الرئيسية > أدب > أصول الوعي الأوروبي بالآخر، « العربي أنموذجاً »

أصول الوعي الأوروبي بالآخر، « العربي أنموذجاً »

منذ أن تحولت أوروبا إلى أمم عالمية، أصبح العالم كله ساحة لممارسة أهم سماتها السيطرة والهيمنة والاستغلال والانتشار، أوروبا هذه _ التي بدأت في القرن السادس عشر_ شرعت بتأسيس وعيها بذاتها، ووعيها بالآخر غير الأوربي على مبدأ تفوق الإنسان الأبيض، وتقسيم البشرية وفق مبدأ السيد والعبد .

وشيئاً فشيئاً عبر هذا التفوق عن نفسه بالحرب، وبالاستعمار، وبالإمبريالية، وبالثقافة، وبالعلم، وبالأيديولوجيا، وتحول الآخر إلى مجرد موضوع، قابل للتشكيل والدراسة والتصنيف. ومن الطبيعي أن يكون الموضوع موضوعاً في مقابل الذات، ولكن في علاقة انفصال شبه مطلق. فالذات الأوروبية تقف وجهاً لوجه أمام الأسيوي والإفريقي والهندي الأحمر، بوصفها عالماً من الثروة والأسواق والعبيد والكائنات السفلى. وإن اختلفت وحوش الغابة الكاسرة، فإنما تختلف على التهام الطرائد. لم تكن الطرائد إلا نوعاً من البشر والثقافات في نهاية الأمر. طرائد، وجدت نفسها في مخالب رجل الحرب، والإداري والمستشرق والأثنولوجي الأنثروبولوجي والإعلامي والتاجر والرحالة والصناعي والفيلسوف أحياناً .

قرون أربعة والأوروبي يرسم الآخر على هواه وبكل الألوان التي يختارها، يدشن القرن التاسع عشر عصر الاستعمار المباشر، ليستكمل عصر الاكتشافات الجغرافية. والمستعمر الأوروبي يطأ أرضاً غير أرضه، ويتعامل مع بشر من البشرات الصفراء والسوداء والحمراء والسمراء، ويؤسس لإقامة خالدة، يحتل الإنكليزي عدن، ويعد العدة لوجود دائم في موقع استراتيجي صالح للسيطرة على البحار وطريق التجارة. ومنذ اللحظة الأولى التي ينزل فيها البحار، المدجج بالسلاح، المياه الدافئة يقرر أن يكون هناك عالمان لا اتصال بينهما، عالم في عدن: المدفع والبزة العسكرية والإداري والطبيب والبيت الأوروبي، واللغة الإنكليزية. وعالم اليمني المختلف، الذي يجب أن يروض، بالمعنى الدقيق للكلمة، منذ البدء رسم له صورة لن يمحوها الزمان .

لا تختلف ممارسة أي مستعمر عما مارسه الإنكليزي في عدن، فالاستعمار يكرس فصلاً عنصرياً وفصلاً ثقافياً، بل قل إن الفصل الثقافي قد تأسس على الفصل العنصري. يحول المستعمر صورة المستعمر إلى صورة كلية يتوارثها سكان لندن وباريس وروما وبرلين ومدريد. فإذا بالإنسان الأوروبي يتوارث صورة مسبقة عن هذا العالم غير الأوروبي، وتتمكن منه إلى الحد الذي يرفض فيه تغير الأحوال والأزمان، وما يمكن أن يولده من حقائق تتناقض مع صورته المسبقة، التي كونها عن الآخر. فأيديولوجيا التفوق على الآخر تمنع الأوروبي أن يتخلى عن وضع هذا الآخر في مكانة أدنى. ولم يحل زوال الاستعمار المباشر دون استمرار وعي الأوروبي بتفوقه وبصورة الآخر لديه. بل على الضد من ذلك، فإن الفصل الثقافي قد تعزز لديه في إطار تناقض بين حضارتين: حضارته وحضارة العالم كله.

وتظل صورة العربي المستعمر حاضرة في الخطاب الأوروبي والسلوك الأوروبي والإعلام الأوروبي، حسبي أن أورد مثالاً ساطعاً على آخر صورة للعربي في مسلسل أمريكي يدعي الشجعان والحسان، أنه مسلسل يعرض لنا حياة المجتمع الأمريكي، ولكن في المسلسل إقحام نشاز لصورة العربي، ففي هذا المسلسل شخصية عربية وحيدة هو الأمير المغربي العربي واسمه عمر. عمر هذا ينقذ أمريكية نجت من سقوط طائرة، يتعلق الأمير بالأمريكية التي فقدت ذاكرتها ويسميها ليلى ويقرر الزواج منها، إنه يحيطها بكل أشكال الاهتمام كأميرة، والخدم في القصر ينفذون كل مطالبها. لكن الذاكرة تعود للأمريكية، وتعرف ما حصل لها، فتقرر الهرب من القصر  والأمير المحب الأناني، يقوم بسجنها داخل القصر، لكنها تفلح بمساعدة خادمة غير عربية في الهرب .

شخصية عمر في هذا المسلسل _ وللاسم دلالته طبعاً _ شخصية منفرة، ماكرة، أنانية، سلبية، مقززة، لا تخلق لدى المشاهد أي تعاطف. والأمريكية الفاقدة للذاكرة وحدها القادرة على العيش مع هذا العربي، ولكن حين تعود إليها الذاكرة، لا تجد أي ايجابية في هذا الأمير، أو في حياتها الباذخة في القصر، ببساطة يبدو العربي: حاقداً، كاذباً، شرساً ذليلاً، ماكراً، أنانياً. العربي طبعاً هو مسلم، واسمه أسم أحد أهم الخلفاء الراشدين. الملايين تشاهد هذا المسلسل، والملايين يكونون صورة عن عمر، رمز العربي المسلم. فعمر ليس أسود البشرة أو أصفرها، أنه أبيض، متوسطي، لكنه مختلف، فاشتراكه مع الأوروبي باللون والجغرافيا لم يشفع له أن يكون شبيهاً. عنصر التمايز سيجده الأوربي في أنه عربي سامي، ومسلم وأحياناً بدوي .والعربي في أحسن أحواله، شبح، بالقياس إلى المثال الأوربي، وكأن نظرة أفلاطون إلى عالم المثل، تجد تعيينها في هذين النمطين من البشر. الأوروبي السيد، يعلن دون حرج كما أعلن مرة بول فاليري للمؤرخ رينيه غروسه: «ليس ثمة غير اليونانيين ونحن». جملة تختصر وعياً سائداً: اليوناني الأوروبي أصل الديمقراطية والحرية والعلم والفلسفة، والأوروبي سليل هذا المبدع، تشير نحن إلى وعي ذاتي كلي _ إلى صنف من البشر متميزين، و(ليس) هذه، نفي وتأكيد. نفي للآخر، وتأكيد لذات أخذت ضمير الجمع _ نحن المعبر عن ذاتية مفرطة في تضخمها .

في أصل التمايز _ القديم والجديد تنبع نزعة عنصرية فلقد اعترف كافين ايلي وهو مؤرخ أمريكي شهير _«بأن العنصرية الغربية فريدة في مداها وشمولها، فهي لم تكتف بتسميم الثقافة الأوروبية، بل نشرت الميكروب في جميع أنحاء العالم». أوروبا تنشر الميكروب العنصرية وتسمم العلاقة بين الشعوب، تقسم الحضارة إلى حضارتين ، حضارة الأوروبي المتفوقة، وحضارة الآخر الأدنى. العرب يتحولون إلى عالم نقيض، وهذا الأمر ليس حديث العهد، فالحروب الصليبية تدشن تقسيم العالم إلى أوروبا والإسلام، بوصفهما عالمين متعادلين، يعترف روم لاندو بذلك، حين كتب يقول :« هذه القسمة الفاجعة _أي التي قامت بها الحروب الصليبية _ مازالت قائمة حتى يوم الناس هذا، فهي تحول دون حدوث امتزاج ثقافي وسياسي سليم بين الحضارتين الغربية والعربية ».

ويضيف لاندو «أن حساً من الاتحاد في الغرب قد استمد، في المقام الأول، من العمل المشترك ضد الشرق من الهجوم المشترك عليه، لقد كانت أوربا بحاجة إلى الفرار من وجه الفقر والمرض، وقد استهل الرومان والإفرنج حركة الهجرة من الغرب إلى الشرق بحثاً عن أرض أكثر خصباً وغنى، وهكذا نشأ المفهوم المسيحي للوحدة العربية. لقد عمل الدافع الديني جنباً إلى جنب مع الدافع الاقتصادي، ولقد قاما متعاونين إلى إنشاء حركة استعمارية استبدادية تعتبر المسؤولة عن جانب كبير من المكانة التي أحرزتها أوروبا في القرن التاسع عشر » .

وما إن تأسيس مفهوم الغرب في إطار الحروب الصليبية، وكثمرة لهذه الحروب، حتى تكرست فضيحة الثقافتين _ الغربية والعربية، بوصفهما جوهرين قائمتين بذاتهما.  كل منهما ذات سمات أبدية لا يصيـبهما التغير، وعصيتان على الصيرورة التاريخية، ولكن الذي حدد صفات وأحوال هذين الجوهرين هو الغرب نفسه. وحين راح الأوروبي يعي نفسه بأنه ذات التاريخ العالمي، عبر التوسع والهيمنة، بدأ العالم غير الأوروبي، العربي والهندي والأفريقي، يسقط عالماً تلو الآخر تحت هيمنة استبداد الأوروبي، الذي ضاعف من صورة الآخر التي يرسمها عبر استثماره المباشر. فما أن انتهت الحروب الصليبية _ حروب الفرنجة _ كما يسميها العرب وما ولدته من خراب ودمار وقتل، حتى بدأت أوربا تاريخاً جديداً من السيطرة، وتسطر تاريخاً عجيباً، يبدأ من الرحلات الغربية لاكتشاف العالم .

البرتغاليون المكتشفون لعالم ساطع، يدمرون البيوت في مدن خليج عمان وبحر العرب، ويحرقونها، ويعاقبون نساء ورجالاً وأولاداً عقاباً، لم يكن العرب المتحضرون يعرفونه أو يعرفون له مثيلاً. أجل لم يمارس العرب أو يعرفوا تقطيع الآذان والأنوف. لقد كتب باروز أحد أهم مؤرخي الحملات البرتغالية قائلاً: «توجد في أوروبا بالطبع، قواعد معينة يتقيد بها الملاحون، والبرتغاليون يعترفون بها ويعتقدون، ولكن هذه القواعد لا توجد خارج حدود أوروبا، وهناك يستطيع البرتغاليون بوصفهم أسياد الملاحة أن يتخذوا أية إجراءات ».

إذاً يحق للمكتشف الأوروبي أن يفعل ما يريد بالسكان خارج حدود أوروبا، ترى لماذا تنطبق قوانين الملاحة على عالم أوروبا؟ لماذا يخضع الملاح لسلوك محدد داخل حدود أوروبا، ولا يخضع لها العالم غير الأوروبي؟ الجواب بسيط جداً، إن هؤلاء العرب القاطنين على سواحل الخليج العربي، ليسوا من طينة الأوروبي، كما يعتقد الغربي، إنهم بشر ولكنهم مختلفون في القيمة. فعلى الأوروبي إذاً استباحتهم وفعل بهم ما يريد، من إذلال وتعذيب، فليس المكتشف إلا هذا المنتمي إلى عرق مغامر شجاع وصاحب مدنية بالقياس إلى هؤلاء السكان الآمنين والمتخلفين، هل كان البرتغالي يعتقد أنه اكتشف فعلاً عالماً غريباً؟ إن كان يظن ذلك، فما هذا إلا نوع من الجهل بالعالم .

العالم المكتشف صار ملكية، ملكية الأرض ومن عليها. فتأسست حالة الغالب والمغلوب أيضاً، فالمكتشف هو موضوع، شيء، خال من الإحساس بالألم، ليس له حق الحياة، ولهذا، فالتعذيب والقتل والاستخدام هو ما يليق به. صورة المكتشف لم تتعد صورة الكائن الذي ينتمي إلى الوطن الأصلي، لقد صار «السكان الأصليون» معنى يحمل الدونية. ولقد ظلت هذه الصفة لصيقة بكل السكان الأصليين حيث يحل الغربي .

لم تختلف الإمبريالية في سلوكها عن «المكتشفين»، الإمبريالية هي أوروبا، نظام سيطرة، استغلال على مستوى العالم، هو الآخر يقسم الناس إلى أوربي سيد_ والى آخر عبد، وأدوات سيطرته على العالم معروفة، فكان لابد من خطاب أيديولوجي يقدم المبرر لما تقوم به الإمبريالية من همجية. إنه ولا شك خطاب التمييز الذي أخذ الأوروبي يجعله جزءاً من العالم، فتحولت العنصرية بكل أشكال فصولها نظرية في التاريخ والسياسة. لقد تأسست مع لامارك الفروق العقلية مع الفروق الجسدية، ومن ثم صارت الفروق الثقافية حالة طبيعية. ويكتب إدوار سعيد في «الاستشراق» قائلاً: «إلا أنه في أواخر القرن التاسع عشر كانت النظرية العرقية، «بكلمات ليونيل تريلينغ»، وقد نشطتها وحفزتها القومية الصاعدة الامبريالية المتوسعة، وأيدتها العلوم المتمثلة بصورة سيئة، تكاد تكون غير متنازع عليها، كانت النظرية العرقية، والأفكار الشائعة حول الأصول البدائية، وتقدم الحضارة  ومصير العروق البيضاء (أو الآرية) والحاجة إلى أرض مستعمرة، وكانت هذه جميعاً عناصر من المزيج الغريب من العلوم والسياسة والثقافة، الذي كان نزوعه دون استثناء تقريباً، نزوعاً إلى رفع أوروبا، أو عرق أوروبي ما، إلى مرتبة السيادة فوق القسم غير الأوروبي من بني البشر » .

إن هذه الأفكار حول سيادة الأوروبي، والتي صارت حقاً من حقوقه، استمرت بوصفها سياسة ووعياً لما تأت عليه نزوعات الشعوب نحو الحرية . بل إن مفاهيم أسياسية، هي أداوت معرفة، وصور لحركة الواقع، راحت تعاني من انزياحات شديدة لتؤكد الفصل الثقافي الذي تأسس على الفصل العنصري، لتناول مفاهيم ثلاثة: التقدم، العقلانية، الحداثة .فالتقدم واحد من المفاهيم المركزية في الحضارة الأوروبية الحديثة، إنه مفهوم يرصد تطور الإنسانية ككل، إذ إن التاريخ في إطار مفهوم التقدم يعني انتقال البشرية من مستوى أدنى من الجهل والخوف والبؤس، إلى مستوى أعلى من العلم والسيطرة على المحيط والفن والآداب، ولقد عني عدد كبير من فلاسفة الغرب كـ (ليبنتز وكانط وكوندرسييه وهيغل وماركس ) بهذا المفهوم، ورأوا أن البشرية تسير في صعود زمني، ولاشك أن البشرية ترتقي نحو الأعلى رغم حالات النكوص التي نجدها هنا وهناك .

لكن مفهوم التقدم ذاته قد لبس إهاباً إيديولوجياً حين صار معياراً لتقسيم الشعوب وتصنيفها. ولما كانت أوروبا هي المعيار الذي تقاس عليه جميع حضارات البشر، فإن الشعوب التي لم تسر وفق سيرورة أوروبا، وصنفت على أنحاء متخلفة، أهمها أنها مختلفة، أو همجية. إن التقدم قد انتقل والحال هذه من كونه مسار البشرية نحو امتلاك الحرية، إلى كونه امتلاك المتقدم للمتأخر، أي أن حرية الأوروبي لا تتحقق إلا بامتلاك الآخر، الأسيوي أو الإفريقي، أي انتقل مفهوم التقدم من مفهوم وجود إلى مفهوم قيمة .

وما حصل لمفهوم التقدم حصل لمفهوم العقلانية . فالعقلانية من حيث ارتباطها بالعقل، تعني تأكيد قدرات الإنسان العقلية من حيث التفكير وطريقته في امتحان المعرفة، من حيث هي صفة ماهوية للإنسان القادر وحده على التفكير المنطقي بما هو اتساق وتماسك. لكن انزياحات العقلانية وصلت حداً صار معها الغربي قادراً على التمييز بين الشعوب وفق قدرتها على استخدام العقل. ومعروفة هي الأطروحة الزائفة التي تميز العرق الآري بالعقلانية والعرق السامي بالروحانية، حيث الغرب منطق والشرق حدس وخيال، الغرب فلسفة والشرق دين. حتى بعض الفلاسفة الإنسانيين الغربيين لم ينجوا من قسمة كهذه. فـ (برتراند راسل) يكتب في حكمة الغرب قائلاً: «لقد توصلت مصر القديمة وبابل إلى بعض المعارف التي اقتبسها الإغريق فيما بعد، ولكن لم تتمكن أي منهما من الوصول إلى علم أو فلسفة، على أنه لا جدوى من التساؤل في هذا السياق، عما إذا كان ذلك راجعاً إلى افتقار العبقرية لدى شعوب هذه المنطقة، أم إلى أوضاع اجتماعية، لأن العاملين معاً كان لهما دورهما ولاشك » .

ويختم كتابه بما يلي: «وربما سألنا قارئ عن السبب الذي حال دون إعطاء حيز في تاريخ كهذا، لما يطلق عليه عادة اسم حكمة الشرق، وهناك إجابات متعددة نستطيع أن نقدمها عن هذا السؤال، أولهما أن العالمين قد تطورا كل بمعزل عن الآخر، بحيث يمكن تقديم عرض يكون فيه الفكر الغربي مكتفياً بنفسه لكن هناك سبباً أهم من ذلك، هو أن التراث الفلسفي الغربي يختلف عن تأملات العقل الشرقي، فالحضارة اليونانية هي وحدها التي سارت فيها الحركة الفلسفية مع التراث العلمي جنباً إلى جنب » .

لو لخصنا الشرق كما يبدو في هاتين الفقرتين من حيث علاقته بالعقل _ أي الفلسفة لأنها ثمرة العقل، لوجدناه، خلواً من العبقرية، مضافاً إليه الظروف الاجتماعية، وانفصال العلم عن « الفلسفة التي لا أساس لها في الشرق » .

من هنا نفهم لماذا خلا كتاب الفيلسوف البريطاني جون كوتنغهام «العقلانية»، من أية إشارة إلى الفلسفة العربية الإسلامية أو غيرها، حين يتحدث عن تاريخ العقلانية فلسفياً .وكذا الشأن مع الحداثة، إذ صارت الحداثة حالة أوربية فقط، وغدا العالم عالمين: عالم الحداثة الأوروبي _ المتقدم والعقلانية والعلم، وعالم التقليد الشرقي والهوية المغلقة والدين. إذ لم تعد الحداثة سيرورة أمم من قديمها إلى جديدها في إطار تعددها الثقافي وتنوع تاريخها، بل هي سيرورة المجتمعات غير الأوروبية نحو تحقيق حداثة الغرب .

والحق إن هذا الفصل الثقافي بين عالمين مختلفين، والذي أنتجته الرأسمالية الأوروبية في طورها الإمبريالي، تعود لإنتاجه مرة أخرى في طورها الجديد. فالقرية العالمية التي يتحدث عنها أصحاب العولمة لا تعني سوى قرية الأوروبي وقد صارت عالمية، أي صارت الرأسمالية في انتصارها المتعولم حتمية تاريخية، وتحكماً مبرمجاً، سياسياً واقتصادياً وإعلامياً وثقافياً لقوى السوق الرأسمالية على العالم غير الأوروبي .

في مستوى الثقافة هناك استبداد شديد لثقافة السوق _ السلعة ، وفرض لا مثيل له لنمط حياة وقيم لمجتمع صنميه السلعة الذي تتحكم به شركات عملاقة .

وإذا كان الغربي قد احتج على موت الإنسان في نقده للبنيوية، فإعلان موت الإنسان الحقيقي إنما تم الآن، إذ تتحول البشرية كلها إلى سوق، والبشر إلى لاهثين وراء تلبية حاجات جعلتها وسائل الإعلان ضرورية، إنه الإعلان الفاضح لفقدان الإنسان حريته، والصورة المثلى لاغتراب الإنسان. ولست أحصر خطر همجية العولمة على العالم غير الأوروبي، بل إن خطرها يقوم على مستوى الكوكب، لكن وضع الأسيوي والإفريقي والأمريكي اللاتيني وضع المنفعل وليس الفاعل، فلسنا هنا أمام أمم تطور ثقافتها ونمط حياتها كفاعلية تجدد ذاتها، بل هناك اعتداء سافر على نمط وثقافة شعوب تبحث عن وجودها. فثقافة العولمة بالنسبة إلى أوروبا هي جزء لا يتجزأ من ثقافتها التي تكونت منذ عصر النهضة وحتى الآن. وبالتالي ليس هناك من حالة فصل وقطيعة واغتراب ثقافي، والمجتمع لا يكتفي بتكييف نفسه مع الجديد المولود في قلب القديم المؤسس له، بل ويمتلك آليات سلب قادرة بهذا الشكل أو ذاك على تكييف العولمة ذاتها لمتطلباته، في حين أن الشروخ الثقافية التي أحدثتها ثقافة الإمبريالية المتعولمة في ثقافة العالم الآسيوي والإفريقي عميقة جداً .

من هنا نفهم ازدواجية، بل وتعدد أنماط الثقافة والحياة في المجتمع الواحد، حتى غدا الإنسان الفرد، مجموعة شخصيات وليس شخصية واحدة. ففي زيه شخصيات، وفي تقاليده شخصيات، وفي نظرته إلى العالم شخصيات، ناهيك عن المعاناة التي تبرز في هذا الانفصال بين الشخصيات ذاتها في الشخص الواحد .

فنبع الثقافة الأوروبية المتعولمة يصب الآن عبر جداول متعددة في المجتمعات غير الأوروبية، والمشكلة أنها تحافظ على نفسها من حيث هي جداول دون أن تشكل بحيرة .فالأمريكي المعاصر لا يستطيع أن يتحدث عن دور العرق الأمريكي، بسبب تعدد أعراق هذه الدولة الوليدة، بل يتحدث عن دور أمريكا الريادي في العالم، يقول بريجنسكي: «إن الثورة الأمريكية الثالثة إذ تحدث في مرحلة المعتقدات المتطايرة، والتغير التكنولوجي السريع، تحدد دور أمريكا: بأنها المحدد الاجتماعي، الذي يستغل العلم في خدمة الإنسان، ولكن دون أن يحدد مستقبل الإنسان بطريقة جامدة، إن نجاح أمريكا في بناء ديمقراطي صحيح سيضيئ الأمل أمام عالم لا تزال تسوده الصراعات الأيديولوجية والعرقية، والمظالم الاقتصادية .

إن فشل أمريكا لن يكون نكسة للاتجاهات القائمة منذ عصر الثورات العظمى في أواخر القرن الثامن عشر فحسب، وإنما يدل على مزيد من الفشل الإنساني الجوهري، أي عدم قدرة الإنسان في التغلب على غرائزه الأساسية أو استسلامه أمام تطبيقات العلم وسلطته » .

جعلوا من العرب موضوعاً لهم، وأقصد المستشرقين حسبي أن أورد نصاً لمستشرق صديق للعرب هو جاك بيرك الذي كتب يقول: «إن شخصية العالم الإسلامي تبدو قليلة الانفتاح على الغير، فهو يخلق عند من يخالطه صورة الكهف والمتاهة، ويمتنع على الخارج، على صاحب البدعة، وهو متوعد أو فتان، يروغ منك بالسر الغامض أو المسبة أو بالإغراء، إن يماحكك فلا يدعك تصل إليه وصولاً فعلياً ويخفي حقيقته عنك » .

وهناك الكثيرون ممن يتوقفون عند هذا الحاجز الأول، فيأخذون بملاطفة الواقع الأخاذ، أو يقعون في فخ اللبس والإيهام، أو ينطلي عليهم ما تتزيا به الحركة من زي قتالي، ولكن على البحث أن يتقدم أشواطاً تتخطى الأمور، يجب أن نجعل أنفسنا حساسين، أكثر فأكثر إزاء القفا العربي للأمور »

يبدو المسلم العربي ذا ماهية ثابتة، جوهراً ذا صفات خالدة: العنف، الجنس  الفسق، البحث عن الملذات، الجبن، الذل، اللاعقلانية، الدروشة .

تكشف الدكتورة رنا قباني عن تلك الصورة المتوارثة عن الشرق، فالرحالة الغربي مرتهن بسلسة طويلة من الاستعارات الدقيقة والمفاهيم القديمة. وحينما أراد مونتغمري واط أن يفسر غياب الديمقراطية في الوطن العربي، وجد نفسه مرة أخرى يعود إلى تحليل القبيلة، وخلص إلى القول: «إن المرء لو فكر بالديمقراطية على أنها الحكم في صالح الشعب بأسره، لما تناسب ذلك بسهولة مع أفكار العربي المسلم»، ويضيف واط: «كل الأديان تكره التغير، إن الإسلام يتميز بقدرة هائلة على مقاومة التغير » .

لماذا.. إن جزءاً من السبب يعود إلى اعتقاد العربي البدوي الراسخ الجذور من أن الأمن يكمن في التزام السنة، أو الطريق الذي سار عليه الأسلاف من القبيلة » . وهكذا تبدو صورة العربي هي، هي، منذ القرن السابع وحتى القرن العشرين ! إن ابن القبيلة البدوي المتمسك بالأسلاف، وبالتالي إن العربي ليس أهلاً للنظام الديمقراطي بسبب طبيعته الذاتية.

تثبت صورة أسامة بن لادن والمنتسبين للقاعدة هذه الصورة، تعيد كل صفات العربي_ المسلم إلى الظهور. إن صورة العربي _ المسلم الثابتة هذه، ليست إلا ثمرة للفصل الثقافي الذي يمارسه الغرب استمراراً للفصل العنصري. وعندي أن المشكلة أعقد من أن نتخيل حلها بمجرد الدعاية المضادة، وإبراز حقيقة العربي في بداية القرن العشرين. فهذا الوعي المتمكن من الأوروبي لم تزعزعه حتى الآن تلك العلاقات التي تقوم بين العرب والغرب _ وأمريكا غرب .

بل لابد من جعل هذه المشكلة، مشكلة الفصل الثقافي والصورة المتولدة عنها التي يرسمها الأوربي موضوع نظر فكري فلسفي عربي يصل الآخر الذي يفكر .

إننا ومع الأسف نقع في جملة شروط تحول دون أن يتحول وعينا الفلسفي بالعالم إلى وعي ذي طبيعة عالمية. لماذا أقول: إن الفلسفة قادرة على اختراق الوعي الغربي، لأنها وعي كلي هاجسه الحقيقة، وبالتالي هي الأقدر على تأسيس وعي مطابق بالعالم والثقافات، وهي الأقدر على دحض الفصل الثقافي. إنها الأقدر على النقد الإبستمولوجي للخطاب الأوروبي، وتفكيك الوعي الأوروبي بالآخر العربي _ المسلم .

ولما كانت اللغة العربية حتى هذه اللحظة، أعجز من أن تكون لغة عالمية، ومعرفتها أوروبياً وقفاً على ثلة من المتخصصين المدعوين مستشرقين، فإن ترجمة الوعي الفلسفي العربي إلى اللغات الأوروبية وبخاصة الإنكليزية أمر في غاية الأهمية. ما الدور الذي يمكن أن تقوم به الفلسفة في هذا الإطار؟ فمواجهة الفصل الثقافي الذي يمارسه الغرب لا يمكن أن يكون بفصل ثقافي مضاد يقوم به العالم غير الأوروبي، إن كان ذلك على مستوى الوعي العام أو على مستوى الخطاب، لاسيما أنه في لحظات الصراع الذي تبرز فيه اتجاهات لا عقلانية من كلا الجانبين تسود لغة نحن الأفضل، وخاصة لدى أبناء الحضارات العريقة .

إن الثقافات مختلفة ولاشك في ذلك، وبالتالي لا يمكن الرد على الفصل الثقافي الأوروبي بالقول بوحدة ثقافة البشر على اختلاف انتماءاتهم وتواريخهم. فاختلاف الثقافات واقعة لا مجال لنكرانها، ولا سبيل إلى رفع هذا الاختلاف، بل قل إن ما يوحد البشر أنهم أصلاً يعيشون في حقل الثقافة غير الموحدة. ولكن اختلاف الثقافات لا يقود منطقياً إلى الفصل الثقافي بما هو وعي شعب بتفوقه على شعب آخر، كما لا يقود منطقياً إلى ضرورة أن يفرض شعب ثقافته على ثقافة شعب آخر بحجة التفوق عن طريق الإكراه. والتاريخ شاهد على فكرة الانتشار الثقافي لثقافة أمة أو شعب دون أن تنتج واقعة الانتشار زوال الخصوصية في الثقافة، فالثقافات تتلاءم وتظل كل ثقافة تعزف لحنها الخاص بها، لاسيما في حقل العادات والنظرة إلى العالم. ولاشك أنه كلما ازدادت الاتصالات بين الأمم، ازداد المشترك بينها، ولكن هذا يحتاج إلى زمن ليس باليسير بطء التغير الثقافي .

لقد حول الأوروبي وعيه الثقافي إلى وعي أيديولوجي وهذه هي المشكلة. إنه بهذا حول وعيه الذاتي إلى حقيقة الوعي، من هنا نفهم أن وعي التقدم والعقلانية والحداثة بعامة صار وعياً مغلقاً، وليس من شأن مواجهة الفصل الثقافي أن ترفض مفاهيم كهذه، بل رفض حمولاتها الأيديولوجية الغربية. فإذا كان التقدم مفهوماً يدل على سيرورة المجتمعات ومعياره امتلاك الحرية، فإن أحد أوجه التقدم للعالم غير الأوروبي هو التحرر من هيمنته واستعباده وسلطته وقوته. ففكرة الحرية المتعينة سياسياً واجتماعياً وعلمياً، نزوع إنساني كلي، ولا يمكن حصرها في أمة دون غيرها، ولا يعود حجم امتلاك الحرية إلى طبائع ثابتة لدى هذا الشعب أو ذاك، بل إلى تاريخ وجوده الاجتماعي .

يرسم الأوروبي تاريخاً خاصاً لتعيين فكرة الحرية يبدأ من اليونان أسلافه، وحتى الديمقراطية الراهنة، كما يرسم صورة للاستبداد يبدأ من الدولة الشرقية الاستبدادية وحتى هذه اللحظة من التاريخ المعيش. بهذا المعنى يغدو الفرنسي المعاصر استمراراً لليوناني، والسوري المعاصر استمراراً للأشوري .لقد ساد وهم انتماء الأوربي إلى اليوناني أو اليوناني القديم إلى الأوروبي بوصفه فكرة مسبقة، أقول وهما لأن الحقيقة غير هذا إطلاقاً، فالحضارة اليونانية هي حضارة شرقية بالمعنى التاريخي للكلمة، وثقافة اليونان هي كيف جديد لحضارة الشرق. وبقدرة قادر صار هناك تاريخ خاص بالتقدم الأوروبي يبدأ من ديمقراطية أثينا وينتهي بالديمقراطية الأمريكية. كما صار هناك تاريخ للعقل يبدأ من فلاسفة اليونان، ومازال العقل يجوب أوروبا دون أن يمر بأي حضارة آسيوية أخرى، لا في بابل ولا في مصر ولا في أرض كنعان ولا في دمشق الأموية أو بغداد العباسية .

ببساطة يعي الأوروبي عالمه تاريخاً موصولاً من التقدم والعقلانية وانتصارا للحداثة، فيما تاريخ الشعوب الأخرى دورة من اللاعقلانية والأسطورة والخيال الديني ومن ثم التخلف، على أية حال، إن الخلاف بين الشرق والغرب لا يقوم على حق أحدهما بالتركة اليونانية أو الرومانية، إنما في الوهم المتمكن من الوعي الأوروبي بأنه صاحب شعلة النار في مقابل الغارقين في الطين .

إن الفلسفة بما هي وعي كلي وإجابات على أسئلة كبرى في الوجود والمعرفة والتاريخ دون الوقوع في الوهم، فإنها وسيلة تحرر أصيلة لا تخضع بطبيعتها المنهجية والمعرفية لأوهام عنصرية. فإذا كانت حالة الفصل الثقافي التي تسيطر في أوروبا الآن وتنجب ردود فعل مماثلة لها لدى شعوب أخرى، وتقوم على تصنيف البشر والثقافات، انطلاقاً من ثنائية الأعلى والأدنى، فإن الفلسفة إذ تنطلق من فكرة الإنسان المجرد ثم الاختلاف في تعيناته، تحرر البشر من عقلية الفصل بين الوجود الحقيقي والوجود الزائف للإنسان .

إن الإنسان بوصفه كائناً ناطقاً مدنياً مفكراً حراً حقيقة أولى تنطلق منها الفلسفة بما هي وعي بالوجود الإنسان. إن تعريفاً كهذا للإنسان يوحد ابن عربي وابن رشد وابن خلدون مع ديكارت وهيغل وماركس وساتر. ولأني أتحدث عن مسألة هي الآن خاصة بالوعي الغربي _ الأوربي، حسبي أن أقول: إن أنا أفكر إذاً أنا موجود. كلي ينفي وجود صنفين من البشر: صنف يفكر، فهو إذا موجود. وصنف لا يفكر، إذاً هو غير موجود. بل الوجود لصنف واحد يفكر وتأسيس مساواة البشر على مستوى التفكير خطوة ضرورية لدحض التمايز ، وتراتبية البشر، وإذا كان العقل أعدل الأشياء قسمة بين الناس، فإن تعدد واختلاف منجزات العقل في التاريخ هو الذي يعطي للتاريخ تراثه، ويخلق النزوع نحو معرفة منجزات الآخر. وللاعتراف بالأنا، مهما خلعنا على الأنا من أنماط ذاتية، هو الاعتراف بالآخر بوصفه أنا مساوية، فإذا كانت الأنا فرداً أو جماعة أو أمة، فكل أنا تفرض آخر متعين بالتاريخ، لغة وطموحات وعادات وثقافة وتقنية واقتصاد وسياسة ونظرة إلى العالم إلخ .

وهكذا فالاختلاف أولاً تاريخي محض، والأوربي الذي يؤسس فلسفة الاختلاف وتعيناتها بالديمقراطية والحرية، سرعان ما يتحول إلى شمولي في علاقته بالآخر غير الأوروبي، إذ يحول وعيه وثقافته إلى مثال يقيس عليها الآخر، ويحكم عليه أو يطلب منه أن يعيد إنتاجه، هذا إذا كانت لديه ثقة بقدرة الآخر على إعادة إنتاجه، إنها النزعة الشمولية _ والتي يتأثر بها عدد من أبناء العالم غير الأوربي. ومن الغرابة أن يطلب من أكثر من ثلاثة أرباع البشرية أن تسير وفق السيرورة الأوروبية، وحين يرى الأوروبي أن هذا الكم من البشر يسير على نحو آخر، فإنه يراه انزياحاً عن جادة الصواب وعن سيرورة التاريخ كما يجب أن نكون .

إن جرثومة الاستبداد هذه والتي تطورت منذ بداية وعي التفوق، هي الآن التي تحكم _ سياسياً واقتصادياً _ علاقة الغرب بالآخر. فلا ديكارت ولا استقراء بيكون بقادرين على تفسير زاوية الرؤية الغربية هذه للأنا والآخر، لأنه في كل الأحوال هناك انطلاق من حالة جزئية وليس من حالات إلى رفعها إلى مستوى القانون، وليس هذا فحسب، بل اعتبر الغرب الأوروبي نفسه في لحظة تطوره الآن نهاية التاريخ .

وعندي أن فكرة البداية والنهاية التي ركب عليها العقل الإنساني رغم هشاشتها المعرفية _ العلمية قد انتقلت من حقلها الديني إلى حقل الفلسفة الغربية، ولست أجد فرقاً بين درجة الوعي من هذه الزاوية إلا كمياً، فالغاية المسبقة للتاريخ فكرة ميتافيزيقية، إن هي إلا طموح إنساني ليس إلا. وتنطوي على حكم وجوب لا حكم وجود، فالتصور الطوباوي للتاريخ هو تصور لمملكة السعادة كما يجب أن تكون نهاية التاريخ الإنساني، ونهاية التاريخ الهيغلية التي آلت إلى كوجيف وفوكوياما هي في أقل حدود الحكم عليها _ عودة إلى الميتافيزيقيا، ولكن هذه المرة في صورة فجة، حيث صنف من البشر يحددون نهاية التاريخ .

ونهاية التاريخ عند ماركس في الشيوعية أمل أخلاقي، لكنه ذو جانب إنساني، حيث البشر يتحررون من كل صفوف الاضطهاد، إنها الجنة الموعودة على الأرض، ورغم أسطورية الوعي الديني في تصوره للنهاية، فإنه أكثر التصاقا بالتاريخ من هذا التصور الأوروبي. ويعني ذلك، أن النهاية ليست إلا مشيئة إلهية، في اليهودية والمسيحية والإسلام _ فالإله يختار لحظة النهاية ليقيم محكمة العقاب والثواب والعالم الأبدي غير الأرضي، فيما الأرض ستظل سائرة دون توقف بكل غناها وثرائها إلى حين يقرر الإله الساعة .

أن الأوروبي قد نقل مشيئة الإله إلى مشيئة الإنسان الأوروبي الذي قرر أن أوربا الراهنة نهاية التاريخ، وهكذا حول التاريخ بوصفه نهاية الدنيا على هذه الأرض ونهاية يحقق ذروة أرض التاريخ. وفي الوقت الذي تقوم به نهاية التاريخ الدينية، يدور الفكرة الأخلاقية التي تذكر الإنسان بضرورة الامتثال لأوامر الله الأخلاقية حتى يفوز بحياة أبدية سعيدة، تعزز فكرة نهاية التاريخ الأوربية من فكرة البقاء للأقوى . إن فكرة النهاية مناقضة للفلسفة بما هي دحض للنفي ودحض للأفكار التصورية القائمة على أوهام. ولهذا فإن لا نهائية سيرورة التاريخ بوصفها ثمرة لا نهائية فاعلية الإنسان هي الحقيقة التي يمكن التدليل عليها، وفي اعتقادي أن المأثرة الأكبر للوجودية من حيث هي فلسفة الإنسان يكمن في إقرارها بأولية الوجود على الماهية، لا بفضل تأكيدها حرية الإنسان اللانهائية فحسب، بل بسبب لانهائية التعيين الإنساني، فإذا ما نقلنا هذه العلاقة بين الوجود والماهية إلى حقل الأنا _ الأمة أو الشعب أو الإنسانية _ فإن الثقافة هنا تبدو هذا التعين الذي لا ينفذ للوجود الإنساني، فالثقافة بوصفها شكل تعين الوجود الإنساني، فإنها ماهية لا تنفك تتجاوز نفسها على نحو دائم .

في تصور كهذا لعلاقة الوجود الإنساني بالثقافة تدلل الفلسفة على هشاشة وسؤال مثل السؤال السائد الآن صراع بين الثقافات أم حوار؟ ففكرة صراع الثقافات أو الحضارات فكرة سياسية وليست فلسفية، يجري بشكل تعسفي تحميلها طابعاً فلسفياً عاماً. كما أن الرد على فكرة صراع الحضارات بفكرة الحوار بينها هو الآخر رد سياسي من قبل المستضعف .

وما الفكرة المنتشرة وراء صراع الحضارات إلا فكرة الهيمنة والقوة والدفاع عن مصالح الغرب التي حققها العالم كله. وحين طلب صموئيل هنتنغتون من الغرب أن يتخلى عن وهم الكلية، ويبادر إلى الدفاع عن قوة وتناغم وحيوية حضارية في عالم مأهول بعدد من الحضارات. فإنه ما كان ليقصد بتحرير الثقافة الأوروبية من وهم الكلية والاعتراف بمساواة الثقافات الإنسانية في تطروها الحر، بقدر ما كان يطلب من الغرب الوحدة تجاه العالم غير الأوروبي، وقد كان صريحاً في ذلك حين كتب يقول: «مر الغرب بمرحلة أوروبية من التطور والتوسع دامت عدة قرون، وبمرحلة أمريكية ظلت طاغية على هذا القرن، وإذا قامت أمريكا الشمالية وأوروبا بتجديد حياتهما الأخلاقية والمعنوية ببناء صرح شراكتهما الثقافية وبتطوير أشكال أوثق من الاندماج الاقتصادي والسياسي لاستكمال تعاونهما في الناتو، فإنهما يستطيعان اجتراح مرحلة أورو _أمريكية ثالثة من الوفرة والنفوذ السياسي الغربيين » .

إن ترابطاً يقوم بين الثقافة والناتو لهو أغرب ترابط بين أمرين، الثقافة بما هي شكل الوجود الإنساني المتعين بأشكال متعددة من الوعي والعادات والتقاليد.. إلخ. والناتو بما هو حلف عسكري للتحكم بالعالم، والحق أن الصراعات المحلية أو العالمية التي شهدتها البشرية وستشهدها حتماً، لا علاقة لها إطلاقاً بصراع الثقافات. فالسلطة والقوة والثروة والنفوذ و السيادة هي الأسباب الحقيقية وراء الصراع، والفلسفة إذ تكشف عن أسس الصراعات التاريخية، فإنما تحرر الثقافة من أن تكون وسيلة من وسائل تبرير هذه الصراعات .

أما مسألة حوار الحضارات فهي لا تقل أيديولوجية عن صراعها، إن التاريخ يدلل على أن الحركة الموضوعية في انتقال آراء وأفكار وعادات ثقافة ما إلى ثقافة أخرى محكومة بحاجات هذه الأخيرة، وليس بحوار بين ثقافتين. إن وضع هذه المسألة في إطار فلسفة التاريخ يحررها من أوهام الوعي العاجز، ذلك أننا في تاريخ الإنسانية نشهد حركة تقوم بها الأمم الصاعدة بامتلاك ارث أمم أخرى دون أي إحساس بالدونية أو الغضاضة، من تحولها إلى جزء لا يتجزأ من ثقافتها الصاعدة، بحيث لم نعد ندري إلى ما يعود إليها أو ما يعود إلى غيرها .ففي لحظة قوة الحضارة الغربية _ الإسلامية _ لم يجد الكندي حرجاً من القول بأنه علينا أن نأخذ الحقيقة من أي كان سواء أكان مشاركاً لنا في أملة أو لا. وردد هذا القول ابن رشد فيما بعد. ولكن التاريخ الموصول من تحطم الإرادة الوطنية منذ نهاية القرن التاسع عشر وحتى الآن، تمنع من أن تتحول الثقافة الأوروبية إلى حالة متماهية مع الثقافة القومية للأمم المستضعفة. ومن هنا ندرك فداحة حالة الانفصال القائمة الآن في الثقافات غير الأوروبية. وإذا كان المقصود بالحوار هو العلاقة المتكافئة بين الذين يحاول كل منهم أن يكسب من الآخر، فهذه ظاهرة لم يعرفها التاريخ أبداً. بل إن الذين يدعون للحوار من كلا الطرفين ينسون أن الحوار مستحيل في ظل الفصل الثقافي الذي يمارسه الغرب ذاته .

المسألة كيف السبيل لنقد الغرب نقداً فلسفياً، وكيف السبيل لإيصال وعينا به ووعينا بذاتنا إليه. إن نقد الفلسفة لأيديولوجيا الفصل الثقافي، أو للنزعات الأيديولوجية المسبقة التي تفسد النص الفلسفي الغربي، كفيلة بأن تسهم ليحررنا جميعاً من الأوهام والصور الزائفة عن بعضنا البعض، تلك الأوهام التي تراكمت عبر مئات السنين سواء في الغرب أو في الشرق .

إن الفلسفة لا تستعجل النتائج، ولكن ليس أمامها إلا أن تسعى لكشف الحقيقة من جهة، وللدعوة إلى عالم أفضل، إلى الحد الذي نطرح فيه العالم كما يجب أن يكون .

ها أنا قد أبرزت الصورة التي رسمت في الغرب عنا، تأسيساً على الفصل الثقافي الذي يمارسه الغرب، ولكن الفلسفة إذا ما أرادت أن تستكمل جهدها في التحليل، عليها أيضاً أن تبحث في شروطنا الموضوعية التي ساهمت أيضاً في إعطاء صورتنا هذه السمات. وعندي أن العرب ليس هو المسؤول وحده في ذلك، وإنما حضور النظام السياسي اللامعقول والمناقض لروح العصر في وطننا العربي .

من هنا نفهم لماذا تبدو صورتنا في الغرب على شاكلة صورة حاكمنا ، فعالم الاستبداد الذي نعيش يشوه حياتنا كلها، ويعيدنا إلى مرحلة أدنى مما كان يجب أن نكون، إنه يقف عقبة أمام تكون المواطن الحر، الذي وحده قادر على أن يهشم صورته القبلية المتكونة لدى الآخر .

فإذا كان النظام السياسي العربي نظاماً غير معقول، فإنه يسعى ليحول كل حياتنا غير معقولة، وبالتالي إن اغتراب العقل لا يخلق إلا سيادة الهمجية، وليس في لأمر ما يدهش. فلما كان الأصل في الإنسان المعاصر أنه كائن حر أو يسعى لحريته، فإن سيادة سياسة الترويض تحول البشر كلهم إلى كائنات غير إنسانية، ومن الطبيعي أن يكون رد فعلها أحياناً لا إنسانياً، فتبدو صورتنا إرهابية بامتياز، ويجري الكشف عن عنفنا اللامعقول في المعتقد الديني، كي يتحول عنفنا إلى مكون أساسي لا سبيل إلى تجاوزه، تتناسى السياسي، ويتناسى سوط المروض، وتلصق بالعرب صورة العنيف الذي يختزن في داخله إلهاً عنيفاً .

لا ينظر أبداً إلى انتماء النظام السياسي إلى قرون غابرة في صورته وممارسته، آنفاً عن المجتمع وفي تناقض معه. ولا ينظر إلى أن نظاماً كهذا من مصلحته أن يعيد الأمة إلى مستوى من التطور يبقى معها قادراً على البقاء، وهكذا، يحصل الغربي على ضالته المنشودة : نظام خارج روح العصر، ويتقطر منه القديم في الممارسة، ورد فعل عنفي ضده ، باسم الماضي أيضاً، فتبدو صورة الحاكم والمحكوم متشابهة، ولا فرق إلا بالدرجة والوظيفة .

وإذا كان الغرب راض على صورة الحاكم، فهذا لأنه لا يريد للمحكوم أن ينال حريته، وهو إذ يرفض المحكوم في صورته، لأنه لا يريد أن يواجه قوى قد تدفعه ثمناً باهظاً ، وفي كل الأحوال، لا يريد لهذه الصورة أن تتغير، وهو يدرك أن الوطن يختزن في داخله النقيض المتقدم .

إن الفلسفة وهي تكشف عن حالنا، وتفض واقعنا، تسهم مرة أخرى في تعرية العالم الراهن، وترسم صورة المواطن الممكن الذي إذا ما سار على طريق الحرية عاد إنساناً أو عادت إليه إنسانيته، وبالتالي تبددت صورته المأسورة في لوحة رسمها في كل الأحوال مستبد من الداخل والخارج .

عن د. أحمد برقاوي

د. أحمد برقاوي

شاهد أيضاً

محاكمة السياسة للأدب

في القرن الماضي، سُجلت سابقتان مشهورتان من محاولات السياسة محاكمة الفن والأدب، هما الجدانوفية والمكارثية، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *