الرئيسية > تاريخ > علم الآثار السياسي والنزعة القومية المقدسة (1)

علم الآثار السياسي والنزعة القومية المقدسة (1)

المعارك الأثرية على الكتاب المقدس و الأرض في إسرائيل و فلسطين من 1967-2000 –

ترجمة: محمود الصباغ

تمهيد

يلعب علم الآثار في إطار معركة رئيسة هدفها السيطرة على الأرض، دوراً إيديولوجياً هاماً في خلق سرديات يستخدمها السياسيون في كفاحهم حول الشرعية على الأرض، فالصراع على الماضي صراع على الحاضر، ومن يخسر ماضيه, يخسر حاضره . فإذا كان لإسرائيل تاريخها و شعبها، فأين هو تاريخ فلسطين وشعبها؟ ما هي المسؤولية الملقاة على عاتق الآثاريين جراء المعرفة التي ينتجوها؟ ما هي المقاصد و الاحتياجات والدوافع التي تقف وراء الدعم الذي تقدمه الدولة القومية لعلم الآثار؟ وإلى أي درجة يقوم الآثاريون بإنتاج معلومات تلقى صدىً لدى الدول القومية فتمنح ،بموجبها، الدولة شرعيتها التاريخية والإقليمية؟

يمتلك  كل من علم الآثار الكتابي Biblical archaeology وعلم الآثار القومي الإسرائيلي Israeli nationalist archaeology، من بين فروع علم الآثار العديدة، تأثيراً ضئيلاً في السجال الآثاري العام، ويعود ذلك إلى تعامل المشتغلين بهما مع حقبة زمنية قصيرة ومع قضايا ومعضلات من نوعية خاصة محددة  في الشرق الأوسط. وامتلك هذان الفرعان، بسبب طبيعة اشتغالهما هذه، هيمنة حصرية، تقريباً، على إنتاج المعرفة التي أسست عليها إسرائيل دولتها-القومية. وما يميز الموقف العام داخل الدوائر الآثارية في شمال أوروبا اتجاه الآثاريين الكتابيين وأبحاث ماضي إسرائيل، القول بأن الدراسات الكتابية تعاني من تحيز لموقف علم الآثار الكتابي وعلم الآثار القومي الإسرائيلي، فضلا عن سوء الاستخدام  السياسي للماضي  في الشرق الأوسط.  فالمقاربات الآثارية الكتابية للماضي ليست “علمية”، والمتخصصون في هذا الفرع من علم الآثار ليسو جزء  من الخطاب النظري، بما ينطوي على ذلك من عدم الإحساس  بمخاوف ما  مزعومة، وهذا ما جعل العديد من زملائي يشعرون بمدى انزعاجي بسبب ذلك، حالما بدأت العمل في هذا التخصص من علم الآثار. وقد كان ردّي على ذلك بسيطاً ومختلفاً في ذات الوقت. فهناك ثمة حرب متواصلة تدور رحاها في الشرق الأوسط. والقدس هي المدينة المقدسة لثلاثة من أديان العالم الرئيسة-اليهودية والمسيحية والإسلام. فمن يملك الماضي؟ وكيف يستخدم هذا الماضي في الحاضر؟ وهل هذا هو موضوع بحث علماء الآثار، أم أن عملنا يقتصر على التنقيب وتحليل اللقى الفخارية فقط؟ لم يعد، باعتقادي، مجدياَ العمل على قياس طول النصال أو القطع الفخارية دون إبراز الكيفية التي أنتجت فيها المعرفة الآثارية والطريقة التي استخدمت من خلالها  هذه المعرفة في المجتمع المعاصر. ولذلك يميل الآثاريون الكتابيون دائما نحو تبني التأويل الديني في الوقت الذي تسمح فيه المعطيات الآثارية بتقديم تأويلات متعددة، وبموازاة ذلك يتجه، دائماً، الآثاريون القوميون الإسرائيليون نحو اختيار التأويل القومي في المقام الأول من بين تأويلات عدة تسمح بها المعطيات الآثارية.

ويمكننا تعقب التاريخ الطويل لعلم الآثار في منطقة الشرق الأوسط، المشبع بالدوافع السياسية، وهو ما جلب الضرر، بدوره، لمادته التاريخية وللآثاريين وللأقليات الإثنية. وتتسم الطريقة التي يجادل بها الآثاريون الكتابيون والقوميون الإسرائيليون بطابع إشكالي حاد بسبب تاريخ الفكر الآثاري هذا والاستخدام السياسي والقوموي nationalistic للماضي. وبرغم الدور الهامشي لهذين الفرعين في الخطاب الآثاري، إلا أنهما لعبا دوراً رئيسياً في إنتاج المعرفة في الشرق الأدنى، أو بتعبير أدق، صاغت عملية إنتاج المعرفة هذه موقفاً حاسماً للآثاريين القوميين الإسرائيليين  في بناء ماضي إسرائيل، وعلى غرار ذلك، امتلك الآثاريون الكتابيون خطابهم المستقل ضمن الخطابات المسيحية في أميركا، وكان لأعمالهم تأثيراً هائلاً في البنى الإثنية في إسرائيل والشرق الأوسط على العموم. وتكمن مشكلة هذا الخطاب الرئيسة في اقتصاريته. فمن جهة، يستثني الآثاريون الكتابيون جزئيا اللاهوتيين المشتغلين في العهد القديم بحجة عدم امتلاكهم الحجج أو الأدلة  “الأثرية”، ومن جهة أخرى، لا يشغل تاريخ فلسطين والتاريخ المبكر لإسرءيل سوى عدد قليل جداً من علماء الآثار الأجانب، إذا ما استثنينا الآثاريين الكتابيين والقوميين الإسرائيليين. وبالتالي، ينبغي على الخطاب الآثاري أن يخط طريقه بغض النظر عن التطورات النظرية الحالية لعلم الآثار  الأنجلو أمريكي. ورغم إنكار الدوائر الأكاديمية العالمية أية مزاعم بشأن اعتبار علم الآثار الكتابي حقلاً معرفياً مساهماً جدياً ومهماً في ما يتعلق  “بالجزء العلمي” من علم الآثار، يقوم الآثاريون الإسرائيليون باستخدام المعلومات التي أنتجها علم الآثار الكتابي من أجل خلق أسطورتهم عن إسرءيل القديمة. وهنا تكمن المشكلة الرئيسة بميل المتطرفون، على الدوام، إلى توظيف أكثر النتائج شوفينية بغض النظر عن المحتوى العلمي لهذه المعرفة، من خلال استغلال المعرفة لأغراض سياسية .

وأحد أهداف هذا الكتاب يتمثل في تحدي الهيمنة الآثارية الكتابية والقومية الإسرائيلية على إنتاج المعرفة الآثارية، ورغم معارضة مثل هذه الهيمنة الآثارية الكتابية وتأويلاتها من بعض علماء الآثار الإسرائيليين، غير أنهم لا يمتلكون سوى القليل من الإمكانيات لانتقاد  هكذا هيمنة باعتبارهم إسرائيليين يعملون داخل إسرائيل. وبموجب ذلك ينبغي أن يُطرح النقد الرئيس من طرف آثاريين من خارج دائرة الخطاب الكتابي-الإسرائيلي.

تشكل المضامين الاجتماعية والسياسية للآثاريات في الشرق الأوسط -حيث الحرب مازالت مستعرة- أجزاءً من مصادر تغذي الصراع حول فلسطين/إسرائيل. وتستند السجالات الإيديولوجية في جزء منها على التأويلات الآثارية التي توضح قوة الماضي، وسبب وكيفية استخدامه في الصراع المعاصر. ويقضي الواجب على الآثاريين، كعلماء مسؤولين، توضيح حدود الأدلة التي بين أيديهم. كما أن المسؤولية لا تقتصر على الآثاريين المهتمين بالشرق الأدنى فقط، بل هي مسؤولية جماعية للمشتغلين بالآثار أيضا، ولهذا، يتعين على الآثاريين الإفصاح عن حدود الأدلة هذه وأماكن وجودها إذا ما حاول أي آثاري إهمال أو تجاهل هذه المشكلة. ولأن الماضي مسألة غاية في الأهمية لكل من الفلسطينيين والإسرائيليين على حد سواء، فغايتي، بالتالي، هي القيام بتقويم نقدي لعلم الآثار الكتابي.

الفصل الأول: النزعة القومية و علم الآثار و الكتاب [المقدس]

مقدمة

يهتم علم الآثار السياسي بدراسة الطريقة والكيفية التي يصبح فيها علم الآثار جزء من البنى السياسية التي تعطي -من خلال علم الآثار- الشرعية والسلطة والاستقلالية العلمية في المجتمعات المعاصرة. وثمة أهمية قصوى لدراسة العلاقة بين علم الآثار والنزعة القومية لسببين، فأولاً، يستخدم الماضي لإضفاء شرعية الدولة القومية إقليميا في علاقاتها مع دول قومية أخرى، ويستخدم علم الآثار كأداة لهذه الدول القومية في حالات النزاع الإقليمي، ويترتب على تكامل واندماج علم الآثار والقومية العديد من العواقب على صعيد التنظيم والتراتبية الهرمية بين الدول القومية. وثانياً، تعزى في دولة قومية ما حقوق سياسية وموارد اقتصادية متنوعة لجماعات إثنية مختلفة. وغالباً ما تتواجد شرعية هذه التراتبيات الداخلية في ادعاءات عن حقوق حصرية متوارثة مستمدة من الماضي. ويهدف علم الآثار السياسي إلى تسليط الضوء على المسلمات والإيديولوجيات التي تقف وراء التراتبيات السياسية المعاصرة حين تسعي جماعات إثنية أو دولة قومية  إلى تحقيق امتيازات ومكاسب استراتيجية باستخدام علم الآثار كأداة لتحقيق مشاريعهم .

تتمحور القومية حول بنى الهوية، وتشدد على تشابك الثقافة والتنظيم الاجتماعي “فالقومية في واقع الأمر تنظر إلى ذاتها بوصفها مبدأ-بديهي-عام متواتر ومتوارث وشرعي” (Gellner 1997:7). ويتطلب المعتقد القومي درجة معينة من الانسجام بين الوحدات السياسية أو الإقليم و “الإثنية”. ويستوجب هذا المعتقد أن يكون جميع من هم ضمن الوحدة السياسية من ذات الحضارة، وتكون الوظيفة الرئيسية للثقافة هي “تعزيز و ضمان منظومة الحالات التراتبية لذلك النظام وجعلها مرئية واضحة وإسباغ الصفة الرسمية و الوثوقية عليها “لأن هذا” التجانس في الثقافة هو السند السياسي الذي يجعل من ثقافة معينة عليا مفترضة شرطاً مسبقاً للمواطنة السياسية والاقتصادية والاجتماعية(29, Gellner1997:20). ويجري تخيل الأمة، كمجتمع، أو يتم تصورها كعلاقة تقارب وقرابة من طبيعة أفقية عميقة بصرف النظر عن حالات التفاوت وانعدام المساواة والاستغلال السائدة، وهو ما سمح  للملايين من البشر لا أن يُقتلوا فحسب، بل أن يموتوا، أيضاً، برضاهم في سبيل الأمة، أو في سبيل مثل هذه التخيلات المحددة (Anderson 1993:7)، فموت المرء في سبيل بلده، الذي لا يختاره عادة، يفترض عظة أخلاقية، لا يمكن إخفاؤها في الدفاع عن نظام اجتماعي أو في سبيل تحسين الأحوال المعيشية ومجتمع الرفاه. وكذلك يستوحي الموت في سبيل الثورة عظمته، من درجة الشعور بأن الثورة هي شيء ما طاهر في جوهره (Anderson 1993:144) . بيد أن إسرائيل، بالمعنى العام، لاتشبه أية دولة قومية أخرى لسببين: أولا منح الرب، وفقاً للتقليد الكتابي، إسرائيل للإسرائيليين، وثانيا، قامت إسرائيل كدولة قومية في العام 1948 نتيجة الحرب العالية الثانية والهولوكوست. وبالتالي، نحن هنا أمام نمط آخر من النزعة القومية رأيت أن أسميه “القومية المقدسة”. ويمثل هوية مزدوجة فهي قومية أو إثنية من جهة وهي دينية شخصية من جهة أخرى. وغالباً ما نظر إلى الهوية الدينية باعتبارها أكثر عمقاً ومرونة من الهوية القومية حيث “يشكل استكشاف الماضي لمعظم الأمم مصدر فخر واعتزاز قوميين، ويرمز إلى الاستمرارية التاريخية للبلد أو حتى لديمومتها.. ويكشف علم الآثار عن مغزى خاص لشعب إسرائيل، ولأولئك المعنين والمؤمنين بالكتاب” (Meshorer 1995:30). ويضمن الماضي  كل من الحاضر والمستقبل بصلابة شديدة عندما يتم الجمع بين الهوية الدينية والهوية القومية، وتصبح أي ادعاءات فلسطينية بشأن الأرض لا طائل منها، وزرعا بأرضٍ قاحلة. وعليه فالهدف الرئيس لموضوع هذا البحث هو دراسة الكيفية التي ظهرت فيها مثل هذه الحالة، وبدرجة أكثر أهمية، هل هناك ثمة جدل علمي أو أسباب عامة إنسانية تجعل مثل هذه البنى من السلطة والاستغلال أن تستمر؟.

وتقوم الآثاريات الإسرائيلية اليوم، على دراسة أنماط الحقب كافة، الممتدة من الأزمنة الحجرية القديمة Paleolithic حتى القرون الوسطى، في حين يقتصر نشاط الآثاريات الكتابية على الفترات الكتابية. وعلى الرغم من عدم تطابق تطورهما، إلا أنهما غالبا ما يتشاركان في سمة هامة وهي الدور الجوهري الذي يلعبه السرد الكتابي في التأويل. فالأمر، إذن، غاية في البساطة، يدرس الآثاريون الكتابيون، وهم في معظمهم أصوليين مسيحيين أميركيين، فترة العهد القديم في الأرض المقدسة، بسبب من إيمانهم وعقيدتهم الدينية. بينما يدرس الآثاريون القوميون الإسرائيليون ذات الموضوعات والمجالات والفترات الزمنية نتيجة “لميلاد” ونشأة إسرائيل كدولة أمة. وتمنح التخصصات الدراسية المختلفة في سياق الحالة الديالكتيكية هذه الشرعية لبعضها البعض، حيث يتم بموجبها تعزيز مزاعم إسرائيل بأحقيتها الجغرافيّة في الأراضي المقدسة. وعلى الرغم من أن اهتمامي الرئيس ينصب على الآثاريات الكتابية باعتبارها الأكثر تطرفاً على نحو ما، إلا أني  ضمنت أيضاً أجزاء من أعمال الآثاريين القوميين الإسرائيليين في هذا الكتاب لتطابق استخدام  السرد الكتابي في تأويل الماضي لديهم مع استخدام الآثاريين الكتابيين للكتاب.

ليس بالأمر اليسير مقاربة الكتاب [المقدس]، بل على العكس تبدو المهمة صعبة، ليس لأنه كتاب غير متمايز، بل لاشتماله على الشعر، والتشريع، والأساطير والملاحم، والإشارات التاريخية، والأمثال، والموعظة، والبروباغاندة الدينية، وما إلى ذلك. وفوق ذلك هو كتاب مقدس لديانتين عالميتين؛ اليهودية والمسيحية، حيث تؤمن اليهودية في العهد القديم بوصفه وحياً أصيلا وتؤمن المسيحية في كلا العهدين(القديم والجديد) مع التركيز على العهد الجديد في الممارسة اليومية، والتكفير عن الذنب. وما هو مشترك بين الديانتين هو القبول بإسرائيل كأرض مقدسة أعطاها الرب للإسرائيليين، شعبه المختار.

و ثمة زعم يرى بأن “علم الآثار يلعب دوراً هاما في صياغة الهوية القومية  لليهودي الإسرائيلي، ولكن هذا ينطبق فقط على المكوّن الإسرائيلي من شخصية اليهودي الإسرائيلي وليس على المكون اليهودي. فالآثاريات لا تقدم سوى النزر اليسير للمواطنين اليهود في إسرائيل في ما يتعلق بيهوديتهم (أي كونهم يهودا). فاليهودية استمرت في الوجود دون إقليم يخصها على مدى 2500 سنة في بلدان أجنبية، وربما في بلدان أجنبية معادية في أحيان كثيرة” (Broshi 2001:55). قد يكون مثل هذا الزعم صحيح جزئياً، ولكن جزئياً فقط، لأن المواقع الأثرية المتعلقة بأصل إسرائيل وإن كانت في الواقع معالم قومية، فهي أيضاً مواقع حجيج وزيارات لا تخلو من الطابع الديني.

يقول موشيه دايان الجنرال ووزير الدفاع السابق: “لقد نفي شعب إسرائيل من أرضه، ولكن أرضه لم تقتلع من قلبه، وأيًّا كانت البلاد التي حلّ بها خلال 19 قرناً من الشتات، كان يتوق لموطنه” Dayan 1978:6).. “كان الآباء المؤسسين لأمتنا أقرب الناس لي، إبراهيم وإسحق ويعقوب.. الذين حملوا عبأً ثقيلاً، أي عبء عقيدة جديدة وأمة جديدة وأرض جديدة.. لم يكن شغلهم الشاغل الحاضر، بل المستقبل كان همهم، ولم ينصب اهتمامهم على أنفسهم إنما على أجيال أمتهم التي ستأتي من بعدهم” (Dayan 1978:13)، ويقتبس من الكتاب: هذه هي الكلمات الأولى التي خاطب فيها الرب إبراهيم ” 1وقالَ الرَّبُّ لأَبْرام: «اِنطَلِقْ مِن أَرضِكَ وعَشيرَتِكَ وبَيتِ أَبيكَ، إِلى الأَرضِ الَّتي أُريكَ. 2وأنا أَجعَلُكَ أُمَّةً كَبيرة وأُبارِكُكَ وأُعظِّمُ ٱسمَكَ، وتَكُونُ بَركَة” (سفر التكوين، الإصحاح 12: 1-2).كانت تلك هي البركة التي منحها الرب ليعقوب ” 10وقالَ لَه الله: «اِسمُكَ يَعْقوب، لَن تُسَمَّى بَعدَ اليومِ يَعْقوب، بل إِسرائيلَ يَكونُ ٱسمُكَ»، فسَمَّاه إِسْرائيل.11وقالَ لَه الله: «أَنا أللهُ القَدير. إِنْمِ وٱكثُرْ. أُمَّةٌ وجُمْهورُ أُمَمٍ تَخرُجُ مِنكَ، ومُلوكٌ مِن صُلْبِكَ يَخرُجون. 12والأَرضُ الَّتي أَعْطَيتُها لِإبْراهيمَ وإِسحٰق لكَ أُعْطيها، ولِنَسلِكَ مِن بَعدِكَ أُعْطي الأَرض». “(تكوين 35: 10-12).” لقد كان وحي الرب للآباء وحديثه معهم منصبا في المقام الأول على المستقبل من خلال رسالة إلهية عليهم أن يثقوا بها”.(Dayan 1978:25). وإذن، لدى كل من علم الآثار الكتابي وعلم الآثار القومي الإسرائيلي وإسرائيل، كدولة قومية، مصلحة متبادلة مشتركة في تقديم نمط معين من التأويل والتفسير الآثاري. ويشير تأمل الآثاريات الكتابية والقومية الإسرائيلية باعتبارهما فرعين من الآثاريات في العثور على الأدلة الأثرية، بطريقة أو بأخرى، إلى علاقة مباشرة بالنص الكتابي. ولا يمكن نكران دور علم الآثار في هذا الصراع، كما يقول سيلبرمان (1997:66-68):”[…] لم يتم تحديد الشكل الإقليمي للأرض المقدسة (الذي تُرك ضبابياً وغير معرّف، غير أنه أصبح في نهاية المطاف الحدود القانونية لفلسطين الانتدابية بعد الحرب العالمية الأولى) عن طريق إحصاء سكاني  أو سجال سياسي، بل تم ،بالدرجة الأولى على يد مستكشفين آثاريين لعملية مسح فلسطين الغربية المدعومة من بريطانيا[…] و جلبت إدارة السلطات الانتدابية البريطانية معها للبلاد تحولاً جوهرياً للمعنى الاجتماعي للمواقع الأثرية القديمة في الأراضي المقدسة.. ويذكر في هذا الصدد بروز علاقات جديدة لعلاقات السلطة من خلال الإشارات المتكررة للنزاعات حول حقوق ملكية هذه المواقع بين اليهود، والمسيحين، والمسلمين سكان البلاد، من جهة، والبعثات الأثرية الوافدة من جهة  أخرى.. لقد أصبحت المواقع الأثرية في فلسطين الآن ميداناً نشطاً لإعادة التأويل التاريخي والتطابق الإيديولوجي والشرعية السياسية. فالتنقيب، مثله مثل الحرب، بات سلوكاً للمناورات السياسية وإن بوسيلة أخرى. و يقول السير مورتيمر ويلر عن فلسطين بأنها قد تكون البلد “الذي ارتكب بحقه أعظم الآثام باسم الآثار أكثر من أي مكان آخر على وجه البسيطة”(Laughlin 2000:3). “فغزو كنعان” بواسطة شعب يسميه الكتاب “الإسرءيليين” كان من بين أكثر المواضيع  إثارة للجدل والسجال بين علماء الدين والمؤرخين والآثاريين. إن خروج موسى من مصر والنجاة الإعجازية عبر البحر الأحمر و”غزو كنعان” منح دفعاً إضافياً لادعاء أحقية إسرائيل في الأرض اليوم، كما هو مكتوب في سفر يشوع، الإصحاح 10: “40 وَهَزَمَ يَشُوعُ كُلَّ الأرْضِ: المِنْطَقَةَ الجَبَلِيَّةَ وَالنَّقَبَ[في نص آخر الجنوب -المترجم] وَالتِّلَالَ الغَربِيَّةَ وَالمُنحَدَرَاتِ، وَكُلَّ مُلُوكِهَا. وَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ نَاجُونَ. فَقَدْ أفنَى كُلَّ شَيءٍ حَيٍّ فِيهَا كَمَا أمَرَ اللهُ إلَهُ إسْرَائِيلَ. ويزعم اليهود اليوم بأن أولئك “الإسرءيليين” هم أجدادهم وبالتالي، لديهم الحق “الإلهي” في البلاد. و”قصة إبراهيم المذكورة في العهد القديم حول المهمة الموكلة له من الرب والوعد الملزم الذي واكب هذه المهمة- لنسلك أعطي هذي الأرض- هي ما يجب أن يبتدأ بها تأريخ دولة إسرائيل الحديثة رغم ما يعتري هذه القصة من تناقضات” (Samuel 1989:1). ولدى إسرائيل كأمة، مصلحة سياسية في السجالات والأدلة الأثرية المؤيدة لمزاعمها وادعاءاتها الإقليمية في الشرق الأوسط، وبالتالي ينظر للكتاب باعتباره مصدراً تاريخياً أصيلاً وموضع ثقة يمنحها الحق في هذه المزاعم. فمعركة الكتاب هي معركة من أجل ماضٍ موثوق يمنح حقوقاً إقليمية اليوم. ويملك، حتمًا، أولئك الذين يجادلون لجهة التأويل الديني أو القومي للكتاب، حججاً إلهية في المعركة هي الأبرز في مسار السباق على الأرض نظراً للصعوبة البالغة في تحدي الرب أكثر من تحدي التأويلات الأكاديمية والعلمانية للكتاب. ويقوم الآثاريون الكتابيون بإنتاج أجزاء من هذا السلاح الإيديولوجي في الصراع بين فلسطين وإسرائيل. وعلى هذا فإن هدفي هو تقصي دور الآثاريات في خلق الهويات الدينية والقومية في الفترة ما بين 1967-2000 ومن ثم تقويم مدى صحة هذه الحجج في الخطاب المعاصر.

مقاربة  الماضي

يتمثل الدور الأساسي لعلم الآثار كحقل بحث قومي تخصصيي في “ترسيخ” الأمة بجعلها موغلة في القدم وخالدة في ذات الوقت، وبالتالي فلدى القومية بحد ذاتها العديد من الأسباب و الجذور (Sorensen 1996:28)). وإذا ما “ارتكزت” أمة إلى بقعة جغرافية معينة، فلن تتوفر، عندئذ أي إمكانية لأمم أخرى لأن “ترتكز” هناك ضمن فضاء هذه البقعة الجغرافية المحددة أو الإقليم. وتظهر القومية بوصفها الإيديولوجيا التي تقف وراء هذا “المرتكز”. فالتاريخ السياسي لبناء ماضي إسرائيل لم يكن مسألة ذات شأن لاتفاق معظم الباحثين الكتابيين على حجج التأويل، وكما يرى كيث ويتلام “إن صورة ماضي إسرائيل كما وردت في معظم فصول الكتاب العبري ليست إلا قصة خيالية، إنها توليف وتركيب كما هو حال معظم الصور عن الماضي التي ركبتها المجتمعات القديمة (ونستطيع أن نضيف الحديثة أيضاً)” (Whitelam 1997:23-24). ولا يمكن إنكار سطوة الماضي وقوته، وكما لاحظ ماثيو جونسون “لقد مات الماضي واندثر، لكنه لايزال قوياً. قويٌ بحيث أن أمة بأكملها (زيمبابوي) تسمي نفسها تبعا لموقع أثري (……) إن الماضي يمتلك من القوة إلى حد ما يجعل مجموعات فردية من لقى أثرية مثل أفاريز البارثينون خاضعة للنزاعات الدولية الرئيسة” (Johnson 1999:1). ويستند تدخل الدولة على بناء الذاكرة الصرحية (Brown 1998:79). فالصراع على الماضي هو صراع على الحاضر، وأولئك الذين يخسرون ماضيهم، فقد خسروا حاضرهم أيضاً. لا شك أن المعركة الرئيسية تدور رحاها من أجل الظفر بالأرض، ولكن عندما يتعلق الأمر بالأرض ومن يملكها ومن يملك حق استيطانها والعمل عليها، فإن هذه القضايا تتجلى وتتساوق أيضاً لزمن ما في السرد (Said 1993:xiii). ولعلم الآثار دور إيديولوجي هام في خلق السرديات، التي قد تكون في الواقع مجرد أساطير، إلا أن رجال السياسة يستخدمون هذه السرديات بشتى الطرق في كفاحهم من أجل الشرعية على الأرض. فلإسرائيل تاريخها، ولكن أين تاريخ فلسطين؟ هل الآثاريون مسؤولون عن إنتاجهم للمعرفة، وإذا كان الأمر كذلك، فما الذي يفترض  بهم القيام به حيال الاستخدام أو سوء الاستخدام القومي للمعرفة الآثارية؟

تتعلق عملية استخدام الآثاريات لشرعنة الحاضر بتأويل الكتاب في الشرق الأوسط حيث اندمج وتكامل كل من  علم الآثار والعقيدة الدينية والنزعة القومية في هذا التأويل .ولعب علم الآثار دوراً حاسماً  في محاولة “إثبات” حقائق وصحة الكتاب واهباً بذلك الشرعية لبناء الدولة القومية لإسرائيل .ولكن ماذا لو كان أساس هذه القومية يتكئ على افتراضات زائفة من الناحية اللاهوتية والأثرية؟ ما فتأت السرديات الكتابية والتاريخية تُستخدم كما لو أنها حقائق على الرغم من أن علم الآثار لم يعد منشغلاً في إثبات الكتاب. ويجادل اللاهوت الراديكالي بأن الكتاب ليس وحياً من الرب، بل هو بالأحرى مجموعة من الأساطير والقصص استخدمت لخلق هوية يهودية إثنية. فما هي النتائج المترتبة على المقاربة الكتابية لاستخدام الماضي لإضفاء الشرعية على الحاضر؟ وفقاً للباحث في العهد القديم توماس. ل. طومسون “لم يعد لدينا -اليوم- تاريخ لإسرءيل .. لم تتحول قصة آدم و حواء و قصة الطوفان إلى خرافة فحسب، بل لم يعد بإمكاننا أيضاً التحدث عن زمن الآباء الأولين. لم يكن ثمة (مملكة متحدة) في التاريخ، ولم يعد هناك معنى للكلام عن أنبياء ما قبل السبي و كتاباتهم.. فإسرءيل الكتاب ليست خيالاً أدبياً فحسب، بل إن الكتاب قد بدأ تراثاً تأسس لتوه: سيل من القصص والنشيد و التأمل الفلسفي، جمع ونوقش وقلب على وجوهه، أما مصادرنا فإنها لم تنشأ بعد، إنها تكمن في صلب الموضوع، يمكننا أن نقول الآن بثقة كبيرة إن الكتاب ليس تاريخاً لماضي أحد. إن قصة إسرءيل المختار والمنبوذ التي يقدمها، هي مجاز فلسفي للجنس البشري الذي ضلّ طريقه (Thompson 1999:xv).

ليس الماضي بقايا أحفورية ساكنة، إنما هو نتاج موروث يمتلك تأثيراً فعالاً على الحاضر عبر المعاني المدونة الرسمية والشعبية. ولعل علم آثارٍ واعٍ و مسؤولٍ وذي ارتباط عالمي بمقدوره تشكيل قوة إيجابية تشجع وتحتفي وتعترف في الاختلاف والتعارض المتنوع الحقيقي (Meskell 1998:4)، ويرى الأنثروبولوجي توماس هايلاند إريكسون بأن المجتمع متعدد الإثنيات سيكون هو الميزة الجمعية الموحدة مستقبلا و ليس الماضي، لأن الماضي هو المنبع الرئيس للصراع والنزاع (Eriksen 1996a). إن سؤالاً من نوع لماذا يشتغل الآثاريون بالآثار لا يمكن الإجابة عنه من قبل الآثاريين أنفسهم وحدهم بكونه “ممتع و مثير للاهتمام ونحن نحب ذلك”. فمثل هذه  ساذجة بقدر ما هي  صحيحة بلا شك، غير أنه لا يمكن التنكر لهكذا تفسير، فالاشتغال الآثاريات محبب ونحن نحب القيام بذلك، وغالبا ما نشعر بالفخر والتمايز عندما نتعاطى ( بالكاد) مع ما حلمنا به. هناك بالطبع دوافع أخرى إضافية بين الآثاريين، إلا أنها نادراً ما تكون موضوعاً للبحث والتحري بالرغم من تأثيرها الواضح على البحث الأثري. ويجب الاعتراف بأن الآثاريين لا يعملون وينقبون لأنفسهم فقط، فهناك مصالح  وجهات ومؤسسات اجتماعية أخرى تقحم نفسها في المشاريع الأثرية، وتحدد الممارسة (جزئياً عن طريق القوانين واللوائح لتحديد ما هو مسموح  التنقيب عنه)، وتمول هذه المشاريع، و تنشر النتائج وتتخذ القرارات بشأن أي نوع من المتاحف ينبغي بناءها لعرض الأشكال المختلفة للماضي القومي. ويمكن النظر إلى أعمال الترميم والحفريات الأثرية، التي يتم متابعتها بدعم الدولة من خلال طباعة أبحاث النصوص التقليدية، على أنها شكل من برنامج تعليمي محافظ (Anderson 1993:181).. فما هي إذن الحاجات والنوايا والدوافع التي تقف وراء دعم الدولة القومية لعلم الآثار؟ هل نعتقد بأن إنتاجنا للمعرفة هو إنتاج محايد وذو قيمة مجانية، وبأن الحكومات والمؤسسات المختلفة تقدم لنا الدعم لأننا نحب علم الآثار؟ ما هي سلطة التفسيرات الآثارية؟ ماذا يتوقع المجتمع من علم الآثار ومن علماء الآثار؟ وأخيراً، إلى أي درجة ينتج علماء الآثار المعلومات المطلوبة للدول القومية- هذه المعلومات التي تعطي للدولة شرعيتها التاريخية والإقليمية من خلال علم الآثار؟ أو بعبارة أخرى، إلى أي مدى تكون الآثاريات مجرد أداة لتحقيق غايات أخرى -ذات دوافع سياسية و اقتصادية، محدّدة من قبل الآخرين؟

علينا أن نكون صادقين، ونعترف بعدم وجود علم آثار غير سياسي وذو قيمة مجانية. وأحد الإيديولوجيات التي كان لها الأثر الأكبر في تطور علم الآثار بمعناه الواسع على الصعيد العالمي هي الإيديولوجية القومية. فالقومية منغرسة عميقاً في مفهوم وتطور علم الآثار ومؤسساته (Diaz-Andreu & Champion 1996:2-3)، فينبغي للأمم، إن وجدت، وبحكم تعريفها أن يكون لها ماضي، خدمة لمصلحتها ومصلحة الأفراد الذين ينتمون لهذه الأمم. (Dias-Andreu 1996:68) .بيد أن المشكلة تكمن في أن الأمة الحديثة، بحكم تعريفها، لا تمتلك تاريخاً. أم ترى هي تمتلك؟ كيف يمكن لعلم الآثار أن يخلق تاريخاً لوحدة مفترضة؟ إن الهدف من هذا البحث هو توضيح مجمل الانحيازيات القومية والدينية المضمرة منها والصريحة التي درجت الآثاريات الكتابية والقومية الإسرائيلية على ممارستها واستخدامها لشرعنة إسرائيل كدولة قومية. وهو أيضاً مسعىً نظرياً لإلقاء الضوء على حجج هذا المشروع وعلى تاريخ ومزالق هذا النهج للتأويل الآثاري.

الهدف من علم الآثار هو ذاته كما في الأنثروبولوجيا، ولكن يقوم الآثاري بتأويل “الآخر” من خلال الثقافة المادية. وهذا بدوره يخلق مشاكل أخرى، فكثيراً ما انطوت الخطابات الآثارية الكتابية والأجزاء “العلمية” منها على مواقف وسجالات عاطفية ومسيحية أصولية (Lemche 1998). وعندما تعرفتُ بالصدفة على علم الآثار الكتابي كفرع من علم الآثار، وجدتُ فيه ميدان بحث أشبه إلى حد كبير بجزيرة معزولة في محيط علم الآثار، وعلى الرغم من الخطابات اللاهوتية حول طبيعة الكتاب، إلا أن الخطاب الآثاري لايزال يعيش عالمه الخاص، ولذلك فهذا الكتاب هو محاولة لمقاربة تاريخ إسرائيل والصراع على ماضي فلسطين، ليس من وجهة نظر اللاهوت وعلم الآثار الكتابي أو التاريخ الكتابي، بل من خلال خطاب يشتمل على طيف واسع عن الإثنية والثقافة المادية للأنثروبولوجيين والآثاريين الأوروبيين الشماليين.

النزعة القومية و علم الآثار

يقيّد الحاضر تأويلات أحداث الماضي، ولكن يمكن للحاضر أن ينتقي وفقاً لاهتماماته أيضاً جوانب معينة من الماضي خدمة لتأويل الحاضر ولأغراض معاصرة بحتة (Kaiser 1995:113). اعتاد آثاري شهير في الاتحاد السوفياتي [السابق] أن يردد العبارة التالية: على المرء أن يختار التأويلات الأكثر وطنية إذا ما سمحت المعطيات الآثارية بتقديم تأويلات متعددة ومختلفة، (Shnirelman 1995:125). الأمر الذي يكشف على الفور عن الأجندة القومية. وهذت ما نشاهده في التأويلات الكتابية والقومية الإسرائيلية ولكن بصورة أكثر تخفياً، من خلال اختيار التأويل الديني إذا ما كانت المعطيات تسمح بعدة تأويلات. ويمتلك علم الآثار بحكم طبيعته بعداً سياسياً لا يمكن تجنبه، حيث يكون البعد القومي ليس سوى واحداً من بين العديد من المظاهر المحتملة لخصائصه بوصفه علماً و مشروعاً سياسياً على حد سواء. وعلى علم الآثار، باعتباره خطاباً سياسياً أن يخضع لذات معايير المساءلة العامة، مثله مثل غيره من أشكال التعبير الأخرى، إضافة إلى الالتزام بالمعايير العلمية للمنطق والأدلة (Silberman 1995:249-250). ويمكن تتبع التاريخ الطويل، المستوحى سياسياً، لعلم الآثار في الشرق الأدنى الذي شكل ضرراً على الآثاريين، وعلى السجلات المادية والأقليات الإثنية في الشرق، وكما أشار سيلبرمان” تكمن مسؤولية الباحث في النقد والتحدث بصوتٍ عالٍ حول هذه الأسئلة واستعداده أو استعدادها لنقد السرديات الآثارية باعتبارها فرضيات علمية وأدبية نصية” (Silberman 1995:251). ويتحدث ديفيد أنتوني عن الأمر من زاوية أخرى فيقول “إذا ما تخلينا عن معاييرنا للاختيار بين تفسيرات بديلة، فإننا بذلك نتنازل عن أي حق لنا في استبعاد تفسيرات تفرض التعصب والقومية والمغالطة”، وإذن سيكون من حق المجتمعات التساؤل عن سبب وجود علم الآثار. (Anthony 1995:88). ويقع على عاتق الآثاريين، كعلماء يتحلون بالمسؤولية، واجب تقرير حدود الأدلة التي بين أيديهم ويتحكمون فيها، كما عليهم أن يقرروا ما إذا كانوا يمتلكون القدرة، من عدمها، في إعادة البناء بثقة “معقولة” من خلال البيانات المعطاة والبقايا الآثارية المتاحة في ذلك الوقت. (Kohl & Fawcett 1995:8).  كما تقع على عاتقهم أيضاً، مسؤولية جماعية في الإفصاح عن هذه الحدود إذا ما حاول زملاء لهم آخرون تجاهلها أو إهمالها. ويبدو الكتاب [المقدس] لدى بعض الآثاريين الكتابيين والقوميين الإسرائيليين بمثابة جواز سفر للعبور إلى التأويل. فكل شيء مباح طالما هناك إمكانية للإشارة والاستنتاج من الكتاب، وغالباً ما تُستخدم المرويات الكتابية دون تمحيص وبصورة لا نقدية لخلق تاريخ ساكن لإضفاء الشرعية على الدولة القومية. فالماضي والحاضر هما شيء واحد، وبما أن إسرائيل هي اسم لعقيدة دينية وفي ذات الوقت اسم لدولة حديثة ذات سيادة فقد تم تناول سياق ومحتوى الماضي، فضلاً عن الحاضر، من خلال تاريخ معتنى به وأكثر تشذيباً وتهذيباً. فالماضي لدى معظم الإسرائيليين جزء من “الوعي الجمعي الذي يؤثر في الحياة اليومية وتشكيل صورة الذات القومية ويعطي تلوناً وتنوعاً للشعور المشترك لما قد يحمله المستقبل لهم” (Samuel 1989:1). وعلى الرغم من سهولة التغاضي عن ذلك، فالأمر الأكثر أهمية هو التأكيد على أن “الثقافات تعيش دائماً في عملية تغيير وإعادة بناء لذاتها، بطرق مختلفة نوعياً، في بعض الأحيان، وعلى الأغلب، غير قابلة للتمييز. فليس هناك ثمة ثقافة وجدت منذ الأزل” (Kohl & Testskhladze 1995:151).. وفي العموم ليس هذا هو الحال في إسرائيل. فقد هيمن على الحياة اليهودية، منذ بداية تاريخ إسرائيل مفهومين قوميين: الشعب المختار وأرض الميعاد. ورغم أن  معظم اليهود عاشوا في فلسطين لفترة قصيرة من الثلاثة آلاف سنة الماضية، ورغم أن الدولة، أو الدول اليهودية وجدت هناك بصورة غير مستقرة لبضعة قرون فقط، إلا أن اليهود يشعرون بأنهم مرتبطون “بالأرض” عبر ثلاثة آلاف سنة برباط وثيق وفريد (Kohn 1971:807) .

إذن، كيف استخدمت في هذه الحالة عملية إنتاج المعرفة الآثارية لتعزيز هذه الأفكار وشرعنتها؟ ينبغي على الآثاريين أن يدركوا العواقب السياسية المترتبة عن المعرفة التي ينتجوها، وبالتالي أن يمتلكوا الحساسية للإطار الاجتماعي المعاصر عندما يدمج الماضي البعيد في بنية المجتمع. يعلق بروس تريغير ناقداً، بأن النزعة القومية هي ظاهرة حديثة النشأة ويرى في القومية “(…) مفهوما ذو أهمية للشعوب الحديثة، وللآثاريين أكثر منه للشعب الذي خلق السجل الآثاري” (Trigger 1995:276). ويقوم الآثاريون بتحويل الماضي إلى ماضٍ قومي، وهذا بدوره عمل سياسي وإيديولوجي. وهو يشكل أحد الإخفاقات الأساسية للآثاريات الكتابية والقومية الإسرائيلية، حيث تحولت، في الحقيقة، دراسة علم الآثار لديهما إلى سرديات تعكس أحكاماً مسبقةً عن الأرض المقدسة بوصفها دولة قومية خالدة وذلك عبر مقاربة فوق وضعية ultra-positivistic للآثاريات والرغبة في دراسة “الواقع والتاريخ كما كانا” (وذلك لأنه هكذا مدون في الكتاب)،ولكن من الصعب تجاوز مثل هذا التحول في الدراسة نظراً لأن علم الآثار القومي سيواصل ازدهاره ما دمنا نعيش في عالم من الدول القومية (Kohl & Fawcett 1995:11), كما أن “المؤرخين بالنسبة للقومية مثل زهرة الخشخاش، في باكستان، بالنسبة للمدمنين، فنحن من يزوّد السوق بالمادة الخام” (Hobsbawm 1992:3). ويصبح كل شيء أكثر حساسية وعصيّ على النقد في الأرض المقدسة لأنه مرتبط بالدين-وفي هذه الحالة، الكتاب. ويستخدم علم الآثار بطريقة قوموية لإضفاء الشرعية على الدولة، إن أسئلة على شاكلة: متى ظهرت هذه الدولة؟ تصبح في مجتمع متعدد الإثنيات” هل نشأت دولتنا قبل أن تحضر جماعات أخرى إلى هنا؟، وإذا كان الأمر كذلك، فهل تشكيل الدولة الأحدث يعتمد على عملية التشكيل الأسبق؟ “وبمقتضى ذلك يشككون بتلك الدعوة للشراكة الإثنية ( Wailes & Zoll 1995:23). وهذا هو، بجلاء، حال الوضع في إسرائيل، والقدس على وجه الخصوص. وهناك ثمة أساليب عدة لشرعنة النظام الحالي متضمنة في السرديات المعتمدة على الماضي والتي يحددها  تيموثي كايزر  بما يلي:

1) تسعى هذه السرديات لإقامة صلة بين الحكام الحاليين والمصادر المطلقة للسلطة والشرعية المستمدة من الماضي

2) تتضمن مزاعم مفادها أن شعب الأمة متفوق بطريقة أو بأخرى على الآخرين وفقا لإنجازات الماضي

3) تمجيد الحاضر من خلال قولبة الماضي في وضع غير مستحب.

 وفي هذا الصدد (Kaiser 1995:113) قد يعمل علم الآثار على :

 أ). تكريس شرعية سياسية وإقليمية.

ب). دعم الإيديولوجيا السياسية.

ج). الحفاظ على الهوية الثقافية والإثنية.

د). اختراع التقليد.

و ترى ماري لويز ستيغ  سورنسن في تناولها للعلاقة بين علم الآثار والقومية، بأن علم الآثار: أولاً، يتمأسس عندما يصبح ذو سطوة من الناحية السياسية. ثم، ثانياً، يظهر في ذلك الوقت في المجال العام. وثالثاً، يصبح مهماً عند اتخاذ القرارات السياسية. وأخيراً يصبح شعبياً ورائجاً ويكتسب معانٍ جديدة. ومما له أهمية قصوى هو نشوء وخلق دور الماضي بدرجة كبيرة في الحاضر خارج أسوار الأكاديميا، كما أن الحاضر يتحكم في الماضي، الذي لا حول له ولا قوة في مواجهة ما حدث وما يحدث له( Sorensen 1996).

الماضي المبني في الحاضر

“عاش الإنسان البدائي مرتين: مرة لذاته وبذاته، ومرة ثانية من أجلنا، في أطرنا المعاد بناؤها” (Gellner 1988:23). الموضوعات الأثرية موجودة فعلياً، وتمثل واقعاً من الماضي، ولكن يتحدد الماضي القابل لإعادة البناء من خلال المعرفة والسياق المعاصرين، وإذا كان متاحاً [لنا] تقويم هذه المعرفة المعاصرة أو تأويلات الماضي تلك مع بعض من التصورات والبنى حيال العالم أو الماضي بوصفه “حقاً كان” فقد يكون هناك بعض أوجه التشابهات، ولكن على الأغلب لا يمكننا ذلك. وتكون النيجاتيف [ أي المادة قبل تظهريها]  أو البيانات ضرورية للتأويل. ويفسر الآثاريون العمليات وفقا لتعابيرهم المادية. وفي الواقع يتمحور علم الآثار حول استنتاج الأدلة والمعطيات المفقودة. فالبنى الاجتماعية تعمل داخل العقل البشري، إلا أنها تترك آثارا مادية. ويعتمد التأويل على تنويعات أخرى عديدة بالإضافة إلى اللقى الأثرية، مثل:

1) البيانات الأولية ذات الصلة المباشرة بالمشاكل الأثرية والمتحصل عليها بوسيلة ليس لها علاقة بالحفريات وأعمال التنقيب، وبهذا يتسع السياق، وهذا يتعلق بالدراسات الأنثروبولوجية والإثنوأركيولوجية حيث تستخدم هذه البيانات لاحقاً كبنى نظرية وأطر استنباط.

2) يؤثر المجتمع السياسي والاجتماعي على الباحثين ويحدد النتائج.

3) تكون الممارسة العلمية بقبول الحجج في السجال و الخطاب المعاصرين .

يتطلب التقدم العلمي أكثر من بيانات جديدة، فهو يحتاج إلى سياقات وأطر مستحدثة (Gould 1987:138)”وقد درجنا على التفكير بسذاجة بأن المعطيات المفقودة تشكل عوائقا رئيسة أمام التقدم الفكري، حاول فقط أن تجد الحقائق الصحيحة وعندها ستتبدد المشاكل كافة، بيد أن هذه العوائق غالباً ما تكون أكثر تجريداً على مستوى الفكرة (Gould 1987:151) فلا يوجد ما هو “مطلق” في الأساس التجريبي empirical للعلم. فحتى الفيلسوف الوضعي كارل بوبر أشار إلى أن [العلم] “لا يستند على أساس صلب راسخ، فالبناء الواضح للنظريات العلمية ينهض، كما كان، فوق أرض رخوة، إنه يشبه بناء منتصب أكواماً. ينزلق نحو الأرض الرخوة من الأعلى، ولكن ليس باتجاه أي قاعدة طبيعية أو “مفترضة” وإذا ما حاولنا وقف انزلاق هذه الأكوام نحو الأسفل، فلا يعود ذلك لأننا وصلنا إلى أرض صلبة، بل نحن توقفنا بكل بساطة عندما اقتنعنا بأن هذه الأكوام ثابتة بما يكفي لحمل البناء، على الأقل في الوقت الراهن (Popper 1995:111). وإذن لا يفترض أن يكون الأساس ثابتاً، ونحن-كآثاريين- نملك القدرة على تقويض البنى عن طريق الحفريات والبعثات الاستكشافية، أو، بكلام آخر، بمقدورنا تفكيك روايات أخرى عن الماضي بفضل المنهج الآثاري (كالماضي الموضوع من قبل المؤرخين واللاهوتيين)، وبناء وقائع أخرى وماضي آخر استناداً إلى البقايا المادية. وبالتالي، من الضروري في بعض الحالات التفلسف والمطرقة باليد على حد تعبير نيتشه (Nietzsche 1968).)

بكلام آخر، تقويض الحجج هو السبيل الوحيد لاجتياز العواقب، غير أن المشكلة في الشرق الأوسط تتمثل في ضمان الكتاب لصدقية التأويلات. وهنا توجد قاعدة ثابتة للتفسير دون منازع من قبل الآثاريين الكتابيين والقوميين الإسرائيليين، غير أن الدراسات حول الدين شيء والدراسة الدينية شيء آخر مختلف تماما.

 يطرح كورنيلوس هولتفورت تساؤلاً عن السبب الذي يجعل علم الآثار يقدم نفسه كمشروع جدي، ويعطي إجابتين على تساؤله هذا: فهو، أولاً، مشروع بتعامل فيه العلماء مع قضايا جادة للغاية، وثانياً، يتعاطى معظمهم بجدية بالغة مع تلك القضايا (Holtfort 1998:91). لا يمكن الحكم على المعرفة وفقاً لتمثيلها لحقيقة وجودية أو ميتافيزيقية. فالمعرفة الجديدة ليست” أفضل” أو متطابقة أكثر مع واقع وجودي أو ميتافيزيقي، بل تكون “أفضل” بمعنى أن يصبح البناء أكثر وضوحاً. وعوضاً عن وجود تدبير فريد لواقعٍ أحادي، هناك ثمة عدد هائل من التجارب الواقعية وبالتالي وقائع. وهذا ما يثير مشاكل حول بنى علم آثار لائق وملائم في المجتمعات (Holtorf 1998:93). تفكيك بنى الماضي هو التحدي الذي يواجهه الآثاريون وليس التركيز على نشأة وأصل معرفتنا للعامل، وعلاوة على ذلك، تعكس معرفتنا شروط الحاضر الذي خلقت فيه البنى. إن معرفة الماضي وواقعه يمثلان كيانين منفصلين تماما. “ولا يكفي الافتراض بأن بعض الثقافات (تشبهنا) أكثر من غيرها في المكان والزمان” ( Shanks and Hodder 1995a:10) ، وهنا يثير شانكس وهودر بعض المواضيع العامة والتساؤلات حول علم الآثار التأويلي:

– وفقاً لأي أرضيات يمكن محاكمة المقاربات المختلفة للماضي الآثاري؟ أهي معرفية؟ أم أخلاقية؟ أم سياسية؟

-ما الآراء والميول السياسية للتفسيرات التأويلية وما بعد البنيوية في علم الآثار؟

-هل من الضروري أو من الممكن إعطاء معنىً عاماً للماضي ؟

-إذا كان الجواب، لا، وإذا كان أو لم يكن هناك معنىً عاماً شاملاً مفهوماً، فهل يمتلك الماضي معنىً متحولاً وغير قابل للتحديد، لعله يكون خاضعٌ فيه لرغبات ومصالح الحاضر ؟

-ما الحجج الممكن التذرع بها لتمييز التفسير أو التأويل الآثاري الجيد من السيء؟

-ماهي الحقائق الأخرى إن لم تكن “الحقيقة” الإمبريقية والحقيقة الموضوعية المصدرين الوحيدين لسلطة التأويل والتفسير الآثاري للماضي؟

يتمخض عن النظريات بزوغ معرفة جديدة إلى حيز الوجود، هذا ما ينبغي أن تؤديه النظرية الجيدة، وهو أيضاً ما تقوم به النظرية السيئة في حال كانت المعرفة الجديدة غير مقنعة بصورة واضحة وبصورة تجريبية [إميريقية] ( Obeyesekere 1992:57) وإذا كنا سنقبل نظريات عامة دون اختبارها إزاء قضايا معينة خاصة، فنحن في هذه الحالة لا نحتاج إلى القيام بأعمال التنقيب والحفريات على الإطلاق (Anthony 1995:86). وبالتالي، ثمة سبل عدة لتمييز التأويلات المحتملة: (1) التقويم الأخلاقي والمعنوي للتأويل. (2) تفكيك بنى الماضي الذي لم يحدث قط (على سبيل المثال إسقاطات لظواهر حديثة على الماضي الذي نعلم أنه غير موجود). (3) التفاسير غير الكافية تجريبياً (إمبريقياً) لأنها تتعارض مع المعطيات كما هي موجودة. وهذا يستلزم بناء منطقي ومنسجم. ويمكن للبعض استخدام بيانات مماثلة لإنتاج ظاهرة مضادة “تفند” بدورها النظرية السابقة أو التأويل. إنها عملية ذات طابع إجرائي لعدم التوافق خلال العمل على إنتاج ظاهرة معاكسة (Obeyesekere 1990:272). مثل هذه الاستراتيجية تكون صحيحة في ميادين الإثنوغرافيا والأركيولوجيا بشكل عام. إنها عملية تقويم على حد قول كليفورد غيرتز؛ “ينبغي أن نضع في الاعتبار قوة الحجة لشروحاتنا وتثمينها (..) ليس إزاء جملة المعطيات غير المؤولة، بل إزاء قوة الخيال العلمي لجعلنا على تماس مع حيوات الأغراب” (Geertz 1973:16).

في نظرية الممارسة، تصبح النظرية تحولية وتؤكد على أننا لا نستطيع أن نلحظها بصورة سلبية قاصرة. لا يمكن، من الآن فصاعداً فصل العلم عن المجتمع، وهذا يعني أيضاً أن تأويل عصور ما قبل التاريخ يقوم على المعرفة المعاصرة. من الناحية الآثارية، تكون النظرية العامة المندرجة بين تخصصات وميادين بحثية أخرى هي أساس الاستنباط والتفكير القياسي والتأويل الآثاري لمجتمعات ما قبل التاريخ. وتطبيق النظرية في سياق نحدده هو الطريقة الوحيدة لفهم الممارسة الآثارية (Hodder 1995:3-4). وكما يجادل فريدريك بارث “تصبح مثل هذه الأنماط قابلة للإقناع إذا كان بمقدورنا إظهار الكيفية التي برزت فيها درجة التحكم بالتماسك المنطقي وأنتجت في حيوات البشر، من خلال عمليات تنشبك  فيها أفكارهم و أنشطتهم”(Barth 1993:7).

يرى ستيفن .جيه. غولد بأن “العلم، في تعريفه الأكثر جوهرية، ليس قائمة من الاستنتاجات المغرية، بل هو طراز خصب للتحري. كما أن الاستنتاجات ليست ماهية، بل نتيجة” (Gould 1987:417). وتكمن المشكلة الرئيسة مع علم الآثار الكتابي في ذلك المزيج من تضافر واندماج  اثنين من التخصصات المتباينة كلياً، أي اللاهوت المحافظ وعلم الآثار. إن المناهج متعددة التخصصات هي على العموم موضع ترحيب في دنيا العلم، وفي علم الآثار، هناك علم الآثار الأحفوري Paleo-Archaeology وعلم الآثار الحيواني Zoo-Archaeology، وعلم الآثار التطوري Evolutionary Archaeology،  وعلم الآثار الديموغرافي Demographic Archaeology، وعلم الآثار الأنثروبولوجي Anthropological Archaeology ، وعلم الآثار التاريخي Historical Archaeology ، وغيرها من التوليفات العديدة المختلفة. أما فيما يتعلق الآثاريات الكتابية، فنحن نتعامل هنا مع أحد فروع علم الآثار أو مع إرث آثاري منفصل يكون فيه للكتاب [المقدس] السلطة والاستقلالية في معظم الأحيان بالمقارنة مع المصادر الأدبية الأخرى. إن قبول وحضور إثنية إسرءيلية في الماضي هو دائما جزءٌ لا مناص منه في الأفق البحثي والتحري الأثري للآثاريين الكتابيين والقوميين الإسرائيليين. وإذا كان هناك ثمة تركيز على السياق، فهذا لا يعني امتلاك الآثاريين القدرة على التفسير دون تعميمات، فمن غير الممكن مقاربة المعطيات دون تحيز ودون نظرية عامة، فالسياق لا يشير فقط إلى أشياء الماضي، بل تنغمس هذه السياقات تماما في المشاريع الآثارية (Shanks & Hodder 1995a: 15)..

يظهر  الخطاب الآثاري بوصفه مناظرة بين الباحثين بإمكانيات ضئيلة لروايات أخرى لعالم ما قبل التاريخ مستثناة من تأويلات الآثاريين الخاصة  يختار الباحث أفضل الفرضيات من ضمن دلالات الظاهرة التي يتحراها. وبالتالي، سيكون هناك دائماً عددٌ وافرٌ من التأويلات التي تتكأ على المادة الأثرية، وسوف تكون المهمة الجماعية للباحثين والعلماء اختيار الفرضيات الأفضل (Douglas 1992: 240). ولكن إذا كان الآثاريون غير قادرين على الاتفاق [في ما بينهم] على كيفية التمييز بين ما هو مقنع وما هو غير مقنع، فهذا ليس مسؤولية الآثاريين أنفسهم لأن هذا سوف يشجه ظهور أنواع مختلفة من الفساد الاجتماعي الشعبي (Anthony 1995: 85). ولكن إلى أي درجة يمكن استغلال علم الآثار وإفساده، ولأي غرض؟

هذا السؤال، هو أحد الاهتمامات الرئيسة للنقد الموجه للآثاريات الكتابية.

ينبغي على الآثاريين أن يتحملوا مسؤولياتهم بخصوص إنتاجهم للمعرفة. ويمكن بسهولة إساءة استخدام المعرفة التي ينتجها بعض الآثاريون الكتابيون، وكما سوف أبيّن لاحقاً، تشترك الطريقة التي تفسر وتعرف فيها الثقافات الأثرية في العديد من التشابهات في الإطار التأويلي العام المستخدم من قبل النازيين الذين أعطوا  بموجبها الشرعية الآثارية والإيديولوجية للرايخ الثالث [في ألمانيا الهتلرية]. واتكأت العديد من التأويلات الإسرائيلية القوموية على هذا النموذج. لقد أظهر تاريخ الفكر الآثاري سوء الاستخدام السياسي المحتمل للعديد من التأويلات القائمة على هذا النهج.

عن محمود الصباغ

محمود الصباغ
كاتب ومترجم من فلسطين

شاهد أيضاً

محو فلسطين لبناء إسرائيل: تحويل المناظر الطبيعية وتجذير الهويات الوطنية

كريستين بيرينولي ترجمة محود: الصباغ ربما كانت أعظم معركة خاضها الفلسطينيون كشعب هي حول الحق …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *