تهبط عليه يشعر أنه مُطالب بتقديم براءة ذمة كل يوم لأجهزة الأمن وبأنه مواطن صالح وراض ومسالم ، كنت أشعر وأنا في أميركا أنني بين مطرقة الخوف السوري وسندان وجود شاعرتين من إسرائيل في مؤتمر عالمي للكتابة .

الآن معظم الدول العربية دشنت تطبيعاً مع إسرائيل ، وبعضها أقام نشاطات ثقافية ورياضية ورحلات سياحية ضمت إٍسرائيليين وعرب وبقيت فلسطين تنزف ، وبقيت عزلاء . لكنني أؤمن بعظمة الشعب الفلسطيني ببطولاته ومبدعيه وأؤمن أن الحق ينتصر على الباطل .

كانت تجربة أغنت حياتي حضور المؤتمر العالمي للكتابة في أميركا عام 2010 . لا أنسى كيف تعرفت على جون من إفريقيا الجنوبية ( كانت معلوماتي عنها محدودة جداً ) لكنه حين قال لي أنه من مدينة كاب تاون ، صرخت : مدينة كويتزي ( الحاصل على جائزة نوبل والذي أبهرتني رواياته خاصة رواية خزي بترجمة إبداعية لصديقي أسامة منزلجي ) كم فرح أنني قرأت كويتزي ، كأن كويتزي قام بمهمة تعارفنا ، ويومها كتبت : يجب على الكتاب أن يكونوا سفراء بلدانهم وليس السياسيين .

شهادة أحببت أن أشاركها مع الناس .

عن هيفاء بيطار

شاهد أيضاً

أفكار منتصف النهار (29) الضمانات للعودة إلى سوريا

لست بحاجة لإثبات كم أعشق وطني – سوريا – وكم أحن إلى اللاذقية المُنتهكة والتي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *