الرئيسية > سياسة > ترجمة > شظايا كتاب: ما لم تنهه حنّة أرنت عن كارل ماركس

شظايا كتاب: ما لم تنهه حنّة أرنت عن كارل ماركس

قراءة في كتاب

عرض: جيفري ويلدنجر

ترجمة: محمود الصباغ

يقدم كتاب حنّة أرنت غير المكتمل عن ماركس حواراً فلسفياً معاصراً لزمننا الاقتصادي غير المستقر، ويظهر ذلك من جهد باربارا هان وجيمس ماكفرلاند محرري الكتاب الذي خرج بعنوان: التحدي الحديث للتقليد: شظايا كتاب*.The Modern Challenge to Tradition: Fragmente eines Buchs. إذ ليس  من المستغرب، في هذا العصر من عدم الاستقرار الاقتصادي وتجدد الاستبداد، أن يحتل كل من كارل ماركس وحنّة أرنت مكانة مركزية في أذهان العديد من القراء -ومكانة راسخة على رفوف كتبهم وسهراتهم. لنتذكر كيف ازدهرت مبيعات “رأس المال” في أعقاب أزمة العام 2008 المالية، فضلاً عن أن وجود شخصية مثل دونالد ترامب من منصب الرئاسة الأمريكية سوف تقدم سبباً وجيهاً لقراءة “أصول النزعة الشمولية” [ أحد كتب حنّة أرنت الذي صدر في العام 1951- المترجم]. وإذن، من المناسب أن تبدأ النسخة النقدية الجديدة لأعمال أرنت الكاملة بهذا، وهو جزء من فصول كتاب غير مكتمل كان من المقرر أصلاً أن يُطلق عليه اسم “كارل ماركس وإرث الفكر السياسي”.

بدايةً نقول، ولدت أرنت في هانوفر في العام 1906، وعاشت طفولتها المبكرة في كونيغسبرغ (كالينينغراد حالياً) في بروسيا الشرقية. كان والداها يهودييْن مندمجين من أبناء الطبقة الوسطى العليا وناشطين مخلصين في الحزب الاشتراكي الديمقراطي. درست الفلسفة في جامعة ماربورغ تحت إشراف مارتن هايدجر، الذي كان يربطه بها علاقة ذات سمعة غير طيبة. واصلت دراستها للحصول على الدكتوراه تحت إشراف كارل ياسبرز في جامعة هايدلبرغ في العام 1929، وعلى الرغم من ازدياد معاداة السامية في ألمانيا، وازدياد تأثير الحزب النازي مما يجعل السعي وراء منصب أكاديمي [لليهود على الأقل- المترجم] شبه مستحيل، فقد تلقت أرنت تمويلاً لكتابة أطروحة تأهيل بإشراف هايدجر. (عادةً ما يُطلب من الأساتذة الألمان كتابة أطروحة الدكتوراه الثانية هذه من أجل الحصول على وظيفة دائمة.) ودفعتها تجربتها مع معاداة السامية إلى تبني التزامات سياسية واضحة، وبدأت في العمل مع المنظمات الصهيونية لإجراء أبحاث حول الحالة المزرية ليهود ألمانيا. مما جعلها عدوةً للنازيين، فأجبرت على مغادرة البلاد إلى فرنسا في العام 1933. ومن ثم هربت، في العام 1940، إلى الولايات المتحدة، حيث أمضت بقية حياتها، وحافظت على حياتها المهنية البارزة  كفيلسوفة سياسيّة وشخصية ثقافية وفكرية عامة.

يقدم المجلد الأول من “الطبعة النقدية Critical Edition ” مادة جديدة مهمة، لم تكن متاحة من قبل إلّا للراغبين في تدقيق المخطوطات والمخطوطات المطبوعة في مكتبة الكونغرس. ويعتبر عرض النصوص (باللغتين الألمانية والإنجليزية) المكتوبة بين عامي 1951 و 1954، بمثابة جهد هائل لإعادة البناء التاريخي الفكري. ويسد هذا الكتاب ثغرتين في عمل أرنت: العمل الفكري الذي يربط عملها “أصول النزعة الشمولية The Origins of Totalitarianism ” (1951) بالكتب اللاحقة مثل “الحالة الإنسانية The Human Condition ” (1958)، وتطور فكر أرنت عبر الخمسينيات من خلال سلسلة من الارتباطات المجزأة مع الكتابات عن ماركس ومن خلال الجدل مع أقرانه الأمريكيين والألمان. ومن الصعب تخيل حوار أكثر تزامناً.  تم دمج بعض أفكار أرنت حول ماركس في مجلدات نُشرت خلال حياتها، بما في ذلك “الحالة الإنسانية”، وظهر البعض الآخر، بعد ذلك، في عدة مجلدات، بعد وفاتها، من تحرير جيروم كون. ولكن ما يجعل هذا المجلد مميزاً وغنياً، هو أنه لا يشتمل فقط على نصوص لم تُنشر سابقاً، بل أيضاً، المتابعة التفصيلية لاستجابتها المتطورة لفكر ماركس، من خلال توثيق عملية المراجعة.

يصرخ الفرنسي، في مسرحية جورج بوخنر “موت دانتون” (1835)، بكلمات بيير فيرجنيود الشهيرة، “الثورة مثل ساتورن -إنها تأكل أطفالها”. ربما كان هذا السطر في ذهن أرنت عندما كانت تكتب هذه النصوص، والتي حاولت على مدار ما يقرب من 600 صفحة التصالح مع التحدي الثوري الذي طرحه ماركس في الفلسفة السياسية. لقد استجابت أرنت من خلال تطوير شكل بديل للسياسة، إلى ما تسميه “الولادة”: التعاون يولد المستقبل، بدلاً من الحماسة الثورية التي تلتهمه.

وتكمن قيمة هذا المجلد، جزئياً، من توضيحه للعلاقة بين أرنت والماركسية، والتي تم تعريفها منذ فترة طويلة بمصطلحات جدلية. فقد نظر، الماركسيون إلى أرنت، في أغلب الأحوال، على أنها رجعية أو محافظة أو نخبوية؛ كما يصفونها بأنها تفضل “التركيب الميتافيزيقي أو الإحساس الشعري عن الواقع”، على حد قول المؤرخ إريك هوبسباوم. ويمكن، وإن كان بصعوبة في الوقت الحالي، أن تبدو مثل هذه الاتهامات في محلها، بعد أن اشتهرت بنصوص قوية مثل “نحن لاجئون” و” أيخمان في القدس” (1963) والتي من الواضح أنها تقع، من خلالها، على الجانب اليساري الليبرالي من الطيف. وقد يبدو غريباً اعتبارها رجعية، وهي التي بدت كإنسانة ملتزمة بالعديد من القضايا التقدمية في وقتها، كما أنها تقدّر روزا لوكسمبورغ. ولكن القصة ليست بهذه البساطة، فقد أثير الكثير من النقد الجدلي لمقالها “تأملات في ليتل روك” باعتباره يقع على هامش العنصرية، على الأقل من قبل معاصريها ومن قبل الفيلسوفة كاثرين س. بيل. ويشير  كتابها “أصول النزعة الشمولية” إلى تكافؤ الشيوعية والنازية، وهي الأطروحة المرتبطة الآن بـ “إرنست نولت”. يتخطى كل من “الحالة الإنسانية” و”حياة العقل” (1978) الادعاءات الواقعية حول التاريخ الاجتماعي إلى التفكير التأملي حول طبيعة العمل والفعل والحكم.  وفي مؤلفها “بصدد الثورة” (1963)  تمنح الثورة الأمريكية امتيازاً على الثورة الفرنسية، وهو تقويم يختلف معه الكثير من اليساريين. أخيراً، بقدر ما ساهمت أرنت في مجلة “كونفلوانس، إنترناشيونال فوريوم Confluence: An International Forum ” التي أسسها وأدارها هنري كيسينجر، يمكن للمرء حتى تصويرها على أنها “محاربة باردة”، أو كما يصفها المؤرخ صمويل موين في كتابه الجديد الممتاز عن أرنت “ليبرالية الحرب الباردة Cold War liberal “، على الرغم من تخيلنا أنها ستكره كلا التسميتين.

سوف يجبر المجلد الجديد عن ماركس الباحثين على إعادة تقويم بعض افتراضاتهم. يجمع محررو الكتاب مادة مطولة للدراسة تغامر في الدخول إلى المنطقة العميقة الواقعة بين “أصول النزعة الشمولية” و”الحالة الإنسانية”، من خلال ترتيب بعض المقالات التي نشرتها أرنت في النهاية، مثل “الفهم والسياسة”، ضمن سياقها الزمني إلى جانب أجزاء غير منشورة، مثل “كارل ماركس وإرث الفكر السياسي الغربي: التحدي الحديث للتقليد”. يوضح الكتاب تقدير أرنت العميق للادعاءات الثورية للماركسية وتخوفها منها. وهي تفهم الثورة، مثل ماركس، على أنها نتاج الانفصال بين مُثُل الحداثة للعدالة والمساواة وواقع الرأسمالية. كما تدرك، مثل ماركس أيضاً، معنى “العنف الصامت” للسوق. ومع ذلك، فهي ترتاب في قدرة الماركسية على تجنب معضلة بوخنر: أهوال العنف الثوري. وتظل عالقة، من حين إلى آخر، في كليشيهات جدل الحرب الباردة، وهنا يمكن أن تكون قراءتها لماركس ضعيفة. ولكن عندما تنفصل عن هذه اللحظة العمياء، فإنها تطوّر رؤى رائعة.

ويكمن جوهر خلاف أرنت مع ماركس في الأهمية التي توليها لمسألة الحقوق السياسية على الحقوق الاجتماعية. وطوّرت أرنت هذه الأولوية على نطاق واسع في مؤلفها “بصدد الثورة On Revolution ” (1963). وتستشهد كاتبة السيرة الذاتية لأرنت، إليزابيث يونغ بروهيل، بمراجعة قام بها مايكل هارينغتون، الذي سوف يؤسس لاحقاً منظمة الاشتراكيين الديمقراطيين في أمريكا**، كممثل لاستقبال الماركسية في أمريكا. وعلى الرغم من أنه يقبل الحجج الواردة في النصف الأخير من الكتاب، بمديحه لـ “الشيوعية المجالسية***” لروزا لوكسمبورغ ، إلا أنه يرفض الحجة التي يستند إليها إشادة أرنت، أي: أولوية الحقوق السياسية على التحسين الاجتماعي. قد تصدمنا قسوة انقسام أرنت باعتباره انشطار مبالغ فيه، لكنها تمسكت به، وعندما سألتها صديقتها ماري مكارثي، في أواخر أيامها، عن سبب عدم إمكانية تعريف بعض الأمور الاجتماعية على أنها مجرد حقوق (الرعاية الصحية، على سبيل المثال)، تهربت حنّة من السؤال. فالتمييز السياسي، بالنسبة لها، هو بين المجال الخاص والمجال العام. وهي تعتقد أن محاولة تسييس القطاع الخاص من المرجح أن تُخضع السياسة للاقتصاد أكثر مما يمكن توقعه من عكس ذلك.

وكما هو الحال في محادثتها، غالباً ما تتميز كتابات أرنت عن الاهتمامات الاجتماعية بالنزعة الدفاعية، لكنها، مع ذلك، لا تكف عن انتقاد الرأسمالية. ويبدو أن هذا الكتاب يمثل نعمة للمهتمين بفكرها فيما يتعلق بالمسائل الاقتصادية، لا سيما حين تنأى بنفسها عن كل من المفكرين الاشتراكيين ومفكري السوق الحرة. لقد اعتقد كارل ماركس، وفقاً لنموذجه الديالكتيكي للتاريخ، أن الرأسمالية ستخلق حفاري قبورها [ وردت العبارة في البيان الشيوعي بصيغة: “إن البرجوازية تنتج، قبل كل شيء، حفّاري قبورها- المترجم]. وتبدي أرنت شكوكاً  نحو  أي ميل من هذا القبيل لتدمير الذات، وبالتالي، لا ترى أن ثمة ما يمكن إصلاحه، ديالكتيكياً، عندما يتعلق الأمر بعنف عالم السوق. كما أنها تجادل بأن المصادرة الكاملة للملكية هي “الجحيم” بعينه، على الرغم من أن آليات السوق الحرة من شأنها استعمار مساحة العمل السياسي بالكامل. إن السعي الدؤوب لتحقيق الغايات الاقتصادية، سواء على هيئة سوق حرة أم على هيئة إعادة توزيع، سوف يؤدي إلى العنف الجماعي. وليس من السهل تحدي هذا الإكراه الاقتصادي، إلا عن طريق السياسة، ويمكن تحديد السياسة فقط من خلال الأفراد الذين يمارسون الأحكام في العموم. وتكمن المشكلة في أن وسائل ضمان إمكانية ممارسة الحكم لا يمكن تحديدها مسبقاً.

إن كتاب “التحدي الحديث للإرث” لا يوفق بين دائرة الضوابط السياسية هذه على المساعي الاقتصادية بقدر ما يكمن في استعصاء المشكلة.

تبدو حجج أرنت في المادة المجمعة هنا، واسعة، ومبدئية في أغلبها، وهذا يجعل القراءة مثيرة عندما يدخل المرء “المسكن الخفي” (على حد تعبير ماركس من رأس المال) لإنتاجها الفكري، ولكن لن يجد جميع منتقديها اهتماماتهم الموجهة. وبقدر ما توجد أطروحة توحد المجموعة، فهي  حين تجادل في “الإرث والعصر الحديث Tradition and the Modern Age ” (1954)، كيف يقطع ماركس خيط طريقة التفكير المهيمنة منذ سقراط وأفلاطون عن الإنسان. وكتبت أن “المنطق الحيواني” لم يعد نموذجاً للبشرية، بل بالأحرى الـ “هومو لابورانس” [ الإنسان العامل]. وهذا يعني أن رجل ماركس “لن يترك قط لما كان يراه أفلاطون ” كهف “الشؤون الإنسانية اليومية”. ومع هذا التحول في المصطلحات، تعتبر أرنت ماركس باحثاً أنثروبولوجياً أكثر من كونه باحثاً في الاقتصاد السياسي (كما عرّف نفسه). وتستند هذه القراءة على رفض عدم إيمان ماركس الصريح بالطبيعة البشرية. فتزعم أرندت أن ماركس لديه فكرة فعّالة عن معنى الطبيعة البشرية، غير أنه لا يعترف بذلك. كما تجادل بأن  المعضلة تكمن في نسخة ماركس عن الطبيعة البشرية، لأنها، أي النسخة، تُخضع الأسئلة السياسية للقوى الاقتصادية. وبالنسبة لأرنت، يجب أن يُحكم المجتمع بالحكم السياسي، وليس بالضرورة الاقتصادية.

يبدأ  كتاب “التحدي الحديث للإرث” من حيث ينتهي الأصول، بمقال بعنوان “الإيديولوجيا والإرهاب Ideology and Terror ” (1953). في الفصل الذي يحمل عنوان “الأصول” نفسه، قدمت فيه أرنت أحد أكثر مزاعمها المثيرة للجدل، “تلك الوحدة، التي كانت ذات يوم تجربة حدودية.. أصبحت تجربة يومية للجماهير المتزايدة باستمرار في قرننا”. ويمكن لمنتقديها أن يؤمنوا بسهولة في غلبة الشعور بالوحدة، لكنهم غالباً ما يطعنون في العلاقة السببية الظاهرة التي تقترحها أرنت بينها وبين الدول الشمولية. ويستجيب المقال الأخير المتضمن في “التحدي الحديث” لمنتقديها وينقح جوانب من حجتها التي لم تكن في لحقيقة على تلك الدرجة من الوضوح. وتحافظ أرنت، هنا، على مركزية الشعور بالوحدة في النزعة الشمولية، ولكن من الواضح أنها لا تستند إلى سبب وجودي -ولنقل، الشذوذ anomie، تلك الكلمة الأساسية للنظرية الاجتماعية عند إميل دوركهايم -بل تستند إلى قضية سياسية: الإرهاب. وتزعم أرنت أن الوحدة ليست سبباً في الاستبداد، لكن الإرهاب ينتج عنه الشعور بالوحدة. بمجرد أن يشعر الناس بالوحدة، سوف تجد الحكومات الشمولية أنه بات من السهولة بمكان الحكم، لأن الأشخاص المنعزلين يجدون صعوبة في أن يكونوا معاً، كما أنهم يفتقرون إلى الروابط الأسرية القوية اللازمة لتنظيم حالات التمرد. وتمنع هذه الآثار الفردية للوحدة العمل السياسي حتى في الدول غير الشمولية، لأن السياسة تتطلب التعاون والتبادلية. وتزعم أرنت، في هذا الصدد، أن العواطف تلعب دوراً في السياسة.

تجادل أرنت بأن العزلة، وعلى عكس الشعور بالوحدة، يمكن أن تكون نعمة للسياسة. في حين أن الوحدة “ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالاقتلاع والازدراء.. وليس لها مكان في هذا العالم، ليعترف بها وتكون مضمونة من قبل الآخرين، أما “العزلة فهي عكس ذلك تماماً. لأنها “تتطلب منا أن نكون وحيدين”، لكن “الوحدة تظهر نفسها بشكل حاد في الشراكة[ بمعنى الصحبة -المترجم] مع الآخرين”. وهي غالباً ما تقتبس سطراً من شيشرون، يُنسب في الأصل إلى كاتو، لوصف الاختلاف: “لم يكن أبداً أقل وحدة مما كان عليه عندما كان بمفرده numquam minus solum esse quam cum solus esset “. ومع ذلك، نراها تكتب “يمكن أن تصبح العزلة وحدة؛ يحدث هذا عندما أترك نفسي بمفردي”. ثم تستنتج بالقول: “ما يجعل الشعور بالوحدة أمراً لا يُحتمل هو فقدان المرء لذاته، والذي يمكن تحقيقه في العزلة ولكنه يتعزز في هويته فقط من خلال الشراكة [بمعنى الصحبة] الموثوقة والجديرة بالثقة [لأناس متساوين]. يفقد المرء في [الوحدة]، الثقة في نفسه كشريك لأفكاره والثقة الأولية في العالم الضرورية على الإطلاق لتجاربنا. وعندها تضيع الذات والعالم والقدرة على التفكير والخبرة في ذات الوقت”. وبينما تؤمن أرنت بأن النزعة الشمولية تنتج الشعور بالوحدة، وتعتبر ستالين شخصاً شمولياً، فهي لا تلومه على ماركس. وتقول إنه، من سخرية القدر، أن يثبت ستالين أهمية ماركس، لأن ماركس “هو الوحيد من بين عظماء الماضي الذي لم يكن مهتماً بالفعل بالمآزق التي لا تزال هي مآزقنا الخاصة، والتي يمكن [كذا] لأي واحد منا أن يستخدمها أو يسيء استخدامها بأحد الأشكال الجديدة للحكومة “. إن الشرف المريب أن يكون المرء على صلة بالموضوع ينبع من اختلاس الفرد، ومع ذلك فإن انتقادها لماركس يبدأ هنا فقط.

تجد أرنت أأن ماركس يعاني من معضلتين: تبدو لها الأولى كمعضلة منهجية بسبب استبداله الفلسفة بالسياسة. أما المعضلة الثانية، فهي فلسفية، بسبب امتلاكه لنموذجه الديالكتيكي للتاريخ. وتصل إلى  نتيجة ترى فيها أن الرأسمالية، بالنسبة لماركس، تتكون من عملية ينتقل فيها المزيد من الناس تدريجياً من كونهم فلاحين ليصبحوا عمالاً مأجورين، وليس لديهم خيار سوى العمل من أجل البقاء. وهي توافقه، حتى هذه النقطة. غير أن الخطوة التالية هي المشكلة. حيث يجادل ماركس بأن تقسيم المجتمع إلى ملاك وعمال يجعل الثورة ضرورية وحتمية، بينما تجادل أرنت، على النقيض من ذلك، بأن تشكيل أحزاب العمال ومنح الحقوق القانونية للطبقة العاملة ينهي حتمية الثورة. وبينما يبدو أن هذا يتناسب مع الانقسام الكلاسيكي بين مفهم الإصلاح ومفهوم الثورة، فإن ما تفهمه أرنت له أهمية فلسفية عميقة. علاوة على ذلك، مجرد القول أن الثورة ليست حتمية، هذا لا يعني أن الإصلاح سوف يحل المشكلة التي يطرحها الاقتصاد الرأسمالي.

تقرّ أرنت لماركس في طريقة التفكير في “العنف الصامت” في المجتمع الحديث، وهو عنف تجده منتشراً في كل مكان في الديمقراطيات بطريقة ليس أقل من انتشاره في الديكتاتوريات. كما أنها حددت ماركس باعتباره يحتل المكان الأول في الإرث العظيم للفكر السياسي الغربي الذي يركز على هذه المشكلة: ” كان ماركس يعلم أن عدم التوافق بين الفكر السياسي الكلاسيكي والظروف السياسية الحديثة يكمن في الحقيقة المنجزة للثورتين الفرنسية والصناعية، اللتين رفعتا العمل إلى أعلى مرتبة من الإنتاجية والذي كان يُنظر إليه- تقليدياً- كأكثر الأنشطة البشرية احتقاراً، ويبدو كأنه قادراً على تأكيد المثل الأعلى للحرية الذي تم تكريمه على مر الزمن في ظل ظروف غير مسبوقة للمساواة العالمية. كان يعلم، أي ماركس، أن السؤال لم يُطرح إلا بشكل سطحي في التأكيدات المثالية على مساواة الإنسان.. كما أن الرد، بمنح العمال حق التصويت، كان سطحياً أيضاً. ولم تكن هذه معضلة تمت بصلة بالعدالة بحيث يمكن حلها بإعطاء الطبقة الجديدة من العمال حقها.. بل، ثمة حقيقة يتم التعبير عنها بعدم التوافق الأساسي بين المفاهيم التقليدية التي تجعل العمل بحد ذاته رمز خضوع الإنسان للضرورة والعصر الحديث الذي شهد رفع العمل للتعبير عن الحرية الإيجابية للإنسان، أي حرية الإنتاج”.

ورغم أن الإصلاح ليس كافياً، إلّا أن ماركس كان مخطئاً في رغبته في “تحقيق الفلسفة”، أي جعل الادعاءات المثالية للعدالة والاستقلالية فعليّة من خلال تسييس الاقتصاد. هذه البادرة من ماركس “تُخضع الفكر [والسياسة بالتبعية].. إلى استبداد الضرورة الذي لا يرحم، وإلى “القانون الحديدي” للقوى المنتجة في المجتمع”. وتسعى أرنت، بدلاً من ذلك، إلى مسار يمد الحرية السياسية دون محو الاختلاف بين السياسة والاقتصاد. وتبدي تلميحات في هذا الكتاب لأشكال السياسة التي تبتدعها والتي يمكنها أن تتحدى الرأسمالية، على الرغم من افتقارها، عموماً، إلى نموذج معياري يمكنه منافسة فكرة ماركس عن الثورة.

تضع أرنت ثقتها في التزام قوي بوجود الصدفة في التاريخ، والتي تسميها الولادة. وكانت قد طورت هذا المفهوم بالفعل في عملها المبكر عن القديس أوغسطين، الذي، غالباً، ما تستشهد به: “لقد خلق الإنسان، ولم يكن أحد قبله، لذلك يمكن أن يكون هناك بداية”. كما تجادل بأن كل ولادة تجلب إمكانية لعالم مختلف تماماً. هذا صحيح بالنسبة للمواليد من الناس ولا يقل صحة بالنسبة لتلك الأفكار والأشكال الاجتماعية أيضاً. وهذا، بالطبع، خلاف آخر مع ماركس، حيث تجد التاريخ مليئاً بلحظات صدفة يكون فيها لأحكام الأفراد وأفعالهم عواقب كبيرة، بينما يرى فيها ماركس ظاهرة ثانوية تخفي التوترات الأساسية التي توجه التاريخ. “الولادة هي شرط التعددية البشرية. والسياسة.. ضرورية فقط لأن الإنسان كائن موجود فقط مع الجماعة طالما هو على قيد الحياة.. وطالما أننا نعيش، وبغض النظر عن نوع الحياة التي نعيشها، لا يمكننا تجنب عدم القدرة على التنبؤ بالأفعال البشرية حيث يكون الشيء الوحيد الذي يمكننا التنبؤ ليس النتيجة الفعلية للعملية التي بدأناها، ولكن كل عمل جيد، بغض النظر عن السبب أو الدافع، سيجعل العالم أفضل قليلاً، وكل عمل سيء، بغض النظر عن النهاية السامية، سيجعل العالم لا محالة أسوء قليلاً، تماماً مثلما أن كل عمل عظيم، الآن وهنا، سوف يثير مستوى الوجود البشري،  يظهر ما هو أفضل  وما هو أسوء ما يمكن للإنسان أن يقوم به.

وهكذا فالمهمة المعيارية التي تضعها أرنت هي مسؤولية فردية عن العالم تتجلى في النشاط التعاوني للحياة السياسية. إن ثورة الولادة هي ثورة يتحمل فيها الجميع، بشكل متبادل، المسؤولية إزاء العالم، حيث يُمارس الحكم في الخطاب العام حول المسائل السياسية.

هذا برنامج سياسي مختلف إلى حد كبير عن برنامج “يا عمال العالم، اتحدوا!” ومع ذلك فهي تتفق ضمنياً مع الكثير من مضامين هذا الشعار. وربما يكون أقرب ما يمكن أن نصل إليه في اجتماع أرنت وماركس هو تخيل مراجعة لأرنت للصيغة الماركسية للاستيلاء على وسائل الإنتاج. قد تجادل أرنت في أنه يجب علينا، بدلاً من ذلك، القول، نستولي على وسائل ممارسة المسؤولية تجاه العالم. وفي استحضار عمل عظيم، تحمل أرنت أملًا في التجديد، وولادة شيء جديد يسمح بالبداية السياسية. وفي اللحظة الحالية التي تشهد تغيراً مناخياً كارثياً، على ما يبدو، حيث من الواضح عدم وجود أي شخصية سياسية قادرة أو ترغب في اتخاذ إجراء أو محاسبة، فإن مفهوم المسؤولية لديها جاذبيتها الخاص بهذا الصدد، على الرغم من أن الكلمة غالباً ما تلطخها الخطابات المحافظة.

وكما يوضح هذا الكتاب، صراع أرنت مع ماركس هو صراع حقيقي ينتهي بمأزق. فهي تعتبره رفيقاً، لكنها لا تثق في ازدواجيته تجاه العنف وإيمانه بعلم التاريخ. يختلف ماركس وأرنت في نواحٍ عديدة، ولكن حيث يقدم الاثنان سياسة متواضعة للغاية، بمعنى :التعاون والتنظيم للملأ. وبالنسبة لكل منهما، سيحدث التغيير السياسي فقط لأن الناس، بغض النظر عن مدى تواضع وضعهم الاجتماعي، يجتمعون ويتحدثون عن نوع العالم الذي يرغبون في العيش فيه، ويسعون لجعله حقيقة.

العنوان الأصلي: The Book on Marx That Arendt Never Finished

المصدر:https://bostonreview.net/politics-philosophy-religion/geoffrey-wildanger-book-marx-arendt-never-finished

…………………..

هوامش لمترجم

*التحدي الحديث للتقليد: شظايا كتاب. The Modern Challenge to Tradition: Fragmente eines Buchs

تحرير: باربارا هان وجيمس ماكفرلاند بالتعاون مع إنغو كيسليش وإنغبورغ نوردمان

ويقع الكاب ضمن سلسة الأعمال الكاملة لحنّة أرنت  هي أول طبعة نقدية تشمل الأعمال الكاملة لأهم منظّرة سياسية في القرن العشرين. ويتناول الكتاب القراءات النقدية  التي قامت بها حنّة أرنت لإرث كارل ماركس في سياق الفلسفة السياسية، ضمن مسارات التحديث الذي يفرضه هذا القرن العنيف على الفكر، وقد طوّرت أرنت، في ضوء الأحداث التاريخية، فكرة القطيعة مع الإرث، من حلال طرح أسئلة مفاهيم تتعلق بالفكر السياسي بمعزل عن هذا الإرث. لقد كان الإطار هو الإرث الأوروبي وكذلك الأمريكي, ويتضح من خلالهما مدى اختلاف قراءة أرنت على جانبي الأطلسي. وقد بدأت أرنت، بعد وصولها إلى الولايات المتحدة الأمريكية، في النشر باللغتين الألمانية والإنجليزية، كما هو حال الغالبية العظمى من كتبها ومقالاتها المكتوبة بعد العام 1943، على الرغم من اختلاف النسخ في كثير من الأحيان بشكل كبير. تعتقد أرنت، أنه لا يمكننا فهم العالم بعد الكوارث الكبرى في القرن العشرين إلا إذا نظرنا إليه من وجهات نظر مختلفة وبلغات مختلفة. والمجلد السادس هذا يقدم مشروع كتاب ظل جزءً منه وعملت عليه أرنت بعد الانتهاء من دراستها الرئيسية عن النزعة الشمولية. في البداية كان من المقرر تسميتها “كارل ماركس وإرث الفكر السياسي”، لكنه استقر فيما بعد على “التحدي الحديث للإرث”. بالإضافة إلى بعض المقالات المنشورة، تظهر حوالي 550 صفحة من نصوص مجزأة للمرة الأولى. ينفتح فيها ورشة أرنت للتفكير والكتابة، حيث يتم التشكيك في التقليد الغربي بأكمله فيما يتلق بالنظرية السياسية والفلسفة بعد كوارث القرن العشرين. يمكن الوصول إلى هذه المقدمة من خلال الرابط التالي:https://www.wallstein-verlag.de/9783835331921-hannah-arendt-the-modern-challenge-to-tradition-fragmente-eines-buchs.html

غلاف الكتاب

** الاشتراكيون الديمقراطيون الأمريكيون  The Democratic Socialists of America) (DSA)، منظمة اشتراكية عمّالية غير ربحية تأسست في العام 1981، وتعود بجذورها إلى الحزب الاشتراكي الأمريكي الذي كان من أبرز زعمائه يوجين ديبس ونورمان توماس ومايكل هارينغتون، وقد انتخب هارينغتون بالإضافة إلى الناشطة النسوية الاشتراكية باربارا إيرينريك للتشارك في رئاسة المنظمة، لا تقوم المنظمة في العادة بتقديم مرشح لها للرئاسة الأمريكية لكنها ” تناضل “من أجل تأمين إصلاحات ملحّة من شأنها أن تضعف قوّة الشركات وتزيد من قوّة العاملين”. تعتبر منظمة الاشتراكيين الديمقراطيين أكبر منظمة في الولايات المتحدة بمجموع أعضاء يصل إلى حوالي 92 ألف ( 2021) وبعدد فروع محليّة حوالي 181 فرعاً في أنحاء الولايات المتحدة/ كما انتخب في العام 2018 اثنان من أعضاء المنظمة لعضوية مجلس النواب وهما ألكساندريا أوكاسيو كورتيز ورشيدة طليب كمرشحين عن الحزب لديمقراطي، كما تم انتخاب 11 عضواً من المنظمة للمجالس التشريعية لبعض الولايات الأمريكية. وفي العام 2020 أعيد انتخاب كل من كورتيز وطليب وأضيف لهما، من المنظمة،  كوري بوش وجمال بومان كمرشحين عن الحزب الديمقراطي. يُنظر إلى منظمة الاشتراكيين الديمقراطيين في أمريكا كوريثة لإرث اليسار قديمه وجديده, إذ تعدّ وريثة المنظمة المنحلّة ” من أجل مجتمع اشتراكي”، وكذلك لجنة التنظيم الاشتراكية الديمقراطية التي ظهرت من بين صفوف الحزب الاشتراكي الأمريكي في العام 1973 من تكتل أقلية سياسي  مناهض لحرب الفيتنام، ارتبطت المنظمة بشدو بموقف مايكل هارينغتون القائل بأن “الجناح اليساري للواقعية يتواجد اليوم في الحزب الديمقراطي”، ومن هنا كانت عارضتها المتواصلة لمرشحي الحزب الجمهوري للرئاسة، مقابل دعمها لمرشحي الحزب الديمقراطي.

شعار منظمة لاشتراكيين اليمقراطيين في أمريكا

*** الشيوعية المجالسية: تيار فكري اشتراكي ظهر في العام عشرينيات القرن الماضي، يتميز بمعارضته لرأسمالية الدولة ودعوتها لمجالس العمال والديمقراطية السوفييتية كأساس لتفكيك الدولة الطبقية القوية في ألمانيا وهولندة في تلك الفترة، مازال هذا التيار موجوداً حتى يومنا هذا في داخل الحركات الاشتراكية والشيوعية. تؤمن “المجالسية” بمعارضتها للطليعة الحزبية والمركزية الديمقراطية اللتان أوجدتهما اللينينية لأنها تعتقد أن المسارات النهائية لأي حزب سياسي حتى لو ان ثورياً لن تكون سوى ديكتاتورية حزبية ( وينظرون إلى الحزب البلشفي في ثورة أكتوبر أكبر مثال على هذا، حين تحول الحزب إلى طبقة حلت محل الطبقات الإقطاعية والأرستقراطية القديمة)، وترى المجالسية الشيوعية بأن مجالس الديمقراطية الناشئة في المصانع والبلديات هي الشكل الطبيعي لتنظيم الطبقة العاملة. كما تعارض بشدة مفهوم الديمقراطية الاجتماعية من خلال معارضتها للنزعات الإصلاحية و”البرلمانية” بما تحتويه كلتاهما من معاني ” المقايضة والمساومة والتنازل”. ولا ينبغي أن يغيب عن بالنا دور “المجالس” خلال الثورة الروسية 1917، فكلمة “سوفييت совет ” الروسية تعني مجلس، وكانت “السوفييتات” قوة سياسية وتنظيمية هامة في تلك الفترة حيث سعى البلاشفة للاستفادة من تأثير هذه المجالس\ السوفييتات من أجل تعزيز مكانتهم وشعبيتهم فدعوا إلى تقل السلطة إليها وحلّ الحكومة المؤقتة عن طريق “ثورة ثانية”.. وهكذا عندما نجحت ثورة أكتوبر تشكّل ما يعرف بـ “المؤتمر السوفييتي” الذي عمل على تقليص سيطرة العمال على السوفييتات، ونالت قرارات الحزب البلشفي الصدارة والأولية ومن ثم لسيطرة التامة على الدولة، ومع الوقت ولاعتبارات عديدة ليس الآن مجال ذكرها، تطوّر النظام الحاكم الجديد أي الحزب البلشفي وسوفييتاته، إلى نظام الحزب الواحد فقط وتحولت مجلس السوفييت الأعلى إلى مجرد صدى أجوف يجتمع مرة واحدة كل عام ليصادق على قرارات الحزب وسياسات مكتبه السياسي ولجنته المركزية، دون أي معارضة تذكر..

عن محمود الصباغ

محمود الصباغ
كاتب ومترجم من فلسطين

شاهد أيضاً

سؤال وجواب: دليل “برامج التجسس”

كيف يعمل برنامج بيغاسوس Pegasus ؟ ومن هو الأكثر عرضة للخطر؟ ولماذا من الصعب حماية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *