الرئيسية > سياسة > ترجمة > ما بعد التجارة النيوليبرالية

ما بعد التجارة النيوليبرالية

نظر ، في العام 1919،جون ماينارد كينز ، مثل العديد من الأوروبيين ، إلى التجارة الحرة لحقبة ما قبل الحرب كنوع من العصر الذهبي. ويستذكر أن “ساكن لندن كان بإمكانه  أن يطلب عبر الهاتف، وهو يحتسي شاي الصباح في السرير، منتجات مختلفة من أصقاع الأرض، وبالكمية التي قد يراها مناسبة، ويستطيع  إلى جد ما أن يتوقع  أقرب موعد لاستلام طلباته على عتبة بابه؛ ويمكنه في ذات اللحظة وذات الوسائل أن يغامر  في استثمار ثروته في الموارد الطبيعية والمشاريع الجديدة في أي جزء من العالم وأن يشارك، دون مجهود أو حتى عناء، في ثمارها ومزاياها المحتملة “(1) . لقد كان من الصعب، في ظل الحطام الذي خلّفته الحرب العالمية الأولى وراءها، تخيل عودة هذا “الإلدورادو الاقتصادي” العابر للحدود. ولكن اليوم، قد تبدو الاقتصادات الوطنية، المستقلة نسبياً في منتصف القرن العشرين، وكأنها عالم ضائع. ومن اللافت القول أن المرء لم يعد بحاجة حتى لرفع سماعة هاتفه للوصول إلى منتجات الأرض كلها؛ إذ لم يعد الأمر يتعدى تسجيل الدخول إلى موقع أمازون. تزامنت، بل وتجاوزت، هذه العودة إلى مستويات ما قبل الحرب من التكامل الاقتصادي، مع إحياء أفكار ما قبل الكينزية حول الاقتصاد الدولي. وغالباً ما يتم  استعراض التوسع الهائل في التجارة الدولية(2) على مدى الأربعين عاماً الماضية كنتيجة لإزالة القيود المصطنعة ببساطة – أي على أنه انتصار “للتجارة الحرة” على “الحمائية”، وإدراك للكوزموبوليتانية والليبرالية اللتان كانتا سائدتان في القرن التاسع عشر بعد النزعة القومية المنحرفة وتوجه الدولة لاقتصاد القرن العشرين. وغالباً ما يُدعى هذا الانتصار على أنه أحد النجاحات العظيمة التي حققتها الحقبة النيوليبرالية ، والتي كانت فوائدها واضحة جدًا بحيث لا تحتاج إلى ذكرها.  ولعل ما قاله رئيس الجمعية الاقتصادية الأمريكية في  أحد اجتماعات الجمعية أكبر دليل على ذلك: “إذا كنت هنا تحضر هذه الجلسة، فمن الواضح، إذن،  أنك مع التجارة الحرة، بقدر ما يمكننا الحصول عليها ” يبدو أن لا أحد في الجلسة كان يرى غير ذلك. ترافق نمو التجارة وتعميق الروابط المالية على مدى العقود العديدة الماضية مع إعادة ترسيخ رؤية أيديولوجية صارمة حول كيفية عمل الاقتصاد الدولي والسياسات الخارجية التي ينبغي تشجيع الحكومات الوطنية على تبنيها، أو  السماح، باتباع ما يسمى إجماع واشنطن*. ومع ذلك، لم يكن هذا الإجماع مهيمناً مطلقاً، وتضاءل نجمه بشكل كبير منذ الوصول إلى ذروته في التسعينيات. وفي حين لم تخلو الرؤية النيوليبرالية للتجارة من الانتقاد قط، ففي المقابل لا توجد مدرسة معارضة واحدة يمكن وصفها بالمتماسكة. ومن المفيد التمييز بين سؤالين، وذلك عند التفكير في بدائل للنموذج النيوليبرالي، يقدم كل منهما أرضية مختلفة لمعارضة الرؤية النيوليبرالية. ويتوافق هذا مع مجموعتين من الفكر غير التقليدي حول التجارة واللتان، على الرغم من اتساقهما المتبادل، إلا أنهما يظهران كحجج متميزة طرحت، على العموم، عن طريق  أشخاص مختلفون وعلى أسس مختلفة. السؤال الأول الذي يمكن طرحه يتعلق بنوع النمط أو البنية طويلة المدى التي يمكن تخيلها من منظور الاقتصاد العالمي؟ أي ، إلى أين تؤدي التجارة والروابط المالية في نهاية المطاف؟ أما السؤال الثاني فيتعلق بالآلية التي يحدث فيها أو بسببها تعديل التجارة على المدى القصير إلى المتوسط؟ أي عندما يخرج النمط الحالي للتجارة عن الاتجاه طويل المدى – أو  كيف يمكن إعادة المواقف الدولية للدول إلى الخط عندما تتعارض هذه المواقف مع بعضها البعض أو مع التطورات المحلية. يتخطى الإجماع النيوليبرالي، حول هذين السؤالين، أفكار منتصف القرن العشرين حول التجارة من أجل رؤية تقليدية أقدم – تمتد إلى أعمال آدم سميث وديفيد ريكاردو – حيث يكون هدف التجارة هو التخصص وتكون أسعار السوق دليلاً كافياً للتبادل عبر الحدود. تم ترشيح هذه الرؤية من خلال مؤيدي التجارة الحرة في إنجلترا الفيكتورية وانحدرت إلى اقتصاديات القرن العشرين من خلال شخصيات مثل إيلي هيكشر وبرتيل أولين وولفغانغ ستولبر وبول صامويلسون. كما كان لها أنصارها المميزين في الاقتصاد السياسي في جمعية مونت بيليرين ، لاسيما فريدريش هايك وويلهلم روبك. كما تم فرضها سياسياً من قبل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي (IMF) في الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي واستمدت سلطتها من الاقتصاديين الريغانيين والتاتشريين الذين سيطروا، آنذاك، على الاقتصادات الأساسية.

تقدم مقالة افتتاحية حديثة في الفايننشال تايمز(3)  كتبها موريس أوبستفيلد، كبير الاقتصاديين السابق في صندوق النقد الدولي، تلخيصاً لطيفاً للموقف الأرثوذكسي التقليدي من كلا البعدين. ويبدأ  أوبستفيلد برفض “المغالطة القديمة”  التي ترى بأن “البلدان تخسر من الناحية التجارية ما لم يتجاوز إجمالي صادراتها وارداتها”. بل يقول، على العكس من ذلك،  بعدم وجود تأثير للميزان التجاري على إنتاج الدولة أو العمالة؛ ويعكس الميزان التجاري، بدلاً من ذلك، “بشكل سلبي ما إذا كان يعبر عن نسبة إنفاق أكثر أو أقل من الدخل”. وبعيداً عن كونه مشكلة ، يمكن للعجز التجاري “أن يساعد البلدان على تمويل استثمارات إنتاجية طويلة الأجل تؤدي في النهاية إلى زيادة الدخل القومي والثروة”. وفي الوقت عينه، فإن النمط المحدد للتجارة (أي  ما يصدره بلد ما وإلى أي جهة) “يعكس التقسيم الدولي للعمل – بناءً على الامتياز النسبي لكل بلد.”. ويمكن للجهود المبذولة لتغيير التدفقات التجارية “أن تشوه بشكل سيئ التقسيم الدولي للعمل – وبالتالي تقليل الفوائد التي تجنيها جميع البلدان من التجارة”. يبدو كل هذا معقولاً جداً، لاسيما لأولئك الذين عل  اطلاه لما فيه الكفاية  لدروس الاقتصاد ( ومعلوم أن أوبستفيلد نفسه هو أيضاً مؤلف كتاب مدرسي واسع الاستخدام حول التمويل والتجارة الدوليين.) ولكن القليل من التفكير النقدي يجب أن يثير بعض الشكوك الجادة حول هذه القصة،  مثل وصف كيف تؤدي التجارة الدولية عملها وكيف ينبغي أن تكون. وسوف نضع في الجزء المتبقي من هذه المقالة ما نراه على أنهما الموقفان الرئيسيان اللذان يمكن من خلالهما مهاجمة النيوليبرالية التقليدية. فأولاً ، هناك، ثمة، وجهة نظر التنمية، التي تقول إن اختبار النظام الدولي لا يكمن في ما إذا كان يسمح للبلدان بالتخصص وفقاً لقدراتها الإنتاجية الحالية، ولكن ما إذا كان سيخلق مساحة لتحويل تلك القدرات. وثانياً، هناك وجهة نظر الاقتصاد الكلي الكينزي، التي ترفض التمييز بين التجارة الدولية والأهداف المحلية مثل التوظيف الكامل وتطرح وجهة النظر هذه المزيد من الأسئلة عن قدرة أسعار الصرف وآليات السوق على موازنة المدفوعات بين البلدان. بعد وضع هاتين الحجتين، سنعود بإيجاز في نهاية المقال إلى آفاق النظام النيوليبرالي الحثيث.

الليبرالية الجديدة مقابل التنمية

يتحدى النقد التنموي فكرة فهم الأنماط الحالية للتجارة وفوائدها من حيث التخصص وفقاً للامتياز النسبي. ففي عالم الامتياز النسبي، تُمنح البلدان، بطريقة أو بأخرى، قدرات إنتاجية مختلفة. ستكون التجارة في الغالب بين بلدان ذات ثروات مختلفة جداً ، حيث تكون مكاسب التخصص أكبر. وعندما كتب ريكاردو، قبل 200 عام، عن النموذج الأول للامتياز النسبي لمادتي الصوف والنبيذ ، كان لهذه الرؤية على الأقل معقولية ظاهرية. ثم اشتملت التجارة، فيما بعد على الكثير من المنتجات الأولية حيث كانت الاختلافات في المناخ حاسمة في هذا الصدد. لكن معظم التجارة اليوم تتم في السلع المصنعة. كانت غالبية صادرات المكسيك إلى الولايات المتحدة ، في السنوات الأخيرة، على سبيل المثال، عبارة عن مركبات وآلات ومعدات وأجهزة كمبيوتر وقطع غيار سيارات؛ يتألف العُشر فقط من السلع الزراعية والنفط، التي تعتمد على الثروات الطبيعية. يصعب تطبيق نظرية الامتياز النسبي على السلع المصنعة، لأن إنتاجها لا يعتمد على عوامل جغرافية محددة بالطريقة التي تعمد عليها الزراعة والمنتجات الأولية الأخرى. وتزداد المشكلة سوءً عندما نلاحظ أنه -على الرغم من بعض الاستثناءات المذهلة- لا يزال العالم منقسماً بين شمال غني وصناعي وجنوب أفقر وأقل تصنيعاً. وليس من الواضح كيف من المفترض أن يفسر التخصص، وفقاً للامتياز النسبي، هذا الانقسام المستمر. كيف يمكن أن يعكس التقسيم الدائم للعالم إلى أقلية من البلدان الصناعية الغنية وأغلبية البلدان الأقل نمواً تقسيماً عقلانياً للعمل، ما لم يكن هناك بعض الاختلاف العميق وغير المتغير بين البشر الذين يشكلونها؟  كان الاقتراح، في وقت من الأوقات، هو أن البلدان الفقيرة تعاني، ببساطة، من نقص رأس المال. وقدمت الوعود بأن التدفقات المالية الحرة سوف تجعل توزيع العمل ورأس المال متوازناً وتسد الفجوة بين الأغنياء والفقراء. لقد فشل الوعود، عدد غير كبير على كل حال، النيوليبرالية بشكل أوضح من هذا ، حيث شهد التحرير المالي عموماً تدفق رأس المال “صعوداً”(4) ، من الأغنياء إلى الفقراء. كان الجيل السابق من الليبراليين الجدد أكثر صراحة بشأن أصل التقسيم الدولي للعمل. كما يشير المؤرخ كوين سلوبوديان في كتابه الرائع العولمة: نهاية الإمبراطورية وولادة النيوليبرالية Globalists: The End of Empire and the Birth of Neoliberalism (2018)(5)، ويقول روبكه في هذا السياق: “إن البلدان الغنية اليوم غنية لأنها تعبر ، بالإضافة إلى حيازة المتطلبات الأساسية للتكنولوجيا الحديثة، عن شكل معين من أشكال التنظيم الاقتصادي الذي يستجيب لشخصيتها وروحها”. كان التصنيع في الجنوب مستحيلاً بسبب “عدم الالتزام بالمواعيد والموثوقية والميل إلى التوفير والإبداع”. قلة من المدافعين المعاصرين عن التجارة الحرة قد يبررون التقسيم الدولي للعمل بمثل هذه الشروط البيولوجية أو الحضارية المجردة. (ولا حتى ريكاردو يمكنه ذلك). ولكن من الصعب أن نرى طريقة أخرى للتوفيق بين قصة الامتياز النسبي للتجارة مع انقسام العالم المستمر إلى أغنياء وفقراء.

تقر التوصيفات السائدة الأكثر تعقيداً للتجارة الدولية أن القليل منها يشبه قصة ريكاردو عن تصدير بريطانيا للأنسجة والبرتغال للنبيذ. وفقاً لنظرية التجارة الجديدة ، تنتج التجارة أساساً عن مزيج من العوائد المتزايدة والمنافسة غير الكاملة. يتركز إنتاج السلع في بلدان معينة ليس لأنها تتمتع بالضرورة بأي ميزة نسبية في إنتاجها، ولكن ببساطة لأن تركيز الإنتاج في موقع واحد يؤدي إلى تكاليف أقل من الإنتاج على نطاق أصغر في العديد من الأماكن. هذه المجموعة النظرية لها بعض الصلات مع النظريات الراديكالية للتخلف. في إحدى الأوراق البحثية المبكرة(6)، طور بول كروغمان ، الحائز على جائزة نوبل عن عمله في هذا المجال، نموذجاً وصفه بأنه “يذكرنا بنظرية هوبسون- لينين عن الإمبريالية”. لكن الأساس النظري المتغير للأرثوذكسية التقليدية التجارية كان له تأثير ضئيل(7) بشكل مدهش على مقولاتها العامة. ولعل هذا كان هو المطرح الذي يدخل فيه أول البديلين للنيوليبرالية. وتجعل هذه الرؤية  من التنمية الوطنية، وليس التقسيم الدولي للعمل الهدف النهائي للتجارة. يعتمد هذا التقليد على السجل التاريخي للحاق بركب التصنيع في الولايات المتحدة وألمانيا وشرق آسيا. وتكمن جذورها النظرية في النهج البراغماتي والقومي لألكسندر هاملتون في الولايات المتحدة(8)، وفريدريش ليست في ألمانيا، وصناع القرار في ثورة ميجي في اليابان. يمتد من خلال الاقتصاديين المناهضين للاستعمار في القرن العشرين مثل راؤول بريبيش في الجنوب واقتصاديي التنمية مثل ألبرت أو. هيرشمان في الشمال(9) ، إلى المفكرين غير التقليديين المعاصرين مثل أليس أمسدن وها -جون تشانج وأنتوني ثيرلوال. كما أنه يعتمد على أفكار أكثر راديكالية متأثرة بماركس حول مفاهيم التخلف والإمبريالية. ضمن هذه الرؤية، لا يتألف العالم الاقتصادي من أفراد مجردين ولكن من كائنات اجتماعية – شركات وصناعات ودول – تتطلب ظروفاً مناسبة للحفاظ على نفسها ولديها القدرة على التطور بمرور الوقت. كان مفهوم التنمية -المستعار أصلاً من علم الأحياء- هو الاستعارة الرئيسية لكثير من التفكير في منتصف القرن حول الاقتصاد الدولي. بالنسبة لمنظري التنمية مثل والت روستو، كانت الاقتصادات مثل ضفادع صغيرة تنمو في بركة ؛ قد يتحول أحدهم في وقت أبكر من الآخر ، ولكن في ظل الظروف المناسبة ، سينتهي الأمر بهم جميعاً  أن يكونوا ضفادع متشابهة. وسوف يكون السؤال المركزي حول النظام الدولي ، في هذا الصدد، ليس ما إذا كان يسمح بالتخصيص الأمثل للموارد عبر الحدود ولكن ما إذا كان يوفر بيئة مناسبة لبقاء ونمو هذه الكائنات الاجتماعية. هل يعزز هذا أو يعيق القدرات الإنتاجية للدول؟ في الواقع، ومن وجهة النظر هذه، فإن الرأسمالية العالمية الحالية بعيدة جداً عن نظام التوازن الذاتي الفعال للخيال النيوليبرالي. المنافسة الدولية تنطوي على منافسة وحشية لا ترحم؛ وإذا لم تتم إدارتها ، فمن المرجح أن تعطل عملية التنمية للمشاركين الأضعف من تقديم المنافع المتبادلة. إذا كان الامتياز النسبي دليلاً سيئاً على كيفية تنظيم الجزء الأكبر من التجارة فعلياً، فهو دليل أسوأ على ما يجب أن يكون عليه. لنفكر مرة أخرى في تحذير أوبستفيلد من تشويه التقسيم الدولي للعمل. ( كلمة “تشويه” هي واحدة من العديد من الكلمات الرئيسية التي تسمح لنقطة نظرية ضيقة بالتنكر كحقيقة حول العالم الحقيقي، من خلال دمج المعنى التقني للمصطلح مع المعنى المتداول اليومي). وتشير هذه اللغة، عن قصد أو غير ذلك، إلى أن هذا هو الدور المناسب لبعض الدول لصناعة سيارات وأجهزة كمبيوتر، ودور الآخرين في صناعة الملابس والقهوة، ولا ينبغي فعل شيء لتغيير هذا. يجب أن تحتفظ البلدان المتخصصة في التعليم العالي والبرمجيات والمستحضرات الصيدلانية باحتكاراتها، بينما يجب على البلدان المتخصصة في زراعة المحاصيل الغذائية والملابس المستهلكة أن تستمر في فعل ذلك.  على كل واحد أن يبقى حيث هو في مكانه. إن البرنامج المناهض للتطور الخاص بالتجارة النيوليبرالية ليس مجرد مسألة استبعاد حماية “الصناعة الناشئة” التي اعتمدت عليها الدول المتقدمة اليوم عندما كانت تقوم بالتصنيع. يفرض النظام التقسيم الدولي للعمل بطرق تتجاوز بكثير ما نعتقد أنه تجارة. والمثال البارز هو الملكية الفكرية. إن الثقل المتزايد لأحكام الملكية الفكرية في اتفاقيات “التجارة” الحالية يعني أنها لم تعد تتعلق فقط بوضع قواعد للتبادلات بين البلدان. في حين أن نموذج التجارة الحرة يقضي على إمكانية تحويل القدرات الإنتاجية، فإن قواعد الملكية الفكرية تمنعهم من استخدام حتى القدرات التي لديهم بالفعل. إنها أيضاً تذكير بأن قوة السوق التي تتخذها نظرية التجارة الجديدة كنقطة انطلاق لها ليست مجرد حقيقة عن العالم ولكنها شيء يجب إنشاؤه والحفاظ عليه بنشاط. ويمكن القول، بصورة أوسع، لا تعكس حماية الملكية الفكرية ، مثل نظام التجارة النيوليبرالي التي تشكل جزءً منه، تقسيماً عالمياً للعمل فقط، بل تفرضه بشكل فعال.

تُظهر تجربة الهند مدى أهمية هذه الاتفاقيات. في العام 1972 حظرت الدولة براءات اختراع المنتجات في المستحضرات الصيدلانية. في ذلك الوقت، كانت أسعار الأدوية في البلاد من بين أعلى المعدلات في العالم، لكن منتقدي الحظر حذروا من أن البلاد ستفقد إمكانية الوصول إلى الأدوية المستوردة. غير أن الهند أنشأت في العقود التي تلت ذلك، صناعة محلية واسعة لتصنيع الأدوية المحلية وعكست الهندسة العكسية لمعظم الأدوية الحديثة التي تم تطويرها في أماكن أخرى. انخفضت الأسعار في البلاد لتصبح من بين أدنى المعدلات في العالم، وبحلول نهاية القرن، أصبحت الشركات الدوائية الهندية  من أكبر موردي الأدوية الأساسية بأسعار معقولة خارج العالم الغربي وأكبر مورد عالمي للأدوية العلاجية. وقد أطلقت  منظمة  أطباء بلا حدود على البلاد لقب “صيدلية العالم النامي”. لم يكن نجاح هذه الصناعة متوقعاً من السرديات المعيارية للنمو الموجه للتصدير. لم يكن هذا المثال يعبر عن حالة تصنيع تقودها سياسات  أجور منخفضة؛ لم تكن الهند تمتلك امتيازاً نسبياً في العمالة أو المعرفة أو المواد الخام اللازمة لإنتاج الأدوية. بل كانت تملك، بالأحرى، مزيجاً من السياسة الصناعية، بما في ذلك الاستثمار العام المبكر ، والتعلم من خلال العمل  حيث اكتسبت شركات الأدوية الهندية الخبرة التقنية والتكنولوجية، ومجموعة كبيرة من العلماء، والأهم من ذلك، لا توجد قيود على الملكية الفكرية على اعتماد التكنولوجيا الأجنبية مجتمعة للسماح للبلاد لتصبح منتجاً منخفض التكلفة. من الناحية النظرية، تتخصص البلدان في الأشياء التي تجيد صنعها. في الواقع، يعتمد ما تجيده الدول على ما تصنعه -أو يُسمح لها بذلك. تجربة الهند بعيدة كل البعد عن كونها فريدة من نوعها. يلاحظ ها-جون تشانغ أنه، لم تمنح قوانين براءات الاختراع الأوروبية والأمريكية، تاريخياً، سوى حماية غير كافية للغاية [لحقوق الملكية الفكرية] للكيانات الأجنبية(10). في معظم البلدان، بما في ذلك بريطانيا (قبل إصلاح 1852) وهولندا والنمسا وفرنسا، كان يسمح صراحةً وفي كثير من الأحيان لبراءة الاختراعات المستوردة من قبل مواطنيها. اتبعت جهات التصنيع الحديثة نفس الدليل -استخدمت اليابان وكوريا على نطاق واسع “التقليد الإبداعي” للترويج لمجموعة كاملة من الصناعات وتوليد فرص هائلة للشركات المحلية لتطوير القدرات التكنولوجية. ولكي نكون واضحين، لم تكن هذه المشاريع بدائل للتجارة الدولية؛ بل على العكس من ذلك، كانت التجارة جزءً لا يتجزأ منها. يقدم الصحفي جو ستادويل الحجة المعقولة بأن الرقابة ذات المغزى هي الوسيلة الوحيدة التي يمكن أن تحققها الدولة الكورية على شركات مثل هيونداي Hyundai أو بوسكو Posco من خلال اختبارها في السوق العالمية؛ وفي غياب ذلك، لم تكن هناك طريقة للضغط عليهم باستمرار لتكريس فوائضهم للاستثمار المعزز للإنتاجية(11). وتعد هذه النقطة بمنزلة  مفارقة مركزية في نظام التجارة النيوليبرالية. من ناحية أخرى، جعلت الأهمية المتزايدة للمعرفة والتنظيم بالنسبة للثروات الطبيعية من الواقعية تخيل نظام للتجارة يؤدي إلى تقارب عالمي مع مستويات المعيشة المادية والإنتاجية التي تتمتع بها البلدان الغنية اليوم. ولكن في نفس الوقت الذي تطورت فيه هذه الإمكانية على مستوى الإنتاج، فإن الالتزام بمعاملة المعرفة كملكية خاصة – والتقسيم العالمي للعمل باعتباره معيار السياسة التجارية – قد أغلقها على مستوى السياسة.

النيوليبرالية مقابل إدارة الاقتصاد الكلي

إذا كان استبعاد التنمية أحد الشواغل المركزية لمنتقدي النموذج النيوليبرالي للتجارة، فإن الشاغل الآخر  هو الادعاء بأن أسعار الصرف الحرة العائمة تكفي لموازنة المدفوعات بين البلدان، دون الحد من قدرتها على السعي لتحقيق التوظيف الكامل أو تحقيق أهداف محلية أخرى. التحدي الذي تواجهه الرؤية النيوليبرالية على هذه الجبهة ليس تقسيم العالم إلى دول فقيرة وغنية، بل بالأحرى تكرار أزمات العملة في عصر الليبرالية الجديدة – والطرق التي يتم بها إعادة توجيه السياسات المحلية كاستجابة لذلك. وبينما يقدم إطار التنمية رؤية بديلة طويلة المدى للاقتصاد الدولي، فإن هذا الخط الثاني من النقد، الذي يستمد الإلهام بشكل أساسي من كينز ، يركز على مشاكل المدى القصير. لا يوجد سبب، ضمن الإطار التقليدي، يجعل التجارة تثير مشاكل الاقتصاد الكلي. مهما كانت العمالة والموارد الأخرى التي يتم سحبها من المناطق التي لا تتمتع فيها الدولة بامتياز نسبي، فسيتم توظيفها بالكامل في المجالات التي يوجد فيها. وهذا يعني، بالمصطلحات الحديثة، – كما يقول أوبستفيلد – أن الناتج المحلي الإجمالي للبلد والتوظيف والمدخرات ومعدلات الاستثمار تحددها العوامل المحلية فقط؛ أي أن التجارة ليس لها تأثير. كما قال بول كروغمان في مقالته  “ما الذي يحتاج الطلاب الجامعيين إلى معرفته عن التجارة؟ What Do Undergrads Need to Know about Trade?” (1993)(12) :”لا تزال الأشياء الأساسية لتعليم الطلاب هي رؤى هيوم وريكاردو.. نحن بحاجة إلى تعليمهم أن العجز التجاري يصحح نفسه بنفسه “. وعلى وجه الخصوص، “العمالة هي قضية اقتصادية كلية ، تعتمد في المدى القصير على إجمالي الطلب وعلى المعدل الطبيعي للبطالة على المدى الطويل، مع.. سياسات مثل التعرفات ليس لها تأثير صافٍ يذكر “. يظل هذا المقال غير مسبوق باعتباره بياناً للعقيدة النيوليبرالية بشأن التجارة. لقد تطورت أفكار كروغمان الخاصة حول التجارة منذ ذلك الحين(13) ، لكن الإعلان عنها لم يتطور. وفقًا لنظرية التجارة التقليدية، فإن الآلية التي تجعل العجز يخضع لعملية تصحيح ذاتي ، وعزل النمو والعمالة عن التجارة، هي آلية سعر صرف مرن بين العملات. عندما يتحرك الميزان التجاري لبلد ما نحو العجز، أو يصبح غير قادر على المنافسة في صناعات معينة، فإن عملتها ستنخفض، مما يجعل الصناعات الأخرى أكثر تنافسية، وبالتالي امتصاص العمالة النازحة وإعادة الدولة نحو التجارة المتوازنة. ولكن مع تخلي البلدان تدريجياً عن نظام أسعار الصرف الثابتة بعد الحرب بعد انهيار نظام بريتون وودز في السبعينيات، أصبحت هذه النظرية تحمل وزناً أكبر.

في بداية عصر سعر الصرف العائم، كان الأمل في أن التعديل السلس لأسعار الصرف من شأنه أن يحرر البلدان من السعي وراء العمالة الكاملة دون التقيد بميزان التجارة. ربما في عالم كانت فيه التجارة هي الرابط الاقتصادي الرئيسي بين البلدان، ستستجيب أسعار الصرف بشكل موثوق للميزان التجاري. ولكن في نفس الوقت تم التخلي عن أسعار الصرف الثابتة، وكذلك كانت الضوابط على المعاملات المالية الدولية، وسرعان ما أصبح حجم التدفقات الرأسمالية بين الدول يقزم التدفقات التجارية. لم يكن من المفترض، من وجهة نظر الرؤية النيوليبرالية، أن تكون هذه مشكلة.  حيث كان من المفترض على وجه الخصوص أن تعمل التدفقات الرأسمالية الحرة وأسعار الصرف العائمة معاً للسماح للبلدان بالجمع بين التكامل الدولي العميق والسعي إلى تحقيق أهداف اقتصادية محلية. وفقاً لنموذج “الثالوث المستحيل” أو نموذج ” الخيارات الثلاثية” التي قدمها روبرت مونديل وماركوس فليمنغ، يمكن أن يكون لدى البلدان خيارين من أسعار الصرف العائمة، وضوابط رأس المال، والسيطرة على أسعار الفائدة المحلية -ولكن ليس الثلاثة جميعاً. وفي حقبة ما بعد بريتون وودز ، كانوا يتخلون عن ضوابط رأس المال، مما يسمح للمعاملات المالية أن تتم بحرية عبر حدودهم. ولكن من خلال السماح بتعويم عملاتهم، كما قيل، يمكنهم الحفاظ على السيطرة على أسعار الفائدة – والسياسة الاقتصادية المحلية على نطاق أوسع – وبالتالي الحفاظ على العمالة الكاملة والنمو المطرد. لم تكن النماذج النظرية التي استند إليها هذا التأكيد واقعية دائماً، وتستند إلى ادعاءات قوية حول التعديل المثالي لأسعار الصرف لقيم توازنها. ولكن في بداية عصر  التعويم، كان من المأمول أن يعملوا كتقريب أولي معقول. في هذه الحالة، فإن تعديل أسعار الصرف بسلاسة من شأنه أن يحرر البلدان من السعي وراء العمالة الكاملة دون التقيد بميزان التجارة. لم تتحقق هذه الآمال. ومن المؤكد أن البلدان ذات الإنتاجية المتزايدة والفوائض المستمرة، مثل اليابان، شهدت ارتفاع عملاتها بمرور الوقت، بينما شهدت البلدان التي في الوضع المعاكس، مثل المملكة المتحدة، ضعف عملاتها. لكن هذه التحولات بطيئة للغاية وغير متسقة لمنع التدفقات التجارية الرئيسية من العودة إلى الاقتصاد المحلي. والنتيجة – الأكثر إثارة في البلدان الفقيرة، ولكنها واضحة في البلدان الغنية أيضاً – هي أن أسعار الصرف تهيمن عليها الأسواق المالية. وعلى النقيض من الوظائف السلسة في النماذج، فإن التدفقات المالية الحقيقية عبر الحدود تهيمن عليها ميول وحساسية السوق المتقلبة، والتي تتغير بطرق لا علاقة لها بالأساسيات المفترضة. عندما تفضل الأسواق عملة ما، فإنه يمكنها أن تظل قوية بشكل غير معقول لفترات طويلة؛ وفي المقابل، يمكن أن يؤدي التغيير المفاجئ في ميول السوق إلى انهيار قيمتها بين عشية وضحاها. كما أن التدفقات التجارية لا تستجيب للتغيرات في سعر الصرف بالطريقة التي تتنبأ بها هذه النظرية. ومن العناصر الأساسية في المناقشات حول التجارة الدولية “حالة مارشال-ليرنر” ، التي تنص على أنه عندما تنخفض قيمة عملة الدولة، أو تضعف، يجب أن يتحسن ميزانها التجاري. لكن من الصعب بشكل مفاجئ العثور على دليل على صحة ذلك باستمرار. كما تقر بذلك إحدى الدراسات الاستقصائية للأدبيات التجريبية: “النتيجة النموذجية في الأدبيات التجريبية هي ذلك. . . أن شرط مارشال ليرنر لا ينطبق. ومع ذلك، على الرغم من الأدلة المنافية لشرط مارشال ليرنر، فإن الإجماع هو أن التخفيضات الحقيقية في قيمة العملة تعمل على تحسين الميزان التجاري”(14).

ما لم تضعف عملة بلد ما بشكل موثوق عندما تعاني من عجز تجاري، ويتحسن بدوره ميزانها التجاري بسرعة، لا توجد آلية تلقائية لضمان أن العمالة في قطاع خسر أمام التجارة سيتم تعويضها عن طريق التوظيف في مكان آخر. بدون تعديل موثوق لسعر الصرف، فإن المنطق القائل بأن التجارة يجب أن تترك دائماً البلد في وضع أفضل ككل لم يعد سارياً – وهذا بالضبط ما نلاحظه. قد يكون لأسعار الصرف العلاقة الصحيحة بالتجارة على المدى الطويل جداً، لكن البلدان التي تواجه أزمات في ميزان المدفوعات لا يمكنها الانتظار كل هذا الوقت. إذا تم استبعاد القيود المباشرة على التجارة، فإن الدولة التي يتعين عليها سد العجز التجاري بسرعة – لأن المستثمرين الأجانب لم يعودوا مستعدين لتمويله، على سبيل المثال – لديها خيار واحد فقط: تقليل الطلب المحلي. على عكس أسعار الصرف، فإن الدخل المحلي (كما يقاس بالناتج المحلي الإجمالي) له علاقة موثوق بها مع التدفقات التجارية. البلدان لديها فوائض تجارية في حالات الركود والعجز في فترات الازدهار. لذلك إذا كنت بحاجة إلى إغلاق عجز تجاري بسرعة، فإن الركود العميق سوف ينجز المهمة. تم استخدام هذه الأداة مراراً وتكراراً على مدار الأربعين عاماً الماضية في أزمات ميزان المدفوعات في جميع أنحاء العالم، من أمريكا اللاتينية في الثمانينيات إلى الأزمة الآسيوية في التسعينيات وجنوب أوروبا في العقد الماضي. فاليونان، على سبيل المثال، انتقلت من عجز تجاري بنسبة 12% من الناتج المحلي الإجمالي في العام 2008 إلى تجارة متوازنة بشكل أساسي بعد خمس سنوات. هل تحسنت قدرتها التنافسية؟ مُطْلَقاً؛ انخفضت الصادرات اليونانية في الواقع خلال هذه الفترة. أغلق العجز التجاري فقط لأن الواردات اليونانية انخفضت بنسبة أكبر بكثير -ما يقرب من النصف- بفضل الكساد الكارثي. وفي غياب آلية السوق لموازنة المدفوعات بين البلدان، قد يبدو أنه لم يتبق لنا سوى بديلين: فك الارتباط التام بالاقتصاد العالمي ، أو قبول أن الأهداف المحلية الأساسية مثل النمو والتوظيف ستكون رهينة لأهواء غير متوقعة من الأسواق المالية الدولية. ومع ذلك، هناك احتمال ثالث: “آلية إعادة تدوير الفائض” المتعمدة إلى حد ما والتي تولد تدفقات مدفوعات عائدة من البلدان ذات الفائض إلى البلدان التي تعاني من عجز. يرتبط هذا المصطلح بالباحث المتخصص بالاقتصاد الكلي غير التقليدي (ووزير المالية اليوناني السابق) يانيس فاروفاكيس ، الذي يجادل بشكل مقنع بأن ، اعتمدت فترات النمو المستقر في الاقتصاد العالمي اعتمدت تاريخياً على وجود بعض هذه الآليات. وقد جادلت مجموعة أوسع من الاقتصاديين في التقليد الكينزي – لانس تايلور أو جين داريستا على سبيل المثال – بالحاجة إلى نوع من البنية المتعمدة لضمان ميزان المدفوعات بين البلدان ، وهي بنية لا تضع عبء التعديل الكامل على عاتق البلدان التي تواجه العجز. ركز جيل سابق من مقترحي الإصلاح على فكرة إلقاء “العصي بين الدواليب” فيما يتعلق بالتدفقات المالية عبر الحدود مع فرض ضريبة على معاملات العملات، وهي الفكرة التي اقترحها جيمس توبين لأول مرة في السبعينيات(15). وفي أعقاب الأزمة المالية العالمية قبل عقد من الزمان، تجدد الاهتمام بنظام أكثر شمولاً لإدارة المدفوعات عبر الحدود(16).

تنظر العديد من هذه المقترحات إلى ترتيبات بريتون وودز (أو مقترحات كينز الأكثر طموحاً(17)) ، لكن التاريخ يقدم عدداً من الأمثلة الأخرى. في عصر معيار الذهب، حافظ التعاون بين البنوك المركزية على ميزان المدفوعات دون الحاجة إلى تعديلات كارثية (في أوروبا الغربية، على الأقل؛ في أمريكا اللاتينية وأماكن أخرى كانت التجربة مختلفة تماماً). وكذلك مؤسسات بريتون وودز التي كان من المفترض أن تقوم بهذه المهمة؛ من الناحية العملية، لعبت المساعدات العسكرية الأمريكية أيضاً دوراً كبيراً. في الاتحاد الأوروبي، كانت السياسة الزراعية المشتركة في وقت من الأوقات بمثابة آلية إعادة تدوير فائض، حيث أرسلت مدفوعات كبيرة إلى دول أوروبا الغربية الأقل تقدماً. وكذلك فعلت حرية حركة العمالة داخل أوروبا، والتي ولّدت تدفقات كبيرة من التحويلات المالية من الشمال إلى الجنوب. يميل منتقدو اليورو الذين يركزون على جمود العملة الموحدة كأصل مشاكل أوروبا الأخيرة إلى تجاهل هذه الآليات، مما يبالغ في دور أسعار الصرف المرنة في فترة سابقة من النمو والتقارب. ولا توجد اليوم آلية إعادة تدوير فائض رسمية. لكن العجز التجاري للولايات المتحدة أدى وظيفة مماثلة، حيث سمح للدول الأخرى بتكديس احتياطيات النقد الأجنبي لحماية نفسها من الاضطرابات في أسواق رأس المال الدولية. كما جادل يورغ بيبو في العديد من المقالات الهامة(18)، (19)، (20)، فإن هذا “التأمين الذاتي” من قبل البلدان ذات الدخل المتوسط ​​في آسيا وأماكن أخرى يمكن اعتباره نوعاً من بريتون وودز الجديدة، مما يسمح بالاندماج المنظم في الاقتصاد العالمي بما يتوافق مع الأهداف المحلية للنمو والتوظيف. كان نجاح نظام التأمين الذاتي هذا واضحاً في الأزمة المالية العالمية في الأعوام 2007-2009: فقد شهدت بلدان مثل كوريا وتايلاند تدفقات مالية إلى الخارج أكبر بكثير مما كانت عليه في “الأزمة الآسيوية” في العام 1997، ولكن على عكس الكساد الطاحن الذي أعقب ذلك الأزمة السابقة، فإن حيازاتهم الهائلة من العملات الأجنبية سمحت لهم بالإفلات من هذه الأزمة دون أن يصابوا بأذى.

ينظر منتقدو الولايات المتحدة أحياناً إلى تراكم الاحتياطيات، والفوائض التجارية التي يتطلبها، على أنهما انتهاك لمعايير السوق، أو شكلاً من أشكال التلاعب بالعملة أو المذهب التجاري. لكن من الأفضل النظر إليهما على أنهما رد دفاعي لغياب أي إدارة عالمية للمدفوعات الدولية. ستكون هناك حاجة أقل لتشغيل الفوائض لمراكمة احتياطيات النقد الأجنبي إذا اتخذت البلدان المسار الأكثر مباشرة لتنظيم التدفقات المالية عبر حدودها مع ضوابط رأس المال – لكن هذا أمر استبعده الإجماع النيوليبرالي بشدة. ويلعب العجز الأمريكي المستمر، في ظل هذه الظروف، دوراً أساسياً في الحفاظ على نظام تجاري دولي مستقر بشكل معقول(21). إن عدم توافق نموذج التجارة النيوليبرالية مع النمو المستقر والتوظيف يكون أكثر وضوحاً في الأزمات، لكنه يظهر أيضاً في الأوقات العادية. إذا أدى نمو متسارع إلى عجز تجاري، وإذا لم تستطع معظم البلدان تحمل عجز كبير بأمان، وإذا لم تحل أسعار الصرف المرنة المشكلة بصورة معقولة، فلن يكون هناك خيار سوى إبقاء النمو بطيئاً بدرجة كافية بحيث تظل التجارة متوازنة تقريباً. تم إضفاء الطابع الرسمي على هذه الفكرة من قبل خبير الاقتصاد الكينزي العظيم أ. ب. ثيرلوول على أنها “قيد النمو في ميزان المدفوعات”، وعلى مدار الأربعين عاماً الماضية، قدم ثيرلوول وأتباعه حجة قوية مفادها أنها تضع حداً للسرعة القصوى للنمو في معظم أنحاء العالم. بالنسبة للولايات المتحدة، بصفتها مُصدِراً لعملة الاحتياطي العالمية، فإن التجارة ليست قيداً على النمو. ولكن بالنسبة لمعظم دول العالم، فإن التنازل عن الحق في إدارة التدفقات التجارية قد يمنعهم من تحقيق معدلات نمو اقتصادي يمكنهم تحقيقها لولا ذلك. و على عكس نقد التنمية، فإن التحدي الكينزي لنموذج التجارة النيوليبرالية لا يهتم بتحديد البلدان ما تنتجع بلد ما، والتقسيم بين بلدان الفائض والعجز لا يتوافق مع الفجوة بين الشمال والجنوب. لكن القاسم المشترك المهم بين هذين النقدين للنيوليبرالية هو تركيزهما على الطريقة التي يحد بها التكامل الدولي من الخيارات السياسية على المستوى الوطني. قبل الحرب العالمية الأولى، كان الالتزام بالمعيار الذهبي بمثابة “ختم موافقة” للدول التي تطمح للانضمام إلى نادي الدول المتحضرة. في الآونة الأخيرة، تم الدفاع عن اليورو بشكل صريح باعتباره محاولة لفرض سياسات موحدة وليبرالية في جميع أنحاء أوروبا. من اللافت للنظر  أن نتأمل إلى أي مدى تركز الدفاعات الكلاسيكية للتجارة الحرة بشكل عام، من جون ستيوارت ميل إلى ميلتون فريدمان، ليس على الفوائد الاقتصادية في حد ذاتها، ولكن على الطرق التي يفترض أن تعزز التجارة الحرة بها الحكومة الجيدة. وشهدت الفكرة القائلة بأن الروابط التجارية والمالية الأعمق أمراً مرغوباً فيه جزئياً على وجه التحديد لأنها قللت من استقلالية الحكومات الوطنية التي شهدت انتعاشاً في الثمانينيات. لقد لعبت  آن كروغر، كبيرة الاقتصاديين بالبنك الدولي دوراً حاسماً في تشويه سمعة فكرة التنمية التي تقودها الدولة، على أساس أن أي تحرك بعيداً عن التجارة الحرة يؤدي حتماً إلى سوء الإدارة. كانت كروغر هي من روجت لفكرة البحث عن الريع باعتباره المشكلة الحاسمة للسياسة الصناعية – الفكرة القائلة بأن السياسيين في الممارسة سوف يتبعون سياسات لا تخلق الثروة، ولكن مجرد إعادة توزيعها على المطلعين السياسيين. إن قيمة التجارة الحرة ، من هذا المنظور، ليست فقط منافعها الاقتصادية المباشرة، ولكن بقدر أو أكثر القيود التي تفرضها على الحكومات المفترسة. إذن، من حيث القصد والتأثير، أغلقت النيوليبرالية خيارات السياسة الاقتصادية على المستوى الوطني -التنمية في الجنوب العالمي وإدارة الطلب الكينزي في كل مكان.

النيوليبرالية اليوم

ليس دائماً تملي الإيديولوجيات، حتى المهيمنة منها، التطورات في العالم الحقيقي. كما هو الحال في المجالات الأخرى، يخضع تاريخ التجارة الدولية لتيارات ودوامات متقاطعة، مع التدفقات في اتجاه واحد في مكان واحد وفي الاتجاه الآخر في مكان آخر. يبدو من العدل أن نقول إنه حتى نهاية القرن العشرين كان المد يسير في الاتجاه النيوليبرالي. تحت ضغط من صندوق النقد الدولي – ولكن بالتعاون من النخب المحلية – تراجعت الدولة التنموية في جميع أنحاء العالم. في العقد الذي تلا أزمة 1997، على سبيل المثال، فككت كوريا العديد من الهياكل التي وجهت الائتمان وحدّت من دور التمويل الأجنبي – وهو تحول موثق في سلسلة مهمة من المقالات بقلم جيمس كروتي وكانغ كوك لي(22). ولكن إذا تم حل أزمات الديون في الثمانينيات والتسعينيات إلى حد كبير لصالح النموذج النيوليبرالي، فإن الصورة تبدو أكثر اختلاطاً اليوم. فعلى مدار العقد الماضي، كانت الحكومات الوطنية أقل احتراماً لإجماع واشنطن. في حين أن شخصاً مثل أوبستفيلد قد يلتزم بالتقوى  على الملأ، أظهر قسم الأبحاث في صندوق النقد الدولي خلال فترة ولايته انفتاحاً جديداً على الأساليب البديلة، لا سيما فيما يتعلق بالضوابط على رأس المال. تصف إيلين غرابل الحقبة الحالية بأنها “عدم ترابط مثمر” – سلسلة من الانحرافات عن الرؤية القديمة التي فتحت المجال لسياسات جديدة، دون إضافة إلى نموذج بديل(23). بقدر ما يُنظر إلى أدوات مثل ضوابط رأس المال على أنها تشوهات ضرورية ولكنها مؤقتة لنظام ليبرالي مثالي، بدلاً من عناصر طبيعية لاقتصاد عالمي مختلف، فلا يزال التخلص منها  هو الهدف النهائي. وخير مثال على ذلك هو نمو اتفاقيات التجارة التفضيلية. بمجرد أن تم إنشاء أرضية الانفتاح في العام 1995 من قبل منظمة التجارة العالمية (WTO) ، بدأت الولايات المتحدة وأقرانها في الابتعاد عن قيود التعددية والدفع باتجاه المعاهدات الثنائية. في صدى الإنذار السيئ السمعة لرئيسه “إما أن تكونوا معنا أو ضدنا” ، قسّم روبرت زوليك، الممثل التجاري للولايات المتحدة في عهد جورج دبليو بوش، العالم إلى دول “يمكن أن تعمل” ودول “لا تريد أن تعمل” ووعد بالعمل حصريا مع المجموعة الأولى. بينما توقفت عملية منظمة التجارة العالمية، ربما للأبد، كان هناك انتشار لاتفاقيات التجارة التفضيلية – أكثر من 700 اتفاقية وفقاً لمسح أجري في العام 2018(24). وهذه الاتفاقيات هي ثنائية وإقليمية، بالإضافة إلى توفير وصول ملائم لصادرات الموقعين، تشمل عادة قواعد الملكية الفكرية والقيود الأخرى على السياسة المحلية. وغالباً ما تذهب إلى أبعد من أحكام منظمة التجارة العالمية. على سبيل المثال، يسمح الكثير بالتحكيم الخاص حتى تتمكن الشركات من مقاضاة الدول على الانتهاكات (بينما في منظمة التجارة العالمية، يجب على الدول الأعضاء رفع المنازعات للتحكيم) وتغطية مجالات تتجاوز بكثير تلك الموجودة في اتفاقيات التجارة التقليدية (قوانين حماية المستهلك، والقوانين المتعلقة بالإدارة العامة). الصين، بالطبع، هي الاستثناء الأكبر، حيث اندمجت في السوق العالمية بشروطها الخاصة(25). على هذا الأساس وحده، تحتاج ادعاءات استمرار الهيمنة النيوليبرالية، على الأقل، إلى علامة تمييزية كبيرة. غير أن إضعاف الإجماع النيوليبرالي تلقائياً لا يعني تبرير أيٍّ من المنظورات البديلة التي رسمناها هنا بالطبع. وفيما يتعلق بمسألة إعادة تدوير الفائض، فإنه من الأمور التي يجب طرحها بشكل فكري لسلطة مالية عالمية(26) يمكنها توجيه الأموال بشكل موثوق من البلدان ذات الفائض إلى البلدان التي تعاني من عجز ، مع الحفاظ على مساحة للسعي إلى تحقيق العمالة الكاملة على المستوى الوطني. إنه أمر آخر أن نتخيل الظروف السياسية التي قد تؤدي إلى ظهورها.

قد يتساءل المرء بنفس القدر عما إذا كانت التنمية لا تزال قابلة للحياة أو ذات صلة كإطار بديل للنزعة النيوليبرالية. ثمة كثير من الشكوك سواء من اليسار أو حتى من الاتجاه. تبشر، على سبيل المثال، مقالة حديثة بقلم  تيم باركر المحرر في مجلة “ديسينت Dissent  ” بـ “نهاية التنمية”(27). من وجهة النظر هذه، لم يعد التصنيع القائم على التصدير طريقاً ممكناً للمضي قدماً لبلدان الجنوب؛ في غضون ذلك، تقدم الخدمات فرصاً قليلة جداً للاستثمار المعزز للإنتاجية. بينما ينتقد آخرون من اليسار من أن الهدف المتمثل في زيادة استقلالية السياسة على المستوى الوطني سيعزز القوميات الإثنية – وهي وجهة نظر تحظى ببعض الدعم من السياسة الأوروبية اليوم، حيث يوجد أكبر عداء لقيود نظام اليورو على اليمين الشوفيني. تؤخذ هذه المخاوف بشكل جيد. من المؤكد أن الماضي لا يوفر مخططاً بسيطاً للمستقبل، والاقتصادات ليست ضفادعاً في الواقع. لكن آفاق التنمية لا تبدو قاتمة بالنسبة لنا كما هي بالنسبة لهؤلاء المنتقدين. الصين، مرة أخرى، مثال صارخ على الادعاءات بأن مشروع التصنيع الذي يقوده التصدير قد توقف. وتواصل دول أخرى، مثل بنغلاديش، الاستفادة من هذه الاستراتيجية بشكل جيد(28).

ليس لدينا تصور عن الطريقة التي يمكن بموجبها التخلي عن مشروع التنمية الأكبر على نطاق أوسع. إن مشكلة جعل الاقتصاد العالمي متسقًا مع الاحتياجات البشرية ليست أقل إلحاحاً اليوم مما كانت عليه في الماضي. الحكومات الوطنية، على الرغم من أوجه القصور فيها، هي المكان الوحيد الذي يُدار فيه السوق فعلياً. دول الرفاهية، وسياسة الائتمان، والتنظيم، والضرائب وتحويلات الدخل، والسلع العامة من جميع الأنواع – كلها مقدمة من الحكومات الوطنية. يمكننا تخيل عالم تؤدي فيه الهيئات فوق الوطنية هذه الوظائف؛ قبل خمسة عشر عاماً، كان من الممكن أن يبدو أن الاتحاد الأوروبي قد أعدها مسبقاً. ولكن اليوم، في كل نزاع بين حكومة وطنية والأسواق أو المؤسسات الدولية، فإن الأولى هي إلى جانب السلع العامة والتنظيم والأخيرة إلى جانب التحرير. وتكتسب هذه الاعتبارات قوة عندما نفكر في مشكلة القرن الحادي والعشرين الكبرى: التغير المناخي. بعيداً عن جعل التنمية مسألة عفا عليها الزمن، فإن تغير المناخ يعطيها إلحاحاً جديداً. مثل التصنيع، تتطلب إزالة الكربون إعادة تنظيم سريعة وبعيدة المدى ومنسقة للنشاط الإنتاجي، وهي مهمة لا تناسبها الأسواق اللامركزية بشكل خاص. إذا كانت الحكومات في الشمال والجنوب على حد سواء ستعيد بناء اقتصاداتها على أساس مستدام، فسوف تحتاج إلى استخدام العديد من الأدوات نفسها التي تم استخدامها لبناء قطاعات تصدير جديدة وتحويل العمالة والموارد من الزراعة إلى الصناعة في الماضي. هذا يعني أننا سنحتاج إلى نظام دولي يترك مساحة لاستخدام هذه الأدوات.

من المفارقات، كما قد يبدو، أن الأزمة العالمية لتغير المناخ هي التي تحوّل بشكل حاسم مركز السلطة الاقتصادية إلى الحكومات الوطنية.

العنوان الأصلي: Beyond Neoliberal Trade

  المؤلف: Arjun Jayadev  J. W. Mason

المترجم: محمود الصباغ

المصدر: https://bostonreview.net/articles/beyond-neoliberal-trade/

…..

ملاحظات المترجم:

*إجماع واشنطن عبارة عن مجموعة من عشر وصفات للسياسة الاقتصادية تعتبر بمثابة حزمة إصلاح “معيارية” تدعمها عدة مؤسسات مقرها العاصمة الأمريكية واشنطن  (من هنا جاء الاسم) مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ووزارة الخزانة الأمريكية، ويتم الترويج لها   في البلدان النامية لتي تتعرض لأزمات اقتصادية، استخدم المصطلح أول مرة في العام 1989 من قبل الاقتصادي الإنجليزي جون ويليامسون. تضمنت الوصفات سياسات تعزيز السوق الحرة في مجالات مثل استقرار الاقتصاد الكلي، والانفتاح الاقتصادي فيما يتعلق بالتجارة والاستثمار ، وتوسيع قوى السوق داخل الاقتصاد المحلي. كما أظهر الالتزام بنظام لامركزي قائم على القواعد علامات الانقسام.

….

هوامش

1-https://oll.libertyfund.org/title/keynes-the-economic-consequences-of-the-peace

2-https://data.worldbank.org/indicator/NE.TRD.GNFS.ZS

3-http://jwmason.org/wp-content/uploads/2018/04/Targeting-specific-trade-deficits-is-a-game-of-whack-a-mole.pdf

4- https://www.econstor.eu/bitstream/10419/190016/1/wp2017-171.pdf

5-https://bostonreview.net/articles/j-w-mason-origins-neoliberalism/

6-https://www.sciencedirect.com/science/article/abs/pii/0304387881900262

7-https://www.jstor.org/stable/40278261?seq=1

8-https://bostonreview.net/articles/christian-parenti-michael-busch-what-alexander-hamilton-knew/

9-https://bostonreview.net/articles/we-dont-know-but-lets-try-it/

10-https://books.google.se/books?id=X5N7JMS1wNYC&redir_esc=y

11-https://books.google.se/books/about/How_Asia_Works.html?id=Y1cyA3el83kC&source=kp_book_description&redir_esc=y

12-https://www.jstor.org/stable/2117633?seq=1

13-https://foreignpolicy.com/2019/10/22/economists-globalization-trade-paul-krugman-china/

14-https://onlinelibrary.wiley.com/doi/abs/10.1002/ijfe.157

15-https://www.jstor.org/stable/20642317

16-https://thenewpress.com/books/stiglitz-report

17-https://scholarworks.umass.edu/cgi/viewcontent.cgi?article=1127&context=peri_workingpapers

18-https://www.levyinstitute.org/publications/global-imbalances-the-us-dollar-and-how-the-crisis-at-the-core-of-global-finance-spread-to-self-insuring-emerging-market-economies

19-https://www.levyinstitute.org/publications/the-global-crisis-and-the-future-of-the-dollar-toward-bretton-woods-iii

20-https://www.levyinstitute.org/publications/bretton-woods-2-is-dead-long-live-bretton-woods-3

21-http://jwmason.org/wp-content/uploads/2015/05/Mason-2016-Dealing-with-the-Trade-Deficit.pdf

22-https://scholarworks.umass.edu/peri_workingpapers/25/

23-http://citeseerx.ist.psu.edu/viewdoc/download?doi=10.1.1.359.7518&rep=rep1&type=pdf

24-https://www.annualreviews.org/doi/full/10.1146/annurev-polisci-050317-070708#_i6

25-https://bostonreview.net/articles/china-and-the-lure-of-global-capitalism/

26-https://thenewpress.com/books/global-finance-risk

27-https://www.dissentmagazine.org/article/the-end-of-development

28-https://noahpinion.substack.com/p/bangladesh-is-the-new-asian-tiger?s=r

عن محمود الصباغ

كاتب ومترجم من فلسطين

شاهد أيضاً

استراتيجية عمل الصهيونية المسيحية الداعمة لإسرائيل 6

ترجمة: محمود الصباغ الفصل السادس: محاربة نزع الشرعية الإسرائيلية في المجال العام “إسرائيل هي أيضاً …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *