وجه. قصة قصيرة

أليس مونرو

ترجمة محمود الصباغ

لديّ شك يكاد يتحول إلى يقين أن أبي نظر إليّ. فرآني على صورتي الحقيقية، ربما لمحني مرّة واحدة يتيمة، غير أنه أدرك حينها حقيقة الأمر. في زمن مضى، لم يكن مسموحاً للآباء الاقتراب من غرف المخاض، حيث تنهمك النسوة إما في الصراخ بصوت عالٍ أو كتمان أوجاعهن. وعوضاً عن ذلك سمح لهم المراقبة بعد إفاقة الأمهات وتمديدهن على أسرة قسم النساء متدثرات ببطانيات زاهية، عقب تنظيفهن، وقد تتشارك عدة نسوة الغرقة عينها،  أو تحظى الواحدة منهن بغرفة خاصة، وهو ما نالته أمي بفضل مكانتها في البلدة. ولعل هذا الأمر صب في مصلحتها حقيقة، بالنظر إلى مآل الأحداث لاحقاً.

لا أملك يقينا إن كان أبي قد رأى أمي قبل وقوفه في الخارج أمام نافذة غرفة الحضانة لاستراق النظر إلي أو بعده. وأظنه قام بذلك لاحقاً، وما هو أكيد شعورها بغضب، تجهل سببه، حين سمعت وقع خطواته خارج باب غرفتها؛ فها هي قد أنجبتْ له ولداً في نهاية المطاف، وهو أمر يُفترض أن يكون موضع ترحيب جميع الرجال. ولكني أعرف بالضبط ما قاله لها آنذاك، أو ما أخبرتني بما قاله: “يا له من ولد، يشبه قطعة كبد مفروم.. إياك ومجرد التفكير في إحضاره معك إلى البيت”.

كان أحد جانبي وجهي طبيعياً وكذلك بقية أجزاء جسمي من أصابع القدمين إلى الأكتاف. قارب طولي ذراعاً ووزني نحو أربعة كيلوغرامات، ويمكن القول إني وليداً ذكراً ضخماً ناعم وفاتح البشرة، رغم أني مازلت أبدو أحمر اللون بعض الشيء إثر رحلتي الأخيرة للخروج من رحم أمي. لم تكن تلك الوحمة على وجهي حمراء، بل أرجوانية، وقد استحالت إلى اللون الداكن في طفولتي المبكرة ويفاعتي ثم بدأت بالتلاشي مع تقدمي في العمر، دون اختفائها تماماً، بل تحولت إلى حالة غير واضحة المعالم مما أفقد وجودها أي أهمية، ولم تعد أول ما يلفت انتباه الناس في وجهي حالما ينظروا نحوي.

لطالما جذبت وحمة وجهي انتباه الناظرين، فأبدوا أمامهم- لاسيما من الجهة اليسرى- مثل شخص اندلقت عليه كمية كبيرة من عصير عنب تسيل قطراته لتصل رقبتي. ورغم إحاطتها بأنفي وامتدادها نحو أحد جفوني، يعمر ها العصير جفناً واحداً فقط، وأنفي بطبيعة الحال، ما يمنحني  شعوراً  كأنني أتنفس ذلك العصير. وكثيراً ما رددت أمي على مسامعي عبارات سخيفة تقصد بها مواساتي؛ كقولها “انظر!.. كيف تجعل هذه الوحمة بياض عينك يبدو جميلاً وصافياً”.. كانت تتعمد تشجيعي ومنحي الرضا عن نفسي. كان لكلامها عظيم الأثر عليّ، إذ آمنت حقاً بقولها رغم اختباء وجهي وراء تلك الوحمة.

بالطبع، عجز والدي عن منعي من العودة رفقة أمي إلى المنزل. وتسبب حضوري ووجودي في إحداث شرخ مرير بينهما، رغم صعوبة تصديقي انعدام أي شقاق سابق، بعض من سوء أو عدم التفاهم مثلاً، أو على الأقل، نوع من الإحباط الثقيل البارد. كان والدي ابن رجل غير متعلم يمتلك ورشة دباغة ومنشأة لصنع القفازات. كان الرخاء قد بدأ في الانحسار تدريجياً مع تقدم القرن العشرين، مع بقاء المنزل الكبير الذي بناه جدي قائماً، والطباخ والبستاني كذلك. والتحق أبي  بالجامعة، وانضم هناك إلى جمعية طلابية، وعاش أياماً جميلاً وأوقاتاً ممتعة، ليلج سوق العمل في شركة تأمين إثر أغلق مصنع القفازات. كان في الحقيقة شخصية محبوبة ويتمتع بشعبية واسعة في بلدتنا كما كان في الكلية.

وأجاد لعب الغولف بمهارة، كما حزي بموهبة في الإبحار كذلك. (آه.. نسيت ذكر عيشنا على أحد السفوح المطلة على بحيرة هورون، في منزل مشيد على الطراز الفيكتوري يطل على جهة الغروب). وبدا أبي في عيون أهل البلدة بتلك الصفات المشرقة التي ذكرتها، بينما تجلت أبرز صفاته داخل المنزل بقدرته الرهيبة على الكراهية والازدراء. وغالباً ما ترافقتا معاً، فقد كان يكره بعض الأطعمة ثم يعبر عن ازدرائه لها، وينسحب الأمر عينه على ماركات السيارات وأنواع معينة من الموسيقا وبعض آداب الكلام مثلاً وأنماط الملابس وطرقها، وبعض الممثلين، لاسيما الكوميديين الإذاعيين، ليطال كرهه وازدرائه، فيما بعد، شخصيات ونجوم التلفزيون؛ إضافة إلى التشكيلة المعتادة في أيامه من الشعوب والأعراق والطبقات الاجتماعية (رغم عدم إظهاره ذلك بمستوى كرهه واحتقاره لبقية الأشياء).

ولم تلق أفكاره وآراؤه اعتراضاً بين سكان البلدة، ورفاقه في رحلاتهم البحرية وزملائه القدامى في الجمعية الطلابية؛ بل أثار عنفه امتعاض من حوله، وخلق عدم الارتياح لهذه الخصلة إعجاباً لديهم.. “يسمي الأشياء بأسمائها” دون مواربة، هذا ما كان يقال عنه.. ويمثل إنتاج شخص مثل أبي لشخص على شاكلتي إهانة بالغة له اضطر لمواجهتها كلما فتح باب منزله. فبات يتناول إفطاره بمفرده، ونادراً ما يعود إلى البيت وقت الغذاء، أو  لعله انقطع عن تناوله في البيت كلياً. كنا نأكل أنا وأمي وحدنا، حتى أنها كانت تأكل وحدها في بعض الأوقات، وأحيان قليلة معه. ولا أخطأ ظناً بحدوث خلاف بينهما حول ها الأمر. فصارت تجلس معي أثناء تناولي الطعام، ثم تمضي إليه لتتعشى معه. وأسهم حضوري على نحو جلي في تعكير صفو علاقتهما الزوجية.

لا شك عندي في وجود فوارق شاسعة بين أبي وأمي، وكثيراً ما تساءلت كيف التقيا؟ فأمي لم تذهب إلى الجامعة قط. كان عليها، في ذلك الوقت، اقتراض بعض المال كي تلتحق بمدرسة تأهيل المعلمين. واختلفت شخصيتها عنه كثيراً؛ فكانت تخاف العوم والإبحار، ولا تجيد لعب الغولف، ورغم تمتعها بجمال معين كما أخبرني البعض (إذ من الصعب الحكم على جمال أمك بنفسك)، لم يناسب مظهرها ذائقة أبي أو يثير إعجابه. وأعرف ذلك لسماعي إياه  يصف بعض النساء بـ “جميلات”، أو “دمى: كما اعتاد القول لاحقاً.

تجنبت أمي وضع أحمر الشفاه، وخلت حمالات صدرها من الحيوية التي تترك انطباعاً قوياً، وكانت تضفر شعرها على هيئة تاج ضيق يبرز جبينها الواسع الأبيض. ونأت معظم ملابسها عن التأثر بالموضة الدارجة، وبدت عادية وغير لافتة للنظر لافتقارها إلى تلك اللمحة التي تساعدها في اختيار ما يناسبها؛ لقد كانت تنتمي إلى ذلك النوع من النساء اللاتي يمكن تصورهن وهن يرتدين طوقاً من اللآلئ الجميلة، رغم اعتقادي أنها لم تفعل ذلك قط.

قد يبدو ما أقوله، فيما أظن، ذريعة، وربما نعمة بدرجة ما، في أن وجودي منحهما طبقاً شهياً جاهزاً من الشجار الدائم، فأصبحتُ مشكلتهما المستعصية التي لا حل لها ولا حتى ترميم وهذا ما جعلهما يعودان إلى المربع الأول من اختلافاتهما الطبيعية، ولعل هذا جعلهما يشعران ببعض الراحة أيضاً.

وطوال تلك السنوات التي قضيتها في البلدة، لم أشهد حالة طلاق واحدة، لذا أفترض وجود أزواج آخرين عاشوا حيوات منفصلة تحت سقف واحد؛ رجال ونساء تقبلوا حقيقة استحالة غفران كلمات أو أفعال معينة، فغدت حواجز أبدية يستحيل زوالها.

ونتج عن ذلك -بلا غرابة في حكاية كهذه- أن تسير الأمور بطرق معروفة، كما هو حال قصة والديّ. وهكذا، كان يدخن بشراهة ويفرط في الشرب كثيراً… أكثر من اللازم، شأن معظم أصدقائه، مهما تباينت ظروفهم، إلا أن وضعه لم يكن جيداً ولم يقو على الصمود طويلاً فأصيب بجلطة دماغية وهو لايزال في الخمسينات، وتوفي بعد عدة أشهر قضاها فراشه.

لم يكن الأمر مفاجئاً أيضاً أن تكون أمّي هي من يشرف على تمريضه ورعايته خلال فترة مرضه، وأصرت على بقائه في المنزل، وعوضاً عن إظهار الرقة والامتنان لنبلها وعطائها، نعتها بأقذع الألفاظ والعبارات البذيئة والمزعجة، كانت كلماته ثقيلة الوقع وتزداد شدة وقسوة تحت وطأة محنته ووضعه الصحي، لكن هذا لم يمنعها في رعايتها له، لقد كان الأمر على غاية من الوضوح لهما على الأقل، وهذا ما جعله يشعر ببعض، إن لم نقل بكل، المتعة والارتياح.

في يوم جنازته، توجهت نحوي امرأة ذات شعر أبيض وقالت: “أمك قديسة”؛ لم أشعر بمودة نحوها إطلاقاً.

كنت في ذلك الوقت في سنتي الجامعية الثانية. ولم أكن قد انضممت، أو بالأحرى دعيت للانضمام إلى الجمعية الطلابية التي كان أبي عضواً فيها. كان أصدقائي يخططون لمستقبل يكونون فيه كُتّاباً وممثلين، كانوا حينها ظرفاء وبارعين في ملئ أوقاتهم، كانوا نقاداً اجتماعيين شرسين، وملحدين حديثي العهد. كل هذا يجعلني لا أكن احتراماً من أي نوع للأشخاص الذين يتصرفون كالقديسين. ولكي أكون صادقاً، لم يكن هذا هو ما أرادته أمي. فهي بعيدة كل البعد عن الأفكار التقية والتدين إلى درجة امتناعها عن الطلب مني، في أي من زيارتي للمنزل، دخول غرفة أبي  ومحاولة مصالحته بكلمة. كلا لم تكن أمي ساذجة ولا حمقاء على كل حال.

لقد كانت مخلصة لي،  وتفانت في رعايتي وكرّست حياتها من أجلي -ليس ثمة كلمة أخرى يمكنها وصف حالتنا، ولكنني أعتقد أنها الكلمة الصحيحة- نعم لقد كرست حياتها من أجلي، وحتى سن التاسعة كانت هي معلمتي، قبل أن ترسلني إلى المدرسة. يبدو هذا الأمر كأنه وصفة مثالية للكارثة. الفتى المدلل ذو الوجه الأرجواني الذي يمسك يد أمه، يجد نفسه فجأة وسط أجواء السخرية وحالات التعنيف والتنمر والاعتداءات القاسية من وحوش صغار.

لكن المدرسة لم تكن على تلك الدرجة من السوء، فلم أواجه أو أعاني من أيام قاسية، وأجهل السبب حتى اليوم.

ربما ساعدني طول قامتي وقوتي، مقارنة بأقراني، بعض الشيء. وأعتقد أن الجو المشحون في منزلنا، ذلك المناخ من سوء المزاج والعنف والاشمئزاز النابع من أبي الغائب دائماً، كل هذا يجعل أي مكان آخر خارج المنزل بمثابة فردوس لي.

لم يبذل أحد جهداً ليعاملني بلطف أو يساعدني بمسألة ما.  لقد كانوا يلقبوني “مُكسرات العنب”. لكن هذا اللقب ليس على تلك الدرجة من السوء، فقد كان هناك لقب لكل شخص تقريباً، وعادة ما يكون لقباً مستهجناً ومهيناً؛ وأتذكر صبياً لديه رائحة كريهة في قدميه لم ينفع حمامه اليومي معها، فكان يتقبل برحابة وسرور لقب “النتن”.

تعايشت مع هذه الأمور. وكنتُ أكتبُ رسائل طريفة لوالدتي، وكانت ترد عليها بنوع من الطرافة أيضاً، وكانت تناقش الأمور التي تدور في البلدة والكنيسة بنبرة ساخرة وتهكم عالي -ومازلت أتذكر وصفها للصراع الذي كان يدور حول الطريقة الصحيحة لتقطيع السندويشات في حفلات شاي السيدات- وحتى أنها استطاعت أن تبدو مضحكة ولكن ليس بذات المرارة عندما يدور الحديث عن أبي، الذي كثيراً ما كانت تشير إليه بـ “صاحب الجلالة”

ها أنا قد أقحمت والدي في سرديتي الآن لأصوره وحشاً وجعلت أمي المنقذ والحامي، وأعتقد أن هذا الوصف صحيحاً. ولكن، حتى قبل ذهابي إلى المدرسة، لم يكن هما الشخصين الوحيدين في قصتي، ولم يكن جو المنزل هو الجو الوحيد الذي عرفته. فما أعتبره “الدراما الكبرى” في حياتي كان في الواقع بطله شخصاً آخراً. وهي حقاً دراما كبيرة، وأشعر بالحرج الشديد حين أكتب ذلك، وأتساءل إن كان يبدو الأمر ساخراً بطريقة رخيصة وغير متقنة أو مبالغ فيها بما تحمله من تضخيم مضجر للذات. غير أني أرى الأمر بصورة مختلفة.

أليس من الطبيعي بالنسبة لي رؤية حياتي بهذا الشكل وتلك الطريقة، وأتحدث عنها بهذا الأسلوب، بالنظر إلى المهنة التي اخترتها؟

اخترت مهنة التمثيل.. هل هذا مستغرباً؟.. نعم، لقد أصبحت ممثلاً. بطبيعة الحال، كنت قد تعاملت أثناء دراستي في الكلية، مع أشخاص يعملون في المسرح، وعملت في سنتي الأخيرة على إخراج مسرحية. وقد ظهرت نكتة تداولتها الألسن في الجامعة، وفي الحقيقة كنت أنا من أطلقها، وهي أدائي للأدوار بإخفاء ملامحي دائماً وإبقاء جانبي السليم مواجهاً للجمهور والسير إلى الخلف عبر خشبة المسرح عند الضرورة. لكن، في الواقع، لم تكن هناك حاجة حقيقية لمثل هذه الحركات المبالغ فيها بعض الشيء.

في تلك الأيام، كان هناك عروض مسرحية منتظمة تعرض في الإذاعة الوطنية، وبرنامج طموح بشكل خاص في أمسيات الأحد. مقاطع تمثيلية من أعمال شكسبير وإبسن. كانت طبيعة صوتي مرنة، وقد تحسن بعض الشيء بقدر ضئيل من التدريب. وحصلت على أدوار صغيرة في البداية. ولكن مع انتشار التلفزيون، بدأ ينتظم ظهوري على الشاشة كل أسبوع تقريباً، وأصبح اسمي معروفاً لدى جمهور مخلص، وإن كان ليس كبيراً تماماً.

وما إن انتهت مسيرتي التمثيلية حتى كان صوتي قد تحسن بصورة جيدة، فاسعفن في الحصول على وظيفة مذيع، أولاً في وينيبيغ، ثم في تورنتو.

وطوال عشرين عاماً من حياتي المهنية، كنت مضيفاً لبرنامج موسيقي متنوع يقدم في فترة ما بعد الظهيرة على مدار الأسبوع. لم أختر الأغاني بنفسي، على عكس ما كان يعتقد الناس في كثير من الأحيان.  لم يكن لدي قدرات تقويمية عالية للموسيقى. لكنني استطعت نحت شخصية إذاعية راقية ومقبولة نوعاً ما، غريبة الأطوار قليلاً، لكنها لطيفة. وكنا نتلقى العديد من الرسائل من جهات مختلفة، من دور المسنين ومؤسسات المكفوفين، ومن سائقين الشاحنات على الطرق الخارجية الطويلة الرتيبة، ومن ربات البيوت اللواتي يجدن أنفسهن وحيدات في منتصف النهار وهنّ يقمنْ بإعداد الخبز وكي الثياب، وحتى من المزارعين أثناء حراثة حقولهم الواسعة في أرجاء البلاد.

وعندما تقاعدت، انهال عليّ دفق هائل من الإطراء؛ فقيل الكثير عن شعورهم بفقدانهم صديقاً مقرباً أو فرداً من العائلة. ما قصدوه هو أن قدراً من وقتهم كان ممتلئاً بطريقة صادقة وحميمية، خمسة أيام في الأسبوع. لم يشعروا خلالها بالوحدة، ولهذا كانوا ممتنين حقاً ويشعرون بالحرج في ذات الوقت. ومما يثير دهشتي أنني شاركتهم عواطفهم تلك. وشعرت بشعورهم، و كنت حريصاً على عدم البكاء وأنا أقرأ بعض الرسائل على الهواء.

ورغم هذه الحيوية وتلك الحميمية، لم أصدّق نفسي أن البرنامج بقضه وقضيضه تلاشى وغاب من طيات ذاكرتي بهذه السرعة، ربما يعود هذا، والحق يقال، إلى تشكل انتماءات جديدة عندي عوضت ذلك. وهذا ما دفعني إلى قطع صلتي بذلك الجزء من الماضي، فرفضت ترأس المزادات الخيرية أو إلقاء خطب النوستالجيا الثقيلة، وكانت والدتي قد توفيت قبل بضع سنوات، بعد أن عاشت عمراً مديداً، لكنني لم أفكر في بيع منزل العائلة، بل قمت بتأجيره.

وأبدو الآن كأني مستعد لبيعه، ولهذا أشعرت المستأجرين بضرورة إخلائه.

قررت العيش هناك لبعض الوقت، ريثما يتم الانتهاء من ترتيب المكان -لا سيما الحديقة-. وكشخص ناضج، لم أكن أعيش وحيداً، فقد كان لدي أصدقائي ومعارفي بالإضافة إلى جمهوري، وكنت أعرف بعض النساء أيضاً. وبعضهن يتخصصن، بالطبع، بنوع من الرجال الذين يعتقدون بحاجتهم  إلى من يشد من أزرهم -وهن يتطلعن إلى التباهي بإظهار رعايتهن كعلامة على سخائهن. والمرأة الأقرب لقلبي آنذاك كانت موظفة استقبال في المحطة، وهي شخصية لطيفة وعاقلة، تعيش بمفردها مع أطفال أربعة. وثمة علامات عدة كانت تشير إلى انتقالنا للعيش معاً ما إن يكبر طفلها الأصغر، لكن طفلتها التي مازالت في سن المراهقة اكتشفت أنها حامل حتى دون مغادرة منزل أمها، وهكذا، وبطريقة ما تضاءلت توقعاتنا وكذلك علاقتنا. كنا نتبادل الأحاديث الهاتفية، بعد أن تقاعدتُ وانتقلتُ للسكن في بيتي القديم، وقد دعوتها لزيارتي كلما سنح لها الوقت، ولكن، وبصورة مفاجئة أخبرتني أنها ستتزوج وستنتقل إلى إيرلندا، في الحقيقة فاجأني الخبر لم أستطع تمالك نفسي أو التفكير بصورة صحيحة لأسألها عما إذا كانت الابنة وطفلها سيذهبان معها أيضاً.

المهم.. كانت حديقة المنزل في فوضى لا توصف، فالنباتات المعمرة ما انفكت تنمو متناثرة بين الأعشاب، وتنتشر أوراق نباتية ممزقة وكبيرة أشبه بالمظلات باتجاه مسكبة عشبة راوند الحدائق القديمة والتي يبلغ عمرها ليس أقل من ستين أو سبعين عاماً، ولا تزال نصف دزينة من أشجار التفاح تحمل ثماراً صغيرة مليئة بالديدان الشرهة من نوع لا أتذكر اسمه. ومع أني لم أقم سوى بتنظيف جزء صغير من الحديقة إلا أن أكوام الأعشاب والأغصان التي جمعتها كانت من الضخامة بحيث شكلت ما يشبه تلالاً صغيراً. وفوق كل هذا، يجب أن أدفع أجرة ترحيلها، فلم تعد سلطات المدينة تسمح بإشعال النيران في الهواء الطلق.

فيما مضى كان لدينا من يعتني بهذه الأمور، عامل بستاني يدعى “بيت”، وقد نسيت اسمه الأخير. كان يجر ساقه خلفه ورأسه منحنياً أمامه. لا أعرف ما إذا كان قد تعرض لحادث أو أصيب بجلطة دماغية. كان يعمل ببطء ولكن بجد وكان يبدو على الدوام بمزاج سيء وعصبي كثيراً أو قليلاً. كانت تخاطبه أمي باحترام زائد وبصوت خفيض هادئ، لكنه كثيراً ما كان يستخف من مقترحاتها بشأن ترتيب أحواض أزهار الحديقة.

كان “بيت” هذا يكرهني لأنني كنت كثيراً ما كنت أركب دراجتي ذات العجلات الثلاثة في أماكن غير ملائمة لا ينبغي التواجد فيها، ولأنه كان يعرف على الأرجح أنني كنت أطلق عليه لقب (“بيت” المخادع). في الواقع كنت أناديه همساً بهذا الاسم، ولا أعرف من أين أتتني فكرة اللقب، لعله من قصة مصورة؟

هناك سبب آخر محتمل لاستمرار كراهيته الشديدة لي، والغريب في الأمر أنني لم أفكر به من قبل. كان كلانا يحمل عيوباً خلقية، كنا ضحايا عيوبنا الجسدية. ربما سينظر لنا الآخرون على أننا متحدين معاً كوننا أصحاب قضية واحدة مشتركة، ولكن كما يحدث في كثير من الأحيان لا يتضامن الضحايا مع يعضهم البعض. قد يذكّر كل واحد منهم الآخر بشيء يرغب في نسيانه. لكن لست واثقاً ما إذا كان هذا الأمر ينطبق عليّ.

كانت أمي قد رتبت الأمور بطريقة تجعلني غير مدرك لحالتي في معظم الأوقات. وزعمت أنها كانت تدرسني في المنزل بسبب مرض أصاب جهازي التنفسي وبالتالي حاجتي إلى الحماية من الجراثيم المعدية في بيئة المدرسة. ولا أعرف ما إذا كان أي شخص آخر غيري سوف يصدق روايتها. أما بالنسبة إلى عدائية والدي، والتي كانت ترخي بظلالها على حياتنا لدرجة أنني لم أشعر حقاً بالأمان وكنت طوال الوقت أظن إني مستهدفاً.

وهنا، وسوف أكرر ما قلته سابقاً على سبيل التذكير والأهمية، يجب التأكيد على تصرف أمي السليم. ولا شك أن التركيز على حالتي كان الشيء الوحيد اللافت للنظر ولا مفر من وجود تحريض وتحالف ضدي سوف أناله منذ صغري. لكن الأمور اختلفت الآن، والخطر على طفل مصاب مثلي سيكون في تلقي الكثير من الاهتمام والجلبة المفرطة من اللطف الاستعراضي، وليس السخرية والعزلة. ولكن كما عرفت أمي الأمور على الأرجح، المعيشة في تلك الفترة استمدت حيويتها وذكائها وفولكلورها من الشراسة الصرفة والتجرد القاسي. وللتأكيد على ذلك دعوني أخبركم بما يلي:

قبل عقدين من الزمان -وربما أكثر- كان في حديقة بيتنا مبنى آخر عبارة عن كوخ صغير كان  يضع فيه “بيت” أدواته وبعض الأغراض والأشياء المختلفة التي كان لها قيمة وفائدة لنا فيما سبق، كنا نخزنها هناك إلى حين اتخاذ قرار بشأن التصرف بها.

هدم الكوخ بعد وقت قصير من استبدال “بيت” بزوجين شابين نشيطين، جيني وفرانز، اللذين أحضرا معداتهما معهما في شاحنتهما. وفي وقت لاحق عملا في زراعة محاصيل البستنة التجارية، ولكن في وقت عملهما لدينا، كان بإمكانهما استخدام أطفالهم اليافعين لقص العشب، ومع الوقت أيضاً فقدت أمي الاهتمام بأي نشاط آخر. ولكن، لنعد إلى المبنى -انظروا كيف ألف وأدور حول هذا الموضوع- فقد سكنه، قبل أن يصبح مجرد مكان للتخزين، العديد. ففي البداية سكن زوجان من آل بيلز، وكانا يعملان في المطبخ ويعلمان جدي بعض فنون الزراعة. كان لدى جدي سيارة من نوع باكارد لم يتعلم قيادتها قط. وفي مرحلة تالية اختفت السيارة الباكارد واختفى آل بيلز كذلك، ولكننا بقينا نشير إلى المكان باسم “كوخ بيلز”.

وسكن كوخ بيلز، خلال سنوات قليلة في طفولتي، امرأة تدعى شارون سوتلز مع ابنتها نانسي. كانت قد أتت إلى المدينة مع زوجها، وهو طبيب يفتتح عيادته لأول مرة، وفي غضون عام أو نحو ذلك، توفي بسبب تسمم الدم. فبقيت زوجته في المدينة مع طفلتها كما قيل “بلا عائلة/ مقطوعين من شجرة”، بلا مال ولا معيل يمكنه مساعدتها أو يؤمن لها ولابنتها مأوى. حصلت شارون، في وقت ما، على وظيفة في مكتب التأمين الذي يعمل فيه والدي، وانتقلت للسكن في كوخ بيلز. لست متأكداً متى حدث هذا. كم كان عمر نانسي عندما عرفتها لأول مرة؟ هل كان عمرها  ثلاثة أو أربع سنوات؟ ربما، فقد كانت أصغر مني بعام، لا أستطيع الجزم بذلك، فلم تحتفظ ذاكرتي بتاريخ بقاء الكوخ خالياً أو متى انتقلت شارون وابنتها للعيش فيه.

وفي الحقيقة، كان الكوخ صغيراً ومطلياً -في ذلك الوقت- بلون وردي باهت كنت أظنه من اختيار السيدة سوتلز، كما لو أنها لا تسطيع العيش بمنزل مطلي بغير هذا اللون. طبعاً كنت أناديها السيدة (سوتلز) لكنني كنت أعرف اسمها الأول، والشيء بالشيء يذكر، نادراً ما كنت أعرف أسماء النسوة الكبار. غير أن “شارون” كان اسماً غير عادياً في تلك الأيام، ويذكرني بترنيمة تعلمتها من مدرسة أيام الأحد التي سمحت لي أمي بارتيادها بسبب المراقبة الشديدة ولغياب الفسحة أثناء الدروس.

كنا نرتل ابتهالات يتم عرض كلماتها على شاشة، وأعتقد أن معظمنا قد استوعب بعض الكلمات من شكلها الظاهر على الشاشة أمامنا حتى قبل تعلم القراءة

مِنْ بَركَةِ سَلْوَانٍ الظّلِيلَةِ الرَّائِعَة

 كَمْ هُوَ الزَّنْبُقُ حلْوٌّ حِينَ يزْهَرُ!

كَمْ هُوَ النَّفسُ يَفُوحُ عطراً، أَسْفَلَ الرَّابِيَة،

مِنْ زَهْرَةِ شَارُونْ النَدِيّة!

كان من الصعب علي تصديق وجود زهرة في زاوية الشاشة، لكني رأيتها فعلاً -رأيت الزهرة، زهرة شارون الندية- بلون وردي باهت، وانتقلت أجواء تلك الذاكرة إلى اسم شارون.

طبعا لا أقصد القول هنا إنني وقعت في حب شارون سوتلز، ففي ذلك الوقت فور تجاوز طفولتي المبكرة كنت أعيش حالة حب أخرى، فقد أغرمت بفتاة متصبينة تدعى “بيسي”، اصطحبتني في نزهات في عربتي ودفعتني عالياً على أرجوحة الحديقة حتى تكاد تطيح بي أرضاً.

وفي وقت لاحق، عشقت إحدى صديقات والدتي، التي كانت ترتدي معطفاً بياقة مخملية وكان لصوتها، الذي يقاربها في النعومة، علاقة ما بغرامي بها.

لم تكن شارون سوتلز من النوع الذي يثير الحب بهذه الطريقة. لم تكن تملك ذلك الصوت المخملي، وليس لديها وقت للترفيه أو التسلية. وبالنسبة لسيدة أنجبت طفلة في وقت سابق فقد كانت تبدو طويلة ونحيفة وتفتقر إلى الانحناءات الجذابة في مواضع جسمها. كان شعرها بلون الكراميل، بنيّ مع حواف ذهبية، وفي زمن الحرب كانت لا تزال تسرحه متموجاً، وتضع أحمر شفاه زاهي وكثيف، مثل صور ملصقات نجمات السينما، وكانت تتجول في منزلها وهي تضع حول نفسها كيمونو مزخرف بطيور شاحبة -ربما كانت لقالق- تذكرني أرجلها بالسيدة سوتلز. كانت تقضي الكثير من وقتها مستلقية على الأريكة، وهي تدخن، وفي بعض الأحيان، وعلى سبيل المتعة أو لسبب ما، كانت ترفع ساقيها مباشرة في الهواء، واحدة تلو الأخرى، وتدع شبشبها الريشي يطير على غير هدى. وحتى حين لا تكون غاضبة مني ومن ابنتها، كان يأتينا صوتها الغاضب والخشن، وغير الودي، أو مها يكن، لكنه ليس رقيقاً أو تأنيبياً أو حكيماً بأي شكل من الأشكال، مشبعاً بنبرة من العاطفة والأسى ولمحات الحزن الذي يمكن توقعه من أي أم.

كانت تنادينا “اخرجوا من هنا .. هيا أيها الأغبياء.. اخرجوا ودعوني أحظى ببعض الهدوء، يا لكم من حمقى”.

يبدو المشهد كأنه أمامي الآن.. السيدة سوتلز مستلقية على أريكتها وتضع منفضة السجائر على بطنها، بينما نقوم أنا ونانسي بدفع سيارات ألعابنا على الأرض، فأي هدوء وسلام كانت ترغب به مع كل هذه الضجة؟. وفضلاً عن كل هذا، هناك الكثير من الغرابة في حياتهما، سواء في أطعمتهما الغريبة التي كنت ألاحظها في أوقات غير منتظمة، أوحين تذهب السيدة سوتلز إلى المطبخ لتحضير وجبة خفيفة لنفسها، لا تحضر لنا معها قطعة كاكاو أو بسكويت. وكان يمكن لنانسي أن تأخذ ملعقة من شوربة الخضار السميكة أو تتناول حفة من مقرمشات الأرز من العلبة مباشرة.

كثيراً ما تساءلت هل كانت شارون سوتلز عشيقة لأبي؟ لاسيما أنها تعمل معه؛ وقد جعلها تسكن في الكوخ الوردي دون مقابل؟

كانت والدتي تتحدث عنها بلطف، وتستذكر في أحيان كثيرة الكارثة التي حلت بها عقب وفاة زوجها الشاب والصعوبات التي تعيشها مع ابنتها. وغالباً ما كانت ترسل إليهم مع أحد خدمنا بعض التوت أو البطاطا الطازجة أو البازلاء المقشرة من إنتاج حديقتنا. وأتذكر البازلاء على وجه الخصوص. ولا أزال أتذكر منظر شارون سوتلز -مستلقية على الأريكة- تنقف البازلاء في الهواء بسبابتها وتقول شاكية: “ما عساي أفعل بها؟” ومازلت أذكر كيف أجبتها: “اطبخيها مع الماء”، فترد بسخرية “لا تقولها!”.

أما أبي، فلم أره، في الحقيقة، معها على الإطلاق. كان يغادر للعمل متأخراً ويعود مبكراً، لمتابعة هواياته وأنشطته الرياضية المختلفة. ولكن بالتأكيد كان هناك أيام لم تكن فيها والدة نانسي في المنزل -أي غير مرتدية الكيمونو ومستلقية على الأريكة- ويمكن الافتراض أنها لم تكن تدخن أو تسترخي، بل كانت تقوم بعملها الاعتيادي في مكتب والدي، ذلك المكان الأسطوري الذي لم أره قط والذي لن أكون موضع ترحيب فيه بالتأكيد.

كان يعيش بيننا أيضاً، في تلك الفترة، شخص غاضب وعابس، وهي السيدة “كود” كثيرة التواجد كالعادة في مطبخ الكوخ تقضي وقتها في الاستماع إلى مسلسلات ما بعد الظهيرة الإذاعية وتلتهم أي شيء في متناول يدها، أو تقع عينيها عليه. ونظراً لأني كنت أمضي معظم وقتي مع نانسي، لم يخطر ببالي أن تبادر أمي بمراقبتنا، أو تكليف خادمتنا فعل ذلك، كعائد مفيد من تكلفة توظيف السيدة “كود”.

ويبدو لي الآن أننا صرفنا ساعات يقظتنا كلها في اللعب. وهذا يعني ما بين سن الخامسة حتى الثامنة والنصف. لعبنا في الغالب في الهواء الطلق -ينبغي أن تكون أوقات تواجدنا داخل الكوخ، بسبب الأيام الممطرة تزعج أمها. كان علينا الابتعاد عن حديقة الخضروات وتجنب عدم إسقاط الزهور، لكننا كنا دائماً ندخل ونخرج متسللين إلى مسكبة التوت واللعب تحت أشجار التفاح وفي المنطقة البرية خلف الكوخ مباشرة حيث كنا نبني فيها ملاجئنا ومخابئنا من الألمان.

لقد كان هناك في الواقع قاعدة تدريب عسكرية إلى الشمال من بلدتنا، وكانت طائرات حقيقية تحلق فوقنا باستمرار. وبسبب هذه الأشياء التي تذكرنا بالحرب، قررنا جعل “بيت”  عدواً نازياً متجاوزين عداوته المحلية، ومن جزازة العشب دبابة معادية. في بعض الأحيان كنا نقذفه بقنابلنا الخاصة من ثمار التفاح التي كنا نقطفها من الشجرة التي تحمي معسكرنا. وفي إحدى المرات، اشتكى “بيت” لأمي، مما كلفنا حوماننا من الذهاب إلى الشاطئ.

غالباً ما كانت تأخذ أمي نانسي معنا إلى الشاطئ. في الحقيقة ليس إلى الشاطئ حيث الزلاجات المائية، إنما إلى أسفل المنحدر قرب البيت، فهناك مكان صغير لا يحتاج إلى وجود مرشدين أو منقذين لخلوه من السباحين الصاخبين أو المتزلجين وكانت تكتفي والدتي بلعب بدور المنقذ، وفي الواقع، كانت هي من علمنا السباحة. وبدت نانسي أكثر شجاعة مني، بل وأكثر تهوراً، وهذا ما كان يزعجني، لذا انتهزت فرصة قدوم موجة فدفعتها وجلست على رأسها وركلتها وكتمت أنفاسها فيما هي تصارع للهرب، وقد رأتنا أمي فوبختني وقالت “انتبه لنفسك، ألا ترى؟ انظر كم هي صغيرة! نانسي فتاة صغيرة ألا ترى؟ عليك معاملتها كما لو أنها أختك الصغيرة”.

وهذا بالضبط ما كنت أفعله. لم أعتبرها أضعف مني، نعم كانت أصغر حجماً لكني لم أعتبرها أضعف أبداً، لكن  كونها أصغر حجماً فقد كانت هذه ميزة مفيدة لها أحياناً. فعندما كنا نتسلق الأشجار مثلاً، كان بمقدورها التدلي، مثل قرد، من بين الأغصان التي لا يمكنها حملي، وفي إحدى مشاجراتنا، عضتني من ذراعي المقيدة فاحمرت وبدأت تنزف، وهكذا تخاصمنا وانفصلنا عن بعضنا البعض لمدة أسبوع كامل، وسرعان ما تحولت حملقتنا في بعضنا البعض عبر النوافذ إلى شوق وتوسل، وأخيراً رفع الحظر وألغيت المعاقبة.

في فصل الشتاء، كان يسمح لنا بالتجول بحرية في أرجاء الأرض المحيطة بالمنزل، فكنا نشيد قلاع من الثلج وندعمها بقطع من الحطب وبمخزون معتبر من كرات الثلج  لرميها على المارة، ونظراً لأن الشارع أمام البيت كان طريقاً مسدوداً فنادراً ما كان يمر منه أشخاص، ولذلك استعضنا عن القلاع بصنع رجل ثلج فقط من أجل ضربه بتلك الكرات.

قد تتساءلون “وماذا عن بعض الألعاب الجنسية”؟

نعم، كان لدينا حظ منها أيضاً. أتذكر أننا اختبأنا، ذات يوم حار شديد الحرارة في خيمة كانت منتصبة هناك خلف الكوخ -لست متأكد تماماً من سبب وجودها ولا أعرف من نصبها- كنا قد دخلناها عمداً لاستكشاف بعضنا البعض. كان قماش الخيمة يبث رائحة مثيرة ولكن طفولية، رائحة تجمع بين الإثارة والبراءة وتشبه رائحة ملابسنا الداخلية التي نزعناها لتونا. لقد أثارتنا بعض الدغدغات واللمسات المختلفة، ثم شعرنا بالاستياء من الوضع، وسرعان ما غرقنا في زحام من العرق والحكة والخجل. وما إن خرجنا حتى انتابنا شعور قوي بالتباعد والانفصال، وبتنا حذرين نترقب بعضنا البعض. لا أذكر إذا ما تكرر هذا الأمر ذاته مرة أخرى، بذات النتائج، ولكن لن أستغرب لو حدث.

وبسبب الأوقات الطويلة التي قضيناها معاً، نانسي وأنا، وبسبب طاقتها الحيوية الفائقة، كانت تبدو بشرتها وردية بشكل لافت، حتى بدت وجنتاها كأنهما رسمتا بأقلام التلوين. رغم أني لا أستطيع التأكيد أنه بإمكاني استحضار ملامح وجهها بذات الدرجة التي أستطيع تذكر وجه والدتها، وأعتقد أن لون بشرة نانسي أو ما سوف يكون عليه لاحقاً متشابهٌ إلى حد كبير، وكان شعرها أشقر، بل أصهب، بفعل الأوقات الطويلة التي كانت تقضيها تحت أشعة الشمس، والذي سيتحول إلى اللون البني في النهاية.

بالعودة إلى وصف منزلنا، أستطيع القول أن جميع غرفه كانت ممنوعة باستثناء ما هو مخصص لنا. لم نكن لنحلم بالذهاب إلى الطابق العلوي أو الردهة الأمامية حيث الصالون أو غرفة الطعام. ولكن الأمر كان مختلفاً في الكوخ حيث كل شيء مباح، وكان القبو مكاناً رائعاً نذهب إليه عند شعورنا بالملل من حر الظهيرة. لم يكن لدرج القبو درابزين، وكنا نستطيع القفز بقفزات جريئة أكثر فأكثر لنهبط على أرضيته القذرة الصلبة المغطاة بالتراب. وعندما نشعر بالملل، كنا نتسلق العربة القديمة ونقفز عليها صعوداً وهبوطا بلا زنبركات، وكأننا نجلد حصاناً خيالياً.

حاولنا، في إحدى المرات، تدخين سيجارة أخذناها من علبة أمها (لم نكن نجرؤ على قنص أكثر من واحدة) وكانت نانسي أمهر في التعامل مع السيجارة، باعتبارها خبيرة أكثر مني في الأمر.

وجدنا في القبو أيضاً خزانة خشبية قديمة، عليها عدة علب من الطلاء والورنيش الجاف، ومجموعة متنوعة من فرش الدهان الصلبة، وعصي التحريك، وألواح تجريب الألوان أو تنظيف الفراشي. كانت بعض العلب لا تزال مغلقة بإحكام، وقد فتحناها بصعوبة، واكتشفنا فيها طلاءً يمكن معالجته ليصبح رائقاً بعض الشيء. ثم أمضينا بعض الوقت في محاولة تنظيف الفراشي عن طريق غمسها في الطلاء وضربها على الألواح، مما أحدث فوضى عارمة في المكان ولكن عبثاً بلا نتيجة.

وقد اكتشفنا أن إحدى العلب المغلقة تحتوي على مادة التربنتين وهذا ما سهّل عملنا بشكل أفضل، لنبدأ حينها بالطلاء باستخدام تلك الفراشي التي باتت طرية الآن. كان عمري ثماني سنوات، وكنت أستطيع القراءة والكتابة إلى حد ما، وذلك بفضل أمي. كانت نانسي أيضاً تستطيع القراءة والكتابة أيضاً، لأنها أنهت للتو الصف الثاني.

مسكت فرشاة الدهان وقلت لها: “لا تنظري حتى أنتهي”، ودفعتها برفق جانباً. لقد فكرت في شيء أرسمه. وكانت هي مشغولة، على أي حال، كانت تضرب فرشاتها داخل علبة الطلاء الأحمر، فكتبتُ: “النازي مر من هنا” ونظرتُ نحوها وقلت انظري ماذا كتبت، كان وجهها بعيداً عني وكانت قد وضعت الفرشاة على وجهها، ثم قالت “دعني فأنا مشغولة” وعندما التفتُ نحوها كان وجهها ملطخاً بالدهان الأحمر. ثم هتفتْ “هل أبدو مثلكَ الآن” ثم مسحتْ الفرشاة على خدها وقالت “انظرْ، هل أبدو مثلكَ؟” وقد بدتْ السعادة على وجهها، كما لو أنها قامت بعمل سحري وصار وجهها أكثر إشراقاً، وكأن هذا ما أرادتْه طوال حياتها.

سأحاول الآن توضيح ما حصل في تلك اللحظة وفي الدقائق التي تلت.

في البداية بدا منظرها فظيعاً ومرعباً بعض الشيء. لم أكن أعتقد، أو حتى أصدق، أن هناك جزء من وجهي لونه أحمر، مثلما قالت نانسي قبل قليل، وفي الواقع لم يكن الأمر كذلك. فنصف وجهي يحمل لون الوحمة التوتية، غير أن هذا ليس ما أراه في ذهني. حسبت أن لون الوحمة بني فاتح، كما أن أمي لم تقم بأي تصرف أحمق أو سلوك غبي دراماتيكي مثل حظر المرايا في البيت، لكنها كانت تستطيع تعليقها على نحو مرتفع بحيث لا يمكن لطفل صغير في عمري أن يرى نفسه أو وجهه بوضوح، وكذلك كان الأمر في الحمام، والمرآة الوحيدة التي يمكنني رؤية انعكاسي فيها كانت معلقة في الردهة الأمامية، وكانت تبدو عاتمة في النهار وذات إضاءة خافتة في الليل. ولابد أني أخذت فكرة لون نصف وجهي الفاتح المثير للضجر من هذا المكان، فقد كنت أراه باهتاً بلون بني يشبه لون الفئران، وكأنه ظل مكسواً بالفرو، وهذا ما اعتدت عليه في واقع الأمر.

وقد سخرت مني نانسي حين قامت بهذا السلوك المهين فدفعتها بقوة نحو خزانة الملابس وركضت بأقصى ما أستطيع  بعيداً عنها، صعدت الدرج. أعتقد أنني كنت أجري بحثاً عن مرآة، أو حتى عن شخص يمكنه أن يؤكد لي بأنها مخطئة بما يجعلني أعبر عن كراهيتي الشديدة والعميقة لها.

-“سوف أعاقبها” هذا ما فكرت فيه دون أدنى فكرة عن هذا العقاب، وأثناء هروبي من نانسي مررت بالكوخ، فلم  ألمح أمها في الأنحاء رغم أننا كنا في يوم السبت- وخرجت إلى ممر الحصى، ثم إلى الممر المبلط بين صفوف أزهار سيف الغراب الفارعة، ومن هناك رأيت أمي على الشرفة الخلفية تنهض من كرسي الخيزران حيث كانت تقرأ.

“كلا ليس أحمر.. لم يكن أحمراً”، صرخت بملء صوتي غضباً والدموع تنهمر مني. “كلا.. لستُ أحمراً” نزلتْ أمي على الدرجات ووجهها مليء بالدهشة ومازالت غير مدركة ما يدور حولها من هول الصدمة، وأثناء ذلك ركضت نانسي من خلفي خارج الكوخ يعتريها الذهول وبدى وجهها متوهجاً، عند هذه اللحظة فهمت أمي فهمت الحكاية، فصرخت في وجه نانسي “أنتِ أيها الوحش الصغير الكريه” صرخت بها بقوة، بصوت لم أسمع بقوته من قبل، صوتها كان عالياً وهائجاً ومختلجاً. وتابعت الصراخ في وجهها: “لا تقتربي.. لا تقتربي منا، إياك أن تفكري بذلك.. إياك، أنت فتاة سيئة، سيئة للغاية، ليس لديك أدنى إحساس بالرحمة والإنسانية، صح؟ يا عديمة التربية”.. وهنا خرجت والدة نانسي من الكوخ ومازال شعرها مبلل ويغطي عينيها، وكانت تحمل في يدها منشفة.. وقالت “يا ربي!! لا أستطيع حتى غسل شعري بهدوء هنا” فصرخت أمي بوجهها ” كيف تجرئين على التفوه بهذا أمامي وأمام ابني”، فردت والدة نانسي” أووه.. بلهاء.. بلهاء، كل ما في الأمر إني استمع إليك الآن وأنت تزعقين بصوت كأنه يخرج من قحفك”.

تمالكت أمي نفسها وأخذت نفساً عميقاً وقالت. أنا لا أصرخ من قحف رأسي، بل أردت القول أن طفلتك القاسية هذه غير مرحب بها في منزلنا مرة أخرى، إنها قاسية وحاقدة وتسخر من صبي صغير بسبب حادث طبيعي لا يستطيع حياله شيئاً. أنت لم تعلّميها أي شيء، لا تأدب ولا مجاملة ولا شي، حتى أنها لم تكن تعرف كيف تشكرني عندما كنت آخذها إلى الشاطئ، لا تعرف حتى كيف تقول “من فضلك” أو “شكراً” لا عجب في الأمر طالما أمها تتبختر بالكيمونو.

كانت أمي تصرخ وتصرخ ويتدفق الكلام من فمها مثل سيل غاضب ممتزج بالألم والاستهزاء، وكنت أظن أنها لن تتوقف عن الصراخ حتى عندما سحبتها من طرف ثوبها وقلت لها ” لا.. توقفي .. توقفي عن هذا”. ولكن الأمر ازداد سوءً، حين بدأت دموعها تنهمر وبدأ جسمها بالاهتزاز وتختنق بكلماتها.

أزاحت والدة نانسي شعرها الرطب من أمام عينيها ووقفت هناك ثابتة تراقب الوضع ثم قالت ” دعيني أخبرك بالأمر، لو بقيت على هذا الحال فسوف يكون مصيرك مصحة الأمراض العقلية، ما ذنبي أنا في كل ما حصل لك، ما علاقتي بالأمر؟ ها؟ ما ذنبي إن كان زوجك يكرهك؟ ما ذنبي إذا أنجبت طفلاً مشوه الوجه؟.

وهنا عقدت أمي كلتا يديها فوق رأسها وبدأت تقول وهي تبكي وتنوح كما لو أن الألم يلتهمها ” أووه.. لا .. لا.. أووه”. في تلك الأثناء أطلت من الشرفة “فيلما” المرأة التي كانت تعمل لدينا وقالت “سيدتي.. تعالي يا سيدتي.. هيا تعالي” ثم توجهت بالكلام نحو والدة نانسي وقالت لها “وأنت اذهبي الآن.. هيا عودي إلى منزلك واغلقي الباب خلفك.. هيا اغربي”

-آه والله؟ طيب سأفعل لا تشغلي بالك، سأذهب حالاً، من تظنين نفسك يا ست “فيلما” لتأمريني بما أفعل أو لا أفعل؟ مجنونة أنت؟ لا شك أنك مسرورة بالعمل عند امرأة مجنونة شريرة؟” قالت ذلك بدرجة عالية من العدائية والازدراء، ثم التفت إلى ابنتها وقالت “انظري إلى نفسك، لست أدري كيف عساني أنظفك”، ثم رفعت صوتها من جديد لتتأكد من إني أسمعها ” انظري إليه. يا له من طفل ضعيف، مسلوب الإرادة، متعلق بهذه المرأة الشريرة، لن تلعبي معه مجدداً، لن تلعبي مع هذا الفتى الضعيف المتعلق بتلك الحيزبون الشريرة المجنونة. وطوال الوقت كانت نانسي صامتة. لم تنبس ببنت شفة.

حاولنا، “فيلما” وأنا، تهدئة أمي، ودفعها نحو البيت، وقد توقفت الآن عن الصراخ المرعب، فاستقامت وبدأت الحديث مع “فيلما” بصوت مرح بطريقة غير طبيعية من شأنه أن يصل إلى داخل الكوخ وطلبت منها :”ناوليني مقص الأعشاب، يمكنك إحضاره يا “فيلما” أليس كذلك؟ طالما أنا هنا أستطيع تقليم الزنابق وأزهار سيف الغراب، يبدو بعضها ذابل” وما إن انتهت حتى كانت جميع الأزهار على الأرض المزهرة والذابلة منها، والسليمة.

لابد أن كل هذا حصل يوم السبت كما ذكرت سابقاً، لأن والدة نانسي كانت حاضرة، وكذلك “فيلما”، التي لا تأتِ في العادة أيام الأحد. وبحلول يوم الاثنين، أو ربما قبل ذلك، كان الكوخ فارغاً.

ربما اتصلت “فيلما” بوالدي في النادي أو في ملعب الغولف أو أينما كان، فعاد إلى المنزل، جزعاً ترتسم على وجهه علامات الوقاحة، لكنه أذعن للأمر الواقع. وأقصد بإذعانه قبوله بمغادرة نانسي وأمها للكوخ.

لا أعتقد أن والدة نانسي كانت ستثير أي ضجة بشأن رحيلها مع ابنتها. وكلما اتضح لي أنني لن أرى نانسي مرة أخرى، أصبحت هذه الحقيقة تتبلور ببطء في ذهني. في البداية، كنت غاضباً منها ولم أكترث للأمر. ثم، عندما سألت عنها، لا بد أن أمي عملت أبعدتني عن الموضوع بردود غامضة، فلم تشأ استعادة المشهد المؤلم إلى ذاكرتي أو إلى نفسها. وقد بدأت، إثر تلك الحادثة، البحث والتفكير بجدية بشأن إرسالي إلى مدرسة مناسبة. ربما كانت تعتقد أنه بمجرد اعتيادي على التواجد في مدرسة ذكور، سوف تتلاشى ذاكرتي عن وجود رفيقة لعب ويبدو الموضوع برمته غير ذي بال، بل وسخيف.

في اليوم التالي لجنازة والدي، فاجأتني والدتي بالسؤال عما إذا كنت أرغب في الخروج معها لتناول العشاء (رغم علمها أنها هي من سيدفع الفاتورة بالطبع) في مطعم على بعد أميال من شاطئ البحيرة، وقد بدأت بالقول “أشعر فقط بأنني سأظل سجينة هذا البيت إلى الأبد.. أحتاج بعض الهواء.” وهناك في المطعم، نظرت حولها بهدوء وأعلنت أن ليس أحد هنا تعرفه ثم قالت: “هل ستشاركني كأس نبيذ؟”.. نظرت نحوها وفكرت “هل قطعنا كل هذه المسافة ليتسنى لنا شرب النبيذ علناً”؟.

ولما أحضر النادل النبيذ قالت “أعتقد أن هناك شيء يجب عليك معرفته”. قد تكون هذه من بين أكثر الكلمات المزعجة التي يتعين على الشخص سماعها.

أجل لن تفوت عليك مثل هذه الفرصة العظيمة  لسماع ما سوف يرهقك، وأنها في حديثها سوف تلمح إلى الآخرين الذين اضطروا لتحمل هذا العبء، بينما أنت أعفيت منه بسهولة طوال هذا الوقت

-ماذا علي معرفته؟ هل أبي ليس والدي الحقيقي؟

-يا إلهي لا تكن سخيفاً. اسمع.. هل ما زلت تتذكر صديقتك الصغيرة نانسي؟

في الواقع لم أتذكرها للتو، لكني قلت: “ليس تماماً بل بشكل غامض على نحو ما”.

كانت محادثاتي مع أمي في تلك الفترة، أي بعد وفاة والدي، تتطلب استراتيجية معينة. إذ يجب أن أبدو أمامها شخصاً هادئاً ولطيفاً، وممازحاً.

كان يبدو في صوتها وعلى وجهها حزناً دفيناً. لم تشكو أبداً من أحوالها ومحنتها، كنت ألاحظ مرور الكثير من الناس الأبرياء والمظلومين في قصصها التي ترويها لي، الكثير من الفظائع، إلى الحد الذي يجعلني أشعر بثقل يعتصر قلبي حين أتركها وأعود لحياتي ولأصدقائي.

لكني لن أنساق إلى خططها بكل تأكيد. ربما كان كل ما ترغب به نيل القليل من التعاطف أو ربما بعض الحنان الملموس، وهذا ما لا يمكنني تقديمه لها. كانت امرأة شديدة الحساسية ولم يطلها كبر السن بعد، لكنني ابتعدت عنها كما لو احتضنت عفناً معدياً. وتجاهلت عمداً أي إشارة إلى مأساتي، التي بدت لي متعلقة بها وحدها، كقيد مستعص لا فكاك منه ربطني بها منذ الولادة.

سمعت صوتها يأتي “”ربما كنت قد عرفت عن الأمر لو كنت في المنزل لكنه حصل بعد وقت قصير من إرسالك إلى المدرسة”.

ذهبت نانسي ووالدتها للعيش في شقة تعود لوالدي، هناك في ساحة البلدة. وذات صباح خريفي جميل، دخلت والدة نانسي إلى الحمام لتجد ابنتها تجرح خدها بشفرة حلاقة، والدماء تسيل من حولها على الأرض وفي الحوض وعلى نانسي. واستمرت نانسي في تشطيب وجهها ولم تتوقف، دون أن يصدر عنها ألم.

ولكن كيف علمت والدتي بالأمر؟

لا يمكنني سوى افتراض أن هذه الحادثة كانت فصلاً درامياً مثيراً في البلدة لا بد أنه سمع فيها الجميع، فمثل هذا الحدث الفظيع والدموي بالمعنى الحرفي للكلمة لا يمكن تجاهله في بلدة كبلدتنا. استطاعت والدة نانسي لف منشفة حول نانسي ونجحت بطريقة ما في نقلها إلى المشفى، لم يكن ثمة سيارة إسعاف في بلدتنا في ذلك الوقت. ومن المحتمل أنها عثرت على سيارة في الساحة حيث يقع بيتها.

ولكن لماذا لم تتصل بوالدي؟

وهل هذا مهم؟ ولماذا عليها القيام بذلك؟.

عموماً لم تكن الجروح عميقة ولم تفقد نانسي دماً كثيراً، رغم تناثر الكثير من البقع، لم يكن هناك إصابة بالغة لأي وعاء دموي رئيسي.

واصلت والدة نانسي في توبيخ طفلتها وتلح عليها بالقول “هل فقدت عقلك؟ هل جننت؟ يا لك من فتاة بائسة سيئة الحظ وتعيسة، ومجنونة”.

 أكدت لي والدتي بأنه “لو كان هناك اختصاصيون اجتماعيون في ذلك الوقت، ففي أضعف الأحوال ستكون نانسي في رعاية إحدى جمعيات الأطفال. لقد جرحت نفسها من ذات جهة الخد، مثلك تماماً”.

حاولتُ التزام الصمت والتظاهر بعدم معرفة عما تتحدث. لكن كان علي أن أجيب، فقلت: كان، يومها، الطلاء يغمر وجهها كله.

-فعلاً.. صحيح لقد كان كما تقول، لكنها هذه المرة كانت أكثر حذراً. جرحت خد واحد فقط. لقد حاولت قدر المستطاع أن تبدو مثلك”.  لم أجب، فتابعت

-لو كانت صبياً لكان الأمر مختلف حقاً.. ولكن المصيبة أنها بنت

-يمكن لجرّاحي التجميل الآن القيام بأشياء رائعة بهذا الخصوص.

-أووه، نعم ربما يمكنهم ذلك. ومرت لحظة، ثم أضافت، “للأطفال مشاعر عميقة”

-أجل، لكنهم يستطيعون تجاوزها.. وتابعت تشرح عدم معرفتها بمصير الطفلة أو أمها، وأعربت عن عظيم سعادتها لأنني لم أسألها قط. لأنها كانت ستكون مكرهة على إخباري بأشياء محزنه، وقد كنت ما زلت صغيراً آنذاك.

لا أعرف ما مدى تأثير كلامها على أي شيء، لكن يجب القول إن أمي تغيرت تماماً عندما كبرت، فقد أصبحت ساخرة وغريبة الأطوار وكثيرة التوهم. لقد زعمت أن والدي كان عاشقاً رائعاً وأنها كانت هي تلك “الفتاة السيئةً”. وأعلنت أنه كان ينبغي عليّ أن أتزوج “تلك الفتاة التي شطبت وجهها”، لأن أياً منا لن يمكنه التباهي أو التفاخر على الآخر بصنيعه. ثم تابعت بنوع من السخرية والمرح وهذا يعني أنكما ستكونان معاً بحالة من الفوضى والاضطراب فأحدكما يشبه الآخر.. لا فرق. وفي الحقيقة وافقت على فكرتها. وأحببتها كثيراً في تلك اللحظة.

طيب.. قبل بضعة أيام، تعرضت للدغة دبور أثناء إزالة بعض التفاح الفاسد تحت إحدى الأشجار القديمة. لدغني الدبور اللعين في جفني الذي سرعان ما تضخم وانتفخ وأطبق على كامل العين فأغلقها. قدت سيارتي إلى المستشفى مستخدماً العين الأخرى (التي كانت على الجانب “الجيد” من وجهي) وفوجئت بهم يقولون بوجوب بقائي طوال الليل لأنهم أعطوني حقنة مما سيضطرهم إلى تضميد كلتا العينين لتجنب إجهاد العين السليمة.

حسن، لقد أمضيت ما يسمونه ليلة مضطربة لم أستطع خلالها النوم. فكنت أستيقظ أثناء الليل عدة مرات.

بطبيعة الحال، لا يكون المشفى هادئاً في جميع الأوقات، وفي ذلك الوقت القصير، ودون استخدام حاسة النظر، بدا الأمر وكأن سمعي أصبح أكثر حدة. وعندما تناهى إليّ وقع خطوات قرب غرفتي، عرفت أنها كانت خطوات امرأة، وانتابني شعور لا أعرف مصدره أنها ليست خطوات الممرضة. اقتربت وقالت “هل أنت مستيقظ.. أنا قارئتك.” فمددت يدي مفترضاً أنها “ستقرأ” ما يعرف بالعلامات الحيوية. فقالت :”لا، لا”، وبدا صوتها خفيضاً وثابتاً وعلى وتيرة واحدة.. “بل جئت لأقرأ لك، لو كنت ترغب. يشعر الناس، أحياناً، بالملل أثناء الاستلقاء وعيونهم مغمضة”.

-هل يختارون مادة القراءة أم أنتِ من يختارها؟

-بل هم. أحملُ مجموعة كاملة من الخيارات معي.

-أنا أحب الشعر.

-لكنك لا تبدو متحمساً جداً.

أدركت صحة قولها، وكنت أعرف السبب. لدي بعض الخبرة في قراءة الشعر بصوت عالٍ، عبر الراديو، والاستماع إلى أصوات مدرّبة أخرى، وهناك بعض أساليب القراءة التي أجدها مقنعة وبعضها الآخر غير مقنع وأمقته.

-ما رأيك لو نلعب لعبة؟ قالت ذلك وكأني شرحت لها الأمر للتو “يمكنني قراءة بيت أو اثنين من قصيدة ثم أتوقف، وأرى إن كنت تستطيع إكمال قراءة البيت الذي يليه، موافق؟

أدركتُ من صوتها أنها فتاة شابة، متوترة قليلاً في سبيل نيل ثقة بعض المهتمين فتصيب نجاحاً في عملها. قلت لها حسن ولكن ليس  من الشعر الإنكليزي القديم.

وهكذا بدأنا اللعب، فقالت بصوت متسائل “يجلس الملك على عرش دنفرملاين”.. فأجبت بما يشبه نغمة صوتها “ويشرب نبيذاً أحمراً بلون الدم”، وتابعنا اللعب بروح المرح والدعابة. كان إلقاؤها جيداً بما فيه الكفاية، وإن شابته سرعة طفولية إلى حد ما. وبدأت استمتع بصوتي الخاص، وأحياناً ببعض التباهي المسرحي. وهنا قالت ” هذا جميل”  فتابعتُ

– سأريك كيف تنمو الزنابق / على ضفاف إيطاليا.

-تنمو أم تتفتح؟

-ليس لدي كتاب لأتأكد، وعلي مراجعة ذلك على أي حال

-لا يهم، إنه جميل مع ذلك، لقد أحببت صوتك على الراديو

-حقاً؟ هل كنت تسمعيني؟

-بالطبع، وكثير غيري أيضاً

توقفت عن تلقيني أبيات الشعر، وتركتني أتابع..

-يمكنك تخيل ذلك: ” شاطئ دوفر”، “قوبلاي خان”، “الرياح الغربية”، “البجع البري”، “الشباب المحكوم”. حسنا ربما ليس جميعهم، وحتى هؤلاء ليس جميع محتواها ولم أبلغ نهاياتها.

-لديك ضيق نفس. قالت ذلك فجأة، ووضعت يدها الصغيرة والرشيقة على فمي. ثم وضعت وجهها، أو جانب من وجهها، على وجهي وهمست

-علي الذهاب. لنلعب آخر مرة قبل أن أذهب. ولكن سأجعل الأمر أصعب بتجاوز البداية:

“أحد لن يحزن عليك طويلاً

أحد لن يصلي من أجلك.. أو يفتقدك

مكانك فارغ سيبقى”

-لم أسمع بهذا الشعر من قبل، لم اسمع بذه القصيدة قط.

-هل أنت متأكد

-بالطبع.. حسن.. لقد فزتِ.

وقد بدأتُ أشك بالأمر، ثمة شيء يجري هنا لا أعرفه. بدت غافلة ومشتتة قليلاً، مع بعض الانزعاج، سمعت صوت الإوز يحلق فوق المشفى، مثلما يفعلون في مثل هذا الوقت من كل عام، قبل أن يختفوا كما هو معتاد. ثم كان أن استيقظت تنتابني علامات السخط والدهشة، حالة من الاستياء التي تلي حلم لا يمارى، وقد وددت لو أعود له لتعود فتضع وجهها مرة أخرى على وجهي، وخدها على خدي، ولكن هيهات.. فالأحلام ليست على هذه الدرجة من السهولة بحيث تنفذ رغباتنا.

عندما نزعوا الضمادة عن عيوني وعدت إلى المنزل بدأت البحث عن أبيات القصيدة التي قرأتها في حلمي، تصفحت بعض المختارات الشعرية دون جدوى، بدأت تساروني الشكوك بأن هذه الأبيات لا تنتمي إلى قصيدة حقيقية على الإطلاق، بل كانت مجرد ابتكار في الحلم لتزيد من حيرتي، ولكن من ابتكرها؟.

في وقت لاحق من ذلك الخريف، عندما كنت أجهز بعض الكتب القديمة للتبرع بها في سوق خيري سقطت من أحدها ورقة قديمة بنية اللون

 وعليها أبيات شعرية مكتوبة بقلم رصاص. لم يكن خط أمي، ولا أعتقد أنه لأبي. فمن صاحب الخط إذن؟

لا أعرف.

أيا كان صاحبه فقد كتب اسم الكاتب في النهاية “والتر دي لا مير” وترك القصيدة بلا عنوان، لم أكن أعرف من هو “دي لا مير” هذا وماذا يعمل. ولكن ما كنت أعلمه أني رأيت هذه الأبيات في وقت ما، ربما ليس هنا من هذه القصاصة، ربما في كتاب مدرسي. لا بد أني دفنت أبيات القصيدة في بعض الثنايا العميقة في ذهني. ولماذا؟ فقط لإزعاجي بها، أو من قبل شبح فتاة طفلة طموحة في حلم؟

لا حزن هنا

يشفيه الزمن.

قد تعوض خسارتك

وقد تغفر لمن يخونك

فالزمن بلسم الروح

يشفي الجروح

وحتى الفراق بين حبيبين

ومن يشارك الحب

ألا ترى كيف أشرقت شمسنا الحلوة،

وكيف يتوقف المطر عن السقوط

وكيف تبدي الأزهار زينتها،

فكم هو جميل هذا النهار!

لا تهتم إذن

لا تشغل بالك كثيراً

لا تفرط في الحب والواجب؛

سوف تجد من ينتظرك هناك

أصدقاء نسيتهم منذ أمد

قد ينتظروك هناك

حيث يلتقي الجميع

حيث الحياة مع الموت

يجعلان لكل شيء نهاية؛

أحد لن يحزن عليك طويلاً

أحد لن يصلي من أجلك.. أو يفتقدك

مكانك فارغ سيبقى

وأنت لست هنا

لم تزعجني القصيدة، ولم تبعث الكآبة في نفسي. وبطريقة ما، بدا الأمر وكأنه يدعم القرار الذي اتخذته في ذلك الوقت: لن أبيع المنزل ولا الأرض. هناك قليل من الأماكن في حياتنا حيث يحدث بها أشياء مهمة، أو ربما لعله مكان واحد فقط، حيث يحدث فيه شيء ما. وثم هناك أماكن أخرى عديدة تبقى مجرد أماكن أخرى لا أكثر.

وربما لو التقيت بنانسي بعد سنوات -في مترو أنفاق تورنتو مثلاً، وكل واحد منا يحمل علامته المميزة- فمن المحتمل جداً أن لا يكون أمامنا سوى البدء بذلك النوع المحرج من المحادثات السطحية الخالية من أي معنى، وننتقل إلى سرد سريع لبعض الوقائع الذاتية غير المجدية، ولا شك أني كنت سألاحظ خدها المعالج شبه الطبيعي أو الندبة الواضحة هناك، لكنها لن تكون جزءً من المحادثة.

قد نأتي على ذكر الأطفال، ذلك ليس مستبعداً، سواء عالجت وجهها أم لا. وربما سنتحدث عن الأحفاد والأشغال والوظائف، ربما ليس علي إخبارها عن أحوالي. ربما سنصاب بالصدمة سنكون متوجسين ونتوق للهرب من بعضنا البعض.

هل تظنون هذا كفيلاً بتغيير الأمور؟

الجواب هو: نعم.. بالطبع… ولبعض الوقت، ولكن ليس إلى الأبد

تعقيب

“إن ما تكتبه أليس مونرو، بمنزلة ثورة في هندسة القصة القصيرة”…

لست أدري أين قرأت هذا، لعل إثر نيلها (1931-2024) جائزة نوبل للآداب في العام 2013، بصفتها “سيد القصة القصيرة المعاصرة”.

أصدرت مونرو 14 مجموعة قصصية. وشرعت في الكتابة في سن متقدمة بعض الشيء، فنشرت مجموعتها الأولى بعنوان “رقصة الظلال السعيدة ” Dance of the Happy Shades في العام 1968 وكان عمرها آنذاك 37 عاماً. وتتسم قصصها بشغف شديد بالمكان والمشاعر. وتقول عن تجربتها إن حلمها كان في كتابة رواية، غير أن  هذا “لم يتحقق لسبب ما”؛ وترى أن حبها للقصة القصيرة أتى من هنا.. من نيّة كتابة رواية، وقد بدأت بالفعل في كتابة بعض الروايات، لكن سرعان ما كانت تتفكك خيوط العمل لتتحول لاحقاً إلى قصص قصيرة.

في قصة “وجه” تتناول مونرو تحولات الماضي والحاضر وأثرها في تغيير الأفكار وأنماط الحياة. يولد طفل يحمل في وجهه وحمة كبيرة تدفع أباه لرفض وجوده، وعند هذه اللحظة الفريدة التي ستغير مجرى حياة الوليد، يخبرنا هذا الأخير،  راوي القصة، موقف الأب لحظة ولادة ابنه فيصفه بـ “قطعة كبد مفرومة”* (في واقع الأمر لا يمكننا الجزم بصحة هذا القول أو عدم تحيّزه، فنحن لا نسمع صوت الأب إنما يأتينا الوصف على لسان الراوي نقلاً عما قالت له أمه، وهذا ما يجعلنا نتساءل هل يروي الطفل رؤيته للعالم بصوته أمْ بصوت أمه، ولا يمكننا الحكم على صدق أمّه من عدمه لأنها دائماً صادقة بنظره.. أليس هذا ما يقول عن أمه في يوم جنازة أبيه، وإن تباينت السياقات!).

تتميز أليس مونرو بأسلوب “السهل الممتنع”؛ فلغتها في ظاهرها تبدو يومية ومباشرة، لكنها في باطنها محملة بطبقات نفسية شديدة التعقيد، وتعتمد كثيراً على التذكر، والانتقال الزمني السلس، والبوح الهادئ الذي يشبه المناجاة النفسية.

يكبر الطفل ويكبر معه رفض أبيه له وكذلك تفاني والدته في رعايته (يشيد بهذه الصفة حين يؤكد تكريس حياتها للاهتمام به). وقد يبدو للبعض أن هذا ما سيشكل الحبكة الرئيسة بطريقة مملة ومتكررة، ولكن؛ رغم شدة هذه الصدمة ووقعها، لن تكون هي المحور، بدليل استعراض الراوي لخطوط حياته وتطورها، بما فيها لحظة ولادته، بمستويات متوازية دون مفاضلة مستوى على آخر، فهو يكبر ليتحول إلى ممثل ثم إلى مقدم برامج إذاعية ثم يتقاعد ويقرر العودة لمنزل العائلة وتمضية بقية حياته. ومن اللافت عدم انعكاس تحولات حياته هذه بتاتاً على حياته الأسرية.

ونكاد لا نلحظ ذلك على والديه، كما تنعدم تأثيرات علاقته بأسرته على عمله، والأهم من ذلك؛ لا يأتي على ذكر “عيبه الخلقي” أثناء تحوله للعمل في المسرح إلا على سبيل التندر. ولهذا نتوقع منه الإبحار عميقاً في رحلة اكتشاف واستكشاف لدواخله، وهي سمة من سمات عالم “أليس مونرو” الثري حيث نكتشف ونتعرف على الأبعاد الظاهرية للعوالم الخفية لشخوص قصصها التي تعيش في عالم لا يقتصر على الواقع المعاش، بل يتسع أفقها نحو حدود غير مرئية تغيب فيه القواعد الصارمة المحددة للواقع وتتسع الأبعاد الخفية وتتداخل مع الواقع.

وتكمن قوة “مونرو” في تفجير السرد القصصي في لحظة معينة من طفولة الراوي حين كان يلعب مع جارته الصغيرة نانسي، ورغم عدم إدراكه لحقيقة ما حدث (سوف يخبرنا أن السبب الأساسي يعود إلى طريقة والدته في رعايته داخل المنزل).

وتعتمد لنقل هذا الأسلوب بأمانة عل تقنيات متنوعة مثل حيوية السرد وهندسة الإيقاع الداخلي والحفاظ على نبرة الراوي والتكثيف الدلالي… وما إلى ذلك. فتعمل على دفع الأحداث والمشاعر إلى الأمام بقوة هادئة. واستخدام جمل طويلة متعرجة تحاكي طبيعة الذاكرة البشرية، ثم تقطعها فجأة بجمل قصيرة جداً وصادمة (مثل جملة: “لم تكن أمي حمقاء” ). للحفاظ على  التباين الإيقاعي، ويخدم هذا الأسلوب طبيعة الراوي، فهو هنا رجل مسن يتأمل طفولته بنبرة تحليلية، تبدو محايدة وساخرة أحياناً، لكنها تخفي جرحاً عميقاً. ودلالات نفسية كبيرة تفجرها  مونرو عبر تفاصيل مادية صغيرة (عصير العنب، الطلاء الأحمر، رائحة الخيمة) .

“وتبرز هنا مفارقة لاذعة توظفها مونرو ببراعة؛ إذ يختار فتى مشوه الوجه مهنة التمثيل الإذاعي، محتمياً خلف صوته الرخيم، خافياً وجهه عن أعين الجمهور. وحين يقف على خشبة المسرح، يحرص على إبقاء جانبه السليم مواجهاً للضوء. يعكس هذا الخيار المهني هروباً نفسياً متواصلاً، ورغبة دفينة في تقديم ذات مثالية خالية من العيوب، ما يفسر غياب أي ذكر لتأثير وحمته في مسيرته المهنية؛ فالإذاعة منحته فرصة التخفّف من عبء وجهه، والعيش حراً عبر صوته الأثيري.”

وتلعب مونرو هنا بمهارة على وتر “الراوي غير الموثوق”؛ فالرجل المسن الذي يستعيد شريط طفولته يدرك، في لحظات بوح نادرة، احتمالية هندسته ذكرياته لتلائم سردية محددة. يصور أباه وحشاً وأمه قديسة، ثم يستدرك ليعترف بمسؤوليته الشخصية واختياره الابتعاد. يضعنا هذا التردد أمام تساؤل جوهري حول ماهية الذاكرة: هل نستعيد الأحداث كما وقعت حقاً، أم كما حفرت أثرها النفسي فينا؟

وتنسج مونرو جغرافية المكان** لتتطابق مع العزلة النفسية لشخوصها. فالمنزل الفيكتوري المعزول على سفح مطل على بحيرة هورون، والكوخ الوردي القابع في الحديقة الخلفية، والشارع المسدود الحائل دون مرور الغرباء، تشكل جميعها إطاراً مكانياً خانقاً يعكس انغلاق العائلة على صراعاتها. يغدو المكان في القصة وعاءً حافظاً للخيبات، ومسرحاً صغيراً تتضخم فيه المشاعر لتبلغ حد الانفجار.

تقترح سردية مونرو القصصية تزويد الوالدين بمشكلة جاهزة مسبقاً وغير قابلة للحل، مما سيساهم في تكريس خلافاتهما واختلافهما.. ويشرح لنا الراوي عن وجود أزواج آخرين.. رجال ونساء قبلوا بوجود هذه الخلافات غير القابلة للإصلاح ويعيشون “حياة منفصلة حتى وإن كانا معاً في منزل واحد، كانوا رجالاً ونساءً تقبلوا حقيقة أن هناك كلمات أو أفعالاً لا يمكن غفرانها أبداً.. تخلق حواجز لا يمكن إزالتها قط”. وحتى عندما يصل الراوي إلى اللحظة الدرامية الكبرى في حياته لا تدع مونرو الأمر يتطور، لأنها لو فعلت وأطلقت العنان لعاطفتها أو لرغبة القارئ لانتهت القصة هنا برتابة وضجر.

تقدم مونرو موقفاً واضحاً لإمكانية التعافي من الخسارة أو حتى الخيانة، فالزمن شفيع الجراح كما يقال، ولكن هناك أموراً لا تَشفى ولا تُنسى.

يعترف الراوي، قرب النهاية، بشكل غير مباشر بحبه لنانسي ويقتبس من قصيدة لها ما يشير إلى نسيانه لها:

“أحدٌ لن يحزن عليك طويلاً

أحدٌ لن يصلي من أجلك.. أو يفتقدك

مكانكَ فارغٌ سيبقى

وأنتَ لستَ هنا”.

ويدفعنا اعترافه بعدم تكرار الخسارة و/أو الخيانة إلى إعادة النظر فيما حدث في الماضي وإعادة تفسير الدراما العظيمة في حياته على أنها خيانة.

حقيقة الأمر أن الراوي هو المذنب، فهو الذي اختار الابتعاد.

وفقط في نهاية القصة سيعترف بمشاعره تجاه نانسي ويتساءل ما إذا كان اللقاء معها حقيقياً أم حلماً وما إذا كان هذا اللقاء سوف يغير من الأمر شيئاً.

ثمة لحظة مهمة في القصة حين يصف وحمته بأنها “أرجوانية” وليست “حمراء”، بل هي أقرب إلى لون عصير العنب، وسوف يكون لهذا التأكيد أهمية فيما بعد حين تحاول نانسي تمييز نفسها مثله فتقوم بصبغ وجهها بالطلاء الأحمر، مما يشعره بالغيظ بسبب محاولتها التشبّه به، لكنه يصرّ على أن وجهه ليس أحمر. ولم يكن أحمر، علماً أن نانسي لم تقصد إهانته بقدر ما كانت تتصرف ببهجة.

لعل ردة فعله هنا تشبه ردة فعله السابقة حين يرفض اعتباره سبباً  في فشل زواج والديه، كما تحاول الأم قول ذلك، فليس “قطعة الكبد المفرومة” هي السبب.. أصلاً هي ليست هكذا، ليست حمراء إنها مجرد عصير عنب.

وبالنسبة لفتى اعتاد إخفاء جانب من جسمه فقد مثّل تصرف نانسي اختراقاً لخصوصيته.. التي ستعرّفها أمه بعد وفاة أبيه بقولها إن للأطفال مشاعر عميقة فيجيبها نعم لكنهم يتجاوزون ذلك، لأن الزمن كفيلٌ بغسل الذكريات القديمة..

ولكن هل استطاع تجاوز ذكرياته؟ مثل فكرة أن يتعشى وحيداً، أو أن شارون والدة نانسي كانت عشيقة لأبيه؟ أو معرفة الأم بهذه العلاقة والتغاضي عنها ربما، أو ذكرياته مع نانسي، وحلم ليلة المشفى والقصيدة..

هل حقا يتجاوز الأطفال ذكرياتهم؟

حتى حين نصل إلى النهاية ولحظة/ فكرة لقاء نانسي في المترو، ربما نعتقد أنه فعلاً تجاوز الأمر.

لكن الجواب يأتينا صاعقاً في آخر سطر” ممكن أن يحدِث اللقاء فرقاً… ممكن بكل تأكيد؛ ولكن إلى حين وليس إلى الأبد”.

ملاحظة أخيرة:

يكثف العنوان المعنى الدلالي لهُوية الراوي.  إذ يمثل الوجه بوابة الإنسان الأولى للعبور إلى العالم، وفيه تتكثف هُويته، وحين يصبح هذا “الوجه” هو العنوان سوف يتجرد الراوي من أي صفات أخرى، ليجد القارئ نفسه مباشرة أمام العقدة المركزية المحركة للأحداث. يعمل الوجه كواجهة لتجسيد ثنائية الصراع، حين يحمل وجه الراوي تناقضاً صارخاً؛ فنصفه طبيعي ونصفه الآخر يحمل وحمة تشبه انسكاب عصير العنب. يمثل هذا الانقسام الجسدي شرخاً أسرياً عميقاً يبدأ لحظة الولادة حين ينفر الأب من ابنه واصفاً إياه بـ “قطعة كبد مفروم”. ومن هنا سيكون “الوجه: موجهاً لمسارات حياة الراوي كافة؛ فهو يحدد شكل علاقته بوالديه، ويفجر لحظة الذروة الدرامية مع جارته نانسي حين تطلي وجهها باللون الأحمر محاكية وحمته. ويدفعه لاحقاً لاختيار مهنة الإذاعة، محتمياً خلف صوته الرخيم  ومبتعداً عن أعين الجمهور. يعيش الراوي حياته محاولاً تجاوز أثر وجهه، ويتظاهر بتجاهله، غير أن الوجه يفرض سطوته الغائبة الحاضرة، ويشكل خياراته وعلاقاته وعزلته وانطواءه. ومن هنا يأتي العنوان مقتضباً ومباشراً، شأنه شأن الحقيقة القاسية المواجهة للراوي كلما نظر في مرآة الردهة المعتمة.

…………

* “Chopped liver”: تعبير اصطلاحي إنكليزي دارج (What am I, chopped liver?) يُستخدم للتعبير عن التهميش أو الدونية والإهمال، ووظفته مونرو هنا لوصف بشاعة نظرة الأب لابنه لحظة ولادته.

** يُعد توظيف “المكان” كمرآة للحالة النفسية سمة بارزة تقاطعت معها مونرو في كثير من أعمالها التي تدور أحداثها غالباً في جغرافية مقاطعة أونتاريو الكندية، حيث تتحول المنازل الريفية والطبيعة المنعزلة إلى مساحات لاحتضان الصراعات البشرية الصامتة.

عن محمود الصباغ

كاتب ومترجم من فلسطين

شاهد أيضاً

في ذكرى رحيل إدوارد سعيد الـ 19

ربما هذه هي المرة الأولى التي أكتب فيها في ذكرى رحيل الناقد والدارس الفلسطيني إدوارد …

اترك تعليقاً