الرئيسية > تاريخ > علم الآثار السياسي والنزعة القومية المقدسة (2-1)

علم الآثار السياسي والنزعة القومية المقدسة (2-1)

المعارك الأثرية على الكتاب المقدس و الأرض في إسرائيل و فلسطين من 1967-2000 –

ترجمة: محمود الصباغ

الفصل الثاني: علم الآثار التاريخي\ الثقافي و الإثنية

القسم الأول

مقدمة

يدور  التساؤل الرئيس لكتاب سيان جونز” أركيولوجيا الإثنية” (1997), حول ما إذا كانت مجاميع اللقى الأثرية لديها القدرة على تبرير التوصل إلى استدلال شرعي عن جماعات إثنية عاشت في الماضي.

تخلى العلماء والباحثون، في أعقاب الحرب العالمية الثانية، عن استخدام مصطلح “عرق” تقريباً لعدم وجود تمايزات قائمة بين “العرق” و”الإثنية”، إضافة إلى ما ترتب من سوء استخدام لمفهوم “العرق” على يد النظام النازي. ويتمايز مصطلح “العرق” نموذجيا عن الإثنية لجهة التعارض بين الاختلافات الجسمانية والثقافية، ويفترض امتلاك التمايز “العرقي”، علاقة ما حيال” الاختلافات الجسدية” بين البشر. بيد أن ثمة، هناك، اتفاق عام ورفض للطرح القائل باحتواء الاختلافات “الجسدية” على أثر ثقافي ما، أو أن استمرار البعض بعزو أهمية ثقافية واجتماعية إلى التباينات الجسدية هو السبيل الوحيد لأن يكون فيها العرق على قدر ما من الأهمية (Jenkins 1998:74). وكنتيجة لظهور “أفكار عن تراجع مكانة تعبير “العرق” على المستوى الشعبي والعلمي منذ العام 1945، عمل مصطلح الإثنية على جسر هذه الهوة، وكان بمثابة صرخة جامحة مستنفرة لإعادة تنظيم، كانت دموية في كثير من الأحيان لفترة ما بعد الحرب الباردة (Jenkins 1998:9)، لذلك من الأهمية بمكان أن ندرك ما هي الإثنية وعما تتحدث -وهي موضوعنا هنا- وبذات الأهمية أن ندرك ما لا تقوله الإثنية. تعد المفاهيم، واستخدام هذه الوحدات في الحياة السياسية والعامة، أدوات فعّالة و قويّة جداً. وتصبح الإثنية سلاحاً فتاكاً، على وجه الخصوص، عندما يتعلق الأمر في مسألة الشرعية الإقليمية. وقبل الخوض في أي نقاش يدور عن أية جماعة إثنية لها الحق في إقليم معين، يتعين علينا أن نرى، أولاً، ما هي الإثنية، وكيف يستخدم الماضي في النقاشات بصورة سجالية. و من المهم، أيضاً، أن نميز بين الإثنية في الماضي والحاضر، وهو الأمر الذي لم يتم التركيز عليه بما يكفي. اكتست الإثنية أهمية في بنى هوية الماضي، كما هو حال الدراسات الحديثة التي ناقشت ووضّحت الإثنية في الكتاب (Lemche & Tronier 1998). وتكمن المشكلة في علم الآثار الكتابي، وداخل إسرائيل، كأمة، في أن ربط بنى إثنية الماضي والحاضر وتقديمها  كأبنية متطابقة. وهذا ما يمثل عملاً سياسياً وقوموياً بحد ذاته، ولا علاقة له بعلم الآثار أو اللاهوت.

الهوية والإثنية

تعتبر “مقدمة” كتاب فردريك بارت” المجموعات الإثنية والحدود” الصادر في العام 1969 بمثابة دراسة كلاسيكية عن الإثنية حيث قدم إطاراً نظرياُ مسهباً للإثنية كأداة تحليلية لفهم التفاعل الاجتماعي بين الناس. وعلى الرغم من أن الفئات الإثنية تأخذ في حسبانها الاختلافات الثقافية، فهي ليست محصلة الاختلافات “الموضوعية”، إذا ما استثنينا الاختلافات التي تنظر إليها الجهات الفاعلة بأهمية وبدلالة مميزة (Barth 1969: 14). يجادل بارت ضد المبدأ الثابت الذي يرى بأن الهوية الإثنية “تنطوي على سلسلة من القيود المفروضة على نوع الأدوار المسوح للفرد لعبها،

وعلى نوع الشركاء، الذين يختارهم لأنواع مختلفة من التعاملات.. وبسبب ذلك تقع الهوية الإثنية في مكانة سامية متفوقة على أغلب الصفات الأخرى أو الشخوص” (Barth 1969: 17). ويستلزم التصنيف الإثني صوراً نمطية من قبيل نحن و هم، ويمكن أن تفرض هذه الصور من الخارج على يد جماعة مهيمنة على من يرفض عضوية الجماعة التي ينتسبون لها(Eriksen 1993:33).

تنغرس التعريفات الخارجية، عميقاً، في إطار العلاقات الاجتماعية بين الجماعات الإثنية، وبالتالي قد يكون لدى الجماعات الخارجية إمكانيات تعريف الآخرين كجماعات إما بعلاقات القوة أو علاقات السلطة (Jenkins 1994: 199). وتنتج الفئات الخارجية على يد أفراد يمتلكون شرعية بفضل مكانتهم العليا. وبالتالي تلعب علاقات القوة والسلطة، أي الهيمنة، دوراً جوهرياً في ممارسات تعيين الهويات الإثنية (Jenkins 1998: 53). ورغم أن أعضاء الجماعة الإثنية الواحدة يدركون امتلاك الأعضاء المجاورين لهم تقاليد وقيم مختلفة، ويؤكدون على سمات إثنية أخرى كمعيار تصنيفي، لكنهم يعترفون ببعضهم البعض كأعضاء متساوين لذات الجماعة الإثنية، ويمكن تصور العلاقة بأنها غير إشكالية. فالمشكلة إذن ماذا يمكن أن تعكسه هذه الاختلافات؟ وإذا ما دمجنا الظروف الاجتماعية والتاريخية التي تطورت فيها التكوينات الإثنية (Eriksen 1991: 128-129)، فيمكننا النظر إلى التناقضات، والازدواجية في المادة الأثرية باعتبارها نتاجاً للعمليات التاريخية المختلفة، وليس نتاجاً لحدود إثنية مختلفة. ويستلزم مصطلح “الإثنية” مفهوم “الثقافة”، غير أنه ستواجهنا صعوبات جمّة لتحديد معنى الثقافة، بادىء ذي بدء، تعد  كلمة” ثقافة” من بين  كلمتين أو ثلاث كلمات الأكثر تعقيداً في اللغة الإنجليزية ويعود ذلك جزئياً بسبب تطورها التاريخي المعقد، وأيضاً، وبصورة أساسية، لاشتمال مفهوم كلمة “ثقافة” على أهمية معينة  في حقول المعرفة الفكرية،  والمنظومات المعارضة للأفكار(Williams 1980: 76-77).

يرى توماس هايلاند أريكسون في دراسته “الإرهاب الثقافي”، زيف فكرة “الثقافة النقية”، والأسوء من ذلك، أن تداعيات مثل هذه الأفكار أدت إلى بعض أسوء الكوارث في التاريخ الحديث للبشرية. “الثقافة” ليست “شيئاً” يتكون من صفات وخصائص مفترضة واضحة ومميزة تجمدت في وقت ما إلى الأبد. وبرغم ذلك، تتطلب  ثقافة شعب أو جماعة جملة أفكار تدور حول سبيل متشابه عن العيش والوجود، وتبرز هنا مشكلتين أساسيتين حول مفهوم الثقافة:

1) تتضمن  كل جماعة تقريباًن تنويعات هائلة لأنماط العيش والوجود.

2) يكاد يكون من الاستحالة بمكان -على الأغلب- تمييز أو رسم الحدود الفاصلة بين الثقافات.

والإثنية -رغم كونها ذات طبيعة ظرفية وعلائقية- أحد السبل لتمييز الثقافات -ليس بالضرورة السبيل الوحيد- فإذا كانت الثقافة قابلة للتبدل والتحول بسهولة، فمن الصعوبة بمكان  الإحاطة بالمحتوى الثقافي للاختلافات الإثنية، مما يعني إن الإثنية تظهر في حالات معينة وسوف يعتمد هذا التصنيف الاجتماعي دائماً على الاختلافات العلائقية، وليس على صفات مطلقة متوارثة من الماضي (Eriksen 1999).

ما نتداوله اليوم من دلالات معاصرة عن الإثنية ووظيفتها لا علاقة له بأي ماضي “حقيقي”. وهذا ما يقودني إلى مشكلة تتعلق باستمرارية الإثنية. فالإثنية هي بناء معاصر، والتاريخ “الحقيقي” أو الماضي “الحقيقي” تابع ودوني بالنسبة للبناء الإثني، لعدم استناد الهوية المعاصرة والإثنية على أوجه تشابه فعلية بين الماضي والحاضر. وكان إيان هودر قد ألمح -على صعيد علم الآثار- إلى التعددية الصريحة لصفات الثقافة المادية في دراسته في بارينغو، فالبقايا المادية تشكل جزء من الهوية، كما تستخدم للتعبير عنها، غير أن التنميط الثقافي، لا يظهر أنماط تداخل التخوم الثقافية المتميزة التي تعمل كبؤرة تفاعل وليست كبؤرة حواجز (Hodder 1982a: 35) ولذلك تعد الإثنية موضوع استقصاء شائع ضمن علم الآثار ما بعد الإجرائي post-processual archaeology ، وتتفرع المضامين الثقافية، حسب فريدريك بارت، إلى نظامين: أولاً، إشارات علنية ظاهرة تشكل ملامح قابلة للتمييز يبحث عنها الناس ويستعرضوها لإظهار هويتهم، وثانياً، توجهات ذات قيم أساسية، بمعنى معايير الأخلاق والتفوق التي يحكم عليها الأداء (Barth 1969: 14). وقد تمتلك الإثنية تعبيراً مادياً أو لا تمتلك، وغالباً ما يكون الافتراض، ضمنياً، بأن المعالم الإثنية في الثقافة تنطوي على أوجه تشابه في اللقى الخاصة والفعلية لكل منها. وتتمثل المشكلة في موقف من يقوم بتأويل أي تشابهات أو اختلافات تتمثل في تلك البقايا. وتظهر الإثنية عندما تقوم الاختلافات الثقافية بإحداث فروقات اجتماعية، ولكن أي تصور للإثنية سيكون الأكثر فائدة في المقارنة؟(Eriksen 1996b).

تناقش مارغريتا دياز أندرو الإمكانيات المتاحة للآثاريين لدراسة الهوية الإثنية بمعزل عن الأنماط الأخرى للهوية كالجنوسة gender والدين والمكانة الاجتماعية وغيرها، وترى بأن الآثاريين غير مهيئين بصورة جيدة لتمييز الهوية الأنسب في تفسير توزيع معين للقى الآثارية. ولديهم ميل لتحديد تلك السمات أو الأنماط التشخيصية المتناسبة بما يتلاءم مع أغراضهم وفرضياتهم Diaz-Andreu 1998: 203)). والسؤال الأساس هو ما إذا كانت الثقافة المادية عاملاً مناسباً في تحديد وتعريف الانتماء الإثني أم لا. وعلاوة على ذلك، تشدد دياز على أن الهوية الإثنية متغايرة أكثر منها متجانسة، وفي هذا الصدد يجب، في نهاية المطاف، أن تتخلص دراسة الإثنية من الشَرَك القومي نظراً لأنها أغنى من المنظور القومي، فالانتماءات الإثنية المتعددة تتراكب وتتعايش مع الموضوعات ذاتها، ولذلك يمكن أن يصنف الشخص نفسه وفقاً للمعايير ذات الصلة في ذلك الوقت، وإذن فالهوية الإثنية هي هوية متعددة الأبعاد، فعّالة وقابلة للتحقيق، ومتمازجة بطريقة معقدة مع أنماط أخرى من الهوية.(Diaz-Andreu 1998: 204-206).

وتكاد الإثنية أن تكون تصوراً، وبالتالي ليس هناك علاقة مباشرة بين الهوية الإثنية والثقافة المادية. وتسمح الثقافة المادية لنا، إن وجدت، وبصورة عامة في حالات استثنائية، بإنشاء أقاليم إثنية بسبب من أن النمط الناتج عن دورها في النقاشات اليومية الدائرة حول الهويات المختلفة غالبا ما كان عصياً على التأويل بالنسبة للآثاريين. فالنقطة الأساسية هنا تتمثل في عدم الانغماس في علاقة فردية مع الثقافة المادية، والأمر ذاته يقال عن الهويات الأخرى، غير أنه لا يمكننا تجاهل أو إنكار دور الثقافة المادية بصورة عامة في الجدل اليومي وفي صياغة وتشكيل مثل هذه الهويات. وتستخدم كل جماعة دلالات علنية واضحة في صنع الإثنية، بيد أن هذه الدلالات متغيرة وظرفية وغير مستقرة، بسبب الدور الذي تلعبه في الجدل اليومي، وبهذه الطريقة تقدم الثقافة المادية ملامح عن إنتاج الهوية وصيروراتها، وهنا يكمن جوهر النقاش عن الهوية في الماضي، وبالتالي سيبقى الجدل عن الهوية في الماضي من المواضيع الصعبة (Diaz- Andreu 1998: 212-213)..

لا يعير الآثاريون، في أغلب الأحيان، بالاً لمشكلة بارزة وعلى درجة من الأهمية، وهي أن وسائط التمايز والتشعب الإثني ليست بالضرورة هي الغاية والرسالة. ويلمح  إريكسن بأن معيار التمييز، بين السياقات، يكمن في المغزى الثقافي المتنوع للإثنية (Eriksen 1991). فقد تتغير الدلالات الإثنية نتيجة للتغيرات في السياق، وهذا بدوره يشير إلى أن الدلالات الإثنية هي بحد ذاتها دلالات تعسفية ومن طبيعة اعتباطية، وبكلام آخر، قد تشير المادة الأثرية إلى الإثنية في سياق ما، وهذا لا يعني قطعاً السياقات الأخرى، ولا يعني أن الإثنية ترتبط بالعناصر بحد ذاتها، بل في السياق الذي تتجسد وتظهر فيه المادة المنتجة (العناصر) وذلك بسبب التغير في معنى السياقات، ومن الواضح مثلاً أن العَلَم النرويجي الذي يمكن مشاهدته في أنحاء النرويج، كافة، في اليوم الوطني [الذي يصادف السابع عشر من أيار/مايو من كل عام]، يحمل دلالة إثنية، ومع ذلك فوجود علم نرويجي على نافذة عربة قطار ألماني ربما يشير إلى أن بعض السياح قد أمضوا أوقاتاً طيبة في النرويج خلال عطلتهم. وهنا أيضاً يكون وجود علم نرويجي على نافذة القطار المصنوع في ألمانيا، و يملكه نرويجيون دال إثني. وإذن ليس العلم بحد ذاته هو الذي يحدد فيما إذا كان دالاً إثنياً أم لا، بل ما يحدد دلالته في الواقع، السياق الذي يظهر فيه، ولكن -للأسف- توفر لنا الحالة الأخيرة -وفقاً للمنهج الذي يقوم به الآثاريين بدراسة الماضي- إمكانيات جد محدودة كي نقرر في ما إذا كان مالكوا العربة هم ألمان أم من النرويج، ولن يكون بمقدورنا تحليل هذا السياق ما لم نتمكن من البت في مسألة من يملك العربة، وهنا تكمن المعضلة الرئيسة في علم الآثار: حيث تكون معظم سياقات ما قبل التاريخ غير ملائمة لتحليل الإثنية. وبالتالي، ينبغي فهم الإثنية في سياق المجتمع على أنها جزء من (وضمن) العلاقة مع الهويات الإجتماعية الأخرى، ويمكن لعلاقة الزواج الهندوسي، أن تقدم مثالاً واضحاً  هنا، حيث يمثل الزواج بداية مرحلة إنتاجية ومسؤولية أسرية اجتماعية (Bennett 1983: 71). ويمثل الزواج طقساً عائلياً مميزاً ومناسبة رئيسة يجتمع فيها أكبر عدد ممكن من أعضاء الطائفة caste (الطبقة الاجتماعية) وأشخاص آخرين مع بعضهم البعض (Dumont 1970: 110). وتنتقل علاقات النسب والمصاهرة بين العائلتين عبر طقس الزواج، علاوة على طرق إنتاج العيش (إنتاج الحياة) وهذا يعني الوصول إلى الأرض “كمصدر عيش”، وبالتالي الدخول في علاقات الإنتاج والاستهلاك، وبهذا المعنى، يعد الزواج حدثاً هاماً في القرية يؤسس لعلاقات جديدة. فالزواج “يواكب” حضور المرأة للحياة الزوجية (أي إلى أسرة الرجل) “وتبدو الحياة الزوجية كجوهر أبوي [بطريركي] للرجال المرتبطين بنساء عن طريق الزواج الذي يمكنهم من إشباع شغفهم معنوياً وتحقيق واجبهم الأخلاقي من خلال خصوبة وإنتاجية زوجاتهم”. (Gary 1995: 50)، وعادة ما يحدث الزواج داخل الطبقة الاجتماعية (الطائفة caste) والجماعة الإثنية على حد سواء، ومع ذلك يمكن أن تحدث زيجات بين الجماعات الإثنية ضمن الطبقة الاجتماعية Varna، أو بين جماعات إثنية من طبقات اجتماعية caste مختلفة. وينطوي الزواج على التحولات الأكثر أهمية وانفعالية في حياة الناس، أي ذروة واجبات الآباء ومسؤوليتاهم اتجاه بناتهم بنقل العروس من مكان وعائلة إلى مكان آخر وعائلة أخرى، وخلق علاقات نسب جديدة بين سلالتين (Sax 1991: 71).. وإذا ما حدث الزواج ضمن جماعتين إثنيتين مختلفتين، فربما يغير  هذا الأمر من الوضعية الإثنية لأي من الزوجين. وتبعاً للأفكار المتعلقة بالنقاء، فإن شخصاً من طائفة عالية يغير طائفته إلى الوضعية الأدنى للطرف الآخر، وبذلك يصبح غير نقي بالنسبة لطبقته أو طبقتها الأصلية، هذا ما يحدث في العادة، بيد أن ثمة هناك حالات نادرة لا يحدث فيها هذا الأمر، بل يحدث العكس، و بالتالي، تكون الجنوسة gender في هذه الحالات النادرة (حفلات الزفاف مثلاً) هي التي  تحدد الإثنية بصرف النظر عن الثقافة المادية. وفي هذا المعنى سوف يختلف السياق في تعيين إقليم نطلق عليه نحن اسم “فلسطين”، “كنعان”، أو “شرق الأردن”. وحيث أن موضوع هذه الدراسة يتعلق بما يسمى الأرض المقدسة والشعب المختار، فمن الأجدى [لنا] ملاحظة أن ميلاد  شخص ما ودينه هما اللذان يحددان، اليوم، الهوية الإثنية في الديانة اليهودية. وبالتالي، إذا كان من المفترض تتبع الإثنية بالعودة إلى الماضي، فمن الضروري بمكان تعريف ما يميز تلك الإثنية، وليس الاكتفاء بالقول أن بعض العناصر المادية ترتبط بالسلوك البشري. في النتيجة، يكون تعريف دياز للإثنية استناداً إلى سيان جونز كالتالي: تعد الإثنية مظهراً من مظاهر التصور الذاتي للفرد ينتج من خلال التطابق مع واحدة أو أكثر من الجماعات الأوسع، في مواجهة جماعات أخرى على أساس التمايز الثقافي الواعي و/ أو الأصل المشترك (Diaz-Andreu 1998:205). ويجادل ريتشارد جينكينز، بأن الإثنية هي سلسلة افتراضات مترابطة بصورة واهية أو فضفاضة (Jenkins 1998: 165)

-تتمحور الإثنية حول التمايز الثقافي (آخذين بعين الاعتبار أن الهوية دائماً ما تنطوي على جدلية التشابه والاختلاف).

-الإثنية معنية في الثقافة -تشاركها في المعنى- ولكنها متجذرة أيضاً في التفاعل الاجتماعي، وهي حصيلة هذا التفاعل.

-لا تعد الإثنية أكثر ثباتاً من الثقافة التي هي من مكوناتها أو حالات تنتج عنها.

-تبرز  الإثنية فردياً وجمعياً، تتخارج في التفاعل الاجتماعي وتتداخل في التعريف الذاتي للفرد.

ولكن كيف يمكن ربط الإثنية مع الدولة والأمة والثقافة المادية والماضي؟ إذا ما نظرنا إليها باعتبارها عملية تفاعل اجتماعي؟

القومية و الدولة القومية :

ما العلاقة بين الإثنية والقومية؟

ظهرت الإثنية، في حالات عديدة، مع ظهور الرأسمالية في أجزاء عديدة من العالم، إذا ما كنا نشير من خلال هذا المصطلح إلى التنظيم الاجتماعي للاختلافات الثقافية الصريحة (Eriksen 1993: 80)، ويجادل إدوارد سعيد بأن الاستشراق كظاهرة هو أعلى مراحل الرأسمالية (Orientalism (1979))، وفي هذا المعنى فإن علم الآثار ليس سوى شكل آخر من أشكال النهب الفيكتوري للأراضي المستعمَرة (Kuklick 1993: 211).. وما نراه اليوم من إثنية، هي، في بعض حالاتها، ظاهرة حديثة. ويجادل توماس هايلاند إريكسون إزاء الفكرة القائلة بأن الهويات مستمرة عبر الزمن فيقول “ربما تبدو هذه الهويات كأنها مستمرة، ودورنا النقدي التحليلي يتمثل في بيان أنها ليست كذلك، والفكرة التي ترى أن البشر عليهم أن يكونوا معنيين بالماضي، ليست سوى فكرة إيديولوجية تعبر عن مرحلة طفولة عصر القومية” (Eriksen 1993: 96): فالبشر ليس كالشجر يمتلكون جذوراً، وأي ادعاء يزعم أنهم بحاجة إلى جذور كهذه، هو محض ادعاء إيديولوجي، وسوف أشدد [هنا] على التأكيد بأن مفاهيم مثل الهوية والإثنية والقومية وشرعية احتلال الأرض هي مفاهيم مختلفة أو إيديولوجيات لا ترتبط بالضرورة ترتبط ببعضها البعض, لكن غالباً ما يتم دمجها واستعراضها بطريقة تبدو غير قابلة للفصل، وإذا كان لابد من مناقشة مفهوم القومية، فنحن بحاجة إلى تمييز الأمم عن الفئات الإثنية بسبب علاقتهم بالدولة الحديثة (Eriksen 1993:99)، وإذن: تشدد القومية على التضامن بين الفقراء والأغنياء، وبين المعدمين والرأسماليين. ووفقاً للإيديولوجية القومية، يكون المبدأ الوحيد المعني بالاستبعاد والاحتواء السياسيين يتبع حدود الأمة -بمعنى حصر فئة محددة من البشر من خلال تعريفهم كأعضاء ينتمون للثقافة ذاتها (…)، ولعل الإيديولوجيات القومية تميل لأن تكون معنية أكثر بحدود واضحة لا لبس فيها أكثر من الإيديولوجيات الإثنية الأخرى. ويعود ذلك إلى أن الأمم عبارة عن وحدات إقليمية وسياسية تحتاج بطريقة ملازمة لتقسيم الآخرين إلى داخليين وخارجيين على أساس المواطنة (Eriksen 1993: 102,116). وبالتالي، لا تتطابق الإثنية مع القومية، وعلى الرغم من أن غالبية الأفكار القومية تعد إثنية في خصائصها، فسوف تبقى المجتمعات المتعددة أو متعددة الإثنيات مجتمعات قومية إذا ما شددت الإيديولوجيات المتعددة الإثنية أو فوق الإثنية على المشاركة في الحقوق المدنية أكثر من تشديدها على الجذور الثقافية المشتركة. فالإيديولوجيا القومية هي إيديولوجيا إثنية تطالب بدولة بالنيابة عن الجماعة الإثنية. والصراع بين الإثنية والقومية غالباً ما يكون صراع جماعة إثنية مهيمنة وجماعة إثنية مهيمن عليها ضمن الإطار العام للدولة القومية الحديثة (Eriksen 1993: 118-119). ويرى إريكسن في  كتابه “الماضي المتنازع عليه” (1996a) بأن الأساطير جزء أساسي في خلق النزعة القومية والإثنية والدولة القومية. واستخدام الأساطير أمر ضروري ولا مناص منه عندما يتم خلق الهويات الثقافية والفردية، ولكن المشكلة هي: من يسيطر على الماضي، وبالتالي، من هو القادر على إنتاج مثل هذه الأساطير؟ وكيف وعلى يد من تتشرعن هذه الأساطير في المجتمع؟ إن مخاطر خاصة يواجهها المجتمع سوف تكون بمثابة “أساطير المعاناة” لأن مثل هذه الأساطير قد تشجع على الانتقام لأن “شعبنا عانى كثيراً على مر العصور”. وعندما تقوم الأسطورة بتفسير الأصل المشترك، تصبح الإثنية في هذا السياق علاقة قربى زائفة . ولا يمكن القول بأن الإثنية والماضي هما كيان واحد، بل هما في الحقيقة كيانين منفصلين. وقد بين دافيد لوفينتال ذلك بطريقة مميزة، واقتبس من إل. بي. هارتلي بأن “الماضي هو موطن أجنبي [غريب] -فهم يقومون هناك بفعل الأشياء بطريقة مختلفة “(Lowenthal 1985: xvi). “هم ليسوا (نحن)”. “الماضي موطن أجنبي تتشكل ملامحه برغبات الحاضر، كما تتشكل غربته المدجنة من خلال حفظنا وصوننا لبقاياه”(Lowenthal 1985: xvii)). ولذلك، يكون الماضي كما نعرفه، نتاجاً جزئياً للحاضر، لأننا نعيد باستمرار تشكيل الذاكرة، ونعيد كتابة التاريخ، ونعيد صياغة البقايا والآثار. والماضي كما كان ليس مهما بالنسبة للإثنية، بل المهم كيف يتم استخدامه في المجتمعات المعاصرة، وهذا ما سوف يحدد دوره في صنع الإثنية، وتالياً القومية.

يناقش بنديكت أندرسون في المجتمعات المتخيلة (1993) كيف تخضع الأمة لتأثير الأساطير وأفكار الإثنية، ويفرّق، من الناحية التحليلية، بين القومية والإثنية، الأمر الذي سيكون مفيداً في توضيح النقاش التالي بخصوص علم الآثار الكتابي: في حقيقة الأمر، تؤمن القومية من الناحية التاريخية في معايير المصائر، في حين تحلم الإثنية بالتلوثات الأبدية المنتقلة منذ الزمن الأصلي عبر سلسلة لا متناهية من السفاد الكريه: فخارج التاريخ، سوف يبقى الزنوج -بفضل فرشاة القار غير المرئية- زنوجاً إلى الأبد، واليهود، نسل إبراهيم، سيبقون أيضاً يهوداً، ولا يهم أي جواز سفر يحملون أو بأي لغة يقرؤون ويتحدثون (Anderson 1993: 149). وعلاوة على ذلك، تتجلى العنصرية ومعاداة السامية ضمن، وليس عرضاً، الحدود القومية. وبالتالي فهما لا يبرران كثيراً الحروب الخارجية بل القمع والهيمنة الداخلية المحلية (Anderson 1993: 150).. وسوف ألخص-من وجه نظر آثارية- بعض النقاط الأساسية لمزيد من النقاش :

1) الإثنية  بناء اجتماعي قائم على الهوية الجمعية، وهي -أي الإثنية- بوصفها هوية لا تمتلك بالضرورة تعبيراً مادياً.

2) لا تعد الإثنية هي نفسها القومية أو إيديولوجية الدولة القومية، حتى لو بنيت الأمم على بعض خصائص ومميزات وأفكار الإثنية.

3) تستند مفاهيمنا وتصوراتنا عن الإثنية التي تنتمي للماضي على المعرفة المعاصرة لهذه الظاهرة المتأثرة بصورة واضحة بمفاهيم القومية والدولة القومية والرأسمالية. لذلك، لا تعد تصوراتنا ومفاهيمنا كافية بالضرورة إذا ما رغبنا بتأويل إثنية الماضي.

4) تكون معالم التصنيف الإثني في حالة تغير دائم وتخضع هذه المعالم لحالات الجذب والنبذ (للجدل). ولذلك، هناك ثمة تفاعل، فضلاً عن تعارض ونقاش، بين الهويات المختلفة. ومن الصعب، هنا، الفصل والتركيز على هوية واحدة فقط، لاسيما في المادة الآثارية، فالهوية الإثنية ينبغي لها أن تخضع للنقاش في سياق علاقتها مع الإثنيات الأخرى التي وجدت في الماضي.

5) يعد تتبع أثر الهوية الإثنية المعاصرة عملاً سياسياً وإيديولوجياً من خلال العودة بالزمن، وربط هذه الهوية بماضٍ “حقيقي” مفترض ووهمي وزائف وأسطوري، لأن الإثنية التي تعود للماضي لا علاقة لها بالشرعية الإقليمية للدولة القومية اليوم بسبب من أن الإثنية لا تمتلك “جذوراً ثقافيةً” متوارثة.

6) حتى لو وجدت الإثنية بشكل أو بآخر في الماضي، فهي في هذه الحالة تخضع لمهام الباحث الآثاري الذي يتوجب عليه توضيح  ومناقشة معايير التصنيف الإثني، وكيف تجلت مثل هذه العلامات والروائز في الثقافة المادية.

7) من الواجب جوهرياً التمييز بين “السمة” الإثنية و”المحتوى” الإثني. بمعنى كيف يمكن تتبع استمرارية “المضمون” الإثني عندما يتعرض هذا المضمون للتغيير؟ لماذا ينبغي أن يكون لميزات الإثنية التي تعود للماضي أو “السمة” الفارغة أهمية اجتماعية في الحاضر.

8) تظهر الإثنية التي تنتمي للماضي مزيداً من التشابه مع الأساطير أكثر من تشابهها مع علاقات النسب. فالهويات المعاصرة الجمعية المختلقة هي هويات حقيقية، على الرغم من استخدام علاقات نسب تخيلية أو أصل سلالي مشترك لمنح الهوية الإثنية أصالتها.

9) الهويات الإثنية، هويات مختلقة كعمليات متواصلة في المجتمعات المعاصرة. حيث يكون الماضي فقط أداة  لطرف آخر. بمعنى، ليس الماضي هو الهدف، بل المستقبل، فالإثنية صنعت الآن وهنا.

10) أخيراً، يتعين علينا  الإجابة على العديد من التساؤلات التي تبرز في المناطق متعددة الإثنيات اليوم: لماذا يجب على الأجندة الآثارية أن تركز على دراسات الإثنية؟ ما هي الغايات السياسية من وراء ذلك؟ وكيف تستخدم المعرفة الآثارية الناتجة أو كيف يساء استخدامها في المجتمعات المعاصرة لإضفاء الشرعية على القومية أو الدولة القومية.

غوستاف كوسينا وعلم الآثار النازي

لكي يتسنى لنا فهم استغلال علم الآثار وسوء الاستخدام السياسي له، من الضروري أن نتحرى، بعجالة، تاريخ الفكر الآثاري. فالمنهج التاريخي\ الثقافي، الذي اكتسب دعماً في بداية القرن العشرين، مهد السبيل للاستخدام القومي لعلم الآثار(Trigger 1989: 174). ويعد غوستاف كوسينا، المختص في عصور ما قبل التاريخ، مثالاً  كلاسيكياً على التلاعب السياسي في الماضي في ألمانيا النازية بسبب سوء الاستخدام السياسي لعلم الآثار واستغلاله، ويرتبط عمل كوسينا، حتماً، بالتأويلات الإثنية والقومية والفاشية لخدمة وتعزيز سلطة الرايخ الثالث. وكان كوسينا قد زعم في العام 1911، بأن حقل دراسة عصور ما قبل التاريخ في ألمانيا يعد “ميدان بحث قومي بارز”. وباتت رؤية كوسينا أكثر راديكالية خلال فترة الصعود القومي الشوفيني القوي قبيل وأثناء وبعد الحرب العالمية الأولى. ألقى كوسينا في العام 1917 محاضرة بعنوان “درس في زمن الحرب” ركز فيها على الإنجاز الثقافي للجرمان القدماء” وتحدث عن “تفوقنا العرقي والثقافي على الشعوب الأخرى” (Wiwjorra 1996: 74-175).. وتصف بيتينا أرنولد كيف تم استخدمت البروباغاندا النازية الماضي، باعتباره سلاحاً أيديولوجيّاً فعالاً لبناء الأمة. وكانت حقبة العصور ما قبل التاريخية ذات أهمية قصوى من أجل إعادة  الاعتبار واحترام الذات بعد هزيمة 1918 المذلة (Arnold 1990: 465). وعلى مدى ثلاثين عاماً، نمت وترعرعت وبمساهمة علمية \ شعبية تلك النقاشات والأفكار حول الدور القيادي للألمان وإسهاماتهم منذ أزمنة ما قبل التاريخ، وكان الهدف من هذه السجالات هو العثور على “مصر في ألمانيا” (Wiwjorra 1996). وكان بمقدور تشارلز ستابس، أسقف أكسفورد، وأستاذ التاريخ الحديث في جامعتها في ثمانينيات القرن التاسع عشر أن يقول “ألمانيا القديمة هي ما ينبغي لنا أن نبحث فيها عن الآثار المبكرة لأجدادنا، لأن الجزء الأفضل  لمعظمنا هو الجزء الجرماني من حيث الأصل والمنشأ.. والدم الذي يجري في عروقنا مصدره الجرمان أسلافنا” (cited in Dennell 1996: 27). وقام كوسينا، بالمثل، في العام 1909 بتأسيس الجمعية الألمانية لعصور ما قبل التاريخ، ولكن اسم الجمعية تغير ليصبح جمعية ما قبل التاريخ الألماني، وهذا التغيير أكثر من مجرد تغيير دلالي: فاسم الجمعية هو بطاقة تعريف لعملها. ولكي نفهم بشكل صحيح ما تعنيه جمعية ما قبل التاريخ الألماني ينبغي علينا أن نتذكر ماذا  كانت تسمى في الأصل.. [فهي تعني] ما قبل تاريخ الجرمان، بغض النظر عن الحدود السياسية والإثنية في الوقت الحاضر، وصولاً إلى جذورهم وتتبع هذه الجذور، أينما نشأ أسلاف الجرمان في العصور السحيقة، وعند الاقتضاء في كل أوروبا (Alfred Götze 1933: 68, cited in Arnold 1990: 466). ويبرز هنا السؤال التالي:  كيف يمكن استغلال  علم الآثار لمثل هذا الغرض؟. وما هو علم الآثار التاريخي\ الثقافي؟

قام كوسينا في العام 1911 بتعريف مفهوم الثقافة الآثارية وتطبيق هذا التعريف بصورة منهجية بالتزامن مع مفهوم المنهج “الإثنوتاريخي المباشر” في كتابه (أصول الجرمان Die Herkunft der Germanen ).وكانت بديهيته تقوم على أن ـي مناطق أركيولوجيّة ثقافية موصوفة أو قابلة للوصف، إنما هي مناطق تمثل شعوباً وقبائلاً عاشت في جميع الفترات المحددة بدقة، ويكون تعريف الثقافات وفقاً للصفات المادية المرتبطة بالمواقع في منطقة معينة وزمن معين، ويفترض هنا أيضاً بأن الاستمرارية الحضارية تعكس استمرارية إثنية (Jones 1997: 16)، وهكذا يستطيع علماء الآثار الزعم -ضمن هذه المقاربة التاريخية\ الثقافية- بقدرتهم على تعريف الجماعات الإثنية الرئيسة على أساس المناطق الثقافية، في حين تتماثل ثقافات الأفراد مع القبائل (Trigger 1989: 165).

وكان كوسينا قد طوّر تصورا إثنيا دعي “علم الآثار الاستيطاني” settlement archaeology مستنداً على فرضية ترى بإمكانية استخدام أنماط البقايا الآثارية في تعريف الثقافات، وبالتالي سوف تعكس تلك الأنماط مناطق ثقافية قابلة للتمييز، بوضوح، باعتبارها مناطق توطن القبائل أو الجماعات الإثنية في الماضي. وقد يكون الجانب الأكثر أهمية في منهج علم الآثار الاستيطاني -في صلته بالنبرة القومية، هو المنحى الذي له علاقة باستخدام تقنية الأنساب المباشرة لتتبع حضور شعوباً معروفة تاريخياً من خلال العودة إلى الأصل ما قبل التاريخي المفترض لهم. وكانت تقنية الأنساب هذه متكأً أساسياً لكوسينا أثناء محاولته توصيف أصول النورديين والآريين والجرمان، العرق الأسمى، ونسبهم إلى الإندوأوروبيين (أو الإندوجرمان). فنُسب ماضٍ سحيق، في هذا السياق، إلى “العرق” الآري، إلى جانب نسب دور حاسم وخلّاق لهم في مسار التاريخ من خلال اتساعه المستمر ضمن مساحات جديدة (Jones 1997: 2). لقد كان كوسينا واضحاً تماماً من الناحية الآثارية، وصريحاً بشأن مقاربته القومية والعرقية. وتحولت أعماله، بعد وفاته، في العام 1931، إلى عقيدة تدعم أسطورة العرق الآري المتفوق. وبالتالي، كان لعلم الآثار مكانة هامة في إيديولوجيّة الرايخ الثالث وتلقى دعماً مميزاً وهاماً من النازيين .

كان لأعمال كوسينا أهمية خاصة في إرساء الأسس المنهجية الآثارية في ألمانيا. وقد أثرت هذه الرؤية التاريخية\ الثقافية أيضاً في الأبحاث الآثارية الأوروبية والبريطانية، وعندما نقوّم هذه المقاربة التاريخية-الثقافية لعلم الآثار فما ينبغي فعله هو نقدها تبعا لخلفيتها الخاصة. ومن المقبول عموماً القول، بأن كوسينا بنى تصوراته عن الثقافة استناداً على أفكار كانت مقبولة بصورة عامة من قبل معاصريه، ضمن نموذجهم التاريخي الثقافي (Olsen 1997: 39). وعلاوة على ذلك، ساهمت تلك النظرة للثقافة في تطور علم الآثار -بوصفه علم- في وقت ظهور هذه الأفكار. وشدد كوسينا على الحاجة الملحة للتعرف بأكبر قدر ممكن على الكيفية التي عاشت فيها الجماعات البشرية (أو الجرمانية على الأقل) في عصور ما قبل التاريخ. بل، أكثر من ذلك، تميز كوسينا باستبداله النهائي للمنهج التطوري لعصور ما قبل التاريخ بالمنهج التاريخي. ولذلك كان لعمله أهمية كبرى في تطوير علم الآثار. (Trigger 1989: 166-167). وهكذا بالعودة إلى ما قبل الحرب العالمية الثانية، سنجد كيف صرف الآثاريون الأوروبيون نظرهم بعيدا عن هذه الرؤية، فرغم إسهامها في البداية في تطور علم الآثار إلا أن الباحثين تنبهوا، بعد عدة عقود للعاقب الناتجة عنها مثل الرؤية العنصرية المضمرة والصريحة للثقافة التي تنطوي عليها المقاربة التاريخية\ الثقافية للثقافات الآثارية. إذن هذه هي النقطة الرئيسية، ولكن متى ابتعد الآثاريون عن هذا التوجه المتبع في علم الآثار؟

كان غوردون ف. تشايلد. أحد أكثر الشخصيات نفوذاً وأهمية  في تاريخ علم الآثار. وسلطت بعض من أعماله المبكرة الضوء على أفكار غوستاف كوسينا التي كانت شائعة بين الآثاريين في عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين. وأوضح تشايلد في كتابه (الآريون -دراسة في أصول الهندو أوروبيين 1926) قائلاً: [….] يشكل الشقر رابطة عرقية وحلقة وصل لذلك النوع المشاهد بين أوروبا وآسيا وشمال أوروبا ومنطقة البحر المتوسط. فإذا ما قبلنا هذا الرابط العرقي كتطابق لساني ( لغوي)، فإن نظرية المهد الآري في أوروبا تلقى ما يؤيدها (….) وهكذا فالمذهب الجرماني هو التوليف الأكثر شمولاً وثباتاً الذي يمكن عرضه على الإطلاق عند الحديث عن الشعوب الهندوأوروبية.. وفي الواقع إذا استطاع هذا المذهب أن يثبت صلاحيته في مجال علم الآثار والإثنولوجيا فسوف يحتل، على الأرجح، مرتبة تؤهله ليكون حلاً صحيحاً للمسألة الآرية (Childe 1926: 160,179).

نادرا ما تم تعريف مفهوم “الثقافة” والذي كان المفهوم النموذجي لعلم الآثار في ذلك الوقت. وعرف تشايلد هذا المفهوم في كتابه (الدانوب في عصور ما قبل التاريخ -1929) مما يعني أن أفكار كوسينا كانت شائعة “نجد أن أنماطا معينة من اللقى-الأواني والأدوات والحلي وطقوس الدفن، وأشكال المنازل -تتكرر باستمرار جنباً إلى جنب. مثل هذا المركب من الخصال المشتركة، ينبغي علينا أن نطلق عليها مصطلح (جماعة ثقافية) أو مجرد (الثقافة). نحن نفترض بأن مثل هذا المركب هو تعبير مادي عما يمكن أن ندعوه اليوم “الشعب” (كنعت من “الناس” المقابل للكلمة الألمانية ‘völkisch’. ويمكن أن نستخدم مصطلح “الإثنية”). وعندما يكون المجموع موضوع السؤال مرتبط بانتظام وبشكل حصري مع بقايا عظام لأنماط جسدية خاصة( محددة )، عندها فقط، سوف يجازف المرء باستبدال كلمة “شعب” بتعبير “عرق” (Childe 1929: v-vi). ولكن هذه المقاربة لم تستطع البرهان على ما يثبت صحتها، وبعد أربع سنوات فقط سوف يرفض تشايلد مثل هذه الرؤية ويقف منها موقف المتشكك، لاسيما عندما يتعلق الأمر بتأويل كوسينا الإندوجرماني وزعمه العنصري، وكان تشايلد قد كتب مقالاً في العام 1933 يتساءل فيه عن الجدوى العملية من أبحاث عصور ما قبل التاريخ، وأخذ على عاتقه المسؤولية المعنوية والأخلاقية في إنتاج المعرفة، موضحاً في ذلك الوقت ما سوف يصبح رائجاً ومربكاً الخلط الشائع بين العرق والثقافة أو العرق واللغة (Childe 1933: 416) وشدد على الاختلافات بينهم، وأشار بأن لا علاقة لسمات الإنسان الجسدية بالعرق أو بالإثنية، “ثمة اختلافات في ثقافة جماعات متميزة من الناس. وغالباً يمكن أن تكون الأجساد، أو على الأقل عظام، الناس محل دراسة. وغالبا ما تنتمي العظام الموجودة مع ذات الأنواع من الأسلحة والأدوات والحلي، إلى نمط مختلف. ومن غير الممكن تصنيفها على أنها تنتمي لنفس العرق أو المخزون الجسدي المادي (….).بعبارة أخرى، كانت الثقافة مستقلة عن العرق في الماضي ما قبل التاريخي، كما هو الحال في الحاضر، كما أنها ليست مسألة متعلقة بموروث بيولوجي، بل هي مسألة متعلقة بالإرث الاجتماعي”(Childe 1933: 417). ومن ناحية أخرى، تغيرت في ألمانيا ما بعد الحرب الممارسات والمقاربات الآثارية، فقد ساهم سوء الاستخدام الممنهج والممؤسس والعبثي، إلى حد ما، لعلم الآثار لخدمة أغراض إيديولوجية وسياسية، خلال حكم الرايخ الثالث، في تطور علم آثار ما بعد الحرب في ألمانيا.

لقد عانى علم الآثار من “متلازمة كوسينا”. ولذلك رفض الآثاريون الألمان تقديم إسهامات في السجالات النظرية حول دور علم الآثار بوصفه مجال تخصص في إنتاج المعرفة وكانوا غير مستعدين لذلك. ونتيجة لذلك أهمل علم الآثار دور الأفراد في عصور ما قبل التاريخ، مع التشديد على الدراسات الكرونولوجية والدراسات التصنيفية للبقايا الآثارية (Arnold & Hassmann 1995: 70-73)..

ولخص بروس تريغر (1989: 164-167) ست فرضيات أساسية لغوستاف كوسينا كما يلي:

أ) الثقافات انعكاس حتمي للإثنية، حيث ترتبط التشابهات والاختلافات في الثقافة المادية بأوجه التشابه والاختلاف في الإثنية.

ب) ثمة تطابق واضح للمناطق الحضرية مع الجماعات الإثنية الرئيسية أو الشعب.

ج) تشير الاستمرارية الثقافية إلى استمرارية إثنية.

د) يعكس توزيع أنماط الإنتاج اليدوي المميز لجماعات قبلية محددة المكان الذي عاشت فيه هذه الجماعات في حقب مختلفة في عصور ما قبل التاريخ (علم الآثار الاستيطاني settlement archaeology) ).

ه) إمكانية التعقب الأثري للجماعات القبلية المحددة تاريخياً من خلال المطابقة التاريخية لهذه الجماعات المعروفة مع حضارات آثارية محددة في الفترات التاريخية المبكرة. ( كان غوستاف كوسينا أول عالم آثار يستخدم مفهوم الحضارة الآثارية بصورة منهجية، بالإضافة إلى كونه أول من طبّق المقاربة التاريخية المباشرة لدى دراسته لمناطق شاسعة، وقد ربط كوسينا في أعماله الأخيرة التغيرات الإثنية والثقافية المعرفة بصورة محددة بالاختلافات العرقية).

و) استخدام التأويل العرقي والشوفيني لتحقيق أهداف واحتياجات قومية. فالعنصرية -من حيث التعريف- اعتقاد يشير إلى امتلاك الأجناس لخصائص مميزة تحدد بموجبها الثقافات الخاصة لكل جنس من هذه الأجناس، وعادةً ما ينطوي هذا الاعتقاد على أن عرق شخص ما هو أسمى [من غيره] وبالتالي له الحق في حكم الآخرين، ويمكن أن يتم تنفيذ ذلك كسياسة إكراه مثل الحقوق المفروضة مثلاً من خلال نظام الحكومة والمجتمع المؤسس عليها.

ويظهر لنا تاريخ علم الآثار أن نقطة الافتراق هذه قد تؤدي إلى عواقب وخيمة. وأعتقد -هنا- أنه من المناسب الطعن في بيان هنري فورد الشهير: “ليس التاريخ سوى هراء بطريقة أم بأخرى، إرثه هراء، ونحن لا نريد مثل هذا الإرث. فما نريده هو العيش في الزمن الحاضر، والتاريخ الوحيد الذي يستحق أن نهتم به هو التاريخ الذي نصنعه اليوم (op. cit. Eriksen 1996a: 13). قد نتعلم من تاريخ الفكر الآثاري. وربما يتوجب علينا أن نسأل: ما هو التاريخ الذي نريد بناؤه اليوم؟ كيف يمكن أن نضفي شرعية ما على مزاعم إقليمية معاصرة عند مناقشة الإثنية التي تنتمي للماضي؟ هل نحن -كعلماء آثار- أبرياء من ذلك؟ أم علينا أن نتحمل مسؤولية المعرفة التي ننتجها؟

أحد الاستنتاجات التي يمكن استخلاصها هو أن المقاربة التاريخية\ الثقافية، كما قدمها كوسينا ومعاصريه، لن تقدم شيئاً مهماً في السجال العلمي الحالي والخطاب الآثاري أو في إنتاج المعرفة المعاصرة. وعلينا، بوصفنا آثاريين على قدر من المسؤولية، أن ننأى بأنفسنا عن هذه الأفكار. ولذلك من المستغرب أن يستخدم علم الآثار الكتابي، جزء من الخصائص الست للتأويلات التاريخية\الثقافية التقليدية، بل يستخدمها جميعها في بعض الحالات. ومن الناحية النظرية، واستناداً إلى تاريخ الفكر الآثاري تعادل هذه الرؤية للثقافة، وبالتالي للممارسة التأويلية، في الأغلب، التأويلات الآثارية التي كانت سائدة قبل الحرب العالمية الثانية في ألمانيا. وتستند طريقة التفكير هذه على الصلة بين شكل ومحتوى البشر. فكل شكل مماثل يكافئ محتوى مماثل، وبالتالي عرق وأناس مماثلين. واستناداً إلى هذه الاستنتاجات الآثارية للثقافات، كان النازيون قادرين آثاريا على “شرعنة” سلطة الرايخ الثالث والتفوق الآري. وبالتالي اكتسبت الحرب العالمية الثانية “شرعيتها” القومية وأساسها في علم الآثار. وقد تأسس علم الآثار الكتابي على الأسس النظرية ذاتها. فإنتاج المعرفة الآثارية لثقافات ما قبل التاريخ التي قام بها الآثاريون الكتابيون استخدمت على يد الإسرائيليين لشرعنة احتلال الأرض والممتلكات في الشرق الأوسط. ويقف الفلسطينيون وغيرهم من الأقليات الإثنية والدينية والسياسية على الطرف الآخر، كما يقف على ذات هذا الطرف الخاسر أيضاً مصداقية علم الآثار كممارسة علمية.

الباحثون عن الشعب المختار

يتساءل نيل آشر سيلبرمان “هل مات علم الآثار الكتابي الأمريكي”؟. فمع اقترابنا من العقد الأخير من القرن العشرين بدت علائم الاعتلال بادية للعيان بصورة واضحة لدى البعض (Silberman 1998: 175) . وينص ميثاق المعهد الأمريكي للأبحاث الشرقية (ASOR) أن “أبواب المعهد ستبقى مفتوحة للمتقدمين المؤهلين حسب الأصول من جميع الأجناس والأعراق ولكلا الجنسين، وسوف ينأى المعهد بنفسه عن أي نوع من المحاباة أو الالتزام في جميع المجالات فضلاً عن الاحترام الذي يكنّه لأية طائفة دينية أو مؤسسة أدبية” (Silberman 1998: 181).

 والسؤال الآن،  هل يتلاءم علم الآثار الكتابي مع هذه النوايا والمقاصد، أم لا؟

يعترف ويليام ديفر في دراسته (موت البحث العلمي) بأننا “نحن [ الآثاريون الكتابيون] أصبحنا مهمشين على نحو متزايد، واختزلنا، في كثير من الأحيان، إلى مجرد متفرجين على لعبة اخترعناها نحن” (Dever 1995: 52-53) . ويزعم أن ثمة أسباب عدة تكمن وراء هذا التطور، تعود في معظمها، لبروز مكانة الباحثين غير الأمريكيين، المترافق مع تضاؤل الدعم المالي للباحثين الأمريكيين. قد تكون هذه التفسيرات صحيحة إلى حد ما ، ولكنني سوف أجادل بأن المشكلة هي أكثر تجذراً وعمقا. فموت البحث العلمي ليس معنياً بالدعم المالي، بل هو يمثل بالأحرى أزمة علمية. “أنا أفترض بأن حلم كل باحث آثاري توراتي هو العثور على وثيقة واحدة هامة على الأقل من العالم القديم لها علاقة مباشرة مع النص الكتابي على نحو ما” (Geraty 1985: 131). والأمر كما أراه، إن نقطة الافتراق هذه تقود الباحثين لطرح الأسئلة الخطأ، والبحث عن إجابات غير موجودة. وتأويل المادة الأثرية بطريقة غير علمية. فالمشكلة، إذن، ذات شقين: أي نوع من الكتب هو الكتاب المقدس؟ وهل من الممكن عقد صلة بين المواد الأثرية والنص المقدس؟. ولايمكن النظر إلى علم الآثار الكتابي على أنه وحدة متفردة في التأويل الآثاري، فهناك ثمة اختلافات بين المؤلفين، والطريقة التي قاموا من خلالها بتأويل مادة العصر الحديدي في الشرق الأوسط. واخترت، لهذه الغاية، بضعة باحثين كتابيين، كأمثلة، لتسليط الضوء على مخاطر المقاربة المعرفية الحالية في التأويل الآثاري. ومعظم الأفكار المطروحة هي تأويلات سائدة قديمة وحديثة، وبالتالي فهي كلها تمت بصلة للخطاب الآثاري. وسوف يختار المتطرفون الذين سوف يسيئون استخدام المعرفة،” أفضل” معرفة متاحة لتناسب أهافهم. فالتأويلات الواردة هي من النوع الذي يمكن استغلاله بسهولة لأغراض سياسية بطريقة سيئة، ضد رغبة المؤلفين، لكن هذا لا يهم طالما أنهم أنتجوا المعرفة المتاحة للجميع. ويمكنني، بالطبع، اختيار مؤلفين آخرين كموضوع للنقاش، غير أنه بسبب القيود العلمية لهذا البحث فإن أي بحث أو خطاب آثاري كتابي وحتى آثاري قومي إسرائيلي لابد أن يكون انتقائياً. فأرض فلسطين هي إحدى أكثر البلدان التي تعرضت للحملات الاستكشافية والتي شملتها أفضل المسوحات الآثارية، حيث تعمل حوالي 300 بعثة آثارية استكشافية سنوياً (Broshi 2001:15) ومن المستحيل الإشارة لجميع المؤلفين وجميع التأويلات المستندة إلى التصور التاريخي\ الثقافي. ومع ذلك، فالمؤلفين الذين خضعت أعمالهم للمناقشة هنا كانوا آثاريين كتابيين رواداً. كما أن بعضاً من أعمال وليم ديفر تم تحليلها بصرامة وبصورة خاصة لأنه يتم الإشادة به كواحد من الرواد الذين قادوا التطور النظري الحديث لعلم الآثار في إسرائيل (Silberman & Small 1997: 26-27)، قد يرى الباحثون الكتابيون أن الحجج المشار إليها هنا، إنما تقع خارج السياق بدرجة ما قليلة أو كبيرة، ولذلك، وكمحاولة مني لتقديم وجهات نظر الآثاريين الكتابيين، قمت بنقل واقتباس فقرات من كتاباتهم بدرجة كبيرة من الطول كي يبدو كأنهم يتحدثون بأنفسهم. وبالتالي، فأمثلة خطاب الدراسات الكتابية هي كلام المؤلفين أنفسهم. وسوف أركز، عند الحديث عن علم الآثار الكتابي، على مؤلفين بعينهم وبعض المؤلفات الحديثة. من الممكن بالطبع استخدام وتحليل مؤلفات أخرى كأمثلة، ولكن هناك ميل عام إلى أن ذات الحجج وذات المنطق في التفكير، يشكلان جوهر معظم التأويلات الآثارية الكتابية. لذا، وبسبب من بعض القيود المنهجية المرتبطة بطبيعة البحث، فقد وقع الاختيار على الأعمال المقتبسة كأجزاء نموذجية لهذا السجال الذي سوف أقوم ببنائه حتى العام 2000  عندما أقوم بتحليل علم الآثار القومي الإسرائيلي. وثمة نقطتين ينبغي توضيحهما، فما أود قوله، أولاً إنني أناقش من وجهة نظر علمية وانتقد الطريقة التي يؤديها علم الآثار الكتابي بوصفه ممارسة علمية واجتماعية، أو، بصورة أدق، أنتقد النزعة الدوغمائية والافتقار إلى الممارسة الدينامية (العلمية). ثانياً ينحصر النقاش على الجوانب النظرية فلا أضع بعين الاعتبار مظهر الصدق الذي تبدو عليه الفرضيات المتنوعة في الخطاب المتعلق بالنقاش حول أصل إسرءيل القديمة. وحيث أنه لا يمكنني القبول بحجج علم الآثار الكتابي، فالاستنتاجات التي يستخلصها رواد هذا الحقل تنتمي إلى حجج خاطئة. وفي هذا الصدد تكون الفرضيات غير علمية مستقلة عن الحجج على النحو الذي تمت عليه. وإذا كان ثمة مناهج وأساليب أخرى استندت على ممارسات تأويلية أخرى وقدمت حججاً واستنتاجات في سياقات أخرى فسوف تكون بلاشك صالحة في النقاش الحالي. وبالتالي لو شئنا الحديث عن الأمر بوصفه تفسير علمي، فلن تكون الحجج هي ما تعنينا في النقاش هنا، بل آلية إنتاج المعرفة.

ثمة افتقار عام في الأساس النظري لعلم الآثار الكتابي بشأن تأويل المادة الأثرية، وماهية “الثقافة”، وكيفية استخدام البقايا المادية في تعريف الإثنية أو وحدات اجتماعية أخرى. والممارسة التأويلية هنا مضمرة أكثر منها صريحة. حيث تمثل الافتراضات المضمرة مادة علمية ضبابية غائمة. وهذا أحد الأسباب التي تدفعني لإلقاء مزيد من الضوء على الأساس الذي تقوم عليه القواعد النظرية ضمن علم الآثار الكتابي عندما لا يتم اعتبار الكتاب [المقدس] مصدراً مكتوباً عادياً يستخدم في التفكير القياسي، بل يتم اعتباره، على عكس ذلك حقيقة غير قابلة للنقاش. وعندما يمثل الكتاب الحقيقة بطريقة دينية، حتى لو كان ذلك من أجل ممارسة نفعية فإن الهدف من ذلك هو خلق روابط متبادلة في الزمان والمكان بين سرديات المصادر المدونة والمادة الأثرية. واستعرضت” الموائمة “بين الكتاب والواقع المادي بوصفها سرديات أصيلة عن التاريخ ” كما كان”. ونتيجة لذلك ربطت البقايا المادية والحضارات الآثارية بجماعات إثنية مختلفة. ويمثل هذا نمطاً من التفكير الدائري، لأنه يستخدم المادة الأثرية ” كدليل” على جماعات إثنية وصفت في الكتاب، وبطريقة مماثلة فإن هذه الجماعات الإثنية الموصوفة في الكتاب “يتم التأكيد على وجودها” وفقاً للسجل  الآثاري .

المنهج التاريخي  لعلم الآثار الكتابي

هناك بالطبع العديد من التعريفات والمقاربات المختلفة لعلم الآثار الكتابي. وثمة العديد من كبار الباحثين والاتجاهات المميزة  كان لهم كبير الأثر في السجال أكثر من غيرهم. وحاول وليم فوكسويل أولبرايت وصف نظرية  وغاية المستوى الجديد لـ”علم الآثار الكتابي “في كتابه (من العصر الحجري إلى المسيحية) (1957). ويعني مصطلح “علم الآثار الكتابي “في مدرسة أولبرايت أي شيء “قد يكون مقتصراً على فلسطين، أو ربما يمتد لما هو أبعد من ذلك ليشمل أي شيء يقوم بتوضيح الكتاب. وتبعاً لذلك سأستخدم مصطلح “علم الآثار الكتابي” هنا للإشارة إلى كل أراضي الكتاب -من إسبانيا إلى الهند، ومن جنوب روسيا إلى جنوب جزيرة العرب- وكل تاريخ تلك الأراضي منذ حوالي 10000 ق.م أو أبكر حتى الوقت الحاضر (op. cit. Dever 1990:14).

تنضح الشوفينية من هذا التعريف، بحكم طبيعته، لأن كل شيء يصبح له صلة بالكتاب ويتم تفسيره في هذا الإطار. أشارت بعض الكتب الحديثة إلى أن تعريف أولبرايت ضمن الخطاب الكتابي الحالي مازال يلعب دوراً عملياً، مثل كتاب (أركيولوجيا الأرض المقدسة والكتاب من 10000 ق.م حتى 586 ق.م) (مازار 1993) و( أركيولوجيا المجتمع في الأرض المقدسة) (إعداد ليفي 1998 [1995])، والتي تغطي كامل التاريخ من العصر الحجري حتى العصر الحديث، فالكتاب ومروياته هما المرجعية النهائية للإطار العام لتأويلات الماضي، على الرغم من التغيرات في أساليب وتسميات الفروع الآثارية المختلفة العاملة في إسرائيل. إن هدف مازار(1993) في دراسته السابقة هو تقديم صورة “موضوعية كلما أمكن ذلك ” عن البحث الآثاري في فلسطين تتعلق بفترة العهد القديم. “لقد اخترت للبدء بالمستوطنات المبكرة الدائمة التي تعود إلى حوالي 10000 ق.م وصولاً إلى الجدال عن فترة تدمير الهيكل الأول على يد البابليين في العام 586 ق.م (Mazar 1993:xv). بعبارة أخرى، يغطي عصر فترة العهد القديم الفترة الزمنية الممتدة من 10000 ق.م حتى 586 ق.م . ويرى رايت بأن عالم الآثار التوراتي هو الشخص الذي “يدرس مكتشفات البعثات الآثارية من أجل لملمة والتقاط أي حقيقة منها يمكن أن تلقي الضوء بشكل مباشر أو غير مباشر أو حتى الإضاءة على الكتاب. وهو عليه أن يعنى بفطنة للطبقات والنقوش التي يستند عليها منهج علم الآثار الحديث.. ولكن اهتمامه الرئيس لن يكون منصباً على الأساليب أو الأواني أو الأسلحة بحد ذاتها وحدها، بل على فهم وشرح النصوص [المقدسة] (Wright 1962,1971). ولا يتفق جميع العلماء الإسرائيليين مع هذا الرأي، إلا أن السرد الكتابي يبقى واضحاً دائماً في تأويل المادة الأثرية، إذا ما كان بمقدور الكتاب أن يلقي الضوء على أصل ونشأة إسرءيل. لقد تمت المجادلة من الناحية العملية بأن جميع المعلومات حول الملكية الإسرءيلية أتت من الكتاب بينما يقوم علم الآثار بالكشف عن البقايا المادية لهذه الفترة. وعلى الرغم من أن الكتاب محكوم بتخصصه الدراسي وأن علم الآثار يعتمد على مبادئ مختلفة كلياً، إلا أنه يمكن رسم صورة شاملة ضمن علم الآثار الكتابي يمكن استخلاصها من خلال تطوير الحوار بين هذين التخصصين حيث يمكن “للنص الكتابي أن يساعد في تأويل البقايا الأثرية وهذه، بدورها، يمكن أن تساعد في توضيح علم الآثار الكتابي وعلم الآثار القومي الإسرائيلي عندما تكون موضوعات التحري هي أصل إسرءيل ونشأتها ومواقع وأحداث تمت الإشارة لها في الكتاب. ويرى الباحث الكتابي والآثاري الأميركي لانس بأن علم الآثار الكتابي” هو ميدان تخصص بحثي وجد من أجل مصلحة ومنفعة الدراسات الكتابية. نظراً لأن الناس مازالوا يقرؤون الكتاب ويطرحون أسئلة حول تاريخ وحضارة العالم القديم التي أنتجته، وبالتالي, ينبغي الإجابة على مثل هذه الأسئلة، ومجموع هذه الإجابات سوف تشتمل على علم الآثار الكتابي” (Lance 1981: 95)..

وسوف أجادل، بدوري، أن الكثير من أفكار “علم الآثار الكتابي القديم” مازالت مرتبطة بصورة ضمنية في الممارسة العملية “لعلم الآثار الكتابي الجديد”. إن حركة علم الآثار الكتابي بشكله الكلاسيكي الذي هيمن على المشهد الأمريكي حتى سبعينيات القرن الماضي، كان تابعاً للدراسات اللاهوتية الكتابية أكثر من كونه فرعاً من علم آثار الشرق الأدنى. وكان يمثل فصلاً من تاريخ الحياة الدينية الأمريكية، ورسمت هذه المدرسة أجندتها من مسائل البحث الكتابي وليس من علم الآثار. ويشدد الآثاريون الكتابيون في منهجهم على التوجه الأكاديمي نحو اللغات والتاريخ الكتابيين بالإضافة إلى الخبرات الميدانية. لقد كانوا جميعهم باحثين كتابيين ومدرسين، و”هواة” بلا استثناء تقريبا، بمعنى من المعاني آثاريين بصورة غير متفرغين. وبالتالي كانت المواقع المختارة للتنقيب هي مواقع كتابية وقد حصلوا على دعم من المعاهد اللاهوتية والمؤسسات الكنسية والأفراد (Dever 1990: 19). ويتبادر سؤال إلى الذهن هنا، فإذا ما قبلنا في الفرق الهام بين دراسات الشرق الأدنى وعلم الآثار الكتابي، فأين يقف علم الآثار الكتابي اليوم؟ ما الفرق بين علم الآثار الكتابي “القديم” وعلم الآثار الكتابي “الجديد”؟

يتعلق علم الآثار الكتابي بجميع اللقى التي لا تزال تسلط الضوء على الحياة، والعادات والتاريخ والأدب واللغة والعمارة في إسرءيل القديمة ومحيطها. ويعرف رايت مؤسس و رئيس تحرير مجلة “بيبليكال أركيولوجيست The Biblical Archaeologist ” علم الآثار الكتابي بأنه “تنوعاً نوعياً وجوهرياً لعلم الآثار العام” وعلم الآثار الكتابي وفقاً لرأيه عمل هواة إلى حد كبير حيث يستفيد الباحثون غير الآثاريون (اللاهوتيون) من نتائج أعمال الآثاريين الميدانيين المحترفين. ومع ذلك فهناك تطور في مدرسة الآثاريين الكتابيين المحترفين، ولكن الأهداف والمناهج في تقديري لا تختلف كثيراً. حيث “يمكن النظر إلى الآثاريين الكتابيين، باعتبارهم باحثين كتابيين أكفاء وعلماء آثار متدربين ميدانياً” (Paul & Dever 1973: vii).  وهذا ما له صلة بجوهر المشكلة، فالآثاري الكتابي هو باحث كتابي بتوجه ميداني في علم الآثار. والجدل الرئيسي في علم الآثار النظري هو جدل معرفي (إبستومولوجي)، أي: ماذا تعني البقايا المادية؟ ما هي “الثقافة “الأركيولوجية؟ ما هي العلاقة بين اللقى الآثارية والشعوب والثقافات؟ تعد هذه القضايا النظرية جوهرية في علم الآثار. بينما نادراً ما تكون ذات شأن ضمن علم الآثار الكتابي، لأن الباحثين الكتابيين مدربين على الكتاب وليس على المسائل النظرية لعلم الآثار. هاتين الحقيقتين، الكتاب بوصفه مصدر للتأويل والافتقار العام للمعرفة النظرية في الخطاب الآثاري الكتابي المعاصر، تسلم بتأويلات ممكنة غير صالحة تقوم على التصور التاريخي-الثقافي. ويتساءل جون ر. بارتليت: ” ماذا يمكن أن يقدم علم الآثار للكتاب أو العكس؟ “ثم يردف القول ” علي أن أبدأ بقول شيء عن طبيعة الكتاب وطبيعة علم الآثار، الأمر الذي يكشف على الأقل عن نقطة البداية. فالكتاب، في المقام الأول، مثله مثل كل الكتب المدونة بما في ذلك الكتب المقدسة، (أيا كانت القيمة التي نضعه فيها)، هو من صنع بشري بتاريخ بشري، ونتاج عقول بشرية كثيرة مختلفة متفاوتة القدرة، كتب بأيدي بشرية بقدرات مختلفة على التنسيق، ونسخ وأعيد نسخه على يد مؤلفين يمتلكون مستويات مختلفة من المهارة، وطبع وجمع على يد فنيين يمتلكون معايير مختلفة ومتنوعة من المهارات، كما أنه قرأ وفسر من قبل اليهود المسيحيين والملحدين واللاأدريين بمقاربات تأويلية مختلفة، وهو أيضا كتاب من أصول مختلفة جداً في الأصل والمضامين (Bartlett 1997: 1).. أعتقد أن معظم الناس يمكن أن يتفق مع هذه الرؤية ذات المقاربة المنفتحة التي تتمتع بإمكانيات ثرية لجهة الخطاب العلمي، ولكن تنشأ المشكلة عندما يتم ربط المصادر المكتوبة بالآثار، “فالباحث الأدبي لن يستوعب دائماً حدود الدليل الأثري، كما أن الآثاري ليس لديه دائماً فهماً لتعقيدات الدليل الأدبي.. ولا يتقاسم، دائماً، الطالب الكتابي والآثاري، على حد سواء، الأهداف التاريخية ذاتها (Bartlett 1997:2). ما يود بارتليت قوله :إن هناك حدود للدليل الأثري، في حين أن الدليل الأدبي هو معقد، ومما هو جدير بالذكر أنه لم يذكر أن الثقافة المادية هي ثقافة من طبيعة معقدة وأن المصادر المدونة (الكتاب[المقدس]) محدودة، لكنه يحذرنا من الربط المباشر للنص الكتابي والدليل الأثري الذي طالما استهوى الباحثين، لأن المرء لا يستطيع أن يثبت حقيقة الكتاب .

وكما هو واضح فالمشاكل هنا عديدة، وعندما نتساءل عما إذا كانت أحداث السرد الكتابي قد حصلت فعلاً، فإن هذا التساؤل بحد ذاته يفيد بأن الكتاب من شأنه أن يساء فهمه. وأحد المصادر الرئيسة لسوء الفهم هو الاختلاف بين فهم الماضي المتضمن في النصوص الكتابية والفهم الحديث للتاريخ، وهذان الفهمان يمثلان طريقتين مختلفتين تماماً من التفكير حول الواقع، وتلعب هذه الاختلافات دوراً جوهرياً في فهمنا للنصوص القديمة، وكما يقول تومسون” ليس للكتاب معنى لو نظر له على أنه تاريخ فقط” (Thompson 1999:210). والمشكلة الرئيسة مع علم الآثار الكتابي هي في استخدامه كوثيقة تعبر عن حقائق تاريخية. وتحتفظ نقطة الافتراق هذه للتأويل الآثاري بإشكالية  كبيرة، هنا تكون الممارسة العلمية بلا شك ضبابية. وفيما يتعلق باستخدام الكتاب كمصدر وإطار تأويليين، فثمة ميل عام لأن يكون انعكاساً ذاتياً نقدياً، وهو ما سأتناوله لاحقاً. ومع ذلك فقد واجه الآثاريون الكتابيون مشكلة على صعيد النظرية والتطبيق. من خلال إفصاحهم عن شيء وتفسيرهم شيئا آخر، لذلك سأقوم هنا باستخدام المعايير الست المميزة للتقليد التاريخي-الكتابي والتي أجملها تريغر، لإيضاح أن تأويلات الشعوب والمجتمع ضمن علم الآثار الكتابي غالباً ما قامت على الممارسة التأويلية عينها. والكرونولوجيا والفترات المشار لها هي: العصر الحديدي الأول [:عصر القضاة، حوالي 1200 ق.م – 1000 ق.م] و [العصر الحديدي الثاني: الملكية حوالي 1000 ق.م – 586 ق.م (المملكة المتحدة: العصر الحديدي الثاني A حوالي 1000 ق.م – 925 ق.م والملكة المنقسمة :العصر الحديدي الثاني B-C حوالي 925 ق.م – 586 ق.م)]

الثقافات بوصفها انعكاس حتمي للإثنية :

ترتبط الاختلافات والتشابهات في الثقافة المادية -وفقا لغوستاف كوسينا- مع الاختلافات والتشابهات في الإثنية. ويدرك بعض علماء آثار الشرق الأدنى تعقيدات الإثنية وحدود التطور الثقافي. يرى ويليم ديفر، من ناحية أخرى، “بدرجة عالية من التشاؤم” أن المنطلقات الأساسية تكمن في أن “الفروقات الإثنية الحقيقية موجودة في مجتمع فلسطين المتعدد الإثنية والموثق جيداً في القرن الثاني عشر ق.م. وكانت هذه الجماعات المتنوعة تدرك اختلافها عن غيرها، وإذا كنا نحن لا نعلم بعد كيف توصلوا إلى هذا الإدراك، فالأمر برمته منوط بنا للتوصل إلى هذا” (Dever 1997a:42). والسؤال البارز هنا، لماذا وما هي الأسباب السياسية التي تقف وراء تقفي الإثنية في الشرق الأوسط؟ في الواقع ليس الهدف هم الجماعات الإثنية، على الرغم من أنه مجتمع متعدد الإثنيات، بل الهدف هو تتبع جماعة إثنية واحدة ووحيدة، هي الإثنية الإسرءيلية بالتحديد: كان هناك ثمة “شعب” في مكان ما في أرض كنعان يسمى “إسرءيل” قبل العام 1200 ق.م. وكان معروفاً جيداً للمثقفين المصريين وبما فيه الكفاية أيضاً  إلى حد اعتبارهم يشكلون تهديداً لأمن الإمبراطورية المصرية الآسيوية الآيلة للسقوط. فإن لم يكن هؤلاء “الإسرءيليين” هم سكان الهضاب الذين نعرفهم، فأين، إذن إسرءيليي مرنفتاح ومن هم ؟وكيف يمكننا وصف مجتمع الهضاب إن لم يكن مجتمعا “إسرءيلياً “؟ منطق بسيط يقوم بربط مجموعتين من الحقائق (وهما حقيقتين)، وإذا كان الأمر كذلك فإن ما يبحث عنه التصحيحيونMinimalists من سمة إثنية نصية دامغة سيكون بين أيدينا (Dever 1997a: 43)..و كما يقول ديفر عن “طلائع الإسرءيليين  proto-Israelites” لا يوجد في أي مكان في الأدب المصري، في التاريخ، أو في السجل الأثري أي إشارة أو لقى أثرية يمكن أن تشير إلى أن “طلائع الإسرائيليين”  كانوا في مصر في أي وقت مضى ( Dever 1997b:70)، إلا أن ذلك لم يمنعه من أن يحل مشكلة الهوية الإثنية في الماضي بسهولة: “ولكن كيف بدى هؤلاء الناس عند ظهورهم كجماعة منفصلة، وكيف يمكن تمييزهم أركيولوجياً؟ وماذا باستطاعة هذا التمييز أن يخبرنا عن خلفيتهم المباشرة؟ وعلى أقل تقدير فإن بعضاً من “سمات” هذه الجماعة مطلوبة لبناء على الأمر مقتضاه، وأي تسمية أو سمة تعني بالضرورة شيئاً ما حيال الأصول. بالكاد نستطيع أن نصفهم ببساطة “الشعب المجهول” أو ما هو أسوء أن نستمر بالتحدث بصورة مجهولة عن “تجمعات” أو “كيانات” (Dever 1997a:40).

الثقافات المادية هي انعكاس حتمي للإثنية. واستناداً إلى المناقشة الموجزة السابقة عن تعقيد الإثنية، ينم فهم ديفر عن افتقار كلي للمعرفة عن الإثنية، الأمر الذي ينعكس أيضاً في مصادره، حيث لا يشير إلى أي كاتب (إلا نفسه) في السجال الذي يدور حول الإثنية على الصعيد العالمي، ولذلك يقوم معياره النقدي وتصوراته عن الإثنية على مخيلته الخاصة التي تستند مرة أخرى إلى التحيز السياسي أو الديني لتقديم الإجابات عن الأسئلة السابقة للتحليل؛ فالإثنية الإسرءيلية موجودة وما علينا إلا معرفة كيف نثبت ذلك. ويمكن تحقيق جزء من هذا المشروع في حال صرنا عبيداً للنص المقدس. وحالما تشير المصادر المكتوبة إلى جماعة إثنية، فمن المفترض أن تعكس هذه الإشارة حقيقة يمكن تتبعها في السجل الأثري. مثل هذا الاتجاه يشاهد في فترات لاحقة أيضاً. عزلت أشكال الفخار من القرن السابع ق.م كمجاميع خزفية قومية متنوعة من شرق الأردن، وذلك لأنه في تلك المرحلة كانت النقوش القومية مختلفة ومتباينة ويمكن بسهولة ويسر فصلها عن بعضها البعض (Herr 1986:282).. ولا يوجد، بشكل عام، نقاش حول ماهية الثقافة والإثنية والقومية، ولكن هذه المفاهيم استخدمت في الخطاب كشرح ذاتي وهذه “الممارسة الآثارية البريئة” أو “فقط من أجل ملائمة الغرض” إذا ما استخدمنا كلمات ديفر، تشجع سوء استخدام التأويل الآثاري.

تنطوي مقاربة ديفر للثقافة المادية والإثنية على ذات التصور المستخدم في تأويل غوستاف كوسينا. يقدم ديفر لما يمكن أن يسمى المقاربة النظرية للإثنية في مقال بعنوان البنية الاجتماعية في فلسطين في فترة العصر الحديدي الثاني عشية تدمير الهيكل (Dever 1998:420-421):”يكون الوعي الإثني والذي هو أمر ضروري مصاحب للهوية الإثنية وكيان الدولة، في أحيان كثيرة من الصعب أو حتى من غير الممكن تتبعه في المادة الأثرية، ولكن القضية ليست كذلك بالضرورة. ربما يمكن أن تعتبر المصنوعات اليدوية أحيانا “مادة تتناسب مع السلوك “أي أن هذه المصنوعات تعكس أنماطا من السلوك الفردي والاجتماعي، فضلاً عن التفكير والنية اللذان يعبر عنهما السلوك. وفي هذا المعنى، ليست البقايا الأثرية، في الواقع، مجرد مؤشر على الثقافة المادية، بل هي أيضاً مؤشر  للثقافة، بل إلى ثقافة خاصة، وعندما تظهر أنماط جهوية متسقة ومتميزة أي “تجمعات” أثرية فإنه يمكننا مقارنة ومقابلة هذه مع تجمعات أخرى لعزل ما يمكن أن يسمى الثقافة الأثرية (….) وأخيراً، إذا صادف واستحوذنا على نصوص أدبية حاوية على تفاصيل وثيقة الصلة لهذه الثقافة الأثرية وتطورها عبر الزمن، سنكون قادرين على ربطها بصورة مشروعة بميزة إثنية نوعية دامغة”, فإذا ما قبلنا مثل هذا النموذج الثقافي-التاريخي وهذه الممارسة التأويلية، فيمكن بسهولة استخدام علامات إثنية محددة بصورة شرعية. ولكن -من ناحية أخرى- إذا ما رفضنا مثل هذه الممارسة باعتبارها غير شرعية، وإذا ما طرحنا على سبيل المثال السؤال عن كيف ولماذا ترتبط البقايا المادية واللقى الأثرية بالسلوك، فإن مثل هذه الممارسة التأويلية ستكون ذات طابع إشكالي بدرجة كبيرة. ويبين ديفر في مقالته تلك بعض الحجج والمسلمات في بحثة الإثني: يصاحب الوعي الإثني بشكل أساسي الهوية القومية وكيان الدولة (بناء الدولة). هذا صحيح بما فيه الكفاية، ولكنه في المقابل أمر ملازم للعمليات الحديثة في خلق الهوية القومية وبناء الدولة التي هي ظاهرة حديثة لا علاقة لها بالماضي. فقيام الدولة الحديثة وقيام الدول في الماضي (على سبيل المثال الإمبراطورية الرومانية) هما ظاهرتان مختلفتان تماماً، ولا يمكن للسمات والعلامات أن تغطي المضامين المختلفة. وينبغي علينا أن لا نخضع لتضليل تشابه الأسماء والصيرورات أو الأحداث. إن مجموعة مصطلحاتنا هي أداة نستعملها في تأويل الماضي وليس في الولوج المباشر للماضي كما كان. ويتصل هذا بمقاربتنا للماضي، فهو موطن غريب وليس مجتمعنا الخاص بنا في نسخة قديمة أو خارج نطاق الاستعمال، وهناك العديد من العمليات الملازمة التي تعتبر ضرورية ومهمة بالنسبة لنا، وهذا لايعني بأي حال أنها موجودة في الماضي، وبالتالي، يبدو الأمر في العموم مخالف للموضوع لو قمنا بإسقاط هذه الأفكار أو غيرها من الميزات الإيديولوجية المعاصرة على الماضي حيث هي غير موجودة. إن القيام بذلك، يعني بأن توصف تلك الممارسة على أنها متحيزة, وعلى الرغم من أننا محكومون لمعانينا المعاصرة وتأويلاتنا ضمن أفق بحثنا ومعرفتنا، فإن ما يجعلنا قادرين على تجنب مثل هذه التأويلات البسيطة حقيقة إدراكنا لحدودنا ولوضعنا كباحثين إذا ما قمنا بتعريف العلاقة بين الحاضر والماضي. فالهدف دراسة الماضي كما كان، وليس الماضي كما نرغب أن يكون عليه. ويواصل ديفر قوله في ما يخص “إسرءيل”: في حالة إسرءيل القديمة، لدينا السمة “إسرءيل” في كل من النصوص الكتابية وغير الكتابية، على الأقل منذ القرن التاسع ق.م، (…..). كما هو حال مجموع الثقافة المادية “الإسرءيلية” المميزة، والتي ظهرت مع القرن العاشر ق.م، إن لم يكن أبكر (…..)- ولكن في كل حالة، يمكن تمييز الثقافة “الإسرءيلية” بسهولة أكثر من بين هذه الثقافات [ثقافة وسكان فلسطين –فينيقيين، فلستيين جدد، عمونيين ، مؤابيين]. ويبقى السؤال الوحيد،  كيف يمكن، وبالعودة إلى العصر الحديدي الأول، أن نتصور أصول هذه الثقافة (…..) نحن هنا لسنا بحاجة إلى تفصيل الثقافة المادية الإسرءيلية خلال العصر الحديدي الثاني، بل يكفي الإشارة فقط إلى حقيقة أن الوعي الإثني “الإسرءيلي” والإيديولوجي -الذي هو مفهوم جوهري في المجتمع- ينعكس بأمانة في البقايا الأثرية الغنية التي بحوزتنا الآن. وفي حين أنه في الغالب ما تبدي النصوص الكتابية تعليقات مواربة على ذلك المجتمع، فإن المعطيات الأثرية تكون قادرة على إلقاء الضوء بشكل متزايد عليه (Diver 1998: 421).

إسقاط الحاضر على الماضي، أو مجتمع العصر الحديدي الثاني أو العصر البرونزي هي مشكلة تتعلق بالسؤال حول الأصول. تنتقد هنرييتا مور طريقة التفكير حول الأصل والمنشأ وترى بأن مثل هذا النوع من التفكير ينطوي على عملية ذات شقين: فنحن أولا] نبحث في الماضي عن بداية أشياء معينة، وثانياً وفي ذات الوقت نقوم ببعض الخطوات الأصيلة التي تخولنا القيام بسرد خاص. وهذا ينتج سرداً متواصلاً حيث يتم باستمرار خلق الفجوات وملئها. ولكن السرديات مضللة، لأنه على الرغم من أنها تبدو معنية منذ البداية، إلا أنها في الواقع تعرف من خلال نهاياتها. فالماضي حيث يمتد ويتوازى مع وفي حاضرنا ويبنى وفقاً لصورتنا الخاصة، ليس إلا ماضياً سلبياً. والماضي لا يخدم سوى احتياجاتنا الحالية، ولا تتم معاملته كما لو أن له أي وجود مستقل (Moore 1995: 51-53). وإذن، تكمن المشكلة في البحث عن بداية شيىء ما نحن “نعرف” أو “نظن” بأنه موجود/يوجد، كما أننا لا نستطيع البحث عن شيء ليس لدينا أي تصور عنه، علاوة على ذلك، فنحن نبحث، بشكل اعتيادي، عن الأشياء التي نشعر بأنها تؤثر علينا وليس عن تلك الأشياء التي نشعر بأنها لا تتطابق معنا أو لا تمت لنا بصلة (Alexandri 1995: 58). وهذا ينعكس في رواية ديفر عندما يقوم بخلق هوية قومية إثنية للإسرائيليين اليوم في مواجهة جماعات إثنية أخرى في المنطقة. وقد ربطت القصص حول الأصل والمنشأ بشكل حتمي مع إنتاج وترسيخ الهوية لأن قصص “الأصول” هي خلق للأساطير. وحتى أكثر الآثاريين الإسرائيليين اعتدالاً يقعون في ذات الفخ. كما يحذر مزار الباحثين بقوله أنه ينبغي النظر بحذر عند البحث عن هوية “إسرءيلية” لأن الجماعات المتنوعة التي استقرت في البلاد ربما تكون عرفت أنفسها “كإسرءيليين” واندمجت مع ظهور الملكية. ولذلك، فإن تعريف ثقافة مادية “إسرءيلية” مميزة هو ضرب من مجازفة خطرة. وينبغي أن تكون نقطة الانطلاق في هذه القضية “المواقع التي كانت إسرءيلية وفقاً للتقليد الكتابي خلال عصر القضاة مثل، شيلوه، المصفاة، دان، و بئر السبع، ويمكن لتوطنات ذات ثقافة مادية مشابه أن تعرف بأنها توطنات إسرءيلية” (Mazar 1993: 353). بعبارة أخرى، هناك بعض الافتراضات الأساسية غير قابلة للطعن:

أ)  هناك إثنية إسرءيلية نظراً لأن هذه الجماعة موثقة في الكتاب

ب) تمتلك الإثنية قرائن مادية

ج) المواقع والمدن المذكورة في الكتاب هي بمثابة مرجعية نهائية لأي انطلاقة آثارية

ولذلك، كان منهجية أعمال التنقيب الإسرائيلية والتوثيق وتعيين هذه المواقع تهدف بشكل واضح إلى خلق الماضي في صورة تناسب الحاضر. ويجادل مزار بما هو أكثر بأن المسألة الإثنية تصبح أكثر تعقيداً عند التعامل مع مناطق جهوية بدلاً من التعامل مع مواقع. فأورشليم والمدن الجبعونية الأربعة إلى الشمال الغربي منها اعتبرت في التقليد الكتابي جيوباً جبعونية ويبوسية غير إسرءيلية في فترة عصر القضاة (العصر الحديدي الأول، حوالي 1200 ق.م – 1000 ق.م). وتحصلت البعثات الأثرية في القدس وجبعون على مقدار ضئيل من اللقى التي تنتمي لتلك الفترة. لا تختلف هذه البقايا عن البقايا التي عثر عليها في مواقع تقع إلى الشمال منها والتي اعتبرت مواقع “إسرءيلية” ولا يوجد ما يشير إلى ثقافة مادية “يبوسية” أو “جبعونية” مميزة تختلف عن تلك التي وجدت في مواقع أخرى في الهضاب الوسطى (Mazar 1993: 353). وبكلام أكثر وضوحاً، من غير الممكن ا لتمييز في الثقافة المادية لجماعات إثنية مثل “إسرءيليين” و”غير إسرءيليين”. فالرواية الكتابية هي التي توجه الآثاريين الكتابيين والإسرائيليين بحثاً عن جماعات إثنية، والكتاب نفسه هو الذي رسّخ معتقدات مفادها أنه يمكن تتبع هذه الجماعات الإثنية في الثقافة المادية. على الرغم من إدراك “التصور الآثاري الكتابي” الباحث عن رابط أبسط بين المعطيات الأثرية، والإشارات الكتابية التي ينظر لها اليوم باعتبارها مقاربة مضللة ومبسطة للغاية (Herzog 2001: 158). فمثل هذا التصور مع ذلك استمر وإن بشغف أقل حدة وأجندة أكثر تخفيا. وبكلمات هيرتزوغ: “عندما أصبحت مدركاً أكثر  للاستدلال الآثاري الكتابي المباشر، نظرت حينها إلى الأدلة بعيون مختلفة.. ومما لا شك فيه أن وجهات النظر السابقة حرفت من قبل مفهومنا “الكتابي-الآثاري”. وآمل أن المناقشة الحالية سوف تساهم في تحرر علم الآثار الكتابي من مثل هذا العائق (Herzog 2001: 172,176)

عن محمود الصباغ

محمود الصباغ
كاتب ومترجم من فلسطين

شاهد أيضاً

“إسرائيل” تنجح والفلسطينيون ينتصرون / بديهيات لا تذكر ولا تنسى (رقم 2)

يختار كل منا ما يريد من الأفكار والقيم والتوجهات التي يحولها بقدراته الذاتية الى إيمانات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *