الرئيسية > سياسة > ترجمة > عرين الأسود: الصهيونية واليسار من حنّة أرنت إلى نعوم تشومسكي. قراءة في كتاب

عرين الأسود: الصهيونية واليسار من حنّة أرنت إلى نعوم تشومسكي. قراءة في كتاب

ترجمة: محمود الصباغ

يبدأ كتاب سوزي لينفيلد الاستفزازي بحكاية شخصية*. في حفل عشاء مع أصدقائها، الذين وصفتهم بالزملاء التقدميين، وقد شعرتْ بالصدمة والألم لسماعهم ينكرون مكسباً متبادلاً بصفتهم “صهاينة” -وهو نعت يقال بازدراء. لقد اعترفتْ لمجموعة الزملاء، بخنوع، أنها صهيونية أيضاً، وقوبل اعترافها هذا بصمت مذهل رافقه نوع من الحشرجة علقت بحناجرهم. وتساءلتْ كيف أصبحت الصهيونية بمنزل  الشرير الدولي البارع، وهي التي كانت ذات يوم محبوبة للتقدميين، وكيف باتت إسرائيل، الآن، الأمة المنبوذة في الدوائر اليسارية؟ كيف أصبح اليسار داعمًا للإرهاب وللإسلاميين الذين يسعون إلى تدمير إسرائيل؟

يؤدي استكشافها للقراء إلى العودة إلى ما كتبه ثمان شخصيات رئيسية من اليسار: حنّة أرنت**، وآرثر كويستلر، ومكسيم رودنسون، واسحق دويتشر، وألبرت ميمي، وفريد هاليداي، وإيزيدور فينشتين ستون، ونعوم تشومسكي.. حيث تشكل أفكار هؤلاء ،الكتّاب، نذيراً للكثير من الخطابات المعادية للصهيونية والمناهضة لإسرائيل، إن  لم تكن قد شكلت، فعلاً، وبشكل مباشر، نمط تفكير اليساريين المحافظين (على الأقل فيما يتعلق بأعمال ستة من الأسماء المذكور أعلاه، لو استثنينا ألبرت ميم وفريد هاليداي).

تقارب لينفيلد، أستاذة مادة الثقافة الصحفية في جامعة نيويورك، ومؤلفة كتاب بارز عن الفوتوغرافيين اليساريين وتصوير العنف السياسي، من مهمتها مع اهتمام شخصي عن الجدل الدائر حول إسرائيل. غير أنها تتعامل مع شخصياتها الرئيسية بطرح نقدي. فهي تخطئهم بسبب ثغراتهم المنطقية وبعض تفكيرهم الضيق، لكنها تمنحهم الأفضلية في الأفكار التي تجدها قديمة. حتى نعوم تشومسكي، الذي وجّهت له أكثر الانتقادات، حصل على أفضلية لموقفه المعارض لحملة مقاطعة إسرائيل BDS ورفضه لحل “الدولة الواحدة” (على الرغم من أن حل “الدولتين” الذي يطرحه ترى فيه لينفيلد حل تمييزي، كما تقول). وسلطت الضوء على المسارات الشخصية لموضوعاتها ووضعتهم في سياق أزمنتهم وبيئتهم. ويرسم الفصل الختامي للكتاب بعض الخطوط من تحليلاتها إلى شخصيات معاصرة أكثر في الحملة ضد إسرائيل. لا تبدو الصورة التي يمكن تشكيلها من الكتاب سهلة التلخيص، فمعظم موضوعات لينفيلد عولجت وانحرفت في أفكارها حول الصهيونية، وغالباً ما انتقل هؤلاء الكتاب من كونهم داعمين أقوياء للحركة الصهيونية إلى منتقدين قاسين لها. فعلى سبيل المثال، انضمت أرنت إلى الحركة الصهيونية في ألمانيا إثر وصول هتلر إلى السلطة، لكنها أصبحت معارضة لإسرائيل حتى قبل أن تصبح هذه الأخيرة دولة. كما دعم كويستلر الجناح العسكري للصهيونية بقيادة زئيف جابوتينسكي لكنه كره يهود الدولة الجديدة بقدر كرهه ليهود أوروبا التي نشأ فيها، وكان يأمل، أن تختفي الهوية اليهودية في نهاية المطاف. وكان إيزيدور ستون، الصورة الرمزية للنقد الصحفي المستقل في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، صهيونياً متحمساً في أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي، لكنه أصبح ناقداً شرساً لإسرائيل في أعقاب حرب الأيام الستة عام 1967. كما اتبع تشومسكي مساراً مشابهاً  ليظهر كواحد من أشد (اليهود) المنتقدين لإسرائيل، وهو الدور الذي لا يزال يلعبه حتى بعد بلوغه التسعين من عمره.

عارض العديد من موضوعات لينفيلد الصهيونية على أسس أيديولوجية. عارض الاشتراكيون والماركسيون أي شكل من أشكال النزعة القومية، سعياً وراء مستقبل عابر للأفكار تحل فيه مكانة الطبقة العاملة محل الهويات القومية، وفي حالة اليهود، يكون الحل في القضاء على آفة معاداة السامية. كما عارض آخرون الصهيونية باعتبارها تعبيراً عن انزعاجهم من كونهم يهوداً. قام إسحاق دويتشر، البولوني المولد وكاتب السيرة الذاتية للزعيم الشيوعي ليون تروتسكي، بصياغة عبارة “اليهودي، اللايهودي” لتعريف هذه السمة. كما وجد آخرون أن تطور الصهيونية (أو بشكل أكثر دقة تطور السياسة الإسرائيلية عقب حرب الأيام الستة) مثير للقلق ويصور إسرائيل على أنها معتدية، وحصان طروادة للإمبريالية الغربية الجديدة في معارضة الحقوق الشرعية للشعب الفلسطيني. ويوضع تشومسكي وستون في سياق هذه الفئة، بالإضافة، كذلك، إلى عدد لا بأس به من مساعديهم الأصغر سناً من اليسار. في حين يظهر هاليداي كشخصية منضبطة، وهو صحفي يساري من أصول إيرلندية تحول إلى النشاط الأكاديمي، وبدأ حياته المهنية كمدافع صريح عن الحقوق القومية للشعب الفلسطيني، لكنه  يعترف بأن حل الدولتين هو النتيجة الواقعية الوحيدة لحل الصراع المستعصي، وهو الموقف الذي أدى إلى نبذه من قبل العديد من اليساريين. فقط يظهر اسم ألبرت ميمي، المولود في تونس والذي كان مؤيداً للحركة المناهضة للكولونيالية التي اجتاحت شمال إفريقيا في عقد ما بعد الحرب العالمية الثانية، في وصف لينفيلد كيساري استطاع الحفاظ على هويته الصهيونية.

يحتاج أي شخص لديه اهتمام بالحجج حول مستقبل إسرائيل وفلسطين التي تظهر كثيراً في عناوين الأخبار حيث أصبحت قضية مشحونة بشدة في السياسة الأمريكية، إلى قراءة كتاب لينفيلد جيد التوثيق هذا. على الرغم من أن المرء قد يرغب في أن تكون لينفيلد قد انهمكت أكثر في الحديث عن المزيد من الشخصيات المعيارية اليسارية، إلا أنها تقدم أساساً جوهرياً ضرورياً لتقويم النقاشات التي تدور الآن حول إسرائيل وفلسطين.. في حين أن تقسيمها للموضوعات إلى” أوروبيين” و”اشتراكيين” و”أمريكان” غير متسق أو غير مفيد بعض الشيء (معظم “الاشتراكيين” هم “أوروبيين”؛ يبدو أن لبلدانهم الأصلية  تأثير خفي على موقفهم من الصهيونية)، وبينما يمكن النظر إلى اختيارها للموضوعات كاختيارات متوقعة أتت بعد فوات الأوان (هل كان تفكير آرثر كويستلر حول الصهيونية مؤثراً بشكل كبير؟) فقد احتلت مكانة بارزة في توجيه انتقادات إلى التناقضات في وجهات نظر النظرية والممارسة الصهيونيتين من قبل الكثير من اليساريين وفي تسليط الضوء على مقدار الجدل “الذي تأسس على ادعاءات وتأكيدات تاريخية خاطئة” وفي التحذير “من مخاطر الخيال والرمز والاستعارة والنظرية” الذين يمكنهم تجاوز “الواقع والتاريخ”.

ربما، للأسف، من أعراض صعوبة حل القضية الإسرائيلية الفلسطينية أن ما سبق صحيح على الجانب المؤيد للصهيونية وكذلك الجانب المعادي للصهيونية على حد سواء.

ملاحظات المترجم

*تذكر مؤلفة الكتاب تلك الحادثة بقولها: (ذات يوم ممتع من صيف العام2013، كنت أجلسُ صحبة رفيقة لي، وهي مثقفة يهودية إسرائيلية، في مقهى يعجّ بالحياة في تل أبيب. صديقتي هذه تنتمي إلى أقصى اليسار وتدعو إلى حل الدولة الواحدة وهي مناهضة للصهيونية بشدة. (هاجرت من إسرائيل منذ ذلك الحين)، وكانت قد سألتني، أثناء الحديث، ماذا  كنت أقرأ في الآونة الأخيرة، فأجبتها أطالع كتابات حنّة أرنت، فندت عنها شهقة وتبعتها بالقول بحماسة لافتة للنظر: “أوه، لقد كان تكره الصهيونية!”).. وتتابع لينفيلد :(ما قالته صديقتي هذه إنما هو اعتقاد شائع لدي شيعتها من أهل اليسار -وكما يتضح أيضاً، لدى أهل اليمين. ويتم الاستشهاد بكتابات أرنت عن الصهيونية وإسرائيل بصورة متكررة ومطّردة من قبل دعاة اليسار المدافعين عن دولة “غير صهيونية” أو دولة ثنائية القومية، والذين يشيدون بما يفترض أنها رؤيتها التنبؤية بخصوص الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، ويعتبرونها مرجعاً في هذا الشأن، حيث تسبغ عليها صفات مثل، أنها:  “دقيقة بشكل مثير للإعجاب” و “متبصرة بطريقة لا توصف” و “لاذعة”؛ وأشيد بها لشجبها الشجاع “لحماقات وجرائم الصهيونية”. بينما يتفق بشدة، أصحاب الطرف الآخر من الطيف، أي المؤيدون المحافظون لإسرائيل على أن أرنت كانت عدواً نسقياً وأم وأساس “رهاب إسرائيل”. هكذا تظهر أرنت، قديسة أو خاطئة، نبية أو خائنة، إلهة أو شيطاناً، وذلك حسب الموقف السياسي الذي يتبناه الفرد.).

** لا تنظر لينفيلد إلى حنّة أرنت على أنها عدو نسقي لإسرائيل كما أنها ليست مناهضة للصهيونية بصورة مطلقة، بل، ترى لينفيلد أن  محاولات استخدام أرنت -الاستخدامات التي دائماُ ما تكون انتقائية للغاية- لدعم المواقف المعاصرة تجاه إسرائيل تكاد تكون خاطئة على الدوام. ومع ذلك، فإن تحليل وجهات نظرها حول الصهيونية أمر مهم كما بدو. فمعظم الأشياء التي كانت تهتم بها (وأولتها اهتمامها) مثل: القومية، السيادة، المقاومة، التعاون، الحرية، العدالة، الحكم- تتشابك، جميعها، مع كتاباتها عن الصهيونية، والمحرقة שואה ، وإسرائيل. دخلت أرنت في صراع مع الصهيونية، ثم مع إسرائيل، لأكثر من ثلاثة عقود: صراع تتدخل فيه علاقات القوة والعاطفة والاحترام والازدراء. وكتبت مئات الآلاف من الكلمات وعشرات المقالات والدراسات، ولعل أشهرها كتاب “أيخمان في القدس”. لقد سخرت من السيادة السياسية اليهودية ولكنها جادلت بشدة لصالح وجود جيش يهودي والدفاع اليهودي عن النفس، والحق اليهودي في فلسطين، وحق إنشاء سياسة يهودية وعالم يهودي محددين. ( مثلما تلاحظ: “لا يمكن لأي شعب أن يكون أقلية في مكان ما إلا إذا كان يشكل أغلبية في مكان آخر”.) كانت أرنت معارضة لاذعة لمصطلح لاستيعاب ومعجبة متحمسة للإنجازات الصهيونية -الاقتصادية والسياسية والفكرية والاجتماعية- في فلسطين، ولاحقاً، في إسرائيل، على الرغم من أنها أعربت أيضاً عن اشمئزازها من الصهيونية الموجودة بالفعل. عارضت تقسيم فلسطين وأصبحت في طليعة المنتقدين لإسرائيل بعد قيام الدولة، رغم أنها دعمت إسرائيل بشكل لا لبس فيه في حربي 1967 و 1973. باختصار، كانت مواقفها تجاه الصهيونية متذبذبة: ليس فقط على مدى شهور أو سنوات أو عقود، ولكن ضمنهم أيضاً. لا يمكن اختزال هذه المواقف إلى مواقف “مؤيدة” أو “مناهضة” ، على الرغم من جهود الاختزاليين للقيام بذلك. كانت أرنت على حق في بعض الأحيان، لكن في تقديري، غالباً ما كانت خاطئة، سواء في تحليلاتها أو في تنبؤاتها. ومع ذلك، هذا هو الجانب الأقل أهمية في آرائها. والسبب قراءة أرنت في هذا الموضوع هو عدم انتقاء سطور معينة منتصرة من قبيل “لقد قالت هذا! لا، قالت ذلك!” ولا يمكن للمرء أن يجادل بشكل معقول بأنه كان هناك دائماً منطق مهيمن على آرائها حول الصهيونية. على العكس من ذلك: إن التناقضات الشديدة في كتاباتها -على ما أعتقد، دليل على جهد حقيقي لمعالجة ما رأت أنه أهم القضايا- يمكن أن يكون بمثابة ترياق رصين للبساطة الخشنة التي تدور حولها النقاشات الحالية لتي تنحدر منها إسرائيل. إن سبب قراءة أرنت عن الصهيونية هو إعادة الصعوبات الجسيمة التي واجهت دائماً إقامة دولة للشعب اليهودي. وعلى نفس القدر من الأهمية، فإن كتابات أرنت عن إسرائيل هي تحذير -وإن لم يكن ضد الصهيونية أو الدولة القومية، كما اعتقدت هي وكما يعتقد المعجبون المعاصرون لها. تحذر كتاباتها من فرض نظريات سياسية مجردة، حتى رائعة منها، على مشكلة سياسية متميزة. للمزيد انظر: http://blog.yalebooks.com/2020/07/13/hannah-arendt-on-zionism/

..

هوامش

العنوان الأصلي: The Lions’ Den: Zion­ism and the Left from Han­nah Arendt to Noam Chomsky

المؤلف: مارتن غرين

المصدر:https://www.jewishbookcouncil.org/book/the-lions-den-zionism-and-the-left-from-hannah-arendt-to-noam-chomsky

عن محمود الصباغ

كاتب ومترجم من فلسطين

شاهد أيضاً

استراتيجية عمل الصهيونية المسيحية الداعمة لإسرائيل 6

ترجمة: محمود الصباغ الفصل السادس: محاربة نزع الشرعية الإسرائيلية في المجال العام “إسرائيل هي أيضاً …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *