الرئيسية > أدب > صحبة عمر أو حلم ثورة لم تأت The Company You Keep
غلاف الفيلم

صحبة عمر أو حلم ثورة لم تأت The Company You Keep

قراءة في فيلم

تبرز، من بين كل الحقائق الكئيبة في تاريخ الثورات، تلك الحقيقة الأشد كآبة المتعلقة بمعضلة الثورة الجوهرية في تمكنها من القبض على ناصية الحدث المحرك لها، أي استثمار تلك اللحظة والسير بها نحو أهداف ليست بعيدة في أحد جوانبها عن رؤية طوباوية للمستقبل، فيظهر لنا التاريخ -واقعياً- أن جزءً كبيراً من هذه الاهداف والأفكار يتحول-بعد انتصار الثورة أو هزيمتها – إلى مطية للثورين للتخلص من “ماضيهم الثوري”.. وعندها، أي بعد فوات الأوان، سيخرج لنا التاريخ لسانه، ويقول أن لا داعي للقلق يا رفاق، فترويض الثوار ليس بالأمر الصعب، وليس حكراً على ثورة بذاتها أو أشخاص بعينهم أو عصر أو مكان.

تلك هي إحدى أهم رسائل فيلم The Company You Keep [” صحبة عمر” أو “الصحبة التي يجب الحفاظ عليها”] من بطولة وإخراج “روبرت ريدفورد” والمقتبس عن رواية بذات الاسم للكاتب “نيل غوردون”*.

يحكي الفيلم والرواية، من خلال تركيزه على القضايا السياسية والأخلاقية الكبرى، قصة رجل يساري (ما تعريف يساري هنا؟) يدعى “جيم غرانت” العضو السابق في منظمة سرية راديكالية تعرف باسم Weather Underground (التي تأسست في حرم جامعة ميشيغان بهدف الإطاحة بالحكومة الأمريكية.)، في فترة انقسم فيها المجتمع إلى قسمين، قسم مع “جون واين”.. ” المؤيد للسياسة الأمريكية في فيتنام ” وقسم مع “جين فوندا”.. “المعارضة للحرب”. وكثيراً ما كان “غوردون” يردد هذه المقولة عند توصيفه لأكثر الفترات اضطراباً في التاريخ الحديث للولايات المتحدة الأمريكية.

عاش “غرانت” (باعتباره نقطة الارتكاز الأخلاقية في الفيلم) متخفياً فترة طويلة من حياته بسبب اتهامه بجريمة سطو على بنك وقتل أحد الحراس، (وهي إشارة إلى حادثة السرقة الحقيقية التي حصلت في العام 1981، التي قامت بها المنظمة السرية التي تحمل نفس الاسم في الفيلم)، وبعد سنوات طويلة من الاختباء ينكشف أمره ليبدأ رحلته المضنية للدفاع عن نفسه وعن ماضيه.

يسلط الفيلم الضوء على إرث حرب فيتنام، وتأثيرها على المصالحة الاجتماعية والأخلاقية عبر الأجيال من خلال حديثه عن “جيم غرانت” الذي يعمل حاليا كمحامٍ في نيويورك ويعيش مع ابنته “إيزابيل” ذات الأحد عشر ربيعا بعد وفاة زوجته في حادث سيارة (في الرواية لا توجد إشارة إلى أن الزوجة متوفية). لا ينظر غرانت إلى الوراء كثيراً بعكس الحكمة التقليدية التي تقول أن “النوستالجيا” هي أحد المهارات القليلة التي يحتفظ بها الثوريين وهم يقتربون من نهاية حياتهم.

يفتتح الفيلم بلقطة تظهر رجال مكتب التحقيقات الفدرالي يقبضون على “شارون سولارز” ( سوزان ساراندون) باعتبارها أحد المتورطين “بل العقل المدبر” لعملية السطو على البنك، وذلك بعد نحو ثلاثين عاماً من العيش متخفية باسم مستعار في أحد ضواحي نيويورك، مما يؤدي إلى توالي العواجل الإخبارية عبر تقارير متنوعة عن العناصر الراديكالية التي ما زالت حرة والمتهمة بالقيام بتفجيرات في عدة مدن أمريكية في أوائل السبعينيات. وتقارير أخرى تتحدث عن مسؤولية تلك المجموعة عن عملية السطو على بنك ميشيغان وقتل حارس الأمن فيه. وبطبيعة الحال تستدعي مثل هذه الأخبار نشاط الصحافة المحلية لتغطية الحدث ومنهم صحفي شاب طموح يدعى “بن شيبرد” الذي يسعى بدافع من مجد شخصي وتكريس اسمه كصحفي لامع إلى إقناع رئيسه السماح له بمتابعة القضية، فيقوم باستغلال علاقته بزميلة له تدعى “ديانا” تعمل في مكتب التحقيقات الفدرالي ليضغط عليها بغية الحصول على بعض المعلومات عن تلك الجماعة، ورغم تحذيرات رئيسها تفصح عن اسم “بيلي كوزيمانو” كأحد أصدقاء “شارون” القدماء وصديق جيم غرانت أيضاً، وأحد زبائنه والذي كان قد اعتقل أكثر من مرة على خلفية تعاطي المخدرات، ومما يثير دهشة “شيبرد” رفض “غرانت” طلب تمثيل “شارون”، فيبدأ بملاحقة “غرانت” لاستجوابه، لكن هذا الأخير يتهرب منه خشية معرفة شخصيته الحقيقية وافتضاح أمره . وحرصاً على سلامة ابنته، يحاول الاتصال بصديقته القديمة “ميمي لوري”، فهي الوحيدة القادرة على انتشاله من هذا المأزق وإثبات براءته. أثناء ذلك يكتشف “شيبرد” أن “غرانت” لا يملك رقم ضمان اجتماعي قبل العام 1979، كما يعثر على شهادة وفاة باسم “جيم غرانت” مسجلة في ولاية كاليفورنيا تتطابق مع شخصية “جيم غرانت” الحالية، فيستنتج أن “جيم غرانت” ليس سوى “نيك سلون” الشخص الثالث المطلوب في عمليتي السرقة والقتل (رفقة شارون وميمي)، فيقوم بكتابة مقال في الصحيفة المحلية، يخلق على إثره ضجة واسعة ويدفع مكتب التحقيقات الفدرالي لإعادة الاهتمام بالقضية. عند هذه الحد تزداد المخاطر بالنسبة لجيم غرانت، فيقرر الهرب بابنته وتسلميها إلى أخيه دانيال سلون الذي كان مراقباً من قبل السلطات المحلية على أمل إلقاء القبض على جيم، لكنه يستطيع الفرار منهم وتضليلهم، في تلك الأثناء ترفض شارون سولارز التعاون أثناء التحقيق، وتقول بكل فخر “نحن لم نخن بعضنا من قبل ولو مرة واحدة، و لن أقوم بذلك الآن”، لكنها توافق على التحدث مع بن شيبرد، فتظهر كأنها غير نادمة على نشاطها السابق، وتكشف لبن أن نيك وميمي كانا على علاقة حب لفترة طويلة.

يمضي جيم، بعد أن يطمأن على ابنته، باحثاً عن أصدقائه القدماء لعلهم يستطيعون مساعدته في إثبات براءته من جريمة القتل فيلتقي بصديقه المقرب “دونال فيتزجرالد” الذي يثنيه عن البحث عن ميمي، لكنه يطلب منه التواصل مع العضو السابق في المنظمة الطلابية “جيد لويس” الذي يعمل أستاذاً للتاريخ والذي مازال يحافظ على ذات البروباغاندا القديمة للحركات اليسارية، يرفض “جيد” في البداية مساعدة جيم- في الحقيقة يخشى على مكانته وموقعه كأستاذ- لكنه يرضخ أخيراً عندما يخبره جيم عن ابنته إيزابيل، فيقوم ببعض الاتصالات لمعرفة مكان ميمي التي تكون في تلك الأثناء تعمل بتجارة الماريجوانا مع صديق لها يدعى “ماك ماكلويد”، في غضون ذلك يأتي بن شيبرد إلى شيكاغو للتحقيق في الجريمة الأصلية فليتقي مع الشرطي المتقاعد “هنري أوزبورن” الذي كان أول من حقق في جريمة السرقة. يرفض “أوزبورن” التحدث أمام “ربيكا” (ابنته بالتبني)، ويدرك شيبرد أن أوزبورن يخفي أمر ما، فيقوم ببعض التحريات ليكتشف أن “أوزبورن” يرتبط بصلات وثيقة بعائلة ميمي قبل عملية السرقة، يقر “أوزبورن” بهذه العلاقة ويقول بأن حياة “جيم غرانت” مرتبطة بموقف “ميمي”، فإذا قالت أن “جيم” لم يكن موجوداً معهم أثناء السطو على البنك فسوف يتم تبرئته من جميع التهم (على الرغم من أن المجموعة استخدمت سيارة جيم أثناء العملية).

يبدو اللقاء بين جيم وميمي هو الأكثر إثارة في الفيلم، أو هكذا أريد له أن يكون، فمازال الطرفان يكنان لبعضهما البعض تلك العاطفة والمشاعر القوية، كما يتشاركان بعدم الندم عن أعمالهم السابقة، وإن كان جيم بدى أقل حدّة، حيث يجادل بأن كل شيء تغير في الحياة، العمل، والمعيش، والمفاهيم والأفكار.. كل شيء تقريباً، ولكن ميمي تبدو أكثر تعنتاً وصلابةً فتقول بلغة مليئة باللوعة: “لم يكن حلماً ما ناضلنا من أجله.. ليس مجرد حلم.. بل كنا نعتقد أنه حقيقة واقعة”. يطلب جيم منها أن تتغير مع هذه التغيرات، على الأقل من أجل ابنته إيزابيل، فهو لا يريد أن يكرر خطأ ارتكبه قبل ثلاثين عاماً، لا يريد أن يترك إيزابيل وحيدة تواجه مصيرها مثلما فعل هو وميمي حينما تخليا عن ريبيكا ابنتهما الوحيدة (وهو ما سوف يكتشفه بن شيبرد لاحقاً حين يعرف أن “ربيكا” هي في الحقيقة ابنة جيم وميمي.)

تهرب ميمي في اليوم التالي الذي يصل فيه شيبرد باحثاً عن جيم، فيخبره بأنه يعرف كل شيء عن أوزبورن وعن ربيكا، فيقول له جيم، لك أن تفشي السر أو تكتمه ثم يتركه ويمضي إلى أن يقبض عليه أخيراً العميل الفدرالي كورنيلوس، ثم تعرف ربيكا قصتها الحقيقية وظروف تبنيها.. وما بين هذه الوقائع يبدو أن ميمي تقوم بمراجعة شاملة لحياتها وماضيها فتقرر العودة وتسليم نفسها للشرطة، فيتم الإفراج عن جيم غرانت، ويتخذ بن شيبرد في سره قرار في عدم كشف هوية ريبيكا الحقيقية.

ما يطرحه الفيلم (والرواية بطبيعة الحال) بصورة أساسية، فضلاً عن موضوعة التجربة التاريخية التي يتبناها غوردون والتي تتعين بموجبها التجربة السياسية الحية، يرتكز بقوة على المعنى أو المعاني التي باتت -لاحقاً- تمثل طبيعة خلافية كبيرة لقضايا سياسية وأخلاقية، وهي التي كانت تعبر عن حالة ثورية في نهاية الستينيات في الولايات المتحددة، متأثرة بالرياح “الثورية” التي وصلتها عبر الأطلسي من أوروبا فنشطت الحركات المدنية المناهضة للسياسات العنصرية الداخلية وللسياسات الإمبريالية الخارجية، فضلاً عن قضايا الدفاع عن الحقوق المدنية، ومثّلت حرب الفيتنام الذروة العاطفية لهذه القضايا وللحركات الراديكالية الأمريكية، وبات الجميع على قناعة باقتراب الحلم الأمريكي أكثر من اي وقت مضى، حلم تجسد في بيان منظمة الطلاب من أجل مجتمع ديمقراطي Students for a Democratic Society سنة 1962 في بورت هورن بشعاراتها الشهيرة “لا للحرب، لا للعنصرية، ضد الإمبريالية” . فمن الشائع عند اندلاع الحرب أن يظهر من يقول “لا”، بغض النظر عن حجمهم وعددهم وتأثيرهم ومعنى “لا” التي يقصدونها أو يريدونها. ومجرد ظهور هذه الفئة يتشجع البعض الآخر ” المحايد والرمادي” لتتحول هذه الـ “لا” إلى حركة احتجاجية جدية بما فيه الكفاية لتلفت نظر الجميع إلى نشاطها -مما يعرض حياة النشطاء منهم إلى أخطار عدة ليس أقلها تعريض حياتهم لمخاطر حقيقية- وهذا أمر حقيقي وواقعي و مقنع بذات الوقت، حتى لو كنا مع أو ضد هذه الحركة. ويبقى السؤال يدور، ما الذي يجعل هؤلاء يعارضون السياسات الحكومية؟

وهل أجاب الفيلم عن هذا السؤال الكبير؟

من القضايا التي لم يقم الفلم بتوضيحها، هي الطريقة التي تحول فيها جيم غرانت من شخص طليعي راديكالي إلى شخص ذو توجه مجتمعي مندمج في مؤسسات المجتمع الذي ثار ضده ذات يوم. بمعنى لم تصل لنا الصورة التي أصبح فيها جيم غرانت ” شخص عادي” يشبه العشرات وربما المئات الذي نصادفهم يوميا في حياتنا، هل هكذا تكون نهاية الثوار أصحاب القضايا ” الكبيرة” والهموم “المصيرية”؟. في الحقيقة لم يقدم لنا أداء ريدفورد ولا حتى السيناريو مثل هذه الإجابات، بل على العكس تماماً، نلاحظ أن الحياة قبل الفيلم بقليل لا تعطي انطباعاً مقنعاً عن المجاز في معنى عنوان الفيلم (والرواية)، فحياة جيم غرانت المحامي، رب الأسرة المثالي قبل بداية الفيلم لا يمكنها أن تقودنا للاعتقاد أن ثمة صحبة عمر بين أصدقاء ينبغي الحفاظ عليها وعليهم، على الرغم من تصريحات ريدفورد المتعددة كمخرج والتي يعلن فيها عن تضامنه مع أبطال العمل الذين يشبههم ببؤساء فيكتور هوغو، وتأييده لقضاياهم لاعتقاده أن الحرب على الفيتنام قديماً مثلها مثل الحرب على العراق حالياً استندت على قضايا خاطئة.

في لحظة ما، ينساق المشاهد وراء الميلودراما المشغولة في الفيلم، لإظهار مثالية سياسية تبدو أحياناً مبتذلة وساذجة بالنسبة للأجيال المعاصرة من خلال استحضارها ثقافة مضادة للتعبير عن المشاعر الممتزجة بفخر ومجد شخصي وغضب وحسن نية يثير من الإحباط أكثر مما يثير من تفهم الحالة “التاريخية”، وتجعلك ترثي لحال أولئك “الراديكاليين القدماء”، خاصة وأن الفيلم يتحول في الجزء الثاني منه إلى مطاردة هوليوودية غير ناجحة ولا تحمل أي تشويق، رغم أن الفيلم يصنف كلاسيكياً كفيلم إثارة.

إنه باختصار يعبر عن خيبة أمل من عدم الوصل إلى الحلم الأمريكي.. إلى ثورة جديدة تعصف بالمجتمع لتبني على أنقاضه المجتمع المثالي الجديد، خيبة أمل وشعور” الثوار” بالحزن والأسى (وربما الحسرة والندم عند البعض) كلما تقدم بهم العمر، حين ينظرون خلفهم ليجدوا أن جزءً كبيراً من نضالهم ليس بالضرورة كان نضالاً صائباً، بل أنه بات، للأسف، موضع تساؤل لدى الأجيال اللاحقة، وكما تقول ميمي: “لقد عشت ستة حيوات.. ليس بينهم واحدة، هي، حياتي الخاصة”, أو كما يقول نيك سلون : “لقد كنت جيم غرانت لفترة أطول مما كنت عليه أنا نيك سلون” .

يقبض ريدفورد كمخرج على نهاية الفيلم بحيث لا تجعلها تهرب منه، حين يقنعنا بضرورة أن نوافق بين ذكرياتنا وبين حاضرنا، من خلال عملية توازن دقيقة وتفاؤل ينبغي أن يكون مدروساً، دون أن يغيب عن بالنا أن هذا هو فعلاً ما ينادي به البطل الشاب اليساري، الذي صار الآن برجوازياً متهالكاً في آخر عمره، وهكذا فما يثيرنا في الفيلم هو تحول حياة جيم غرانت إلى دراما حية، بطريقة ما، تنقل لنا مشاهد من لحظات رجل مضى في رحلة معقدة هدفها تجاوز ماضيه، فالماضي هو اللغز المتجدد في حياة الإنسان، وسطوته تكاد تكون أقوى من سطوة الحاضر (ما الحاضر إن لم يكن ماض مؤجل إلى حين؟)

رغم حماس ريدفورد، إلا أن تحويل الرواية إلى فيلم لم يكن بالأمر السهل، فالرواية بالأساس لا تتحدث بصوت شخصية واحدة، بل ثمة منطوق داخلي لعدة شخوص بمستويات وظيفية مختلفة، وهذا ما يصعب من عملية تحويل هذه الأصوات إلى سردية بصرية. في الحقيقة لم ينجح ريدفورد، نوعاً ما، في هذه النقطة، ولذلك ظهرت في فيلم لحظات ضياع أو غياب تام لبعض الشخصيات، فضلاً عن اختفاء الحوار، وإن وجد فقد بدى ثقيلاً تقريرياً، وقد أبدى المخرج التزامه واحترامه للعمل الأصلي حين اتبع الحبكة الأصلية للنص الأدبي الذي هو بالأساس معمار روائي وليس معمار سينمائي.

ما يميز الفيلم، من الناحية الشكلية، ثلاث نقاط بارزة، فأولاً، يحسب له أنه فيلم هوليوودي تحدى موقف هوليوود من الثورات، وثانياً،  كانت سوزان ساراندون السمة البارزة فيه. ففي المشاهد التي ظهرت فيها، لم يكن بمقدور المتلقي، الذي قرأ نص العمل الأصلي، أن يجد مسافة تفصل دورها وحوارها عما هو موجود في ذهن الكاتب، وأخيراً -ورغم الملاحظات العديدة حوله- ضم الفيلم أربعة فائزين بجوائز الأوسكار: روبيرت ريد فورد وجولي كريستي وسوزان ساراندون وكريس كوبر. كما ضم خمسة مرشحين للجائزة: تيرنس هوارد، وريتشارد جنكينز، وآنا كندريك، ونيك نولت، وستانلي توتشي.

“صحبة عمر” فيلم ممتع  رغم أنه لم ينل حظه من المتابعة والنقد، عربياً، وعلى الرغم من أهمية نيل غوردون -على الأقل فيما يخص القضية الفلسطينية ومسائل الصراع العربي الإسرائيلي- حيث لم يترجم -على حد علمي- أي عمل من أعماله الروائية إلى اللغة العربية.

……………….

*نيل غوردون ( 1958- 2017) : كاتب وروائي ولد في جنوب أفريقيا لعائلة يهودية، تعود بأصولها إلى ليتوانية التي هجرتها قبيل الحرب العالمية الثانية بسب تزايد معاداة السامية هناك. تربى “نيل” في أجواء مناهضة لسياسات الفصل العنصري التي اتبعتها الأقلية البيضاء في جنوب أفريقيا، تلك السياسة التي دفعت عائلته مرة أخرى للهجرة، وهذه المرة كانت وجهتها الولايات المتحدة, حيث نشأ وترعرع في أجواء مشحونة بوقائع الحرب الأمريكية في فيتنام، وهو ما جعل منه شخصاً سياسياً كما يصف نفسه، مما سوف ينعكس على بقية حياته، فرغم عمله كأستاذ للأدب المقارن بحكم حصوله على شهادة الدكتوراه في الأدب الفرنسي، إلا أن اهتماماته توزعت بين موضوعات النقد الأدبي والقضايا السياسية الاجتماعية، فضلاً عن العمل الروائي وقد صدرت له أربعة أعمال روائية يكاد يكون الهم السياسي هو الخيط الذي يربط أعماله الروائية جميعها. عاش غوردون في سبعينيات القرن الماضي لعدة سنوات في فلسطين المحتلة، وهذا ما يفسر اهتمامه بالقضية الفلسطينية، والحالة الاستعمارية التي شكلها قيام إسرائيل، وإن كان تناوله للموضوع تم من نقطة أكاديمية شديدة الخصوصية وعميقة التفكير مما يؤثر إلى حد ما على مستواها الأدبي، ولكنه لا يقلل منه، وللتدليل على ذلك قام نيل غوردون سنة 2016 بتدريس طلابه كأستاذ مادة الكتابة الإبداعية في كلية “The New School” في نيويورك، مقرراً بعنوان” قراءة فلسطين”، بمعنى “قراءة الآخر”، الهدف منه كما يقول، شرح ما تتمتع به الرواية من قدرات على تعزيز الفهم العميق للتجربة التاريخية الحية التي تمر بها فلسطين بصورة خاصة والمنطقة العربية (و يقصد ثورات الربيع العربي) بصورة عامة، حيث يمكن للرواية أن تتقصى واقع وحياة الناس هناك في الفضاء الجغرافي العربي المحكوم بحدود سايكس بيكو، حيث كانت فلسطين، ثم أعيد تعريفها لتصبح ” إسرائيل” و “الضفة الغربية” و “غزة”. وهو ما انعكس في روايته الأولى “التضحية بإسحق” (Sacrifice of Isaac) التي طرح فيها العديد من الأسئلة حول حقيقة المشروع الصهيوني في فلسطين قبل العام 1948 “أي مجتمع الييشوف” والعلاقة بين “المحرقة” و”قيام” الدولة” و”النكبة”، وهل كان الصراع الذي خاضه الييشوف صراع من أجل البقاء والحياة الطبيعية، أم صراع كان هدفه المشاركة في سياسة التوسّع الاستعماري؟ هل كانت هناك وضعية حضارية محلية فلسطينية قبل وخلال الانتداب البريطاني؟ وكيف يمكن لمشروع قومي مفترض أي يقوم ببناء سرديته الخاصة، وخلق أبطاله القوميين من العدم، واستدعاء مرويات دينية وأسطورية ، وسواهما بمفردات معاصرة للتأكيد على تلك المزاعم القومية .في حين تتحدث روايته “ابنة مهرب السلاح” (Gunrunner‘s Daughter) عن أمريكا وإسرائيل وتجارة السلاح، أما رواية “صحبة عمر” (The Company You Keep) وهي الأشهر بين أعماله الأدبية (ربما بسبب تحويلها إلى فيلم) يدور موضوعها حول اليسار الأمريكي، وحرب الفيتنام، والمعارضة الأمريكية الداخلية للحرب. وروايته الأخيرة “ها قد صرت الآن فتاة كبيرة “(You’re a Big Girl Now) تغوص في تاريخ اليسار الأمريكي منذ الحرب الأهلية الإسبانية وصولاً إلى حركة “احتلوا وول ستريت”.

عن محمود الصباغ

محمود الصباغ
كاتب ومترجم من فلسطين

شاهد أيضاً

محاكمة السياسة للأدب

في القرن الماضي، سُجلت سابقتان مشهورتان من محاولات السياسة محاكمة الفن والأدب، هما الجدانوفية والمكارثية، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *