فيلم Mulholland Drive: العقل، دعابته ولعنته

فيلم Mulholland Drive: العقل، دعابته ولعنته

من تكون ريتا ولمَ تنتحر؟ ما حقيقتها؟ ما علاقة بيتي إلمز بها؟ من هي ديان؟ ومن هي كاميلا ولمَ تموت؟ ما سر المفتاح الأزرق؟ والوسادة الحمراء؟ ما معنى الصمت؟ ما معنى أن تكون واقفاً في الضوء ولكنك تبدو شخصاً آخر؟

يقول ديفيد لينش عن الفيلم* “لو حاولت أن تفهمه بالمنطق فسوف تجد نفسك -بلاشك- تائهاً، فما تراه يخاطب المشاعر والعواطف، وليس العقل. لذا ما عليك سوى أن تتعامل معه على أنه حلم. حلم غريب، ترتبط فيه المشاهد العشوائية ببعضها البعض ارتباطاً هشاً غير متين، ومع ذلك لن تمكنك هذه المشاهد من الوصول إلى نتيجة مرضية أو واضحة”.

وإذن فهو حلم، ولكن ليس مثل أي حلم، فاللاوعي هو أحد سمات الفيلم، ورغم ما يعتري هذا اللاوعي من تقلبات ومسارات وهمية عليه أن يتبعها فلا يزال (هذا اللاوعي) الجانب القادر على تجميد مسار اللحظة العقلانية؛ فأحلامنا، باعتبار أنها تستمد سلطتها من الخارج؛ من الجهة التي تتحكم بها، وباعتبار مسرحها ساحة اللاوعي، فهي بالتأكيد ليست مجرد قصص تروى في اللحظة الراهنة، بل تنطوي أيضاً على احتمالية رؤية التجربة من زاوية أخرى دون تدخل العقل، وبالتالي يتيح لنا الحلم تقديم تجارب الماضي بطريقة مختلفة عما يمكن أن نعيشها في الواقع. ويبدو من الصعب تعريف الحلم على أنه مجرد استعارات خارقة، لأننا -في الحالة الواعية- نتلقى الأشياء بشكل مختلف بوصفنا أشخاص مختلفين، ولأن الموضوعات التي نتلقاها -في الحالة اللاواعية- تحمل دلالات مختلفة وربما غير معروفة لنا، بغض النظر عن معنى هذه الدلالات في الحياة الحقيقية أو الواقع (أي ما هو ليس حلماً)، علماً أن عدم اليقين يتضمن، في العموم، مشاعر غريبة في بعض الأحيان. ولكن إذا كان ما نراه ليس سوى حلماً! فما من داعٍ يجبرنا على تصديقه أو القبول به إذا ما قبلنا بأن الحلم -أي حلم- إنما يستمد سلطته، كما ذكرنا، من الجهة التي تتحكم به.

وإذا كانت اللغة مصفوفة كلمات، فهذا الفيلم بحد ذاته متوالية عظيمة من اللغة /الحلم يقدم لنا من خلالها نظرة حول نمط أو أنماط تفكيرنا بالأحلام وكيف نفكر في الواقع بعيداً عن الحلم: كلمات؛ سردية بصرية لا واعية تقودنا نحو الحلم؛ رحلة إلى طيات اللاوعي والغرائز والرغبات والجنون و” الحيوانية” البشرية. هواجس تشكل الموضوعات الرئيسية تتلاقى فيها مع السرديات البصرية بهيئة ثنائيات بين الأحلام والواقع، وبنوع من الفلسفة “الواقعية” حول “حياة” الأحلام و”حياة” الواقع .

يصور الفيلم* حياة الممثلين في هوليوود وسعيهم للشهرة وما تخلقه، هذه الحياة وهذا السعي، من جنون ونكوص ويأس وفشل بالمعاني المجازية والحقيقية. فالمشهد الأخير يبدو كأنه تعبير عن حالة الممثلين المغمورين والمقهورين، جنون يمزج بين الضحك والبكاء الذي ربما يكون أمل في مستقبل أفضل يحلم به كل ممثل ولهذا ينتهي الفيلم بكلمة “صمت” التي تعبر عن انتهاء كل شيء، كل حياة وكل أمل، وكل دافع، وكل كره، وكل حب.

يفتتح الفيلم بسلسة صور ستخبرنا منذ البداية أننا لن نفهم شيئاً منه، أو على الأقل لن نفهم الشيء الكثير. تنتقل اللقطات بين راقصيْن يقترب رأسيهما من بعضهما البعض، مع لحظات تشويش لتظهر صورة مهتزة لامرأة ووالديها يبتسمان لتقوم هذه الصورة بحجب صورة الرقصة. ثم يلقي لنا المخرج أولى بذرة اللغز، امرأة تتنفس وهي تدفن رأسها في وسادتها على سريرها. وهنا ندرك أننا أمام فيلم يتحدث عن الحلم. وطالما الفيلم يشبه الحلم، فهو بطبيعة الحال سوف يسير مثل معظم الأحلام متعرجاً بطرقات تتخللها منعطفات كثيرة. فنحن نرى، ابتداءً، مشهد حلم يظهر فيه مجموعة من الناس يرقصون وينتهي المشهد بممثلة طموحة يحيطها رجل وامرأة عجوزين، ويتقدمون ثلاثتهم لتحية الجمهور الذي يصفق لهم ثم نرى سرير عليه وسادة حمراء.. ثم، وعلى طريق مولهولاند، “وهو اسم الفيلم أيضاً” تنجو امرأة ذات شعر أسود من الموت بعد اصطدام سيارة مجهولة بالسيارة التي تقلها وتقل الشخصين اللذان يريدان قتلها. فتهرب من مكان الحادث لتصاب بفقدان الذاكرة بسبب الصدمة و الرعب. وتصل إلى شقة سيدة عجوز ذات شعر أحمر تهم بإخلائها، فتدخل لتختبئ داخل الشقة، ثم نرى الفتاة “بيتي” في المطار “برفقة عجوزين” أيضاً رجل وامرأة “تعرفت عليهما أثناء الرحلة؛ وهما نفسهما اللذان ظهرا في المشهد الأول. يغادر العجوزان المطار (سوف يظهران قرب نهاية الفيلم، من جديد دون أي مبرر، حتى أن وجودهما في الفيلم بصورة عامة مثير للتساؤل). تصل “بيتي” إلى شقة عمتها وتعثر على المرأة ذات الشعر الأسود وتفترض أنها تقيم بموافقة عمتها. تخبرها “بيتي” كم هي سعيدة بوجودها في لوس أنجلوس. تبدو المرأة ذات الشعر الأسود مشوشة تماماً ولا تعي ما يدور حولها حتى أنها لا تعرف اسمها، فتفترض أن اسمها “ريتا” بعد رؤيتها لملصق فيلم ريتا هيوارث “Gilda”. هنا تقرر بيتي مساعدتها كي تتمكن من تذكر واستعادة هويتها، فتطلب منها البحث في حقيبتها عما قد يدل عليها، فتجدان مبلغاً كبيراً من المال ومفتاح أزرق غريب. بعد ذلك تذهبان إلى مطعم “وينكيز” حيث تعمل هناك نادلة تدعى “ديان”، مما يجعل “ريتا” تتذكر الاسم “ديان سلوين”. فتقومان بالبحث عن “ديان سلوين” هذه في دليل الهاتف، وتعثران على الرقم، لكن دون جدوى إذ لا يجيب أحد على اتصالهما. تذهب بيتي إلى تجربة أداء، فتقوم بجهد رائع تستحق عليه الثناء، ثم تمضي مع وكيلة ممثلين إلى موقع تصوير فيلم “قصة سيلفيا نورث”، فنرى ” كاميلا رودس” تقوم بتجربة أداء، فيعجب بها المخرج “آدم” ويسند لها دور البطولة. تغادر بيتي الموقع قبل أن ترى آدم، وتعتذر بأنه عليها مساعدة صديقتها. تذهب بيتي مع ريتا إلى شقة ديان وتدخلان الشقة عنوة. فتعثران في غرفة النوم على جثة امرأة ميتة منذ مدة، تصابان بالذعر فتهربان إلى شقتهما، حيث تتنكر “ريتا” بشعر أشقر. وفي تلك الليلة تمارس بيتي وريتا الجنس وتعترف بيتي بحبها لريتا في سياق رحلة جنسية قصيرة يبدأ على إثرها خيال ديان الحقيقي بالتفتت والتلاشي. (وسوف تتعرف لاحقا على أكثر التجسيدات ألماً لهذا التفتت والهواجس الذهنية لدى ديان يزهر في عدم قدرتها على الوصول إلى رعشتها الجنسية أثناء ممارستها للعادة السرية، في مشهد تعبر عنه دموعها الغزيرة، مع ما يمكن ملاحظته من انعكاس لشعور الانكسار وتفكك الخيال و تعاظم الرغبة في الانتقام). ومن المدهش أن نرى كيف يتحول الجسد إلى مادة سينمائية، سواء أمام الكاميرة أو في كواليس المونتاج، وسوف نتساءل، بطريقة ما، ما قيمة الزمن، بالأحرى، ما دوره هنا حين تمر الكاميرة على الجسد بجميع تمثلاته: الشكل والإيماء والصوت والحركة… إلخ، ولعل هذا ما يجعل من الجسد، من الناحية السينمائية حيزاً جوهرياً بعيداً أو قريباً من الجنس بسلطته وبنيته التراتبية التي تختلف عن الإيروتيك الذي يرى فيه رولان بارت مجرد ” لغة فاعلة كفت عن كونها منطوقة”

تستيقظان عند الساعة الثانية صباحاً، وتصر ريتا على الذهاب إلى مسرح غريب يدعى مسرح “الصمت” حيث يظهر على خشبته رجل يشرح بعدة لغات أن كل شيء وهم؛ وتبدأ امرأة بالغناء ثم تسقط منهارة، إلا أن صوتها يستمر بالغناء. وهنا يتحقق مادياً عنصر واحد على الأقل من وقائع ما هو حلم حين تجد بيتي في حقيبتها صندوق أزرق يطابق مفتاح ريتا. وعند عودتهما تأخذ بيتي المفتاح، ثم تدرك أن ريتا قد اختفت، فتفتح الصندوق ثم تسقط أرضاً. تسمع المرأة العجوز ذات الشعر الأحمر الصوت وتذهب للتحقق لكنها لا تجد شيئاً.

قبل ذلك بقليل نتابع ظهور “كوبوي” حين يقف أمام غرفة نوم ديان سيلوين قائلاً: “مرحباً يا فتاة، حان وقت الاستيقاظ “. فتفتح عينيها لنرى نسخة طبق الأصل عن “بيتي”، لكنها تظهر كممثلة فاشلة مصابة بالاكتئاب بسبب حبها العميق لكاميلا وتبدو عليها ملامح عدم الشعور بالرضا و تأنيب الذات.

تدعو كاميلا ديان إلى حفلة في منزل آدم في مولهولاند؛ وقبل أن تصل تتوقف السيارة التي تقلها وتتقدم كاميلا وتفتح لها الباب وترافقها إلى المنزل ولكن عبر طريق مختصر، ويظهر آدم كأنه مغرم بكاميلا. تقول ديان أنها قدمت إلى هوليوود بعد وفاة عمتها (ولكن في مشاهد أخرى تظهر عمتها حية) وأنها التقت بكاميلا في موقع تصوير فيلم “قصة سيلفيا نورث”، ثم تشاهد كاميلا وهي تتأبط ذراع آدم خلال الحفل، وتأتي امرأة أخرى فتميل على كاميلا وتقبلها قبلة عميقة ثم تنظران معاً نحو ديان وتبتسمان. يتحضر آدم وكاميلا للقيام بإعلان هام، ويبدأان في نوبة ضحك وقُبل بينما تشاهد ديان ذلك وهي تبكي. (لم يكن اختيار كاميلا لدور البطولة بسبب موهبتها أو شهرتها، إذ سوف نعلم أن آدم متورط مع إحدى عصابات المافيا، وهم من أجبروه على اختيار كاميلا للدور الرئيسي في فيلمه. وحين حاول الاعتراض والرفض سيكتشف خيانة زوجته له، ثم يطرده عشيقها من منزله. ولاحقاً يعلم أنه أصبح مفلساً لأن البنك أقفل ائتمانه المصرفي. يلتقي آدم مع شخص يدعى” كوبوي” الذي يحثه من أجل سلامته على اختيار كاميلا).

تلتقي ديان مع قاتل مأجور في مطعم “وينكيز”، فتعطيه صورة كاميلا ومبلغاً كبيراً من المال، وتمر أمامها نادلة تدعى بيتي. يخبر القاتل ديان أنها سوف تجد مفتاحاً أزرقاً كإشارة على إنجاز مهمته، فتسأله عن المفتاح، لكنه يكتفي بالضحك. تشيح بنظرها جانباً فترى الرجل صاحب الكابوس. ثم يظهر الصندوق الأزرق بحوزة رجل مشرد ذو وجه متوحش (نفسه من داخل مشاهد الكابوس) خلف المطعم. تغادر ديان المطعم وتعود إلى الشقة لتجد المفتاح على الطاولة، فتغرق في سيل من الهلوسات فترى الزوجين العجوزين على هيئة أشباح يسعيان لإيذائها، فتتناول المسدس وتطلق النار على نفسها.

ينتهي الفيلم بمشهد امرأة على خشبة المسرح تقول تلك الكلمة السحرية “صمت”. وسوف نصل منطقياً إلى استنتاج يؤدي بنا إلى اكتشاف أن ديان قد انتحرت، وهنا نصل إلى أكثر المشاهد إدهاشاً في الفيلم، فهذه اللحظات الأخيرة قبل إسدال الستار تقدم لنا مساحة بصرية تمهد لدور الصمت وتقدم ربما بعداً مجرداً من خلال إفشال أي تفسير محتمل لمقولة “الحلم والواقع”. فتسلسل الماضي يضم في جنباته صوراً خيالية لوعي موت ديان الذي هو بمثابة الصمت النهائي حيث ينتهي كل شيء بموتها الحقيقي، وبعد أن تطلق ديان النار على نفسها يتكشف لنا تلك المحاولات اليائسة لاكتشاف الوهم حيث يعم دخان كثيف على السرير، وتظهر بيتي وريتا ثم تندمجان معا وتتبخران ثم تظهر امرأة على المسرح تهمس “سيلنسيو، أي صمت” في الوقت الذي تتحول فيه الشاشة إلى السواد. وهكذا تطفو الصور الختامية فوق منطقة ظليلة غير واضحة المعالم تنوس بين الخيال والواقع.

ينهار حلم ديان، في الحقيقة، عند محاولتها اكتشاف ما بداخل الصندوق حيث يتشتت خيالها وتكتشف كم عانت وهي ترى نفسها تتبدد في طيات الحلم. وتكتشف أيضاً أن هذا لم يكن كافياً للهروب من واقعها وخطاياها، ثم لتكتشف ضمن حلمها حبها العظيم لكاميلا، ويبدو أن حالة ديان الذهنية قد وصلت إلى حد العصاب المرضي، وأن ذنبها قد استهلكها حتى آخر قطرة، فتتجلى هلوستها في مواجهة صريحة بين وعيها لذنبها والتراجع عن لاوعيها، أو الانتقال وترك نفسها هناك. ويبدو أنها سوف تدع نفسها تمضي وسوف يقوم اللاواعي بأخذها نحو مساحة الوعي فتقدم على الانتحار.

تظهر ديان الحقيقية بشخصية منقسمة، فقسم منها مازال يعيش بأحلام كبيرة ينوي تحقيقها في هوليوود، وقسم آخر كئيب متأذٍ من هوليوود. بينما في الحلم ومن خلال السلوك الجنسي بين ريتا وبيتي يتحد القسمان في كلٍ واحد على أمل إصلاح أضرارها العاطفية. وفي تفسير آخر يمكن القول إن عوالم بيتي وريتا وديان وكاميلا هي عوالم متوازية، ترتبط مع بعضها أحياناً وتتقاطع في أحيان أخرى، أو أن الفيلم كله مجرد حلم، لكنه حلم غير معروف.

جميع الشخصيات المقدمة لنا في هذا “الحلم” عبارة عن شخصيات مختلقة في الخيال وكل شخصية بمثابة قرين لنظيره في الواقع، بما في ذلك قرين الشخص الحالم نفسه. وكما يقال، ليس بالضرورة أحياناً أن تنطوي الأحلام على معنى، فالجزء الأول من الفيلم يمثل حلم ديان سيلوين الحقيقي، حلم ذاتي عن واقع بديل يتجسد في الفتاة البريئة بيتي فيقوم الحلم بإعادة بناء هذه الشخصية وخلق تاريخ مادي لها “ضمن الحلم”، ويتمثل هذا التاريخ بما يشبه فيلم هوليوودي قديم. تظهر بيتي في الحلم ناجحة وفاتنة تعيش وهي تتخيل نفسها ممثلة مشهورة، ومن جهة أخرى نرى حياة ديان الحقيقية الفاشلة شخصياً ومهنياً على حد سواء، وكيف تسعى لقتل عشيقتها السابقة كاميلا، بيد أنها لا تقو على التعايش مع ذنبها، فتعيد “في الحلم” تصور نفسها على أنها ريتا التابعة المطيعة فاقدة الذاكرة التي تعاني طوال الحلم من هشاشة تؤدي بها إلى نهايتها المحتمة، فتكون ديان هي الشخصية الحقيقية وبيتي هي الشخصية الذي أرادت أن تكونها وتحلم بها.

تعيش ريتا في محنة ولذلك هي بحاجة ماسة لوجود بيتي في حياتها، فتسيطر عليها بيتي مثل دمية تلهو بها، ريتا هي بيتي الفنتازية التي تريدها كاميلا. ربما هذا هو المعمار الرئيسي للفيلم \ الحلم بما يحمله من عناصر واقعية وغير واقعية، ففي قلب هذا النسيج تحاول ديان الحصول (من خلال حلمها) ولو على جزء بسيط من الوفاء والحماية.

هذه الحالة العصابية التي تعيشها ديان والمتمثلة بأحلامها ليست سوى نتيجة لأنانيتها، ولا يمكنها، بوصفها ممثلة فاشلة، تحقيق أحلامها الكبيرة، لهذا تعتمد على كاميلا التي ترى فيها حلمها “الأمريكي” الكبير، حلم هوليوود, لكنها تغضب منها حين تراها تبتعد عنها فتحاول التخلص منها بقتلها، ومن الواضح هنا أن كاميلا قررت أن تمضي للعيش مع آدم حيث تنزلق بهدوء نحو حلمها الخاص الذي لايتطابق بالضرورة مع حلم ديان، فالواقع ليس رومانسياً طوال الوقت (مثلما أن الحلم ليس كابوساً دائماً)، وهذا ما ستكتشفه ديان متأخراً، وحين تستأجر من يقتل كاميلا فهي، بطريقة أو بأخرى، تقوم – ظاهرياً- بقتل حلم هوليوود.

يقول كارل غوستاف يونغ: “هناك أشياء لا حصر لها تتجاوز نطاق الفهم الإنساني، ونحن نستخدم باستمرار مصطلحات رمزية لتمثيل مفاهيم لا يمكننا تحديدها أو فهمها تماما.” وعندما يتم تفسير الفيلم على أنه حلم، تنشأ إيماءات رمزية مثيرة للاهتمام. فالجميع منا لديه أحلام إيروتيكية، بطريقة ما، أو نزوات نستشعرها في لحظة ما، وهي بلاشك مستوحاة، على الأرجح، من الرغبات أكثر منها من التجارب، وتحتوي هذه الرغبات في جزء منها على مضامين مبهمة أحياناً عن احتضان أحلامنا لشخوص قد لا نعرفهم حق المعرفة، ولكن ظهورهم يكون له دور مساند في تدعيم الحلم وصورته الذهنية في لا وعينا (أو على الأقل الجزء الإيروتيكي منه في حال وجوده). فتنشأ حالة خاصة لإيقاظ مشاعر ما غريبة لا تتوافق مع اليقين الذي نحمله في حالة اليقظة وكثيراً ما نتسائل هل “موضوع الحلم” هذا مألوف لنا؟ (طبعاً ليس بمعنى Déjà vu**) و ماهي الدلالات التي يحملها؟

تتكاثر الأسئلة لأننا في الحقيقة نكون في تلك اللحظة غير قادرين على إعادة تصنيف أو تعريف “التعاريف” الموجودة بالفعل لهذه الموضوعات. كل الأشياء الرمزية، التي تظهر في تسلسل الحلم هي في الواقع مألوفة ومن صلب الأشياء اليومية المعاشة، بيد أنه يتم عرضها على أنها مجازات مجردة بسبب دلالاتها غير المعروفة. فالشخصيات في الفيلم لا تحاول تقديم تفسير ما، بل تحاول أن تكون صورة لهذا التفسير.

من ناحية أخرى يرفض فرويد مقاربة تفسير الأحلام على أساس معانٍ معينة ومحددة وثابتة للصور في الحلم. وهو ما يدعوه “فك التشفير”، الذي “يعامل الأحلام كنوع من الشيفرة يمكن لكل علامة فيها ترجمتها إلى علامة أخرى لها معنى معروف، تبعاً لمفتاح فك شيفرة ثابت”. غير أنه يقر بعدد من الأمثلة الشائعة للمعاني الرمزية الثابتة في الأحلام (يرتبط معظمها بالحياة الجنسية بشكل عام وبتمثيلات الأعضاء الجنسية الذكورية والأنثوية بشكل خاص). يقول فرويد على سبيل المثال : “أن المشي صعوداً أو هبوطاً على السلالم يمكن أن يقرأ على أنه تمثيل للفعل الجنسي”. ولذلك، يتيح لنا الحلم، عبر منطق سردي ملتوٍ، تأمل مساحات “حياتية” غير متوفرة في الحياة الحقيقية واستحضار ما لا يمكن تجسيده واقعياً. ويمثل هذا، ربما، أحد مآزقنا الوجودية بأن نعيش: كموضوع نفسي، ضد الحالة الطبيعية لعقلنا الواعي. ويبدو مناسباً هنا استخدام مثل هذه الإيماءات لمنهج فرويد في تفسير الأحلام لفهم المجازات الرمزية في تسلسل الحلم في الفيلم، فالمشاركة الجنسية هنا ليست مجرد فعل ظاهري غايته إصلاح العلاقة بين ديان و كاميلا “على الأقل في ذهن ديان الحقيقية” فحسب، بل يمكن القول أنه يشاطىء أيضاً معاني السلوك الجنسي حول فانتازيا العادة السرية، التي تتخيلها ديان، فثمة سؤال قديم جديد يسأل الإنسان فيه نفسه في كل مرة يمارس فيها العادة السرية، هل ممارسة الجنس مع النفس استمناء؟

عندما تمارس بيتي الجنس مع ريتا، فإن ما نشهده ليس فقط تحقيق النشوة المرغوبة في أعلى مستوى ولكن نرى أيضا الفانتازيا في حلم كاميلا بحصولها على الجنس مع بيتي (تبدو كاميلا هنا كأنها تلعب دور ريتا وديان بذات الوقت حيث تكون بيتي بمثابة الصورة الرمزية لحلم ديان).

الجزء الصعب في الفيلم -وقد يراه البعض الجزء الممتع، وقد يراه البعض الآخر الجزء السيء- هو التعايش مع هواجس العمل وكيفية قراءة تسلسل الحلم فيه بوصفه يقع على حدود اللاوعي، ومحاولة تذكر أسماء الشخصيات المتبدلة، وأسماء الأماكن ورمزيتها بوصفها أشياء عقلانية. مثل هذا التحول والتبدل هو ما يعطي الفيلم نكهته الخاصة ولغزه الساحر. وهكذا يتركنا المخرج مندهشين أمام نهاية مفتوحة بما يجعل معظم أحداث الفيلم مشرعة برحابة للتأويل.

لقد امتنع الفيلم -ربما قصداً- عن تقدم تفسير واضح في سرد القصة، تاركاً للجميع فرصة تخمين ما حدث واستكشاف قدرتنا وقدرة عقلنا الواعي على إعادة ترتيب خطوط قصص وصور حياتنا اليومية ذات البعد الخطي في الزمن. وقد لا تكون سردية الفيلم على هذه الدرجة من الخطية وهي بكل تأكيد ليست بهذه البساطة، وهو ما سنراه من خلال العديد من المشاهد غير المترابطة والتي رغم ذلك تؤدي مساراً موحداً بمساعدة خيال جامح للمخرج وسرد مبطن وصور قد تكون مفتاحاً لبعض الرموز. وحيث أن الزمن -بالإضافة إلى الحلم- هو أحد أكثر عناصر الفيلم تشويشاً، فهذا سيضيف أعباء إضافية علينا لمحاولة المسك بخيوط الفيلم. ويبدو واضحاً حجم الجموح الكبير الذي يميل بالمخرج لجهة تقديم واحد من أكثر الأفلام خيالاً وسوريالية، يتم فيه عمداً خلق الكثير من الاحتمالات التي تنشأ ليس عن طريق الصدفة، حيث تكون الهيمنة للحلم وفضاءاته كمحاولة لسبر أغوار العقل كما لو أنه يريد تحقيق الهشاشة التي نكاد نلمسها في الحياة: حياتنا، يومياتنا، مشاغلنا ارتباكنا، آرائنا، كل ذلك في مشاهد متعددة بعضها متكرر.

يكشف الفيلم عن موهبة  إخراجية عظيمة تمتلك السيطرة على الأدوات السينمائية، فنحن أمام عمل مدهش لفنان حقيقي يصنع عوالم فيلمه بطريقة تبدو ملحمية في بعض ملامحها ينفّذ من خلالها رؤيته وتصوره الخاص وينجح بجعل المتلقي مستغرقاً في عالمه بشغف ومتعة وتشويق، وما هو مثير أكثر تلك المساحة التي تستغرقها سردية الحلم التي نصادفها في كل مشهد تقريبا حتى نكاد لا نميز بين ما هو حلم وما هو واقع بين ما هو خيال وماهو حقيقي.

لا شك أن الفيلم ينطوي على تحديات تفسيرية عديدة، ومن شأن طبيعة الفيلم أن تطلق العنان لخيال المشاهد لتفسير ما استغلق عليه من اللحظات المربكة التي وضعها المخرج دافيد لينش، وكما يقول الناقد روجر إيبرت عن الفيلم: “ليس هناك أي تفسير محدد، وقد لا يكون هناك حتى أي غموض”. بسبب من قدرة لينش على تجسيد الوهم بوصفه حلم بطريقة سوريالية وساحرة وبتقنية سينمائية بصرية احترافية، وكما يذكر موقع BBC Culture عن الفيلم: “.. لا شك أن هناك شيئاً ما يتسم بالجاذبية اللا متناهية يتعلق بكل فيلم، مما يجعل الأسئلة تسمو فيه عن الإجابات المحددة، وهو ما يوسع من توقعاتنا أيضاً لما يمكن أن تحققه السينما. ولعل أكبر غموض في هذا الفيلم هو كيف تمكن لينش من إنجاز هذا العمل رغم كل تلك المصاعب والتحديات”. قد يقول البعض هذا لايعني أن الفيلم جيد، أو أن هذا ليس مقياساً للجودة. ربما هذا صحيح، لكن الفيلم يبرهن على أنه مازال قادر على خداعنا من خلال قدرته -في كل مرة نشاهده- على خلق صدمة الرعب من الأحداث اليومية العادية والمألوفة التي قد تحدث في بلدة ما في هذا العالم، ولذلك انصب تركيز المخرج على “الإيقاع الدرامي” أي الأشخاص وحركتهم وتسارع العلاقة فيما بينهم أكثر من تركيزه على البنية السردية، أي الحدوتة السينمائية. ولا شك أن تقنية العمل السينمائي “السمعية والبصرية” هي التي تجعل مثل هذا التمايز ممكناً بين الإيقاع والسرد.

…….

*عُرضَ الفيلم سنة 2001 من بطولة ناعومي واتس بدور بيتي و لورا هارينغ بدور ريتا وحسب موقع BBC Culture، جاء الفيلم على رأس قائمة الاستبيان لأعظم الأفلام في القرن الحادي والعشرين. والفيلم بالأصل كان حلقة تجريبية تلفزيونية وجزء كبير منه صُوّر في العام 1999 حيث خطط لينش لإبقاء نهاية الفيلم مفتوحة من أجل تحويله إلى مسلسل. ولكن المنتجين رفضوه بعد عرض النسخة عليهم، فكان على لينش تقديم نهاية للمشروع، جاعلاً إياه فيلم، وكانت النتيجة فيلماً يضم نصف حلقة تجريبية ونصف فيلم إضافة أسلوب لينش المميز، وهذا ما جعل معظم أحداث الفيلم مفتوحة على التأويل، حيث عمل لينش بعض التعديلات حين أضاف مفاتيح التأويل الضرورية لتوجيه نقده اللاذع لسوق السينما الهوليوودية، وتسليط الضوء على الواقع التجاري المادي لصناعة السينما.

*‏*Déjà vu تعبير فرنسي يقصد منه الإحساس المتولد من الشعور بأننا عشنا اللحظة الحاضرة من قبل.

عن محمود الصباغ

كاتب ومترجم من فلسطين

شاهد أيضاً

رواية “أعواد ثقاب” للروائية الفلسطينية المبدعة ( بشرى أبو شرار(..

أشعلت فينا الكاتبة)بشرى ابو شرار) ثلاثة وثلاثون عوداً من أعواد الثقاب وكأنها مشاعل الثورة التي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *