الرئيسية > سياسة > ترجمة > ما بعد الدولة القومية

ما بعد الدولة القومية

ترجمة: محمود الصباغ

يمكن النظر إلى ما يعرف اليوم بالانتقال من الحقبة “الفستفالية” إلى  الحقبة “ما بعد الفستفالية”، بأنه أحد أكثر  المزاعم انتشاراً  عندما يكون الحديث يدور حول السياسة الدولية. ويستخدم العديد من الكتّاب، عبر مجموعة واسعة من وسائل الإعلام والمصادر الأكاديمية، هذا التأطير المزعوم لطرح بعضاً من الأسئلة الهامة  للدفع بهذه الأفكار نحو الأمام، من قبيل: ما هي مسؤوليات حقوق الإنسان التي  يمكن أن تلقى على عاتق الشركات  العالمية العابرة للحدود؟..  كيف سوف يكون  شكل الحرب وطرق انتشارها في هذا القرن الحادي والعشرين؟.. هل المنظمات الدولية مثل الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي تحولت لأن تصبح مؤسسات سلطوية نحو متزايد؟.. وغيرها كثير من مثل هذا النوع من الأسئلة.

يشير  تعبير النظام الفستفالي إلى مفهوم  سياسي عالمي يرى في الدول المستقلة منظومات ذات سيادة، تتساوى، جميعها، إزاء بعضها البعض، بموجب القانون. وتعود الحكاية الأكثر شعبية حول ولادة هذا النظام السياسي إلى صلح فستفاليا الذي عقد في العام 1648، حيث انتشر  وتعزز ،بادىء الأمر، في القارة الأوروبية، ليتوسع تدريجياً وينتشر في بقية دول العالم، بيد أنه، ومع أفول القرن العشرين، بدأت تظهر، بوضوح، علامات انهياره الوشيك. ووفقاً لوجهة النظر هذه، جرت عملية إعادة توزيع الكثير من السلطة التي كانت تمتلكها الدول ذات يوم على مجموعة متنوعة من المؤسسات والمنظمات غير الحكومية -من المنظمات الدولية المعروفة، مثل الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي، إلى الجهات الفاعلة العنيفة من غير الدول، مثل داعش وبوكو حرام وطالبان، إلى جانب الشركات ذات التأثير الاقتصادي العالمي، مثل فيسبوك وغوغل وأمازون.  وسوف ينتج عن  هذا الوضع، كما تقول الحكاية، نظام سياسي دولي، يشبه كثيراً ما كانت عليه  أوروبا في العصور الوسطى، أكثر مما يمكن أن يشبه النظام السياسي العالمي للقرن العشرين.

يختلف المحللون حول أهمية هذا النظام “ما بعد الفستفالي”، ولعل النقطة الأكثر عرضة للنقاش من عيرها تتمثل فيما  إذا كان من المرغوب فيه أن تتدّخل المنظمات الدولية في شؤون الدول، وثمة اتفاق واسع  حول أحداث  تلك الحكاية التي أدت بنا  إلى اللحظة الحالية. وإذن، باختصار شديد ، يشكّل التصور الفيستفالي الأساس الوصفي للتحليلات المهيمنة  على السياسة العالمية. وتكمن مشكلة هذه الحكاية في أنها حكاية خاطئة في الكثير من جوانبها بصورة مثيرة للدهشة.  وقد أظهر المختصون في تاريخ النظام العالمي، وعلى مدى العقدين الماضيين، عدم توافق تام بين قصة نظام فيستفاليا كما هو مفهوم اليوم وبين الأدلة التاريخية. إذ تظهر هذه البحوث أن الدولة القومية ليست قديمة بالقدر الذي يقال لنا  عنها، في كثير من الأحيان، كما أنها ليست طبيعية بالمطلق.  ومن هنا سوف تكون عملية تصحيح هذا التاريخ  إنشاء ​​قصة مختلفة حول  المنطلق الذي جاء منه نظامنا السياسي الدولي – والذي بدوره يشير إلى طريق مستقبل بديل. وتبدو مثل هذه  القضايا من طبيعة ملحّة، لاسيما الآن، على وجه الخصوص.  وعلى الرغم من النمو الفعلي للمنظمات غير الحكومية إبان الحرب الباردة،  شهدت السنوات الأخيرة،  تعزيز تأثير الدولة القومية بفضل توجهات  العديد من القادة اليمينيين حول العالم. وقد أدى الصعود المذهل للقومية -من خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وبروز دونالد ترامب إلى صعود ناريندرا مودي وجاير بولسونارو وفيكتور أوربان- بالبعض إلى التكهن بأنه لم تحن بعد ساعة انهيار النظام الفستفالي، بينما ظل آخرون متمسكين بأسلحتهم الفكرية حيال هذا النظام، مؤكدين أن مثل هذا الصعود القومي ليس إلا  مجرد نزاع نظام يحتضر.  ولهذا ، يبدو أن تقديم تاريخ صحيح لمنظومة الدول له آثار حاسمة على مسار هذين الموقفين.

على مدى أجيال عدة، استوعب طلاب العلوم السياسية والعلاقات الدولية فكرة سلام فيستفاليا 1648 باعتباره ميثاق لعموم أوروبا، ليس هذا فحسب، بل هو الميثاق الذي تأسست، بموجبه، البنية السياسية  التي تغطي، في الوقت الحاضر، الكرة الأرضية بأكملها: بمعنى، منظومة دول ذات سيادة متساوية قانوناً (إن لم يكن مادياً).  وتقول القصة أن ثمة سمات أخرى على درجة من الأهمية، إلى جانب هذه البنية السياسية، مثل عقيدة عدم التدخل، واحترام وحدة الأراضي، والتسامح الديني وصولاً  إلى تكريس مفهوم توازن القوى وصعود الدبلوماسية الأوروبية المتعددة الأطراف. وفي ضوء ذلك، لا يشكل صلح فستفاليا مجرد معيار زمني، بل هو، بالأحرى،  نوع من مرساة تثبيت لعالمنا الحديث. ومع  فكرة سلام فيستفاليا، اقتحمت أوروبا الحداثة السياسية وقدمت نموذجاً سياساً  لبقية العالم.

على مدى العقود القليلة الماضية، أظهر العلماء الذين يعملون على تاريخ النظام الدولي -في مجموعة متنوعة من التخصصات، بما في ذلك التاريخ العالمي، والعلاقات الدولية، والقانون الدولي- أن هذا التفسير التقليدي ليس خاطئاً فحسب، بل يتعارض تماماً مع الواقع التاريخي. وأشهر تمرين لفضح الزيف، وهو، في الواقع، كتاب  “السيادة والعلاقات الدولية وأسطورة فيستفاليا” لأندرياس أوزياندر،  قد مضى على ظهوره نحو عشرين عاماً. وكما يؤكد هؤلاء الباحثين، فإن معاهدات صلح فستفاليا، التي أنهت حرب الثلاثين عاماً (1618-1648) التي دمرت أوروبا، لم تذكر سيادة الدولة أو عدم التدخل، ناهيك عن الرغبة في إعادة ترتيب النظام السياسي الأوروبي. وبعيداً عن ترسيخ مبدأ التسامح الديني المعروف باسم Cuius regio, eius religio  [ تشبه في معناها التعبير العربي “الشعوب على دين ملوكها- المترجم] الذي تم وضعه مع سلام أوغسبورغ  في العام 1555 ، فقد ألغته هذه المعاهدات بالفعل، واكتشفت أنه كان سبباً في عدم الاستقرار. كما أن المعاهدات لا تذكر مفهوم توازن القوى. لقد عزز صلح فستفاليا، في واقع الأمر، نظاماً من العلاقات لم يكن قائماً على مفهوم الدولة ذات السيادة، تحديداً، بل على إعادة تأكيد الترتيبات القانونية، بالمعنى الحقوقي، المعقدة للإمبراطورية الرومانية المقدسة (Landeshoheit)، والتي سمحت للوحدات السياسية المستقلة بتشكيل مجموعة أوسع.، أي تكتل (“الإمبراطورية”) بدون حكومة مركزية. وينبع جزء من الارتباك الحالي من تجميع جميع معاهدات السلام الرئيسية الموقعة في العام 1648 تحت اسم واحد، ويشير، ما بتنا نطلق عليه سلام فيستفاليا، في الواقع، إلى معاهدتين: وقعتا بين أيار\ مايو وتشرين الأول\ أكتوبر 1648، وهما عبارة عن اتفاقيات بين الإمبراطورية الرومانية المقدسة وخصميها الرئيسيين، فرنسا (معاهدة مونستر) والسويد (معاهدة أوسنابروك). تناولت كل معاهدة، في الغالب، الشؤون الداخلية للإمبراطورية الرومانية المقدسة والتبادلات الثنائية الأصغر للأراضي مع فرنسا والسويد. (بالإضافة إلى هاتين الاتفاقيتين، كانت هناك أيضاً معاهدة مونستر أخرى، تم توقيعها في كانون الثاني\ يناير، بين الإسبان والهولنديين لإنهاء حرب الثمانين عاماً، لكن هذا الاتفاق السابق لم يكن له تقريباً أي صلة جوهرية بمعاهدات الإمبراطورية الرومانية المقدسة). علاوة على ذلك، كيف راجت القصة المضللة؟  تسللت هذه  المعاهدات إلى حبكة الاساطير  في أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر، وذلك عندما عكف المؤرخون الأوروبيون في المرحلة الحديثة على صياغة قصص تخدم  رؤيتهم للعالم. كما أوضح باحثون مثل ريتشارد ديفيتاك وإدوارد كين،  كان المؤرخون المحافظون في تلك الفترة -ولا سيما أتباع المدرسة التاريخية الألمانية في غوتنغن- حريصين على تصوير القارة الأوروبية قبل العام 1789 كمنظومة دول ذات ترتيب خاص يتسم بضبط النفس والاحترام المتبادل، التي أصبحت مهددة، أي هذه المنظومة، من قبل إمبريالية نابليون التوسعية. كانت عملية إعادة اختراع التاريخ الأوروبي الحديث المبكر جزءً من اتجاه أكبر ومدروس جيداً الآن سعى إلى جعل صعود نظام الدول والقوة الأوروبية العالمية يبدوان وكأنهما عملية خطية وحتمية وجديرة بالثناء. كان الأوروبيون ، كما تتابع القصة، حداثيين بصورة فريدة ومميزة في تنظيمهم السياسي، وهو ما سوف يقدمونه كمنحة لبقية دول العالم. وكما يشرح أوزياندر، احتل صلح فستفاليا مكان الصدارة في هذه الرواية التاريخية الجديدة عن طريق الدعاية المعاد تدويرها في القرن السابع عشر. وفد مؤرخو القرن التاسع عشر، عند البحث عن قصة دول تقاتل من أجل سيادتها ضد الهيمنة الإمبريالية، ما يحتاجون إليه بالضبط في التلفيقات المناهضة لأسرة هابسبورغ، التي نشرها البلاطان  الفرنسي والسويدي خلال حرب الثلاثين عاماً. وقد صعّد مؤرخو القرن العشرين  من هذه الرواية أكثر. كما هو الحال، في كثير من الأحيان، مع الأساطير التأسيسية، ويبدو أن إحدى المقالات كانت مؤثرة بشكل خاص، لا سيما في مجالات العلاقات الدولية والقانون الدولي، وأقصد  مقالة ليو غروس “سلام فستفاليا: 1648-1948” التي نُشرت في العام 1948 في الجريدة الأمريكية مجلة القانون الدولي American Journal of International Law. وتم  تأطيرها باعتبارها مقالةً “خالدة” و “أساسية” في ذلك الوقت، وقد أعطت معنى لنظام ما بعد الحرب الناشئ.  وكان غروس قد أعاد سرد قصة معاهدات الحرية والمساواة وعدم التدخل وجميع الفضائل الأخرى المزعومة لإعادة اختراع السيادة الوطنية  من خلال مقارنة ميثاق الأمم المتحدة للعام 1945 مع سلام فيستفاليا. كما لاحظ أن نص المعاهدات لا يبدو أنه يعكس هذه الأفكار، لكنه ألحّ على المبادئ العامة التي، كما افترض، يجب أن تكون أساس الاتفاقات. واستمر الباحثون الذين استشهدوا بمقالة غروس  بالقفز خطوة نحو الأمام عبر نسج المزيد من الأساطير, وقد اختاروا، في أفضل الأحوال، فقرات تتحدث عن الشؤون الداخلية للإمبراطورية الرومانية المقدسة ووصفوها بأنها أسس لنظام جديد لعموم أوروبا. كما قاموا، في أحيانٍ كثيرة، بتجنب الفجوة بين قصة فيستفاليا ومحتوى المعاهدات تماماً.. هكذا بكل بساطة.

لقد توصلت إلى استنتاج مفاده أن هذه الأسطورة استمرت في الوجود لأن جهود الكذب فشلت، في المقام الأول، في تقديم بديل واضح ومقنع. وإذن، يبدو أن حل كارثة فيستفاليا يكمن في طرح رواية بديلة تستند إلى دقة تاريخية أكبر، وتعكس العملية الأكثر تعقيداً التي نشأ من خلالها النظام الدولي الحديث. قصة واحدة جيدة -هي نفسها غير مكتملة، لكنها ما زالت قيد التحسين- تسير على هذا النحو. كان النظام الدولي يتألف، حتى القرن التاسع عشر،  من خليط من الأنظمة السياسية. وعلى الرغم من التمييز، في كثير من الأحيان، بين القارة الأوروبية وبقية العالم، إلا أن الأبحاث الحديثة ذكّرتنا بأن الأنظمة السياسية الأوروبية ظلت، أيضاً، غير متجانسة، بشكل ملحوظ، حتى القرن التاسع عشر. ففي حين أن بعض هذه الدول كانت ذات سيادة، فإن البعض الآخر شمل تشكيلات مركبة، مثل الإمبراطورية الرومانية المقدسة، والكومنولث البولندي الليتواني، حيث تم تقسيم السيادة بطرق معقدة للغاية. وفي الواقع، يبدو أن الكثير مما نأخذه كأمر مسلم به كطريقة عادية لترتيب النظام الدولي هو حديث نسبياً. لم تصبح الدولة ذات السيادة هي الوضع الافتراضي داخل أوروبا إلا في القرن التاسع عشر، حيث تراجعت  تدريجياً كيانات مثل الإمبراطورية الرومانية المقدسة أمام الدول ذات السيادة مثل ألمانيا.  كما انتقلت أمريكا اللاتينية، وغالباً ما يتم التغاضي عن دول هذه القارة في هذا الصدد، أيضاً إلى نظام الدول ذات السيادة خلال تلك الفترة نتيجة للثورات المتتالية المناهضة للاستعمار. ثم أصبح هذا النظام ترتيباً افتراضياً للنظام الدولي من خلال إنهاء الاستعمار في خمسينيات القرن الماضي  وحتى السبعينيات منه، عندما حلت الدول المستقلة ذات السيادة محل الإمبراطوريات في جميع أنحاء العالم. و تم النظر، أثناء هذا الانتقال، في بدائل مختلفة ، بما في ذلك -حتى الخمسينيات-  أشكال من الاتحادات الفيدرالية والاتحادات الكونفدرالية التي تعرضت للنسيان إلى حد كبير منذ ذلك الحين. لم تنتصر الدولة، على مدى العقود العديدة الماضية، باعتبارها الوحدة الشرعية الوحيدة في النظام الدولي فحسب، بل أعادت أيضاً ربط خيالنا الجماعي بالاعتقاد بأن هذه هي الطريقة الطبيعية للقيام بهذا الدور منذ العام 1648. ومع بدايات القرن التاسع عشر ، لم تكن أوروبا شرق الحدود الفرنسية تشبه أي شيء ما هو معاصر الآن. كما وصف المؤرخ بيتر إتش ويلسون في كتابه الأخير قلب أوروبا (2020)، فإن الإمبراطورية الرومانية المقدسة، التي طالما تجاهلها مؤرخو الدولة القومية، كانت موجودة منذ ألف عام في ذلك الوقت؛ واستطاعت في أوج توسعها احتلال ثلث القارة الأوروبية. وقد استمرت لمدة ست سنوات أخرى، حتى تم حلها تحت ضغط الغزوات النابليونية واستبدالها مؤقتاً باتحاد الراين الذي يهيمن عليه الفرنسيون (1806-1813) ثم الاتحاد الألماني (1815-1866). وهذا الأخير يعكس الإمبراطورية الرومانية المقدسة في نواحٍ كثيرة. بالكاد بدى هذا الاتحاد وكأنه دولة قومية. إذ كانت أجزاء كبيرة من أراضيه متداخلة-بما يمكن تسميته  صيغة “ما قبل الحداثة”- مع أراضي مملكة هابسبورغ، وهي دولة مركبة أخرى بدأت عملية مركزيتها في وقت أبكر من الإمبراطورية الرومانية المقدسة ولكنها لم تكن تشبه إلى حد كبير الدولة القومية  حتى أواخر القرن التاسع عشر. تم ترسيخها في الإمبراطورية النمساوية (1804-1867) ثم الإمبراطورية النمساوية المجرية (1867-1918)، لكن اتفاق تقاسم السلطة في العام 1867 منح المجر استقلالية كبيرة وسمحت لها بشكل أساسي بإدارة إمبراطورتيها الصغيرة. في هذه الأثناء، وإلى الجنوب قليلاً، كان ما نعتبره أنه إيطاليا الحديثة لا يزال خليطاً من الممالك (سردينيا ، مملكتي صقيلية، لومباردي -فينيسيا تحت التاج النمساوي)، والدوقيات (بما في ذلك بارما ، مودينا ، وتوسكانا)، والدولة البابوية، بينما الأراضي الشرقية، من أوروبا، كانت تحكمها الإمبراطورية العثمانية. لم تبدأ خارطة أوروبا في الظهور كمجموعة من الدول القومية إلا مع حلول منتصف القرن التاسع عشر، حيث ظهرت دول مثل بلجيكا واليونان في العام 1830، بينما اكتمل التوحيد الإيطالي والألماني في العام 1871.

لقد اعتدنا على التفكير في أوروبا على أنها المثال التاريخي الأول لنظام كامل من الدول ذات السيادة، لكن أمريكا اللاتينية تحركت بالفعل نحو هذا الشكل من التنظيم السياسي في الوقت عينه تقريباً.  فقد شهدت المنطقة، بعد ثلاثة قرون من الهيمنة الإمبراطورية، إعادة رسم كاملة لجغرافيتها السياسية في أعقاب الثورات الأطلسية في أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر.، فشهدت القارة، على خطى الولايات المتحدة (1776) وهايتي (1804)، سلسلة من حروب الاستقلال التي، بحلول العام 1826 وباستثناءات قليلة فقط، أطاحت بالإمبراطوريتين الإسبانية والبرتغالية. وبطبيعة الحال، اكتسبت بريطانيا على الفور السيطرة على التجارة في المنطقة من خلال مجموعة عدوانية من الإجراءات الدبلوماسية والاقتصادية التي يشار إليها غالباً باسم “الإمبراطورية غير الرسمية”، لكن  احتكاكاها  بات الآن مع دول ذات سيادة رسمياً، وخلال الفترة المتبقية من القرن، انبثقت  الهياكل الفيدرالية السيادية في أعقاب الاستقلال -غران كولومبيا Gran Colombia (1819-1831)، وجمهورية أمريكا الوسطى الفيدرالية (1823-1841)، ومقاطعات ريو دي لا بلاتا المتحدة (1810-1831) من خلال الحروب الأهلية الدموية التي استمرت لعقود، مما أدى إلى تأليب المناطق الطرفية ضد الحكومات المركزية بما في ذلك المحاولات المتعددة لإعادة تشكيل هذه التكتلات السياسية الكبيرة. وهكذا، وكما هو الحال مع أوروبا الغربية، لم تستقر المنطقة في نظام الدول القومية، الذي يشبه التكرار المعاصر، حتى نهاية القرن التاسع عشر. ويبدو أنه من الممكن، الآن، سرد قصة مماثلة نسبياً عن أمريكا الشمالية، كما هو الحال في مشروع المؤرخة راشيل سانت جون المستمر، “الولايات المتخيلة في أمريكا: التاريخ  الخفي لأمريكا الشمالية في القرن التاسع عشر”. استمرت الإمبراطوريات، بالطبع، في الازدهار على الرغم من الشعبية المتزايدة للدول القومية. وكان العالم، حتى اندلاع الحرب العالمية الثانية، لا يزال يرزح  تحت سيطرة الإمبراطوريات والبنى غير المتجانسة للسلطة السياسية التي أنشأتها هذه الإمبراطوريات. وبمجرد أن بدأت عملية إنهاء الاستعمار بعد العام 1945، لم تكن الدولة القومية هي الخيار الوحيد المطروح على الطاولة. يصف أدوم غيتاشيو Adom Getachew في كتابه “صنع العالم بعد عصر ما بعد الإمبراطورية Worldmaking after Empire (2019)، “اللحظة الفيدرالية” لأفريقيا الناطقة باللغة الإنجليزية، عندما ناقش قادة مختلف حركات الاستقلال في القارة إمكانية تنظيم اتحاد إقليمي للدول الأفريقية، وفي منطقة البحر الكاريبي، واتحاد غرب الهند. وبالانتقال إلى الولايات المتحدة كمثال على اتحاد ما بعد إمبراطوري ناجح، نجحوا في التلاعب بفكرة الدولة الفيدرالية المركزية ولكنهم وجدوا أنفسهم في نهاية المطاف مختلفين بشدة مع أولئك الذين فضلوا اتحاداً أكثر مرونة يضع المزيد من سلطات صنع القرار السيادية في أيدي الدول المنفردة . أمّا بالنسبة للمستعمرات الإفريقية الناطقة بالفرنسية، كان الابتعاد عن نموذج الدولة القومية أكثر راديكالية. كما يصف فريدريك كوبر في كتابه “المواطنة بين الإمبراطورية والأمة” (2014)، حيث كان الانتصار النهائي للدولة القومية، في هذه الحالة، نتيجة الخلافات بين الحكومة الفرنسية في المتروبول الاستعماري وبين القادة والمفكرين الأفارقة الذين يقودون عملية إنهاء الاستعمار -من مامادو ديا ، أول رئيس وزراء للسنغال، ليوبولد سيدار سنغور، أحد كبار منظرين الزنوجية Négritude. كان معظم الحديث يستهدف في الأصل تشكيلات سياسية لم تكن إمبراطوريات ولا دول قومية بل فيدراليات وكونفدراليات تصور المواطنة كحزمة من الحقوق التي لا يجب أن تتداخل بدقة مع القومية. وتضمنت الفكرة  قيام فيدرالية بين الدول، وليس فيدرالية أمة، كما في حالة الولايات المتحدة. حيث سيكون لكل نظام حكمه وهويته الخاصة بهما، لكنهم سيعملون معاً ويوفرون  شكلاً مشتركاً من المواطنة داخل دولة متعددة الجنسيات. سوف يصطدم هذا الشكل من “مناهضة الاستعمار المناهض للقومية”، في النهاية، مع عدم رغبة الحكومة الفرنسية في توزيع موارد المتروبول على شبكة واسعة من المواطنين، غير أن هذا لا يمنع من تأمل الأمر بجدية, لقد مثّل انتصار الدولة القومية، بالطبع، في سياق إنهاء الاستعمار، انتصاراً نهائياً للشعوب المستعمَرة ضد مضطهديها منذ زمن طويل. لكنها أيضاً فصلت المناطق ذات التاريخ المشترك، وخلقت أنماطها الخاصة من الاضطهاد، لا سيما لأولئك الذين حُرموا من دولة خاصة بهم، أي  الشعوب الأصلية، والأقوام عديمي الجنسية، والأقليات. القوة الساحقة لمؤسسات بناء الدولة، التي قضت تقريباً على السكان الأصليين بالكامل في مستعمرات المستوطنين مثل الولايات المتحدة وأستراليا، كانت محسوسة أيضاً في الحالات التي أصبح فيها بناء الدولة سلاحاً ضد الإمبراطورية. في تلك الحالات، قد يكون الضعيف هو من فاز بحق، لكنهم  فازوا، في بعض الأحيان، على حساب من هم أضعف.  هل يشكل هذا فرقاً؟ الواقع المضاد لعبة خطيرة في التفكير التاريخي. لكن ما هو واضح، أن ما نعتبره الآن طريقة بديهية لتنظيم المجتمعات السياسية كان، قبل سبعين عاماً فقط، لا يزال مجرد أحد الخيارات المتاحة لمخيلتنا الجماعية. ومن الواضح أن هذه القصة المختلفة لكيفية ظهور النظام الدولي الحديث لها عواقبها  الوخيمة على طريقة تفكيرنا في الماضي، كما لها عواقبها  بذات القدر على طريقة تفكيرنا في الحاضر.

أولاً، يجبرنا على إعادة التفكير في مصادر الاستقرار الدولي، حيث يربط السرد التقليدي النظام الدولي بوجود نظام الدول ذات السيادة، لكن القصة البديلة تشير إلى أن فترة ما بعد العام 1648 تميزت بمرونة لجهة تنوع الأنظمة السياسية. وكان أوضح نظام حكم في الحالة الأوروبية،  هو الإمبراطورية الرومانية المقدسة المترامية الأطراف، والتي استمرت في تجربة الترتيبات المعقدة للسيادة متعددة الطبقات حتى انهيارها في العام 1806. ولذلك ، ربما كان للاستقرار المقارن لفترة ما بعد العام 1648 علاقة بالتنوع المستمر للأنظمة السياسية في القارة أكثر مما كان له علاقة بالظهور المفترض لنظام متجانس من الدول ذات السيادة. وقد نظر بعض الباحثين إلى ما وراء حدود أوروبا ولاحظوا بالفعل أنماطاً من الاستقرار من خلال أشكال متنوعة من التنظيم السياسي في مناطق أخرى من بناء الإمبراطورية العالمية، مثلما يقول  أندرو فيليبس وجي سي شارمان في دراستهما لمنطقة المحيط الهندي، “النظام الدولي في  سياق التنوع” (2015) ). وتشير هذه الفترة بالتالي إلى إمكانية واقعية للاستقرار  النسبي للنظام الدولي الذي يتم فيه تقاسم السلطة بين أنواع مختلفة من الفاعلين.

ثانياً، يجبرنا التفكير الجدّي  في القصة البديلة على إعادة التفكير في الطريقة التي نتحدث بها عن تأثير الجهات الفاعلة غير الحكومية في الوقت الحاضر. لنأخذ مثالاً واحداً فقط، حتى أقوى الشركات متعددة الجنسيات المعاصرة مثل فيسبوك وغوغل وأمازون وآبل ..وغيرها، تملك سلطة رسمية محدودة إلى حد كبير لدى مقارنتها بالشركات التجارية الشهيرة التي كانت جهات فاعلة مركزية في النظام الدولي حتى منتصف القرن التاسع عشر. لنتذكر كيف استحوذت أكبر شركتين، آنذاك، وهما شركة الهند الشرقية  البريطانية ونظريتها الهولندية، اللتان تأسستا في عامي 1600 و 1602 على التوالي، على قدر هائل من القوة  خلال وجودهما الذي دام مائتي عام، وأصبحتا المحرك الأساسي للتوسع الإمبراطوري الأوروبي. وفي حين بدأت تلك الشركتين كمؤسستين  تجاريتين  تسعيان للدخول إلى شبكة التجارة المربحة في آسيا، فقد تحولتا تدريجياً إلى مساعي أكثر طموحاً ونمت من مراكزهما الاستيطانية الأصلية في الهند وإندونيسيا إلى أنظمة حكم كاملة خاصة بهما. لقد كانت كل واحدة منهما، كما يجادل العديد من الباحثين الآن، “شركة على هيئة دولة [ الشركة الدولة]”، بمعنى جهات فاعلة مختلطة بين القطاعين العام والخاص يحق لها قانوناً السيطرة على الرعايا، وصك الأموال، وشن الحروب. ولا تزال، وفقاً لهذا المنظور، الجهات الفاعلة غير الحكومية أو اللادولة ضعيفة نسبياً مقارنة بالدول، التي لا تزال تحتكر سلطة رسمية أكثر بكثير من جميع الجهات الفاعلة الأخرى في النظام الدولي. لكن هذا لا يعني أن القوة المتنامية للشركات متعددة الجنسيات ليست مدعاة للقلق؛ بل هي كذلك بكل تأكيد. المهم في الأمر هو  مراعاة حرصنا الشديد ، في  جهودنا للحد من التأثير الضار لهذه الشركات ، على عدم الإيحاء بأن التهمة  هي إضعاف غير مسبوق للدولة، وبالتالي فإن الحل هو توسيع سلطة الدولة. ويوفر الشكل الأكثر دقة للمنظور التاريخي حافزاً لمناقشة الفرص التي قد تكمن في استكشاف ترتيبات حكم بديلة، على الصعيدين المحلي والدولي.

ثالثاً، تميل أسطورة فيستفاليا إلى طمس أي دليل تاريخي  من شأنه عدم القول بأن نظام الدول يبدو وكأنه حتمية تاريخية عمرها ما يقرب من 400 عام. من المؤكد أن الدول كانت مهمة بعد العام 1648، ولكنها كانت كذلك مجموعة من الجهات الفاعلة الأخرى، من الشركات التجارية إلى الأنظمة السياسية شبه السيادية وجميع أنواع الإمبراطوريات التي تم تنظيمها رسمياً بشكل أو بآخر. بدأ هذا النظام في الانهيار حقاً فقط في القرن التاسع عشر، مع استمرار العديد من ميزاته حتى القرن العشرين. بالنظر من خلال هذه المنظار، سوف نجد إن ما يسمى بـ “النظام الفستفالي” يبدأ في الظهور بشكل أكثر شذوذاً من الوضع الراهن. وللتأمل في مدى أهمية إلغاء مركزية الدولة،  علينا أن نضع في اعتبارنا أحد الأمثلة التاريخية. فقبل ستين عاماً فقط، تفاقمت التحديات التي واجهتها الشعوب المستعمَرة في نضالها من أجل الحرية بسبب الحقيقة التي تقول أن هذه الشعوب لم تكن منتظمة في دول ، وليس لديها أي حقوق قانونية دولية ضد الدول التي سعت إلى تحديها. والأهم من ذلك أنه لم يُسمح لهذه الشعوب باستخدام القوة ضد محتليهم. ولو  فعلوا ذلك، فسوف يعتبرهم القانون المحلي والدولي مجرمين وليسوا مقاتلين. وينطبق هذا الاعتبار على تلك الشعوب كافة، بغض النظر عن شرعية قضيتهم، أو قدرتهم على تنظيم أنفسهم في شبكة معقدة من حركات التحرر الوطني. وحتى في الحالات العديدة التي تمكنت هذه الشعوب من نيل حريتها، في نهاية المطاف، وعثروا على مكان لهم على طاولة الدبلوماسية العالمية من خلال تشكيل دولهم المستقلة، إلا أنه ستواجههم معيقات كثيرة باتجاه حريتهم فيما لو تمتعوا باكراً بالخطوط الأساسية لنسيج حقوقهم بصفتهم جهات فاعلة جماعية. ويقود الانخراط في هذا التاريخ  إلى جعل المركزية الحالية لنظام الدول كأساس لتنظيم الكرة الأرضية تبدو حديثة وفي شكل جيدة إلى حد ما، ولا تعود إلى قرون مضت وعلى وشك الانهيار.

طبقات السيادة داخل أنظمة سياسية مثل الاتحاد الأوروبي، القوة الصاعدة للشركات، بروز الجماعات العنيفة التي لا تعتبر “دولاً” -لا يتعارض أي من هذه التطورات المذكورة بشكل أساسي مع كيفية عمل العلاقات الدولية على مدى 373 عاماً الماضية. ما هو جديد حقاً، من منظور التاريخ الطويل longue durée، هو انتصار الدولة في جميع أنحاء العالم، وعدم قدرتنا على التفكير في طرق تنظيم العالم التي لا تشمل الدول القومية أو منظمات الدول القومية.

تتحدث مقابلة أجريت مؤخراً مع عالم السياسة فرانسيس فوكوياما في Noema في هذا الصدد، عند سؤاله عما إذا كانت الدولة القومية غير كافية الآن في مواجهة المشاكل العالمية الملحة، أقر فوكوياما بأن مثل هذه “التحديات لا يمكن حلها من قبل الدول الفردية”. لكنه أردف يقول: “كم من هذه التحديات يمكن حلها من خلال تعاون أفضل بين الدول القائمة؟” كما تلخص المجلة هذا الخط الفكري: “في مواجهة تحديات كوكب الأرض، فإن الدولة القومية هي المشكلة والحل في ذات الوقت.” حتى المفكرين المتناغمين مع قيود الدولة القومية لا يبدو أنهم يحررون أنفسهم من قيود الدولة في الخيال السياسي المعاصر. وبالمثل، تدور النقاشات، حول المؤسسات فوق القومية القائمة، على الدولة على مسار ضيق بشكل ملحوظ: هل نحتاج المزيد من السلطة للدول، أم نحن بحاجة إلى  المزيد من السلطة نضعها في يد المنظمات الدولية القائمة على الدولة؟ في هذه اللحظة من الأزمة العالمية، بما في ذلك وباء كورونا COVID-19 وحالة الطوارئ المناخية، نحن بحاجة ماسة إلى إيجاد بدائل لرؤيتنا القديمة للإصلاح. وإذن، هناك، ثمة، مصلحة في حديثنا عن النظام الدولي أكثر بكثير من المراوغات حول الفترة التاريخية. إن تشويه تاريخ نظام الدول يخدم أصحاب النفوذ القوميين، الذين يصورون أنفسهم على أنهم ينقذون العالم من الانحدار إلى فوضى اللادولة تسيطر عليها الشركات العالمية التي لا تهتم كثيراً بالولاء القومي. ويمكن القول، بصورة أكثر اتساعاً، إن الحصول على هذا التاريخ بشكل صحيح يعني إجراء النقاشات والمحادثات الصحيحة. إن إعطاء السلطة لجهات فاعلة بخلاف الدول ليس دائماً فكرة جيدة، ولكن يجب علينا مقاومة الاختيار الخاطئ بين عودة ظهور القومية من جهة وانتصار الكيانات غير الديمقراطية من جهة أخرى. وبالتالي، فقد حان الوقت لتسخير فهم أكثر دقة للماضي لجهودنا لتخيل مستقبل أقل تدميراً. لا يوفر وجود سرد بديل لمسارنا حلولاً سهلة، ولكنه يفتح الطريق أمام تصور نظام دولي يمكن أن يفسح المجال لتنوع أكبر في الأنظمة السياسية ويعيد بعض التوازن بين حقوق الدول وحقوق الجماعات الأخرى. القاعدة اليوم هي أن الدول تتمتع بحقوق أكثر بكثير من أي مجموعة أخرى -بدءً من الشعوب الأصلية إلى الحركات الاجتماعية العابرة للحدود- لمجرد أنها دول. لكن ليس من الواضح على الإطلاق لماذا يجب أن يكون هذا هو الإطار الوحيد المتاح لخيالنا الجماعي، لا سيما إذا كانت شرعيته تعتمد على تاريخ نظام الدول الذي تم فضحه منذ فترة طويلة.

لقد ألحقت أسطورة فيستفاليا، في النهاية، ضرراً خطيراً بقدرتنا على التفكير بشكل خلّاق حول كيفية مواجهة التحديات العالمية الملحة التي تتجاوز حدود ومستويات المنظمات الحكومية، بدءً من الأحياء والقرى والمدن وصولاً إلى المؤسسات الدولية. والآن،  وبعد أن بدأ وقتنا لتخيل طرق أكثر استدامة لتنظيم عالمنا في النفاذ بشكل واضح، بات علينا أن نضع هذه الأسطورة جانباً إلى الأبد.

….

المؤلف: كلير فيرجريو  Claire Vergerio باحثة متخصصة في تاريخ العلاقات الدولية  والقانون الدولي، وتعمل حالياً بصفة أستاذ مساعد في العلاقات الدولية بجامعة ليدن\ هولندة،  تحصر لكتاب جديد بعنوان “ما وراء أسطورة فيستفاليا: الدول والقانون الدولي واحتكار الحق في شن الحرب”  Beyond the Myth of Westphalia: States, International Law, and the Monopolization of the Right to Wage War. .

المصدر: https://bostonreview.net/articles/beyond-the-nation-state/

عن محمود الصباغ

كاتب ومترجم من فلسطين

شاهد أيضاً

استراتيجية عمل الصهيونية المسيحية الداعمة لإسرائيل 6

ترجمة: محمود الصباغ الفصل السادس: محاربة نزع الشرعية الإسرائيلية في المجال العام “إسرائيل هي أيضاً …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *