مستر بوغيس تاجر الأثاث الخبير

قصة قصيرة. تأليف رود داهل

ترجمة: محمود الصباغ

استهلال:

اعتاد تاجر أنتيكات لندني يملك محلاً صغيراً في ضواحي المدينة، على مكاثرة تجارته وزيادة أرباحه من خلال شراء قطع الأثاث الثمينة بأبخس الأسعار من بيوت الفلاحين في القرى المحيطة بلندن، حيث معظمهم هناك لا يعرف قيمة وأهمية ما يملكون من أثاث. كان هذا التاجر، واسمه سيريل بوغيس، يجول في الريف اللندني، كل يوم أحد متنكراً في زي رجل دين بحثاً عن صيد ثمين مخفي. وذات يوم تصادف وجوده في مزرعة يعيش فيها رجل وابنه وبرفقتهم أحد الجيران، وهناك شاهد قطعة أثاث نادرة لا تقدر بثمن، فماذا سيفعل ليحصل عليها، بأقل سعر كما اعتاد أن يفعل؟

لا يخلو العنوان Parson’s Pleasure، وبعض التفاصيل الأخرى، من السمات الدلالية والتراكيب اللغوية والشكلية الواضحة. فالمطّلع على الثقافة الإنكليزية يعلم أن تعبير Parson’s Pleasure  يشير، لدى الإنكليز عموماً، وسكان أكسفورد على وجه الخصوص، إلى ما هو أبعد وأقدم من قصة “رود داهل” هذه. حيث يتم تداول حكاية غامضة (للمزيد، انظر: Townsend, George Jack Nairne: A cultural history of Parson’s Pleasure, Birkbeck, University of London. 2022)، لا يعرف أصلها، حول موقع “بارسونز بلجر” على نهر شيرويل، شمال شرق أوكسفورد، حيث كان يتجمع الرجال فيه، لاسيما أساتذة جامعة أوكسفورد، للاستجمام والتمتع بأشعة الشمس، منذ أواسط القرن السابع عشر حتى إقفاله وهدمه في العام 1991. وتقول الحكاية كان استاذان جامعيان من أوكسفورد يستجمان في بارسونز بلجر، ذات صيف، وكانا بطبيعة الحال، ووفقاً لتقاليد المكان، عاريين تماماً، وفجأة اقترب منهما قارب على متنه طالبات من الجامعة، فما كان من أحد الرجلين إلا أن قام بتغطية وسطه بمنشفة كانت معه، أما الرجل الآخر فغطى وجهه، ولما ابتعد القارب، سأل الثاني الأول: كيف تجرؤ على هذا؟ فأجابه الثاني (ويقال أن اسمه موريس بورا): “أنا لا أعرفك يا سيدي، ولا أعرف عنك شيئاً، ولكني معروف في أكسفورد، على الأقل، من وجهي وليس من خلال أعضائي التناسلية”.

وإذن، هذه هي قصة موقع Parson’s Pleasure وما تخفيه من مجازات عديدة. ولعل هذا سوف يتيح للكاتب التلاعب اللفظي في اللعب على المعنى المعجمي لكلمات العنوان نظراً إلى أن القارىء -الإنكليزي بطبيعة الحال- سوف يذهب بذهنه، بحمولاته الذهنية العديدة، إلى موقع بارسونز بلجر. فمنطق بوغيس الرأسمالي سوّغ له التنكر في زي رجل دين، بل سوّغ له اقتراح  ما هو أكثر من ذلك، لتحقيق أرباح طائلة، فضلاً عن غرور شخصي يسمح له بالتباهي أمام أقرانه وزبائنه الذين لا يعرفون شيئاً عن عمله الحقيقي وعن طرق حصوله على بضاعته، وسوف تسمح له خبرته “الرأسمالية” ومعرفته بأسرار السوق أن يمارس، وبقسوة واضحة، تعاليه واستغلاله لجهل الآخرين لينتزع منهم ممتلكاتهم سواء بالضغط أو الإغراء، وفقاً للمبدأ المشهور “التجارة شطارة”.

قد يقول البعض أن بوغيس تاجر شاطر.. نعم قد يكون الأمر  كذلك لكنه أيضاً تاجر محتال، مثلما كان موشيه دايان، على سبيل المثال، منقب وجامع آثار محترف، غير أن هذا لا ينفي أنه كان لصاً.

لقد كان بوغيس، بصفته تاجر أثاث، محتالاً عن سابق إصرار وترصد، يشتري بضاعته بأسعار أقل بكثير من قيمتها. ليس هذا فحسب، بل كان يشعر بعظيم المتعة Pleasure ( تحتمل الكلمة معنى الشهوة واللذة أيضاً) وهو يضغط على القرويين فيخدعهم ليسرق منهم أثاث بيوتهم بأبخس الأثمان. وسوف يستجيب هؤلاء للضغوط حيث لن يتوقع أحدهم أن يكون بوغيس Boggis الكاهن Parson بما يحمله من ملامح  جسدية ( يصفه داهل بتهكم واضح  بأنه رجل سمين ووجه مستدير ووردي. عيناه كبيرتان وبنيتان مما يعطي انطباعاً بالغباء اللطيف، يدخن ويحب شرب الجعة.. يتحول إلى شخص خطير وشرس مع الزبائن الأثرياء كبار السن، وصبوراً  مع المتدينين، وبارعاً مع الضعفاء، ومؤذٍ مع الأرامل، ومتسق مع العوانس) مجرد لص أثاث خالٍ من الأخلاق، فحتى عندما يتواجه مع أشخاص حذرين وفضوليين -ليسوا حمقى على كل حال- فهو قادر على مواصلة  مهارته و”متعته” في الفوز بما لديهم.  وسوف تتضح التورية في اسم بوغيس عندما يتلاعب “داهل” بين كلمة Boggis كاسم علم لشخص وكلمةbogus بمعنى زائف. وهي صفة أكثر ما تنطبق على تاجر الأنتيكات اللندني، فهو وإن كان تاجر أثاث حقيقي، فكل ما عدا ذلك مزيف. فهو  كاذب ومحتال ومتعجرف، لكنه يتظاهر بعكس ذلك، بصورة متعمدةـ فهو يضلل الناس في حواره معهم ليصل إلى ما يريد، ويختلق أحداثاً أو أفعالاً عير حقيقية لتحقيق مبتغاه، وهكذا سوف يكون أي اسمه غير حقيقي، بل تحريف مقصود لصفة الزيف والوهم وإن بطريقة خفية. وإذن سيكون مكر بوغيس وأنانيته وجشعه وخداعه للناس والسعي وراء الثروة، مهما كانت السبل.. كل هذا لا يعود إلى سلوكه التجاري فقط؛ بل ريما يخفي بعضاً من جوانب شخصيته الكامن وراء هذه الدوافع.

سيكون من الإجحاف عدم الإشارة إلى لغة داهل المليئة بالاستعارات والجمل الوصفية بما لا يثقل على العمل، بوصفه قصة قصيرة مكثفة تدور حول فكرة مركزية، ويكفي تأمل العنوان حتى ندرك ما تحتويه من  تلميحات وعناصر مدهشة، لا سيما مصير تاجر الأثاث. ونظراً لطغيان شخصية بوغيس في القصة، فسوف تكون جميع الشخصيات الأخرى مجرد شخوص ثانوية لا تستطيع الإفصاح عن نفسها إلا من خلال افكار بوغيس نفسه، وردود أفعالهم على هذه الأفكار. ولعل هذا أحد مواضع الضعف في القصة، إذ سوف يكتشف القارىء، أو يتوقع على الأقل، النهاية الحتمية لبوغيس حتى قبل نهاية القصة، وهو ما يمكن ملاحظته في تفاصيل السرد منذ البداية، ولو مضينا أبعد من ذلك، فسوف نقول، فشلت القصة، في نهاية المطاف، أن تضعنا أمام ما يمكن أن نتعلمه منها. وقد حاول المؤلف التغلب على هذه النقطة من خلال تركيز السرد العام والوصف بضمير الغائب، وكأنه يحاول القول أنه يروي قصته “من الخارج” ولا علاقة له بالشخصيات أو الأفعال. حتى التطور الدرامي للقصة يبدو كأنه تطور خطي سببي دون التواءات جانبيةـ فمعظم، إن لم يكن جميع، الأحداث نراها من خلال تصرفات وأفكار وأفعال بوغيس، مما يتيح للقارىء فرصة للتفكير في تقديم التفسير الخاص به. وبينما كانت تتكاثف الحبكة، هربت القفلة من بين يدي كاتبها، فلاحقها واستعجل نهايتها بضربة فأس.

بقي أن نشير أن الطبعة الأولى للقصة اعود للعام 1958 ، ولا أعلم إن كان لها ترجمة باللغة العربية.

….

 

مستر بوغيس تاجر الأثاث الخبير

كان مستر بوغيس يقود سيارته متراخياً وهو يوارب جسده إلى الخلف ويريحه على المقعد، ويسند مرفقه على حافة النافذة المفتوحة متأملاً المنظر من حوله. وخطر في باله، وهو يتابع ما حوله، كم هو جميل منظر الريف، وكم هو ممتع ملاحظة إشارات عودة الصيف، وانفجار أزهار بخور مريم والزعرور البري، البيضاء والوردية والحمراء، على التصوينات والأسيجة الممتدة على طول الطريق، في حين تنتشر كتل أزهار بخور مريم الجميلة  أسفل الأسيجة. رفع بوغيس يده عن عجلة القيادة وأشعل سيجارة وهو يحدث نفسه” أفضل ما يمكن فعله الآن هو أن أمضي صعوداً نحو بريل هيل” التي لا تبعد -حسب تقديره-من حيث هو أكثر من نصف ميل، حيث تتناثر بيوت قرية بيل على هيئة أكواخ بين الشجر على قمة التل.. حسن.. حسن.. لا أحد يفكر في القدوم إلى هنا بحثاً عن رزقه.. هكذا فكّر بوغيس كأنه يطمئن نفسه وجعل يقود سيارته باتجاه قمة التل.

توقف بوغيس قبيل القمة بقليل. ترجل من سيارته وألقى نظرة على الأفق نحو مشارف القرية، وفي الأسفل يبدو مشهد الريف ممتداً مثل سجادة خضراء ضخمة لعدة أميال على مد البصر، بدى له الأمر مثالياً ورائعاً، وسرعان ما تناول لوحاً وقلماً من جيبه  انحنى، بهمة، على الجزء الخلفي من السيارة وسمح لعينيه أن تجوبا ببطء المناظر الطبيعية الخلابة، وكان بمقدوره أن يلمح، على البعد، مزرعة متوسطة الحجم إلى جهة اليمين، تجثم هناك خلف الحقول تماماً، كما يمكنه رؤية الدرب المؤدي إليها. آهااا .. ثمة مزرعة أخرى أكبر منها تقع خلفها، كما لاح له، من بعيد، منزل تحيطه أشجار الدردار الشامخة كما لو أنها الملكة “آن”. وعلى اليسار، برز له، كما ينبت الزرع، ما يشبه مزرعتين أو هكذا خُيّل له.

وإذن فمجموع ما يحيط به من هذه الجهة خمسة منازل. ثم انهمك مستر بوغيس في الرسم، على لوحه، ما تقع عليه عينيه من بيوت ومزارع، ليسهل عليه العثور عليها عندما يقفل، راجعاً، إلى أسفل التل. و ما إن فرغ من عمله حتى عاد إلى سيارته، وتوجه مباشرة نحو القرية التي تقع على الجانب الآخر من التل، وكان باستطاعته أن يرصد، من هناك، ستة مواقع أخرى: خمس مزارع ومنزل أبيض كبير من الطراز الجورجي. بدى المنزل، وهو يتأمله بمنظاره، نظيفاً وثرياً، وظهرت حديقته مرتبة جيداً، وكم بدى له مؤسفاً استبعاد هكذا منزل من خططه، إذ لا فائدة ترجى، فيما يتعلق بمهنته، من مثل هذه النوعية من البيوت الثرية. عاد ليتأمل لوحه من جديد، ولاحظ أنه استطاع أن يعثر في هذه المنطقة الصغيرة على عشرة بيوت مناسبة لخططه كما رسمها تماماً على لوحه.. مم.. عشرة! يا له من عدد جميل، عدد مناسب لفترة استراحة بعد الظهر. ولكن ما الوقت الآن؟ إنها الثانية عشر ظهراً، كان سيرغب، في مثل هذا الوقت، لو يحتسي القليل من الشراب في الحانة قبل أن يبدأ عمله، ولكن الحانة لا تفتح أبوابها في أيام الأحد قبل الواحدة. “لابأس.. لابأس، سوف أقوم بذلك لاحقا”،  قال ذلك وهو يتابع النظر في الملاحظات التي دونها على لوحه، ليقرر بدء عمله من منزل شجرات الدردار الذي دعاه “الملكة آن”، والذي كان يبدو متداعياً، على نحو ما،  كلما تأمله أكثر، لعل سكانه ستنمون إلى تلك النوعية التي تقبل بالقليل من المال كما يوحي منظر المنزل.. والحق يقال، لطالما كان محظوظاً مع البيوت التي على شاكلة “الملكة آن” هذا.

صعد مستر بوغيس إلى سيارته، ودون أن يدير المحرك أرخى مكابحها وجعلها تتهادى ببطء نحو أسفل التل. وبغض النظر عن حقيقة أن مستر بوغيس كان في تلك اللحظة متنكرا في زي رجل دين، فليس هناك ما يوحي بأنه رجل شرير.

يعيش مستر بوغيس من عمله كبائع وتاجر أنتيكات وأثاث عتيق، وله متجره الخاص وصالة عرض في كينغز رود في تشيلسي [في لندن]. وللحق أيضاً، لا يمكن القول أن بوغيس يمتلك متجراً كبيراً، بل أنه حتى لا يحقق أرباحاً طائلة من عمله، ولكن باعتباره يشتري دائما بضاعته بأبخس الأثمان ويبيعها بأغلاها، فهذا يجعله يحقق دخلاً ضئيلاً لكنه مقبولاً. ولعلمكم، فإن مستر بوغيس هذا، في الحقيقة، بائعاً موهوباً لا يشق له غبار، فما إن تلمس يداه قطعة أثاث حتى تنزلق بسرعة عجيبة لتناسب مزاج الزبون سواء كان بائعاً أم مشترياً. غير أنه ما ينفك يصبح أكثر سحراً وشراسةً مع الزبائن كبار السن الذين تظهر عليهم سمات الغنى والثراء، فيبدو صبوراً على المتدينين منهم، وبارعاً مع الضعفاء، ومؤذٍ مع الأرامل، ومتسق مع العوانس، وهو يعرف موهبته تلك حق المعرفة، ويستخدمها دونما خجل كلما أتيح له ذلك. وفي نهاية المطاف، غالباً ما يقوم باستعراض وأداء جيدين بشكل غير عادي، وعند تلك اللحظة واللحظات المشابه، كان، بالكاد، يستطيع منع نفسه من التنحي جانباً كما لو أنه ممثل مسرحي ينحني لمرة أو اثنتين على خشبة المسرح إثر انفجار المسرج بموجه من التصفيق الحار من الجمهور، وبرغم أم مثل هذا السلوك قد يضفي عليه مسحة من التهريج إلى حد ما، لكنه ليس أحمقاً بأي حال.

في الواقع، وبحكم طبيعة عمله وأسلوبه، كثيراً ما كان البعض يقولون عن امتلاكه للمعرفة الجيدة والخبرة العميقة في أصناف الأثاث الفرنسي والإنكليزي وكذلك الإيطالي، أكثر من أي تاجر آخر في لندن. وفوق كل هذا كان صاحب ذائقة مميزة ومدهشة بالفعل، مما جعله يستطيع التمييز بين التصاميم الجيدة والتي قد تنطوي على لمسات إبداعية. وكان شغفه أكثر ما يكون، بطبيعة الحال، ميلاً للمصممين الإنكليز العظماء الذين عاشوا في القرن الثامن عشر، أمثال: إنس ومايهيو وتشيبيندال وروبرت آدم ومانوارينغ وإنيجيو جونز وهايلوايت وكنت وجونسون وجورج سميث ولوك وشيراتون وبقية جيلهم. ورغم حبه لأعمال هؤلاء جميعاً، إلا أن الأمر لم يكن هكذا دائما، إذ لابد من وجود الاستثناءات التي تؤكد صحة القاعدة، فقد كان التاجر الخبير بوغيس يرفض، على سبيل المثال، السماح بعرض قطعة في متجره من أعمال تشيبيندال الصينية أو القوطية، والأمر ذاته ينطبق على تصاميم إيطالية أثقل من عمل روبرت آدم. وكان مستر بوغيس قد حقق، خلال سنوات قليلة، شهرة بين أقرانه بسبب قدرته الاستثنائية المميزة على اقتناء سلع، غالباً ما تكون نادرة، وبانتظام مذهل، حتى أن البعض باتوا يعتقدون بوجود مصدر توريد له لا ينضب تقريباً، لعله مصدر بمثابة مستودع خاص، و يبدو أن كل ما كان عليه القيام به هو الخروج مرة واحدة في الأسبوع، وجلب ما يمكن بيعه لزبائنه، وكلما سئل عن مصدر سلعته، ومن أين يحصل عليها، كان يكتفي بالابتسام بذكاء وفطنة، ويغمز بإحدى عينية، ويهمهم بكلام غير مفهوم عن سر صغير يملكه لا يمكنه البوح به.

في الحقيقة ما كان يقوم به مستر بوغيس ليس سوى فكرة بسيطة، فوراء نلك الفكرة البسيطة أو سره الصغير يكمن جهد بسيط يقوم به بعد ما حصل معه ما حصل عن طريق الصدفة.

ففي أحد أيام الأحد، قبل نحو تسع سنوات، كان يقود سيارته في الريف متجهاً لزيارة أمه العجوز التي تسكن في بلدة سفن أوكس. وأثناء عودته انقطع حزام مروحة السيارة مما تسبب في ارتفاع حرارة المحرك، وبدأ الماء في الرادييتير بالغليان تقريباً، فركنها جانباً وخرج يبحث عن ماء من أقرب منزل لم يكن يبعد عنه أكثر من خمسين متراً، وطلب من السيدة، التي فتحت له الباب، قليل من الماء وشرح لها ما حدث لسيارته، و بينما كان ينتظر عودتها، لاحت منه نظرة، من الباب الموارب، إلى غرفة المعيشة، وهناك، وعلى بعد أمتار قليلة منه، اكتشف شيئاً جعله يفيض حماساً، فبدأ عرقه يتصبب من كل مكان من رأسه. كان ثمة كرسي من البلوط بذراعين من النوع الذي لم ير مثله سوى مرة واحدة في حياته. لقد بدى الكرسي مذهلاً، فكل ذراع، بالإضافة إلى المسند الخلفي، مدعم بصف بثمانية مغازل مستديرة وجميلة، كما كان المسند مطعما بتوليفات رشيقة من الورود، كما نقش رأس بطة على طول منتصف كل ذراع، يا عفو الله، ما هذا؟ و ندت صرخة خافتة من فمه، لابد أن هذا الكرسي مصنوع في آخر القرن الخامس عشر، اقترب أكثر من الباب ودس رأسه نحو الداخل، ويا لهول ما رأى، فقد كان هناك كرسي آخر قرب المدفأة، لم يستطع أن يخفي دهشته، وأثناء ذلك كان دماغه يعمل بسرعة رهيبة، إذ لم يكن متأكداً ولكنه يستطيع التخمين بأن ثمن كل كرسي من هذا النوع في لندن لا يقل عن ألف جنيه. يا لهذا الجمال الذي وقعت عليه عينيه للتو. وحالما عادت السيدة تحمل إبريق الماء، قدم مستر بوغيس نفسه لها وسألها إن كانت ترغب ببيع الكراسي. لم تكترث السيدة صاحبة المنزل لسؤاله، وردت عليه بأدب: ولكن يا عزيزي لماذا علي أن أبيعهم؟ ما الداعي إلى ذلك؟ أثنى مستر بوغيس على جوابها وتابع يقول حقاً لا يوجد أي سبب على الإطلاق، باستثناء إني مستعد لدفع مبلغ مناسب لهما لو رغبتِ، فقالت المرأة: وكم ستدفع طيب؟ يعني من باب العلم فقط؟ علماً أنهما ليسا للبيع بأي حال، فرد عليها بسرعة خمس وثلاثون جنيهاً، فغرت المرأة فاها وقالت كم؟ فأعاد على مسامعها المبلغ دون أن يعطيها فرصة تلتقط فيها أنفاسها، خمس وثلاثون يا سيدتي جنيه ينطح جنيه. خمس وثلاثون. تمالكت السيدة صاحبة المنزل نفسها، واستعادت أنفاسها وبعض هدوئها، وقالت: خمس و ثلاثون؟ لابأس، ذلك رائع حقاً، لطالما اعتقدت أن لهذه الكراسي قيمة ما، أي نعم يبدوان قديمين جداً لكنهما مريحان أيضاً، ولا يمكن الاستغناء عنهما، وتابعت بصوت عال: لا يا سيدي، ليسا للبيع شكراً لعرضك، فأجابها: ولكنهما لا يبدوان قديمين جداً كما تتخيلين، ولن يكون من السهل بيعهما فيما بعد لو قررت ذلك، ولكن تصادف إني أعرف زبوناً يحب اقتناء مثل هذه الأشياء، لذا يمكنني رفع السعر جنيهين، ما رأيك بسبعة وثلاثين؟ استمر مستر بوغيس، والسيدة في المساومة نحو نصف ساعة، و بطبيعة الحال تمكن، في النهاية، من الحصول عليهما، ودفع ما يعادل أقل بعشرين ضعف من قيمتهما الحقيقية، وأثناء عودته والسعادة تغمره بحصوله على الكرسيين، ضرب فجأة جبينه بباطن كفه حين لمعت في ذهنه فكرة مذهلة: إذا كان هذين الكرسيين يقبعان في مزرعة متواضعة هنا، فلم لا يكون ما يشبههما في بقية البيوت المنشرة هنا وهناك؟ لم لا يبحث بنفسه عنها؟ لم لا يقوم بتمشيط الريف بيتاً بيتاً بحثاً عن الأنتيكات القديمة؟

يمكنه القيام بذلك أيام الأحد، بحيث لا يؤثر نشاطه  هذا على العمل في المتجر، أصلاً لم يكن يدري كيف يمضي يوم الأحد. وما إن نضجت الفكرة في ذهنه، حتى اشترى خرائط بمقياس رسم كبير لجميع المقاطعات الريفية المحيطة بلندن، وقسّم كل منها إلى سلسلة من المربعات يغطي كل مربع مساحة فعلية من خمسة أميال تقريباً وهي المساحة التي قدّر أنه يستطيع العمل فيها في يوم واحد، واستثنى المدن والبلدات  لتسهيل عمله، فقد كان هدفه الأماكن المعزولة نسبياً، والمزارع والبيوت الريفية المتداعية. وبهذه الطريقة لو قام كل يوم أحد بإنجاز مربع من مربعاته، فهذا يعني اثنين وخمسين مربعاً في العام، بما يغطي تدريجياً كل مزرعة وبيت ريفي في المقاطعات المقسمة على خرائطه. و لكن الأمر لم يكن على تلك الدرجة من السهولة، فسكان الريف يرتابون بكل شيء بحكم طبيعتهم، فضلاً عن سذاجتهم المعروفة، فلا يمكنك، هكذا ببساطة، أن تقرع أبوابهم وتتوقع منهم أن يدعوك تتجول في بيوتهم بحرية بداعي السؤال فقط، لسبب بسيط وهو أنهم لن يقوموا بهذا قط، فبمثل هذا الأسلوب وبمثل هذه الطريقة لا يمكن حتى تجاوز عتبة الباب الخارجي.

فما السبيل إذن لجعلهم يستقبلوه؟

لعله من الأفضل له أن لا يخبرهم عن طبيعة عمله، يمكنه أن يتنكر بزي عامل هاتف أو سبّاك أو مراقب عداد الغاز. كما يمكن أن يكون، أيضاً، حتى رجل دين، لم لا؟ وعند هذه النقطة بدأت تتضح الأمور أمامه وبدأ خطته تميل برمتها لأن تتحول إلى خطوات عملية أكثر فأكثر. فقام بطبع كمية معتبرة من البطاقات الشخصية كتب عليها” الكاهن سيريل وينينغتون بوغيس، رئيس جمعية الحفاظ على الأثاث الفيكتوري النادر في متحف ألبرت”.

وصار، منذ ذلك الحين يتحول كل أحد إلى  كاهن عجوز لطيف يقضي عطلته في التجوال يجرد الكنوز المخبأة في المنازل الريفية الإنجليزية بحكم شغفه بـ “الجمعية”. وهكذا، من سوف يمتلك، حينها، تلك الجرأة أو الوقاحة على طرده عندما يسمع مثل هذا الكلام؟ قطعا لا أحد. ولو حدث واكتشف شيئاً ما حقيقياً بمجرد أن يصبح داخل أحد البيوت، فلن يعدم وسيلة للحصول عليه، فهو يعرف مائة طريقة وطريقة للتعامل مع هكذا أمور، ومما أثار دهشته أن مخططه هذا لاقى نجاحاً غير متوقعاً، فقد كان الناس في الواقع يستقبلونه بحفاوة كلما انتقل من منزل لآخر على امتداد الريف المحيط بلندن.

بدى الأمر، في البداية، محرجاً للغاية حتى بالنسبة له، فلم تكن تخلو زيارته من دعوته لتناول فطيرة باردة، وكأس شراب أو كوب شاي أو سلّة من الخوخ، بل قد يصل الأمر أحياناً إلى دعوة على العشاء والجلوس مع الأسرة. ولطالما كانت مثل هذه الأمور تضغط عليه باستمرار. وبالطبع لم يكن يخلو الأمر من بعض اللحظات السيئة والحوادث غير السارة.

ولكن لكم أن تتخيلوا، إنها تسع سنوات يا سادة، أي حوالي أربعمائة يوم أحد وعدد غير محدود من المنازل التي زارها، لقد كان الأمر برمته مثيراً للاهتمام ومربحاً.

وها هو الآن في أحد أيام الأحد يتجول في مقاطعة باكينغهامشير على بعد حوالي عشرة أميال عن أوكسفورد، يوقف سيارته أسفل التل، ويتوجه إلى هدفه الأول، “الملكة آن” الذي بدى منزلاً متهالكاً مما أعطاه إحساس بأن هذا سيكون من حسن طالعه.

أوقف مستر بوغيس سيارته على بعد حوالي مئة متر من البوابة، وتابع طريقه مشياً، فلم يكن يرغب في أن يرى الناس سيارته إلا بعد انتهاء الصفقة، فهو لا يحبذ أن يرى الناس رجل دين وقور يقود سيارة مقطورة، لا يبدو ذلك مناسباً، بالإضافة إلى أن هذا يمنحه بعض الوقت لتفحص الممتلكات من الخارج عن كثب، والتكهن بالمزاج الأكثر احتمالاً لمثل هذه المناسبات.

انزلق بخفة من سيارته، وبدت ملامحه تكشف عن رجلٍ بسحنةٍ هادئةٍ وأرجلٍ منتفخةٍ، وبطنه بارزة أمامه، ووجه مستدير ومتورّد. كانت عيناه البنيتان بارزتان من وجهه الوردي تعطي انطباعاً لطيفاً بالبلاهة، وكان يرتدي بدلة سوداء، ويضع حول رقبته الطوق المعتاد للدلالة على مرتبته الدينية ككاهن، كما كان يعتمر قبعة سوداء لطيفة، ويهز بيده عصاة مشي قديمة من خشب البلوط تضفي عليه -باعتقاده- مظهراً بسيطاً ومرحاً. اقترب من الباب الأمامي للمنزل، وقرع الجرس، فسمع وقع خطوات قادمة من الداخل، وانفتح الباب فجأة لتقف أمامه، بالأحرى فوقه، امرأة عملاقة ترتدي

“البريتشيز” الخاص بركوب الخيل، وكان باستطاعته أن يتنشق، رغم راحة التبغ القوية المنبعثة منها، رائحة إسطبلات وروث الأحصنة النفّاذة العالقة بالسيدة.. وثم.. أتى -بعد جسمها- صوتها

-نعم؟.. قالتها، وهي تنظر نحوه بريبة، ثم أردفت “ما الذي تريده؟”

رفع مستر بوغيس قبعته، وناولها بطاقته، وهو يتوقع منها أن تصهل في أي لحظة، ثم قال : -أعتذر بشدة لإزعاجك. ووقف يتابع تعابير وجهها حالما بدأت بقراءة اسمه ووظيفته على البطاقة.

 لم يدم الأمر طويلاً، فسرعان ما أعادت له البطاقة وهي تقول: “لم أفهم.. ما الذي تريده؟”. فما كان منه إلا أن أخذ الوضعية المناسبة وبدأ يشرح لها وظيفة ومهمة جمعية الحفاظ على الأثاث النادر الموجود في المنازل. فردت عليه

-ولكن هذا لا يعني بأي حال وجود علاقة ما مع الحزب الاشتراكي؟

ثم حدقت به بشراسة من تحت زوج من الحواجب الكثيفة الشاحبة. وعند هذه اللحظة بدى الأمر سهلاً، فمن يرتدي “البريتشيز” مثل تلك السيدة يكون انتماؤه لحزب المحافظين، وهم أهداف سهلة له سواء كان أحدهم رجلاً أم امرأة. لم يحتاج الأمر منه سوى دقيقتين ليكيل المديح للجناح اليميني المتطرف في حزب المحافظين، ومثلهما للتهجم على الاشتراكيين، ولكي يضفي بعضاً من الحقيقة على كلامه أشار بشكل خاص إلى مشروع القانون الذي يدفع به الاشتراكيون لإلغاء مواسم صيد الحيوانات في البلاد، ومضى يقول أن “فكرته عن الجنة [رغم أنه من الأفضل عدم إخبار الأسقف بذلك يا عزيزتي] بوصفها المكان الذي يمكن أن نصطاد فيه الثعلب والأيل والأرنب من الضحى حتى الليل كل يوم من أيام الأسبوع، بما في ذلك أيام الأحد برفقة مجموعة كبيرة من كلاب الصيد التي لا تكل جرياً ونباحاً”.

 كان مستر بوغيس يتحدث ويراقب السيدة ذات رائحة التبغ القوية، ويتابع مفعول السحر الذي بدأ يؤتي بثماره، إذا افترّ فمها عن ابتسامة عريضة أظهرت أسنانها الصفراء الضخمة، فتابع يقول “أستميحك عذرا يا سيدتي لا تدعيني أبدئ في الحديث عن الاشتراكية” وهنا أفلتت منها ضحكة عريضة ورفعت يدها المحمرة وهوت بها على كتفه بقوة حتى كاد يقع ثم زعقت:

-تبا لكل هذا.. تفضل.. ادخل.. رغم إني لا أعرف ماذا تريد بالضبط. لكن لا عليك تفضل بالدخول.

لم يحتوِ البيت، لسوء حظه، على شيء ذو قيمة، وهذا ما أثار استغرابه، لذلك قرر عدم إضاعة الوقت والبحث في أرض قاحلة، ولن يعدم عذراً لمغادرة المكان في الحال. وبالفعل لم يستغرق الأمر أكثر من ربع ساعة.

نعم هكذا ينبغي أن تسير عليه الأمور، قال محدثاً نفسه، وهو يعود لسيارته لينطلق نحو هدفه التالي- عدة بيوت ريفية أقربها على بعد نصف ميل عن الطريق العام- وهو عبارة عن بناء نصفه من الطوب ونصفه من الخشب القديم، وكان بإمكانه أن يرى شجرة كمثرى رائعة تغمرها أزهارها وتنتصب قرب الجدار الجنوبي.

طرق على الباب وانتظر. لكن لم يأتِ أحد، فأعاد الطرق من جديد، ولكن لا جواب. فقام بجولة في المكان مقترباً من اسطبلات الأبقار، ولكن لم يرَ أحد هنا أيضاً، فخمّن أنهم يجب أن يكونوا في الكنيسة في مثل هذا الوقت، فاغتنم الفرصة وبدأ النظر عبر النوافذ ليرى إن كان ثمة ما يثير اهتمامه، لم يكن هناك شيء في غرفة الطعام، ولا في المكتبة، فجرب الاقتراب من النافذة التالية التي تطل على غرفة المعيشة، وهناك على اليمين، أسفل أنفه، في الكوة الصغيرة التي صنعتها النافذة وجد ما يبحث عنه، طاولة نصف دائرية من خشب الماهوغني مكسوّة بقشرة فاخرة ومشغولة بأسلوب هيبليوايت من سنة 1780. فصرخ بصوت عال” آه.. ها.. ها” وضغط وجهه بقوة على الزجاج وتابع يقول” حسن فعلت يا بوغيس.. حسن ما فعلت”.

ولكن ليس هذا كل شيء، لقد كان هناك كرسي أيضاً، كرسي مفرد، وإن لم يكن مخطئاً فقد كان أكثر جودة من الطاولة، عمل آخر من تصميم هيبلوايت. أليس كذلك؟ ويا للجمال، لقد كانت مشابك الظهر تزينه نقوش نباتية، وكانت القشرة واستدارة العصي تبدوان جميعها أصلية، أما الأرجل فكانت رشيقة ومستديرة بنعومة، وما كان يعني له الكثير شكل الأرجل الخلفية المتباعدة نحو الخارج. لقد كان بحق كرسياً رائعاً، قال بوغيس لنفسه وتابع بعد أن هدأ قليلاً “ها قد تم عمل اليوم، سأكون سعيداً بالجلوس على هذا المقعد الجميل في نهاية اليوم”. كانت هذه عادته، فلم يسبق له أن اشترى كرسياً من قبل دون أن يقوم بهذه التجربة المفضلة عنده. لقد كان الأمر يثير فيه الكثير من المشاعر حين يهبط بجسمه بدقة وبطء على الكرسي في انتظار “إعطاء” وقياس، بخبرة دقيقة هائلة، درجة الانكماش التي تسببت فيها السنوات ونقر واتصال المفاصل، لكنه يبدو الآن ليس على عجلة من أمره، سوف يعود لاحقاً، فمازال لديه فترة بعد الظهر بأكملها.

كانت المزرعة التالية تقع  على الطريق العودة بين الحقول، ومن أجل أن يبقي سيارته بعيداً عن الأعين، اضطر إلى ركنها على الطريق والمشي نحو خمس مئة متر مباشرة في خط مستقيم يؤدي به إلى الفناء الخلفي لأحد البيوت الريفية الذي بدى، كلما اقترب منه، أصغر بكثير من البيت الذي رآه من قبل, ولا يوحي بأمل العثور على شيء مهم بداخله، بدى البيت قذراً وحظائره في حالة يرثى لها، وعلى مبعدة منه، كان ثمة ثلاثة رجال يقفون في الفناء قرب بعضهم البعض، يقبض أحدهم على اثنين من الكلاب السلوقية السوداء الكبيرة. توقف الرجال فجأة عن الكلام فيما بينهم، عندما لمحوه يقترب ببدلته السوداء وياقته الكهنوتية، وتجمدوا في مكانهم بلا حراك، واتجهت وجوههم نحوه تراقبه، بريبة، كلما كان يقترب أكثر. بدى الأكبر فيهم بمظهر متعجرف نوعاً ما وله فم كبير وعيون صغيرة غامضة، وعلى الرغم من أن مستر بوغيس لم يكن يعرف اسم هذا الشخص, فقد كان يدعى “رومينز” وهو صاحب هذه المزرعة، أما الشاب طويل القامة الذي يقف بقربه، والذي يبدو أن ثمة خطب ما في إحدى عينيه فقد كان يدعى بيرت وهو ابن السيد رومينز، أما أقصرهم ذو الوجه المسطح والحواجب الضيقة والكثيفة والأكتاف العريضة فيدعى كلود، وهو هنا آملاً في الحصول على قطعة من لحم الصيد الذي ُقتل يوم أمس، وكان كلود على علم بهذه الغنيمة-فقد ملأ ضجيجه الحقول- وكان يعلم أيضاً أنه للقيام بمثل هذه العمل لابد من وجود تصريح حكومي، ولم يكن رومينز -في الواقع- يمتلك مثل هذا التصريح.

بادرهم مستر بوغيس بالسلام: “مساء الخير لكم جميعاً، يبدو اليوم جميلاً، أليس كذلك. ألا يبدو كذلك؟”.

لم يتحرك أي من الرجال الثلاثة، و يبدو أن شيئاً واحداً جال في تفكيرهم: أن من يقف أمامهم رجل دين، ولكنه ليس رجل الدين الذي يعرفوه، بل هو على الأرجح مبعوث أتى ليحشر أنفه في شؤونهم، ويقدم تقريره للحكومة، قطع مستر بوغيس سلسلة أفكارهم وتابع:

-يا لها من كلاب جميلة.. ينبغي لي القول أنني لم أشترك شخصياً قط في سباقات الكلاب السلوقية، لكني أسمع أنها رياضة رائعة

ومن جديد عاد الصمت لينشر ظلاله فوق المكان، فيما كان هو يجول ببصره سريعاً بين رومينز وبيرت وكلود، ثم ليعود وينظر نحو رومينز، وقد لاحظ أن كل منهم لديه على وجهه ذات التعبير الغريب، تعبير يجمع بين الانزعاج والتحدي، ممتزجٌ بمعاني الازدراء التي يشكلها حركة الفم والسخرية البادية من أنوفهم. لم يتوقف بوغيس عن الكلام، بل توجه، دون اكتراث لنظراتهم، يخاطب رومينز كأنه يقدم نفسه

-ألست أنت من يملك هذا المكان؟ أيزعجك لو سألتك هذا السؤال؟

-ماذا تريد؟

-اعتذر إن تسببت لكم ببعض القلق.

ثم قدم بطاقته له، فقريها رومينز من وجهه، في الوقت الذي بقي فيه بيرت وكلود ثابتين بلا حراك، وانقلبت وجوههم باتجاه رومينز كأنهما يحاولان الاطلاع على محتوى البطاقة. وأتى صوت رومينز يقطع لحظة الصمت: “طيب.. وماذا تريد بالضبط؟”. فبدأ مستر بوغيس -و للمرة الثانية هذا اليوم- بتوضيح، بالتفصيل الممل، أهداف ومُثُل جمعية الحفاظ على الأثاث النادر. ولما انتهى من حديثه، تمتم رومينز يقول “ليس لدينا أثاث نادر، أنت تهدر وقتك هنا” فقال مستر بوغيس: “أذكر أن هكذا أجابني ذات مرة مزارع عجوز من ساسكس، ولكن هل تعلم ماذا وجدت عندما دخلت منزله؟ لن تصدق، لقد كان عنده كرسياً قديم المظهر ملقى في زاوية المطبخ، اتضح فيما بعد أن قيمته تتعدى أربعمئة جنيه، وعرضت عليه بيعه، ثم أتعلم ماذا؟ لقد اشترى لنفسه جراراً جديداً بثمنه”. فقال كلود ” شو عم تحكي أنت؟ هل يعقل أن كرسياً قديماً تبلغ قيمته أربعمئة جنيه، طيب ليش؟ هل يوجد كرسي في العالم يستحق هذا المبلغ”؟ فأجابه بوغيس: “معلش بدك تسمح لي هذه المرة، فهناك الكثير من الكراسي في إنجلترا تستحق أضعاف هذا المبلغ، إنما هل تستطيع أن تقول لي أين هي بالضبط، إنها مبثوثة بعيداً في المزارع والبيوت في طول وعرض البلاد، وربما يستخدمها أصحابها كسلالم أو دعّاسات فيقفون عليها بأحذيتهم ليتناول الواحد منهم مرطبان مربى من أعلى الخزانة، أو كي يثبت صورة على الجدار. نعم أيها الفتى، هذه هي الحقيقة، نعم يا سادة، الحقيقة هي ما قلته لكم للتو يا أصدقائي”.

عدّل رومينز من وقفته غير المريحة وقال: “يعني، فينا نفهم من كلامك أن كل ما تريده هو أن تنسل إلى المنزل، وتقف وسط الغرفة وتنظر حولك؟” فأجابه بوغيس بتوجس: “نعم، بالضبط هذا ما أرغب به”، ثم أردف: ” بالتأكيد لا أرغب في التنقيب في خزائنك والبحث عن شحم حيواني هنا وهناك،  كل ما أريده هو أن ألقي نظرة على الأثاث كي أرى إن كنت تجثم على كنز ما هنا، وعندها سوف أكتب عن كنوزك في مجلة الجمعية”. فقال رومينز وهو ينظر نحوه بعينيه الصغيرتين والشر باد منهما: ” أتعلم؟ أشك في أنك لا تشتري هذه الأشياء لنفسك، وإلا ما الذي يدفعك لخوض مثل هذا النوع من المتاعب”؟ فقال بوغيس ” أووو، يا ريت يا صاحبي.. يا ريت، ليتني أستطيع ذلك، ولو كان لدي ما يكفي من المال، فبكل تأكيد سوف أفعل.. أما لو رأيت شيء مما تجول به بمخيلتي وكان الأمر أكبر من إمكانياتي، يمكنني حينها تقديم عرض مغر، لكن للأسف، قلما يحدث هكذا أمر”. فقال رومينز “طيب ..طيب، خلص متل ما بدك، لا أرى ضرراً من أن تدخل وتنظر بنفسك إن كان هذا كل ما تريده”. وقاده عبر الفناء إلى الباب الخلفي للمزرعة يتبعهما بيرت و كلود برفقة كلبيه.

دخل الجميع من باب المطبخ الذي تتوسطه طاولة غير ذات قيمة ملقى عليها دجاجة مذبوحة، وينفتح المطبخ على غرفة المعيشة الواسعة والمتسخة، وهناك رأي مستر بوغيس شيء جعله يقف كمن أصابته صعقة، وندت عنه صرخة كالمصدوم.

لا يعلم بالضبط كم بقي على هذه الحال، خمسة، عشرة، خمسة عشر ثانية؟ أكثر قليلا؟ ربما أقل. كان يحدق غير مصدق ما تراه عيناه، بل لا يجرؤ على تصديق ما يراه، هل هذا الذي أمامه حقيقية؟ هل يعقل أن يكون حقيقة؟ ربما لا، ليس كذلك، ولكن كلما مر الوقت حيث يقف، كلما تيقن أن ما وقعت عليه عيناه هو الحقيقية بذاتها.

 فهناك إزاء الجدار أمامه تماماً، ثمة قطعة أثاث حقيقية، مثلما هو حقيقي المنزل هذا الذي هو الآن بداخله. ومن يستطيع أن يخطئ شيء كهذا، هناك قرب الجدار كانت تجثم مطلية باللون الأبيض، لكن هذا ليس مهماً، لاشك أن أحد الحمقى فعل ذلك، يمكن إزالة الطلاء بسهولة، ولكن يا الله.. يا الله، كم هي بديعة، يا الله ما أجملها، كل ها الجمال، وأين؟ في مكان كهذا. وعندها أدرك أن الرجال الثلاثة يحدقون به باهتمام بالغ من مكانهم قرب المدفأة، لقد رأوه يتوقف ويلهث ويحدق، ولاحظوا كيف تحول وجهه إلى اللون الأحمر، أو ربما كان أبيضاً، فداهمته الأفكار سريعاً وقال لنفسه “سوف يفسد هؤلاء الرجال عملي إن لم أقم بفعل شيء ما حيالهم”. ثم وضع مستر بوغيس يده على قلبه، وترنح وهبط على أقرب كرسي، وبدى كأنه ينهار وصار يتنفس بصعوبة، فبادره كلود بالسؤال “ما خطبك”، فقال بوغيس “لا شيء، سأتحسن بعد حين، ولكن هل لي بطلب كأس ماء من فضلكم؟ إنه قلبي، فسارع بيرت إلى إحضار كأس ماء وناوله إياه وبقي قربه يحدق فيه، وارتسمت على وجهه علامات الحذر والغموض، وأتى صوت رومينز من قرب المدفأة ” ظننتُ أنك ربما عثرت على ما كنت تبحث عنه”، وافترت شفتيه عن ابتسامة ماكرة فبانت عدة أسنان مهشمة في تجويف فمه، فأجابه بوغيس” لا.. لا ليس هذا السبب. بل هو قلبي، يحدث لي هذا بين الفينة والأخرى، ولكن، سأكون بخير بعد دقائق “.

لقد كان ما رآه يجعله يطلب مزيداً من الوقت ولو ضئيلاً للتفكير في البحث عن حل، ولكن الأهم الآن هو أن يحصل على مزيد من الوقت ليتمالك نفسه قبل أن يتفوه بأية كلمة، خذ الأمور بحنية يا بوغيس، وابق هادئاً مهما حصل، هكذا خاطب نفسه، ثم تابع، قد يبدو هؤلاء الرجال جهلة، لكنهم ليسوا أغبياء، إنهم من النوع الحذر كثير الارتياب والخوف، فإذا كان ما رأيت صحيحاً، أوو لا يبدو كذلك، لا يبدو صحيحا، وكان يضع إحدى يديه على عينه مصطنعا الألم، ومن ثم يفرج اثنين من أصابعه وينظر، أووه مازال ذاك الشيء في مكانه هناك، ثم انتهز الفرصة لينظر نظرة طويلة، نعم لقد كان محقاً منذ أن وقعت عليه عيناه أول مرة، لاشك في أن ما يراه حقا هو قطعة أثاث، ولو رآها أي خبير فهو على استعداد لدفع أي شيء تقريباً للحصول عليها، لكنها بالنسبة للشخص العادي، ليس فيها ما يثير الإعجاب، لاسيما بعد طلائها بهذا اللون الأبيض القذر، غير أنها بالنسبة لمستر بوغيس تمثل حلم كل تاجر، وكان على علم مثله مثل أي تاجر في أوروبا وأمريكا أن من بين قطع الأثاث الإنجليزي التي تعود للقرن الثامن وأكثرها شهرة ورغبة في الاقتناء تلك القطع الثلاث الشهيرة المعروفة باسم “قصريات تشيبيندال”.

ومن غير بوغيس يعرف تاريخ هذه القطع ويعرف أن أول قطعة اكتشفت في العام 1920 في بيت في بلدة موريتون إن مارش و بيعت في دار سوثبي للمزادات في ذات العام، ثم ظهرت القطعتين الأخيرتين في دار سوثبي أيضاً بعد ذلك بعام و كلتيهما أتتا من قاعة رينهام، نورفولك، ويذكر أن القطع الثلاث بيعت بأسعار عالية للغاية، وإن كان لا يستطيع تذكر ثمن القطعتين الأولى والثانية, لكنه يعرف تماماً أن القطعة الثالثة بيعت بـ 3900 جنيه سنة 1921، ولاشك أن قيمة هذه القطعة، اليوم، تتجاوز عشرة آلاف جنيه بكل تأكيد، وأن أحدهم، لم يستطع مستر بوغيس تذكر اسمه، عمل دراسة عن هذه القصريات مؤخراً وأثبت أن هذه القطع الثلاثة صنعت في ورشة واحدة، لأن القشرة المستخدمة أتت من نفس قطع الشجرة، كما استخدم في صنعهم نفس مجموعة القوالب، لكن لم يتم العثور على أية فاتورة لأي منهم، بيد أن جميع الخبراء يتفقون على أن هذه القطع الثلاث لم يكن بالإمكان تنفيذها إلا على يد توماس تشيبيندال نفسه في لحظة ما من لحظات حياته المهنية الزاخرة.

وهنا ظل مستر بوغيس يحدث نفسه وهو ينظر بحذر من بين الشق الذي أحدثه بأصابعه، وها هي أمامي الآن القطعة الرابعة من عمل تشيبيندال، سوف يجني ثروة طائلة من ورائها، وسوف يصح مشهوراً، فكل قطعة من القطع السابقة معروفة باسم يخصها مثل” صيوان تشاستليتون، صيوان رينهام الأول، صيوان رينهام الثاني، أما هذه التي أمامه الآن فسوف يذكرها التاريخ باسم صيوان بوغيس، يااااه، ما عليك سوى أن تتخيل وجوه الأولاد هناك في لندن عندما يلقون نظرة عليها صباح الغد، وكذلك العروض المغرية التي ستنهال عليه من التجار الكبار في ويست إند: فرانك بارتريدج، ماليت، جيتلي، وسواهم.

سوف تنشر الخبر “التايمز” على صفحاتها الأولى، وسوف يكون العنوان: ” صيوان تشيبيندال الرائع الذي اكتشفه التاجر اللندني، السيد سيريل بوغيس ..” يا إلهي.. يا لها من ضجة سيحدثها هذا الاكتشاف الذي أمامه الآن والذي بدى له شبيها إلى حد ما بصيوان رينهام الثاني “تختلف النماذج الثلاثة السابقة عن بعضها بقليل من الجزئيات الصغيرة”، والأمر المثير للإعجاب في تصميم هذه النماذج أنها بنيت وفقا لأسلوب الروكوكو الفرنسي الذي كان سائداً في زمن تشيبيندال المتأثر بزخرفة “الديركتوار” [أسلوب زخرفة نيوكلاسيكي وسيط بين نماذج لويس السادس عشر كثيرة الزخرفة والأسلوب الإمبراطوري الذي انتشر ما بين 1795-1799- المترجم]، ونموذج تشيبيندال عبارة عن صيوان يتألف من عدة دروج ضخمة عددها ستة، اثنان في المنتصف واثنان أقصر قليلاً على كل جانب، ومحمولة على أربعة أرجل منحوتة لا يتجاوز ارتفاع الواحدة منها قدم واحد. وتبدو الواجهة الملتوية الأفعوانية مزخرفة بطريقة رائعة على طول الأجزاء العلوية والسفلية والجانبية. وبين كل مجموعة من الدروج وبطريقة عمودية، وتتضمن منحوتات حلزونية وعنقودية وأشكال تزينية معقدة على هيئة أزهار وورود، أما المقايض فهي مصنوعة من النحاس، وعلى الرغم من حجبها بالطلاء الأبيض، فمازالت تبدو في منتهى الروعة، لقد كانت بالطبع “قطعة ثقيلة”، ولكن تنفيذ التصميم على هذه الدرجة من الأناقة والجمال لا يعطي إحساس بثقلها.

 -كيف تشعر الآن؟ سمع مستر بوغيس أحدهم يقول.

-شكر لك.. أشكرك. أشكركم، لقد صرت أحسن الآن، بل في الحقيقة بت بأفضل حال، نصحني الطبيب بعدم القلق كلما ألمّت بي هذه الحالة طالما نلت على إثرها قسطاً من الراحة ولو لبضع دقائق، ثم رفع جسمه ببطء وارتكز على قدميه وقال: الآن أفضل.. أنا بخير شكراً لكم، وبدأ يتحرك وسط الغرفة بطريقة تبدو هشة وغير ثابتة وأخذ يتفحص الأثاث من حوله، يتأمل القطعة، يلمسها ثم يعلق  تعليقاً موجزاً وينطلق لغيرها، وكان طوال الوقت لا يرفع بصره عن الصيوان القابع هناك الذي بدى له بحالة سيئة جداً، ثم قال على حين غرة: طاولة البلوط هذه  تبدو لي لطيفة، ثم تابع، لكن لا أراها قديمة بما يكفي لتسميتها أثاث عتيق وأنتيكا يجب الحفاظ عليها، الكراسي تبدو مريحة لكنها حديثة جداً، مممم.. نعم من الواضح أن الكراسي حديثة، وما هذه التي هناك؟ خزانة ذات دروج؟ آه أجل إنها تبدو هكذا، جذابة لاشك، لكنها عديمة القيمة. وقد وقف الآن خلف صيوان تشيبيندال وبدأ يمرر أصابعه على سطحها، وتابع يحدثهم، لا أعتقد أنها تساوي أكثر من بضعة جنيهات.. ليس أكثر، فهي تبدو تقليداً لأصل ربما يعود للعصر الفيكتوري، هل أنت من طلاها باللون الأبيض؟ فأجاب رومينز أجل، بيرت من قام بذلك، فرد عليه بوغيس، تصرف حكيم لاشك، فاللون الأيض يخفف من حدة ضخامتها، فقال رومينز: إنها قطعة أنتيكا واضحة أيها السيد، انظر.. فهي مزينة بمنحوتات لطيفة، فرد عليه بوغيس” أجل، لكنه نحت آلي، أجل، أجل تبدو رائعة، ثم انحنى يتفحص براعة صنعتها، وتابع يقول، ألا ترى معي؟ يمكنك معرفة ذلك من بعد ميل، ومع ذلك تبدو لي صنعتها متقنة”.. ثم تراجع قليلا إلى الوراء، وعاد يتقدم ببطء نحو الصيوان واضعاً طرف إصبعه على ذقنه، ورأسه موارب قليلاً على جهة أحد كتفيه، ورشق على وجهه مظهراً عابساً كما لو أنه ذاهل عما حوله فبدى كأنه غارق تماماً في التفكير العميق، ثم قال أخيراً “أتعلم؟ وتابع بصوت عرضي وخافت: بخصوص هذا الصيوان، تذكرت للتو، فأنا منذ مدة أبحث عن أرجل طاولة، تشبه أرجل هذا الصيوان تقريباً، إذ تصادف أن اقتنيت طاولة غريبة، من النوع الذي يضعه الناس عادة أمام الأريكة، بما يشبه طاولة قهوة أو شيء من هذا القبيل، وتصادف أيضاً عند انتقالي إلى منزلي الجديد، أن أتلف أحد الحمقى الذين كانوا ينقلون العفش أرجل تلك الطاولة بطريقة قبيحة للغاية، ولا أخفيك أني كنت مغرماً جداً بها، فلطالما كنت أستخدمها لأضع كتابي المقدس عليها، وملاحظاتي عن عظة الأحد.

ثم توقف عن الكلام، كما لو أنه يفكر بشيء ما، وتابع ” كنت أقول بيني وبين حالي أن أرجل هذا الصيوان مناسبة تماماً لطاولتي، نعم، ربما يمكن في واقع الأمر نشرهم بسهولة وتثبيتهم على طاولتي”. ثم أتبع ذلك بنظرة نحو الرجال الثلاثة الواقفين أمامه بلا حراك، يتابعون حديثه وعلائم الدهشة والريبة بادية على وجوههم، يا للهول، ثلاثة أزواج من الأعين الفضولية المرتابة تحدق به، ثلاثة أزواج مختلفة لكنها تحمل القدر ذاته من عدم الثقة، عيون رومينز الصغيرة مثل عيني خنزير، وعيون كلود المثقلة والكبيرة، وعينا بيرت، وتبدو إحداهما غريبة والأخرى شاحبة وضبابية وذات نقطة صغيرة في مركزها مثل عين السمكة. ابتسم بوغيس وهو يتابع أزواج العيون تلك و قال “أوووه، ماذا قلت لتوي؟ لا عليكم، لا تشغلوا بالكم كثيراً، فقد كنت أحدث نفسي كما لو أني امتلك هذا الصيوان، أكرر اعتذاري لكم. فقال له رومينز” هل تقصد أنك تود شراء هذا الصيوان” نظر مستر بوغيس نحو الصيوان مجدداً وقال” حسن.. لست متأكداً من ذلك، إنما مكن في مناسبة أخرى، فالأمر لا يستحق  كل هذا العناء على كل حال، من الأفضل أن لا أفعلها الآن، ربما في فرصة قادمة.. ربما”. فقال رومينز، ولكن ماذا كنت ستدفع ثمناً له؟ فجاءه رد بوغيس سريعاً: الصيوان ليس أصلياً كما ترى، بل مجرد نسخة مقلدة، فقاطعه رومينز ” لا أعلم.. لست متأكداً من قولك هذا، فهي عندي منذ نحو عشرون عاماً، وقبل ذلك كانت في مانور هاوس، حيث اشتريتها بنفسي في مزاد عندما توفي مالكها، لذلك لا تستطيع أن تقنعني أنها حديثة”. فقال له بوغيس “لم أقل أنها حديثة تماماً، ولكن قطعاً لا يتجاوز عمرها ستون عاماً”. فقال رومينز، بل أكثر من ذلك ثم التفت صوب بيرت و قال له “أين تلك الورقة التي وجدتها في أحد الدروج ذات مرة؟ تلك الفاتورة القديمة، فغر مستر بوغيس فاه غير مصدق ثم أغلقه بسرعة” وفاتورة كمان!؟”. وبدأ جسمه بالاهتزاز من شدة الإثارة..

أجل الإثارة بكل ما تحمل هذه الكلمة من معنى، ولكي يهدئ من اضطرابه اتجه نحو النافذة وبدا يتأمل دجاجة بدينة بنية اللون وهي تنقر أرضية الفناء لتلقط حبات الذرة، وفي هذه الاثناء كان بيرت يقول إنها هناك، في نهاية الدرج أسفل أفخاخ الأرانب؟ فقال رومينز هيا تعال وأحضرها لكي يراها الكاهن بأم عينه، وعندما تقدم بيرت باتجاه الصيوان، لم يستطع بوغيس منع نفسه من مراقبته، ومن حيث هو يقف رآه يسحب أحد الأدراج الوسطى الكبيرة ولاحظ الانزلاق البديع للدرج حيث كانت يد بيرت بدأت في الغوص بداخله لتتجول هنا وهناك بين الأسلاك والخيوط  العديدة. وأخيراً صاح بيرت: هل تقصد هذه؟” ورفع قطعة ورقية صفراء اللون مطوية ومضى بها نحو أبيه الذي تناولها منه وفردها وقربها من وجهه ثم قال ” لا تستطيع أن تقنعني أن هذه ليست كتابة قديمة”، ومضى بها نحو مستر بوغيس، الذي كان ذراعه في هذه اللحظة يهتز بشدة فأخذ منه الورقة وبدى ضعيفاً وهشاً، ولما صارت الورقة في كفه بدأت تطقطق بين أصابعه، وكانت مكتوبة بخط طويل منحني فيه ميلان، ثم بدأ في القراءة “إدوارد مونتاجو، المبجل، عمل من إنجاز السيد توماس تشيبيندال، صيوان من الماهوغني فائق الجودة، غنية جدا بالنقوش والزخرفة، ذات أرجل محززة وأدراج طويلة في الوسط واثنين على كل جانب، ومزودة بمقابض نحاسية، انتهى العمل سنة 87.

لم يستطع بوغيس أن يتمالك نفسه فظهر التأثر والإثارة واضحين عليه، وهو يقرأ مما جعله يشعر بالدوار، يا إلهي، معها فاتورة كمان؟ لاشك سيرفع هذا  من ثمنها وقيمتها لأقصى حد، كم سيكون سعرها في هذه الحالة؟ اثنا عشر ألف؟ أربعة عشر ألف؟ ربما خمسة عشر أو عشرين، من يدري؟.. “يا ولد” وألقى الورقة على الطاولة بازدراء، وقال بهدوء. هذا بالضبط ما كنت أحاول أن أخبرك عنه، إنها تقليد فيكتوري، هذه ببساطة الفاتورة التي دفعها البائع الذي صنعها وباعها كتحفة أثرية، لقد رأيت الكثير منها من قبل، ألا تلاحظ أنه لا يقول أنه صنعها بنفسه؟ وهذا ما يجعل الأمر واضحاً ومفضوحاً”. فردّ عليه رومينز: ” يمكنك قول ما تشاء، ولكن هذه الورقة قديمة، فرد عليه بوغيس، بالطبع يا عزيزي، إنها قديمة، من العصر الفيكتوري، من أواخر العصر الفيكتوري، بحدود 1890، عمرها الآن ستون أو سبعون عاماً، لقد رأيت المئات منها، إنها تعود للعصر الذي لم يقم به أرباب المهن والصنايع سوى بتقليد وتزوير واستنساخ القطع الفاخرة التي تعود للعصر السابق. فقال رومينز مشيراً إليه بأصابعه القذرة: اسمع أيها الكاهن، لا أقول بأنك لا تعرف شيئاً عن صناعة قطعة الأثاث هذه، ولكن ما يمكنني قوله، كيف يمكن أن تقوم بهذا، كيف يمكن لك أن تكون متأكداً جداً بأنها مزيفة في الوقت الذي لم تر كيف تبدو تحت كل هذا الطلاء؟ فقال مستر بوغيس تعال هنا وسوف أريك شيئاً، ثم وقف بجانب الصيوان وانتظر حتى تجمعوا حوله، فقال عندها: هل مع أحدكم سكيناً؟ فقام كلود على الفور بجلب سكين له، فأخذها بوغيس وخدش بها سطح الصيوان، باستهتار ظاهري، لكن بحذر شديد وبدأ بإزالة طلاء منطقة صغيرة من الجزء العلوي للصيوان، وكلما خدش أكثر كان الطلاء المكشوط يكشف أكثر ما كان خلفه من الورنيش الصلب القديم، وعندما أزال ما مساحته حوالي عشر سنتمترات، تراجع قليلاً للوراء وقال: ” والآن.. هيا تعالوا والقوا نظرة هنا”.

بدت قطعة صغيرة جميلة من الماهوغني الرقيقة متوهجة مثل حجر التوباز، أنيقة وعبقة بلونها الحقيقي لعمرها البالغ مئتي عام، فقال رومينز “ما خطبها”؟ رد عليه بوغيس “إنها معالجة، أي واحد يمكنه القيام بذلك”

-ولكن كيف يمكنك أن تجزم بذلك؟ هل لك تخبرنا أيها السيد الكاهن؟

استدار بوغيس نحوهم وقال:

-حسن.. علي القول أنه من الصعب شرح ذلك، فالأمر منوط بالدرجة الأولى بالتجربة، ومن خلال خبرتي وتجربتي أستطيع القول أن هذا الخشب تمت معالجته بكل تأكيد بمادة الجير، وهي تقنية مستخدمة لمعالجة خشب الماهوغني، لإعطائه هذا اللون العتيق الداكن، أما بالنسبة لخشب البلوط، فيتم استخدام أملاح البوتاسيوم، ويستخدمون حامض النتريك لخشب الجوز. ومهما يكن فهم يستخدمون الجير على الدوام لمعالجة الماهوغني.

اقترب الرجال الثلاثة ونظروا نحو الخشب، دون اهتمام لافت، وتابع مستر بوغيس يشرح: من المثير للاهتمام دائما أن نسمع بين الحين والأخر عن شكل جديد من أشكال الخداع والمراوغة، انظروا هنا.. هنا، بالضبط حيث أشير بأصابعي، أترون تلك الحبيبات؟ تلك اللطخات البرتقالية، وسط اللون البني الداكن؟ هذه هي علامة الجير”. انحنى الرجال الثلاثة إلى الأمام حتى كادت أنوفهم تلامس سطح الصيوان. اقترب رومينز أولاً ثم تلاه كلود وأخيرا بيرت. ولما تأكد من اقترابهم أكثر أضاف مستر بوغيس ” ثم هناك الزنجار”. فأتاه الصوت مستفسراً “ماذا”؟ فأوضح لهم معنى هذه الكلمة واستخداماتها في الأعمال الخشبية وأضاف:

-أنتم لا تعلمون يا أصدقائي الأعزاء، كيف يتعامل أولئك الأوغاد في تقليد مظهر الزنجار الحقيقي الشبيه بالبرونز الجميل.. إنها حقاً مشكلة فظيعة، عملٌ رهيبٌ حقاً، فمثل هذه الخدع تجعلني أشعر بالفزع، وأكاد أصاب بالدوار كلما تحدثت عنها”

كان يبصق بحدة  كل كلمة يتفوه بها من طرف لسانه، ويزم شفتيه فيبدو فمه متقلصاً كمن يتذوق نكهة حامضة وذلك لإظهار حزنه الشديد. انتظر الرجال، على أمل الحصول على مزيد من الأسرار. فتابع يقول:

-كم يبذل البشر الفانون وقتهم ويخوضون الكثير من الصعاب من أجل خداع الأبرياء!”

ثم صرخ كأنه ينتحب:

-إنه أمر مثير للاشمئزاز! هل تعرفون ماذا فعلوا هنا يا أصدقائي، أستطيع بكل وضوح إخباركم، كما لو أني أراهم وهم يقومون بهذا العمل من خلال طقوس معقدة وطويلة مبتدئين بدعك الخشب بزيت بذر الكتان، ثم يتبعوها بطبقة طلاء من البوليش الفرنسي الذي تم تلوينه بطريقة مذهلة ليعطي بطريقة ماكرة اللون المطلوب، ثم يقومون بأعمال الصنفرة مستخدمين حجر الخفان والزيت، وبعد ذلك يمسحون السطح بالشمع المشبع بالأوساخ والغبار، وأخيراً يقومون بالمعالجة الحرارية للتخلص من بقايا البوليش لتبدو القطعة كأن عمرها مئتي عام. كم أشعر بالغضب والانزعاج كلما تأملت خداعهم واحتيالهم هذا! “

استمر الرجال الثلاثة ينظرون إلى الرقعة الصغيرة من الخشب الداكن. وتابع بوغيس يقول مخاطباً رومينز، هل تشعر بذلك؟ ضع أصبعك هنا، هنا.. لا، ليس هناك، نعم هنا، كيف تشعر؟ هل هي باردة أم دافئة؟ فقال رومينز، بل هي باردة، فقال بوغيس، تماماً يا صديقي، بالضبط هي باردة فهكذا هو حال الزنجار المزيف يكون بارد دائماً عند لمسه. الزنجار الحقيقي يعطي ملمساً دافئاً إلى حد ما؟ ولكن هذا طبيعي.

كان رومينز كأنه على وشك البدء في سجال مع بوغيس، فأجابه بوغيس: لا يا سيدي، ليس الأمر كذلك، بل هو بارد، إنما في الواقع يتطلب الأمر يد خبرة وحساسة كي تعطي حكماً إيجابياً. في الحقيقة لا تتوقع أن يكون حكمك على هذا أكثر مما يمكنك توقعه من حكمي على جودة ما لديك من شعير، تلك هي التجربة، فكل شيء، يا عزيزي، في هذه الحياة هو تجربة”.

كان الرجال يحدقون في رجل الدين المثير ذو الوجه المستدير كما القمر وعيونه المنتفخة، ولكن ليس بريبة الآن لأنه يبدو أنه يعرف عما يتحدث، لكنهم ما زالوا لم يصلوا إلى درجة الثقة به. انحنى مستر بوغيس قليلاً وأشار إل أحد المقابض المعدنية لأحد الدروج ثم قال: “وهذا موضع آخر عرضة لعمل المزورين، عادة ما يكون للنحاس القديم لوناً و طابعاً خاصاً به، هل كنتم تعلمون ذلك”؟

حدق  فيه الرجال الثلاثة من جديد، على أمل الحصول على المزيد من الأسرار، وهم يتابعون السيد بوغيس يقول: “المشكلة أن أولئك المزورون أصبحوا مهرة للغاية في مطابقتها”. في الواقع، يكاد يكون من المستحيل معرفة الفرق بين” القديم الحقيقي” و” القديم المزيف” لا يوجد ثمة سبب يمنعني من الإقرار أن ما أقوله هو تخمين. لذلك، لا جدوى من إزالة الدهان عن هذه المقابض فلن يكون هذا عمل صائب”.

فقال كلود: “كيف يمكنك جعل النحاس الجديد يبدو كأنه قديم فالنحاس لا يصدأ، كما تعلم”. فأجاب بوغيس “أنت محق تماماً يا صديقي. لكن هؤلاء الأوغاد لديهم أساليبهم السرية الخاصة”. فسأله كلود “مثل ماذا”؟ وبدا أن كلود مهتم بالحصول على هذه المعلومات لأنها قد تكون ذات قيمة عنده، فلا أحد يعلم متى يمكن أن يستخدمها. رد عليه مستر بوغيس” كل ما يتعين عليهم فعله هو وضع هذه المقابض في صندوق من نشارة الماهوغني المشبعة بملح الأمونياك الذي يحول المعادن إلى اللون الأخضر، ولكن إذا فركت اللون الأخضر، ستجد تحته بريقاً فضياً ناعماً و أنيقاً، بريق مماثل لذلك الذي نراه في معدن النحاس القديم.. أوه، إنه أفضل الأشياء التي يقومون بها! أما للحديد فلديهم خدعة أخرى”. فسأل كلود بشغف:

-ماذا يفعلون بالحديد”؟

فأجاب بوغيس “الحديد سهل، يتم دفن الأقفال الحديدية والألواح والمفصلات في الملح فتصدأ وتمتلئ بالثقوب خلال وقت قصير”.

فقال رومينز : حسن، حسن ها أنت تعترف أنه لا يمكنك معرفة عمر المقابض رغم سعة اطلاعك ومعرفتك، فقد يكون عمرها مئات ومئات من السنين صح؟

فقال بوغيس:” آها.. وهو ينظر بحدة نحو رومينز بعينيه البنيتين الكبيرتين، ها أنت قد وصلت لتوّك إلى النتيجة الخطأ، انظر لهذا، وأخرج من جيب سترته مفكاً صغيراً، وفي الوقت عينه الذي لم يره أحد يقوم بذلك، أخرج برغياً نحاسياً صغيراً أخفاه في راحة يده، ثم اختار برغي من البراغي الأربعة التي تثبت المقبض وبدأ في إزالة كل آثار الطلاء الأبيض من رأسه بعناية. ثم قام، وببطء، بفك البرغي، وقال “إذا كان هذا هو البرغي النحاسي القديم ينتمي للقرن الثامن عشر فسوف تكون اللوالب غير مستوية إلى حد ما، ويمكن ملاحظة أنه تم قصّه يدوياً ببراعة. لكن إذا كان مزيف ويعود للعصر الحديث، العصر الفيكتوري أو ما بعده، ومن الواضح أن المسمار سيكون من نفس الفترة، عبارة عن ساعة مصنّعة آليا وعلى نطاق واسع، ويمكن لأي شخص التعرف على البرغي المصنوع  بواسطة الآلة. حسنٌ، لنرى كيف هو الأمر”. ولم يكن صعباً عليه حين وضع يده على البرغي القديم أن يستبدله بالجديد المخفي في راحة يده. كانت هذه خدعة صغيرة أخرى له، وعلى مر السنين أثبتت أنها أكثر من مجزية وفعالة. كانت جيوب سترته الكهنوتية ممتلئة بكمية من البراغي النحاسية الرخيصة من مختلف الأحجام..

-ها هو، هاك البرغي، وتقدم صوب رومينز ليعطيه البرغي، وتابع يقول أنظر، ماذا ترى؟ هل لاحظت تمام التكافؤ في حلزنة البرغي، انظر هنا.. نعم هنا تماماً، جيد نعم هنا حيث تنظر الآن، ألا ترى أنه مجرد برغي صغير عادي يمكن أن تشتريه اليوم من أي محل بيع خردوات في البلاد؟”

انتقل البرغي بين الرجال الثلاثة وكل واحد يتفحصه بدقة، حتى رومينز بدا عليه أنه أخذ بهذا المشهد، وقام بوغيس بإعادة المفك إلى جيبه مع البرغي التي فكها من الصيوان ثم التفت نحو الرجال ثلاثة وسار ببطء باتجاه الباب، وتوقف في المطبخ وقال ” كان  لطف منكم أيها الأعزاء أن سمحتم لي باختلاس النظر إلى بيتكم الصغير، كنتم لطيفين للغاية، وآمل أني لم أكن مجرد عجوز مثير للضجر”. فرمقه رومينز، وهو يتابع فحص البرغي ثم قال

-ولكنك لم تقل كم كنت ستدفع ثمناً  للصيوان؟

فقال بوغيس” أووووه فعلاً، هذا صحيح، لم أقل، أليس كذلك؟ ولكن دعني أخبرك بكل صدق، أعتقد أن الأمر سيجلب متاعب لذلك أعتقد أني سأتخلى عن فكرتي”.

-“كم كنت ستدفع؟”

-“هل تعني أنك ترغب حقاً في التخلص منه”

“لم أقل أنني أرغب في التخلص منه، لقد سألتك عن السعر”.

نظر بوغيس إلى الصيوان، أمال رأسه إلى أحد كتفيه، ثم أماله نحو الكتف الآخر وعبس ومط شفتيه وأرخى كتفيه وطوّح بيده بحركة فيها قليل من السخرية كما لو أنه يقول إن هذا الشيء بالكاد يستحق التفكير، ولكن هل كان كذلك؟

-“هل نقول.. عشرة جنيهات. أعتقد أن هذا سيكون عادلا.”

-” عشرة ؟!” صرخ رومينز . “لا تتحامق، أيها الكاهن، أرجوك!”

-“يعني لو كانت حطب مدفأة لاستحقت أكثر من ها المبلغ !” قال كلود وقد بدى عليه الاشمئزاز. واندفع رومينز يقول “انظر هنا في الفاتورة!” وشد عليها بإصبعه القذر مما جعل السيد بوغيس يصاب بالذعر. وتابع  رومينز “انظر إنها تقول لك بالضبط كم تكلفة هذا الصيوان، انظر، سبعة وثلاثون جنيهاً وهذا وقت صنعها، فما بالك الآن بأسعار الوقت الحالي !”. فأجابه بوغيس: “ولكن لو سمحت لي يا صديقي الأمر ليس كما تقول، إنها مجرد منتج [سكند هاند] كما ترى. لكن دعني أخبرك يا صديقي، فأنا شخص متهور إلى حد ما، ولا استطيع منع نفسي من ذلك، لذلك سأرفع السعر إلى خمسة عشر، ما قولك؟”

-“اجعلها خمسين”، قال رومينز.

شعر بوغيس بخدر خفيف وتنميل لذيذ يشبه وخز الإبر يتراكض إلى أسفل رجليه حتى وصل أخمص قدميه، ها قد صار الصيوان ملكه الآن. لاشك في ذلك، لكن عادته في شراء الأشياء بسعر رخيص، وبأرخص ما يمكن أن يشتريه الناس، والتي اكتسبتها عبر سنوات من الضرورة والممارسة، كانت قوية جداً لدرجة لم تسمح له بالاستسلام بسهولة، فهمس

-يا عزيزي، أنا أريد الأرجل فقط. ربما أستطيع أن أجد استخدامات أخرى للدروج، ولكن الباقي منها، الذبيحة نفسها، فهي كما قال صديقك عن حق؛ حطب، هذا كل ما في الأمر.

فقال رومينز: فاجعلها خمسة و ثلاثين إذن. فرد عليه بوغيس “لا أستطيع يا سيدي، ليتني أستطيع! لا يستحق الأمر كل هذا العناء. وببساطة لا يجب أن أسمح لنفسي بالمساومة هكذا وبمثل هذا السعر. ليس من الصواب القيام بذلك صدقني، ولكن سأقدم لك عرضاً نهائياً واحداً، سأدفع عشرون جنيهاً”. فقال رومينز على الفور” قبلت بهم، الصيوان لك”

-“يا عزيزي”، قال السيد بوغيس وهو يشبك يديه: “ها أنا أتورط من جديد، كان ينبغي لي عدم المضي بهذا الأمر منذ البداية”

-“لا يمكنك التراجع الآن، أيها الكاهن”. اللي أوله شرط آخره سلامة

-“نعم نعم أنا أعرف هذا .”

-“وكيف ستحمله ؟”

-“حسناً، دعني أرى. ربما لو كنت أحضرت سيارتي إلى فناء المنزل فسوف تساعدوني في حمله إليها أيها السادة اللطفاء؟”

-“ستضع الصيوان هذا في سيارة؟ عبثاً تحاول، فهذا الشيء يحتاج إلى شاحنة!”

-“لا أعتقد، سوف نرى على كل حال، لقد ركنت سيارتي على الطريق العام، سوف أذهب لأحضرها وأعود بلمح البصر. سوف نتدبر أمر وضعها في السيارة بطريقة ما، أنا متأكد.”

 خرج السيد بوغيس إلى الفناء وعبر البوابة ثم عبر المسار الطويل الذي أدى به عبر الحقل نحو الطريق. وأثناء ذلك لم يستطع منع نسفه من الضحك، كان يشعر كما لو مئات ومئات من الفقاعات الصغيرة في داخله ترتفع من بطنه لتصل إلى رأسه فتنفجر هناك بجذل، مثل الماء الفوار. وتحولت  الفراشات في الحقل فجأة إلى قطع نقدية ذهبية تلمع ضوء الشمس وتنتثر على الأرض. ابتعد بوغيس عن الممر وخطا نحو العشب، حتى يتمكن من السير بين تلك القطع الذهبية ودوسها بقدميه وسماع الرنين المعدني الصغير كما لو أنه يركلها بأصابع قدميه. ووجد صعوبة في منع نفسه من الركض، ولكن رجال الدين لا يركضون، بل يمشون ببطء. امش ببطء يا بوغيس، ببطء حافظ على هدوئك. لا داعي للعجلة، ها قد صار الصيوان لك الآن، وبعشرين جنيهاً فقط يا بلاش، في حين أن سعرها يصل إلى خمسة عشر أو عشرين ألف!. يا الله وإنه صيوان بوغيس! في غضون عشر دقائق، يكون في سيارتك، هكذا بسهولة، وسوف تعود إلى لندن وتغني طوال الطريق! انظر ما أجمل المشهد، مستر بوغيس يقود سيارته، الصيوان داخل سيارة مستر بوغيس. إنه حدث تاريخي، يكفي أن تخمن كم سيدفع أي صحفي للحصول على صورة للصيوان. هل عليه ترتيب هذا الشأن؟ ربما، لننتظر ونرى، يا له من يوم مجيد، أووه، يوم صيفي مشمس وجميل، يا لهذا المجد.

وفي المزرعة، كان رومينز يقول لبيرت وكلود “يا للروعة، كيف يدفع هذا الوغد العجوز عشرين جنيهاً مقابل حمولة القمامة هذه”

قال له كلود: “حسن فعلت يا سيد رومينز، ولكن هل تعتقد أنه سوف يدفع لك”

-“سوف لن نضعها في السيارة حتى يدفع “.

وعندها تساءل كلود “ماذا لو لم تتسع السيارة للصيوان، “هل تفكر بما أفكر به؟ أتريد رأيي بصدق؟ أعتقد أن الشيء القبيح أكبر من أن تسعه سيارة الكاهن، وعندها ماذا سيحدث؟ سيقول فليذهب الصيوان إلى الجحيم ويذهب ولن تراه ثانية، ولن تظفر بنقودك، لقد لاحظتم أنه لم يكن مهتم أصلاً بالموضوع”. فبدا على رومينز الاهتمام في هذا الاحتمال الجديد المثير للقلق، وهو يتابع ما يقوله كلود “كيف يمكن لهذا الشيء أن نضعه في السيارة؟.. ليس لدى الكاهن سيارة كبيرة على الإطلاق. هل رأيت من قبل كاهن بسيارة كبيرة يا سيد رومينز؟”

“لا.. لم يسبق لي أن رأيت.”

تماماً.. و الآن استمع لما أريد أن أقول، لدي فكرة، لقد أخبرنا الكاهن أنه يريد الأرجل فقط، أليس كذلك؟ وإذن كل ما علينا القيام به هو نشرهم بسرعة وحالاً وعلى الفور قبل عودته، وعندها لن يكون عنده أي حجة، كل ما علينا فعله هو أن نخلصه من عبء نشرهم بنفسه حين عودته إلى البيت، ما رايك يا سيد رومينز، ما قولك في هذه الفكرة؟ قال كلود هذا وبدا وجهه المسطح يتلألأ بمسحة من الكبرياء.

-“فكرة ليست سيئة” ردد رومينز هذه الكلمات، وهو يتأمل الصيوان .ثم تابع يقول “في الواقع إنها فكرة رهيبة، هيا علينا العمل بسرعة، أنت وبيرت انقلا الصيوان إلى الفناء وسوف أحضر المنشار، هيا خذ الدروج أولا”

وفي غضون دقاق معدودة، كان كلود وبيرت يحملان الصيوان خارجاً إلى الفناء ويقلبوه رأساً على عقب وسط فضلات الدجاج وروث البقر والطين. ومن حيث هم يقفون كان بإمكانهم أن يروا على بعد منهم في منتصف الحقل شخص على هيئة كتلة صغيرة بثياب سوداء صغيرة تسير على طول الممر المؤدي إلى الطريق. توقفوا لمتابعة المشهد، لقد كان ثمة شيء مضحك إلى حد ما في حركات هذا الشخص. فبين الحين والآخر كان يهرول وثم فجأة يقفز ويقفز ويقفز، كما تناهى إلى سمعهم كما لو أنها أصوات أغنية بهيجة يتردد صداها ضعيفاً باتجاههم، “أعتقد أنه رجل مجنون” قال كلود ذلك، فابتسم بيرت ابتسامة عريضة عميقة، جاعلاً عينيه الضبابية تتدحرج ببطء في محجرها، وفي هذه الأثناء تدلى رومينز من السقيفة بحركات تشبه الضفدع ويحمل بيده منشارا طويلاً، أخذ كلود المنشار ومضى نحو الصيوان. هيا انشر الأرجل، ولكن لا تنس أنه سيستخدمهم في طاولة أخرى. كان خشب الماهوغني قاسياً وجافاً، و كلما كان كلود يتقدم في العمل كان الرذاذ الأحمر لخشب الماهوغني يتجمع على نصل المنشار، وهكذا إلى أن سقطت الأرجل، الواحدة تلو الأخرى، فانحنى بيرت وصفها على الأرض بعناية في صف واحد، تراجع كلود إلى الوراء قليلاً ليرى نتائج عمله، ثم صفن طويلاً، وأخيراً قال لرومينز ” دعني اسالك يا سيد رومينز، ها قد نشرت الأرجل، ولكن هل تعتقد أن هذا الشيء الهال يمكن وضعه في الجزء الخلفي من السيارة؟.

-” قطعا لا.. إلا اذا كانت شاحنة”

-تماماً. هذا ما قصدته، قال كلود، ثم أردف” ولكن الكهنة لا يركبون سوى السيارات الصغيرة”، فقال رومينز “هو يريد الأرجل، فإن لم يستطع أخذ بقية الصيوان فسوف يتركه هنا، لا يمكنه التذمر، لقد حصل على ما يريد”، فقال كلود بفراغ صبر ” كيف هذا.. وأنت تعلم أنه لن يدخر جهداً في تخفيض السعر إن لم يضع على كل قطعة من هذا الصيوان في السيارة.. أنت تعلم هذا الكاهن مثل غيره من الكهنة يتحول إلى شخص ماكر عندما بتعلق الأمر بالمال، لاتدع مثل هذا الأمر يحدث، خصوصاً مع هذا العجوز، لماذا لا نعطيه حطبه الآن وننهي الأمر؟ أين تحتفظ بالفأس؟”. فقال رومينز ” أعتقد أن هذا عين الصواب وعادل بما يكفي.. بيرت اذهب واحضر الفأس”.. فذهب بيرت مسرعاً نحو السقيفة وأحضر فأساً بعصاة طويلة وناوله لكلود.

حمل كلود الفأس وبصق داخل راحتيه، وفركهما ببعضهما البعض، ثم قام بأرجحة الفأس في الهواء طويلاً وهوى به على الذبيحة عديمة الأرجل. لقد كان عملاً شاقاً، واستغرق عدة دقائق قبل أن يتم تحطيم كل شيء ويتحول إلى قطع صغيرة .

-دعني أخبرك أمراً، قال كلود ذلك وهو يقف منتصباً و يمسح جبينه

-من قام بصنع هذا الشأن كان نجاراً رهيباً ولا يهمني ما يقوله الكاهن”.

وعندها صرخ رومينز

-لقد انتهينا في الوقت المناسب.. فها هو قادم من بعيد”

…………………

ملاحظات

العنوان الأصلي: Parson’s Pleasure

المؤلف: Roald Dahl

المترجم: محمود الصباغ

عن محمود الصباغ

كاتب ومترجم من فلسطين

شاهد أيضاً

“السفرجي” / قصة قصيرة

رولد داهل ترجمة: محمود الصباغ استهلال: يعتبر رولد داهل، أو “دال” (1916-1990)  أحد أشهر كتّاب …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *