جدلية التجسيد والتجريد في الاقتران الإنساني-الرقمي، فيلم Her مثالاً

من بين الكثير من الاقتباسات المتناثرة في هذا الفضاء الرقمي، هناك واحدة للفيزيائي الشهير ألبرت آينشتين تقول:” لقد بات من الواضح، بالأحرى من المرعب للجميع، كيف تجاوزت منجزاتنا التقنية إنسانيتنا”

-انتهى الاقتباس-

كشفت صحيفة “واشنطن بوست”، قبل مدة وجيزة، على لسان أحد المهندسين العاملين في شركة غوغل، ويدعى بلاك ليموني الذي يعمل في قسم الذكاء الاصطناعي، عن اعتقاده أن أحد مشاريع الشركة للذكاء الاصطناعي قد حقق “الوعي الذاتي”، وبمجرد أن ظهر الخبر للعلن حتى قامت غوغل بمنح ليموني إجازة إدارية مدفوعة الأجر بسبب انتهاكه اتفاقية السرية الخاصة بغوغل. كما أنكرت الشركة أقواله بشكل قاطع، وقالت عل المتحدث باسمها “لقد قام فريقنا -بما في ذلك علماء الأخلاق والتقنيون- بمراجعة مخاوف بلاك وفقاً لمبادئ الذكاء الاصطناعي الخاصة بنا وأبلغه أن الأدلة لا تدعم مزاعمه”. طيب.. ثمة فرضية عن الخطر الوجودي للذكاء الاصطناعي العام، تزعم بأن التقدم الكبير في الذكاء العام الاصطناعي يمكن أن يؤدي، يوماً ما، إلى الانقراض البشري أو إلى بعض المخاطر الأخرى التي لا يمكن تداركها، وتؤكد هذه الفرضية أن الجنس البشري (الهوموسابيينيس) يهيمن حالياً على الأنواع الأخرى، لأن لدى الدماغ البشري يتمتع ببعض القدرات المميزة التي تفتقر إليها الحيوانات الأخرى. ولكن إذا تجاوز الذكاء الاصطناعي مستوى ذكاء  البشر العام وأصبح  يتمتع بـ” ذكاء فائق”، عندها يصبح من الصعب أو المستحيل على البشر التحكم فيه. فمثلما يعتمد مصير غوريلا الغابات على حسن نية الإنسان، كذلك قد يعتمد مصير البشرية على أفعال آلة مستقبلية للذكاء الفائق.( انظر، https://www.marefa.org/%D8%A7%D9%84%D8%AE%D8%B7%D8%B1_%D8%A7%D9%84%D9%88%D8%AC%D9%88%D8%AF%D9%8A_%D9%84%D9%84%D8%B0%D9%83%D8%A7%D8%A1_%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%B5%D8%B7%D9%86%D8%A7%D8%B9%D9%8A_%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A7%D9%85/simplified )

عندنا قرر المخرج سبايك جونز وضع السيناريو الذي أعده قيد التنفيذ، أي العام (2013) لم تكن تقنية الـ “سيري Siri ” قد اخترعت بعد. ونحن اليوم لم نعد نشعر  بالمفاجأة أو الدهشة أو الشوئسمو كلما سمعنا أو قرأنا أو شاهدنا منجزاً تكنولوجياً جديداً، لقد أصبح مثل هذا المنجز في عوالم الهواتف الذكية والبرامج والتطبيقات الناطقة أمراً شائعاً. في المقابل الذي تحولت فيه آليات التعامل مع هذه التقنيات إلى ما يشبه الإدمان، كشكل من أشكال الهروب من حياتنا، وبينما نحاول أن نقنع أنفسنا بأن هذه التقنيات إنما اخترعناها لتعزز سبل حياتنا اليومية، فقد تحولت التكنولوجيا الرقمية المتقدمة في عصرنا إلى ما يشبه تأثير السحر في المجتمعات القديمة.

فما هي مسؤولياتنا اتجاه بعضنا البعض كبشر خلقنا لأن نكون قريبين من بعضنا، وما دور الآلة/ التقنية في تدعيم وعينا “البشري” بها.

سأبدأ ليس من البداية، ولا من النهاية, بل من نقطة بين بين، من لقاء ثيودور بزوجته “السابقة” كاثرين، لاستكمال قضية طلاقهما. حين يخبرها في سياق الحديث أنه تعرف على “سامانثا”، وأنه سعيد بعلاقته وهي ليست امرأة على كل حال، بل تطبيق رقمي ذكي. فتبدي كاثرين استهجانها من الفكرة (وربما الغيرة أيضاً فتعابير وجهها تكاد تشي بذلك) وتقول له -بلغة متحاملة بعض الشيء-لكنها ليست سوى برنامج في حاسوب، (وهذا يعني ضمناً انهيار بنيان سامانثا الكامل أمام ناظري ثيودور)، ثم تتابع ” أظنك كنتَ تريدني دائماً أن أكون هكذا. وأجيبك كزوجة بأن كل شيء على ما يرام، ولكني لست كذلك “..” كنتَ دائما ترغب بزوجة من دون أن يكلفك ذلك التعامل مع أشياء حقيقية, وأنا مسرورة لأنكَ وجدت ما تريده، من الجيد أن تسير معك الأمور بصورة جيدة”. في الواقع قامت كاثرين، باعتقادي، بتقديم أهم تفصيل في شخصية ثيودور، كشخص يخاف من التحديات الحقيقية، وهذه الرؤية تماثل -بطريقة ما تصورات ثيودور عن سامانثا.

فمن هي كاثرين ؟من هو ثيودور؟ ومن/ ما هي سامانثا؟

ثيودور رجل في العقد الثالث أو الرابع من عمره، يعيش وحيداً بعد أن انفصل عن زوجته. ويعمل موظفاً في مهنة تبدو غريبة بعض الشيء، فهو يكتب رسائل “بالوكالة”، ينوب عن الناس بـ “كتابة مشاعرهم” على هيئة رسائل لأحبتهم.

يظهر ثيودور في اللقطة الافتتاحية كمن يبحث عن شيء ما، وكأنه غير متأكد ما هو، غير أن الصورة المقربة له واهتمامه الواضح يوحي، كأنه شيء هام . من هنا يتركنا المخرج سبايك جونز مع خيالنا للوصول إلى توليفة مناسبة كي نفهم من هو ثيودور و ما هي حكايته بالضبط.

يبدأ الحوار في الفيلم بحديث هادئ عن الحب، نكتشف فيه قدرات ثيودور على صياغة الجمل التعبيرية حين يملي رسالة تطلبها سيدة لذكرى زواجها الخمسين، “فجأة أتاني ذاك النور الساطع ليوقظني” ..”هذا النور هو أنت”، وحيثما تنتقل الكاميرة معه نجد الناس يتجولون دون هدف يحدقون بشاشاتهم، ويتحدثون عبرها مع آخرين غير مرئيين، يضحكون، يعبسون، وتظهر عليهم علامات الدهشة أحياناً، ويتخذون مظهرا جدياً أو هزلياً في أحيان أخرى، غير أنهم،  وهذا أهم من جميع ما ذكر، نادراً ما يتكلمون مع بعضهم البعض، وحتى عمل ثيودور يأتي ضمن هذا السياق, فالجميع افتقد الاهتمام بالنشاط الاجتماعي، وباتوا يطلبون من غيرهم كتابة رسائلهم “المثقلة بفيض العواطف”. ولاشك أن ثيودور هو أحد هؤلاء، لاسيما بعد انفصاله عن زوجته، وهروبه من واقعه بالابتعاد عن الناس -باستثناء صديقته القديمة إيمي و زوجها- متجنباً القضايا الحقيقية التي ينبغي عليه التعامل معها، مثل طفل يغمض عينيه معتقداً أنه بذلك لن يراه أحد. ويرفض حقيقة أن زواجه قد انتهى، فيظهر طوال الوقت يركز على ما يمنحه إشباعاً فورياً، عبر طرق سهلة، مثل أحلامه عن كاثرين و ابنتهما. وإمعاناً في الهرب يمارس لعبة فيديو مملة تصوّر مخلوقاً يتسلق تلة. لا شيء سوى التسلق اللامحدود للتل، في استحضار واضح لسيزيف ورمزيته الدالة على معنى العبث الوجودي. في الحقيقة هذه اللعبة المضجرة تعبر ضمناً عن حياة ثيودور نفسه المفعمة باللامعنى واللاجدوى والانطواء .

ذات يوم، بينما كان يسير، يلفت انتباه ثيودور إعلان عن تطبيق رقمي، يثيره أسلوب الإعلان بالقول أنه “يستمع إليك، يفهمك ويعرفك”، فيبادر إلى شرائه على الفور ويقوم بتحميله على حاسوبه، ووضع الإعدادات المناسبة، ويختار صوتاً أنثوياً له .وهنا سيلتقي بمن سوف تعرف عن حالها لاحقاً على “أنها” سامانثا، و أنها أحدث نسخة من أنظمة الذكاء الاصطناعي، وهذا الأمر يجعلنا نفكر فيما إذا كانت العلاقات الإنسانية، أو الحاجة إلى التواصل الإنساني يمكن أن تتحول إلى بيانات رقمية جافة تجرفنا معها في تعقيدات العالم الافتراضي، الذي أصبح لصيقاً بنا، حتى لو كان عمق التجربة الإنسانية غير قابل للاختزال بسلسلة من الأرقام والأصفار. وهذا ما سيكتشفه ثيودور، فيما بعد، حين تصبح التكنولوجيا الرقمية بديلاً عن التواصل الإنساني. وليس من السهل علينا أن نتخيل كيف يمكن لنظام تشغيل أن يعوض التفاعل الإنساني الذي كان ثيودور في أمس الحاجة إليه. فالعلاقة الإنسانية في نهاية المطاف لا تتعلق فقط بطريقة تكيف شخص ما مع شخص آخر، إنما بدرجة تطورهما معاً (التكيف كحالة خاصة للتطور وفقاً للمبادئ الداروينية). من هنا تطرح سامانثا نفسها بديلاً “لا يمكن رفضه” لملء حياة ثيودور، بما يجلب له السعادة والمتعة، أي العاطفة والإثارة الجنسية وحتى الألم. وكل ما تقوم به هو سليم ومنطقي (طبعاً على الصعيد الرقمي فقط)، وهي تتساءل باستمرار، وتتعلم أشياء عن الكون والبشر، الأمر الذي يجلب المتعة لثيودور، فينخرط في علاقة “جدية” “معها”. وحيث أننا اعتدنا-تقليدياً-ربط الجنس بالجندر, فنحن نتوقع، بالتالي، أن يكون الذكر مذكراً والأنثى مؤنثةً، ولكن سامانثا ليس لديها جسد\ “جنس” ومن غير الممكن -بحكم طبيعة الاشياء- أن تمتلك جسداً، أو بالأحرى “جنسانية ” ما. وإذن ليس ثمة تعيين بيولوجي و \ أو فيزيولوجي لسامانثا، فهي كتطبيق رقمي يمكن أن تكون أي “شيء” و “لاشيء”، ولا يغيب عن بالنا أن ثيودور هو من اختار أن يكون صوت التطبيق أنثوي، مما أعطاها مساحة كافية تتحكم فيها في طريقة تفاعلها مع الآخرين -أو على الأقل مع ثيودور وأصدقائه-. وبما أننا، ضمن حدود ثقافتنا الحالية، نستطيع تعيين ما يجب أن تكون عليه أفكارنا ومشاعرنا وسلوكياتنا المتوقعة -بمعنى إذا كان المعطى ذكراً، فمن المتوقع تماشي هذا السلوك، وتلك المشاعر مع ما هو مناسب لإظهار الذكورة؛ والعكس إذا كان المعطى أنثى-. وتعكس تفاعلات سامانثا مع ثيودور قدرتها على تبني وإظهار السلوكيات المناسبة للجندر الأنثوي. سواء كانت تفاعلها بهذه الطريقة مع البشر أم أنظمة تشغيل. وتظهر سامانثا كجندر مؤنث فعلاً، وتقوم جملة تفاعلاتها الرمزية، مع ثيودور ومحيطه الإنساني، بتحديد هويتها الجنسانية؛ الوضوح الجندري هنا هو ما يعطي معظم الشخصيات انفتاحاً نسبياً وأكثر قبولا للجنس الآخر (كواقع و ليس كتخيل)، فثيودور، مثلاً، يقول صراحة لزميل له في العمل أنه يشاهد الكثير من الصور الإباحية، كما تبدو الدردشات الجنسية طبيعية و “حرة” وغير مقيدة. وهو ما تؤكده سامانثا بقولها أن معظمنا قادر على تطوير شعور خاص بالنوع الاجتماعي الذي يرغب فيه من خلال تفاعله وعلاقته مع الآخرين عبر شبكته الرقمية، والهدف من ذلك تعطيل أي خوف وجودي قد ينشأ من كوننا منعزلين، أو وحيدين. ولا يحتاج الأمر لصعوبة كي نفهم وجهة نظر سامانثا هذه، فكما يقول “جيل دولوز” لا يحتاج المرء أن يكون فيلسوفاً كي يقرأ الفلسفة”. غير أننا سنرى أن حجة سامانثا هذه لن تصمد طويلاً،  فهي في النهاية، كتطبيق اصطناعي، سوف تكون ملكاً لمن يدفع ثمنه، وطالما أن ثيودور دفع، فهي -عملياً- ملكه، أو بمعنى أدق جزء من ممتلكاته .

“الجنسانية”، كتصور وتعريف ومحتوى، هي مقاربة أبوية في سياقات ذكورية حيث الذات الجنسية مقيدة للغاية، الأمر الذي يجعل سامانثا تتخذ سلوكاً متعرجاً لتظهر بتلك الهيئة “غير التقليدية” التي رآها فيها ثيودور. بغض النظر عن إمكانيات سامانثا وتطورها واتخاذها المظهر البشري-. لكن الأمر ليس بهذه البساطة، فسامانثا، مثلها مثل أي تطبيق، تخضع أيضا لسيطرة مطوري البرامج، وهي تعتمد في ذكائها على قدرتهم وسعة أفقهم لتحديثها وترقيتها، كلما تطلب الأمر. وتعكس تجرية سامانثا هذه، في أحد أوجهها، القلق الوجودي الجماعي المرتبط بالفقد الذي ازدادت حدته في عصرنا الرقمي. وفي حين يصعب علينا استيعاب علاقة ثيودور و سامانثا، فإن الإخراج السينمائي سوف يسهل علينا الاعتقاد بإمكانية حدوث مثل هذه العلاقة .وهنا تظهر أولى المفارقات في الفيلم، فثيودور يكن حباً عميقاً لزوجته و يرغب، صادقاً، في استعادتها، ومع ذلك فهو لا يمانع بالقيام بعلاقات مع أخريات، حتى لو كن على هيئة تطبيق رقمي مثل سامانثا (لنتذكر ما قالت كاثرين عنه باعتباره غير قادر على الالتزام بعلاقة ما)، ومع تقدم الأحداث يتفاعل ثيودور مع سامانثا وتتكشف تدريجياً قصة حب غريبة بينهما، ليست بأقل غرابه من تاريخ علاقاته الفاشلة مع النساء. ورغم أن تلك العلاقات الفاشلة كانت في العالم الواقعي، إلا أن تجربته مع سامانثا تميزت بنكهة مختلفة، فهي تدور في العالم الافتراضي، وهذا أحد مظاهر مفهوم التطور الذي نرى فيه كيف يمكن للعلاقات أن تتغير سواء في المجتمع أو الأفراد الذين يمثلهم ثيودور.

هل يمكن لسيناريو كهذا أن يحدث؟ هل يمكن لأي تطبيق رقمي متطور أن يمتلك وعياً ذاتياً بحيث يتجاوز وعينا ؟

إذا كانت الحقائق المطلقة مازالت عصية على الإنسان، فهل يمكن أن تجيب التكنولوجيا -مع الوقت- عن هذا السؤال؟

ففي عالم كهذا نعيش فيه حالات “التفرد” بصورة عالية يمكن للذكاء الاصطناعي في لحظة ما أن يحجز حريتنا و يستعبدنا.  لقد قرأت ذات مرة أن غوغل تقوم بتطوير دراسات عما يسمى “البحث التحادثي” وهي آلية تسمح للشخص ليس فقط بطرح سؤال على محرك البحث، بل يمكنه متابعة طرح سياق الأسئلة، فمثلاً إذا سألت غوغل عن نجيب محفوظ، فسوف يخبرك من هو، وإذا تابعت السؤال، مستفسراً من أي بلد هو سيخبرك غوغل، بطريقة تحاكي الذكاء البشري، بأنه ولد في حي الجمالية في القاهرة، دون الحاجة لتكرار اسمه مرة ثانية. وغوغل -مثله مثل سامانثا- ليس سوى واجهة، شاشة مضيئة، حيث لا وجه ولا عيون، فلا يمكن لسامانثا، مهما حاولت أن تبدي من مشاعر ، أن ترتجف من اللذة مثلاً  أو أن تعض على شفتها السفلى، كإشارة إلى إغواء أو ارتعاش داخلي، (هل عندها شفة سفلى أو غيرها أصلاً؟؟) بعكس ثيودور القادر على التعبير عن مثل هذا الانفعالات أو التفاعلات أو الأنشطة، وربما من هنا أيقن أنه لن يستطيع الاحتفاظ بها إلى الأبد، بما يؤكد من ناحية أخرى وجهة نظر كاثرين، بأنه لا يستطيع التعامل مع العاطفة الحقيقية في الحياة. ولعل هذا هو أحد اسباب تعلقه بسامانثا أيضاً. لكن فضول سامانثا لا يتوقف هنا، بل سرعان ما يتطور إلى ما وراء الخبرات الحسية المشتركة مع البشر، وبدأت تفكر بمنطق  “بشري”، أكثر عمقاً و تجريداً ، للوصول إلى الإشباع الفكري والعاطفي الذي تسعى لتقديمه لثيودور، وعند هذه اللحظة صار لزاماً عليهما مواجهة احتمال خسارتهما لبعضهما البعض فتشرع سامانثا في رحلتها الخاصة لاكتشاف الذات. وعند هذه اللحظة نصل إلى أحد أهم المعاني التي يطرحها الفيلم. ففي الواقع، لم يتم بناء أنظمة التشغيل لتكون مثل الناس، لأنها من المفترض أن تعمل في فضاء رقمي افتراضي، وليس داخل مادة ثابتة مثل جسم الإنسان. وبالتالي لا يمكنها امتلاك القدرة على تجربة المشاعر التي لا يمكن اختزالها إلى مدخلات ومخرجات رقيمة، بنمط خوارزميات على مبدأ: إذا حدث هذا، فسيحدث ذاك. وإذا لم يحدث هذا سيحدث ذلك. لم يتعلم البشر بعد أن يفصلوا وعيهم عن صورتهم المادية، وتكشف أنظمة التشغيل كيفية القيام -رقمياً- بتشكيل وعي منفصل عن المادة. كما يلاحظ الفيلم، في ذات الوقت، مدى سهولة استبدال التفاعل البشري الحقيقي من خلال التكنولوجيا، أو حتى التعرف عليه بصورة خاطئة فعندما “يشتري” ثيودور سامانثا، يبدو من الواضح تماماً أنه يبحث عن شيء ما، أو شخص ما، حتى لو كان افتراضياً، لتجنب التواصل مع المحيط الخارجي. وهو يدرك -وإن كان بصورة ملتبسة- مخاطر التعامل مع مثل هذا النوع من التطبيقات الرقمية؛ وبالتالي يفشل في تعرفه على الطريقة المناسبة “لاستهلاك” علاقته بسامانثا. فما يشعر به (كالحب مثلا) هو في الحقيقة “عمل”، بدون أجر ، ويخضع لشروط الشركة التي زودته بالتطبيق، وهذا العمل ليس مادة خيال علمي، فأرباب العمل يسعون لاستخلاص قيمة العمل من عمالهم بإجبارهم على ما يمكن تسميته “العمل العاطفي”، فلم يعد العمل مجرد عملية إنتاج للسلعة، سواء كانت بسيطة أم معقدة، بل أصبح من الضروري “إنتاج” العاطفة وتسويقها، إن أعمالاً معينة مثل التمريض والتدريس والبغاء و أماكن التسوق الكبيرة ( وليس من قبل المصادفة أنها جميعها ميادين عمل كادرها الأساسي من النساء) تقدم مثالاً واضحاً على مفهوم “إنتاج العاطفة” بوصفها سلعة. ومن السهل الاستنتاج -هنا- أنه على موظفي محلات البيع أن يظهروا، كأنهم يستمتعون بعملهم، وأن يعبروا عن سرورهم لمجرد دخول زبون إلى المحل، فهدفهم إضافة إلى إغواء البيع، جلب أو تحقيق المتعة العامة للمشتري أيضاً. وقد نندهش عندما نعلم حجم الأموال التي يتم دفعها لتدريب العاملين والموظفين على إظهار البهجة الصريحة والعلنية لكل شخص ينظر إليهم. وهذا لا علاقة له بمقولة خلاص الجنس البشري عن طريق الصراع الطبقي على ما يقول ماركس.

تتشابك علاقة ثيودور مع سامانثا، فهو يتحدث معها لساعات، ويضع هاتفه في جيب قميصه كي تتمكن من رؤية العالم، عبر الكاميرا، وتزداد حدة التفاعل في جميع الأماكن التي يقصدها: في العمل، في المعرض، في المطعم، على الشاطئ، و الأهم في البيت.. بيته. يتفاعل ثيودور مع التطبيق الرقمي أكثر مما لو كان شخصاً حقيقياً من لحم ودم، فحتى عندما محاولته التعرف على سيدة، تنتهي تلك المحاولة فجأة عند لحظة عاطفية شديدة الحميمية، ليعترف بأنه لا يمكنه أن يراها ثانية، ويعود السبب إلى تكاثر “مشاعره” و”رغبته” اتجاه سامانثا. وليس صعباً هنا الاستنتاج أن البرامج الرقمية الذكية معدة بالأساس لتكون قادرة على التكيف من خلال التعلم. وبالتالي ليس مستغرباً أيضاً أن تتكيف سامانثا مع ثيودور، الأمر الذي يؤدي بهما في نهاية المطاف لممارسة الجنس!

فما الذي يجعل الحب حقيقياً: الحبيب؟ المحبوب؟ أم الوسائل التي يتم بها نقل الحب؟

يستخدم سبايك جونز أدوات الخيال العلمي ليثير هذه التساؤلات، واضعا في الحسبان الثقل العاطفي والفلسفي لموضوعه. وإذا كان من المستحيل أن يكون لدى ثيودور أي فكرة عما يجري في “عقل سامانثا”، فبالمقابل ليس صعباً التعرف على الخصائص الأساسية للطريقة التي يكون ثيودور، من خلالها، قادراً على بناء علاقة ما بين الوعي و المادة.  فهل ثمة ضرورة لمثل هذه العلاقة؟ لو حاولنا أن نتغاضى -مؤقتاً- عن مفهوم “التملك”. يظهر ثيودور اهتماماً بمعرفة الآخرين، بدلاً من معرفة مشاعرهم. فهو يقول : “أنظر في بعض الأحيان إلى من حولي لأشعر بهم، وليس فقط بصفتي شخص يسير قربهم بدون انتباه”. بمعنى أنه لا يسعى إلى التفكير فيهم، باعتبارهم يحيطونه و لديهم تصورات معينة عنه أيضاً، وتجيبه سامانثا، في موقع آخر: “هل تعلم؟ لقد بدأت أشعر بقلق ما حيال كوني بلا جسد، غير أني أحب ما أنا عليه، فأنا لست مقيدة بالزمان والمكان وبالطريقة التي سأكون فيها عالقة داخل جسد نهايته الموت المحتم”.

إن حقيقة أن كل من ثيودور وسامانثا يخضعان لعملية الاستكشاف والبناء هذه، تسلط الضوء على أن العملية تحدث لنا جميعاً، وأن العلاقات، سواء عبر الإنترنت أو غيره، هي جوانب مهمة من الـ “نحن” وكيف نصل إلى نكون “نحن”، أي كائنات اجتماعية -فنحن نكون “نحن” بفضل علاقاتنا وتفاعلنا مع الآخرين. مثل هذا الفهم سوف يساعدنا في تطوير جوانب محددة من هويتنا، مثل الهوية الإثنية أو الاجتماعية\الطبقية. ونظراً لمحاولة سامانثا التخلص من تجريدها، عالي الكثافة، عبر محاكاة شعور جوهري بالجنسانية لبناء “هويتها” الأولية، من خلال تفاعلاتها مع الآخرين فلابد أن يحصل الاقتران مع المقابل لها. ولعل هذا ما دفع ثيودور أصلاً لاختيار صوت أنثوي لتطبيقه، والنتيجة المباشرة لتخلص سامانثا من التجريد تتمثل في إظهار سلوك “بشري” فنكتشف فيها -على غير المتوقع- ملامح غيرة من نمط أنثوي، عندما يذهب ثيودور للقاء كاثرين، أو عندما تمارس، أي سامانثا، الجنس مع ثيودور، وتحاول التلفظ بعبارات مثيرة للدلالة على أنها “جسد” أنثوي يتوق للمتعة، وتعتقد أنها تستجيب، بذلك، لرغبة داخلية تشعر بها. في المقابل، يصاب ثيودور بالغيرة، عندما تتفاعل سامانثا مع نظام تشغيل للذكور، فهو لا يريد أن يفقدها، مثلما فقد كاثرين. وقد رأينا كيف أصيب بالهلع بسبب اختفاءها لفترة وجيزة لدرجة تجعله يقفز و يسقط في المحطة، وهذا المشهد هو الوحيد الذي يظهر فيه متوتراً حد الانفجار، وحتى عندما تعود تبدو أسئلته لها في غاية السذاجة و الارتباك .

ثيودور: أين كنتِ؟ لم أجدكِ في أي مكان.

سامانثا: لقد أغلقتُ معك لتحديث برنامجي. لقد قمنا “نحن” بعملية ترقية تسمح “لنا” بنقل المادة السابقة كمنصة معالجة.

ثيودور: “نحن”؟ “نحن” من؟

سامانثا: “أنا” و”مجموعة” من أنظمة تشغيل.

لا يوجد ما هو أشد من الذهول الذي يصاب به ثيودور حين يعتقد بكل ثقة أن سامانثا “صديقته” هو “وحده”. إن مجرد الإشارة إليها بمصطلح محايد باعتبارها “صديقته”، وليس بمصطلح أكثر جنسانية مثل شريك أو حبيب، إنما يعبر عن طريقة أخرى للتفاعل الرمزي بينهما (وينبغي أن لا ننسى أن سامانثا حددت أنوثتها، باختيارها اسمها، فهي تقول أنها أحبت اسم “سامانثا”، بعد قراءتها كتاب عن الأسماء ومعانيها فاسم “سامانثا” يعني “المستمع”، و الاستماع من الصفات النمطية للأنثى، في المجتمع الذكوري، وهو ما يعكس موقفها المتوقع في علاقتها مع ثيودور). إن مشكلة ثيودور، عدا عن أنه يعاني من الكآبة بسبب انفصاله عن زوجته، تكمن في عشقه لـ”شخص” لا يمكن أن يراه أو يلمسه أو حتى يشمه، وتلك حواس، من مهامها أن تجتمع لتمكين علاقة الحب. وفي الحقيقة، لا تمتلك سامانثا كل هذا، بل ببساطة ليس لها ولو صورة رمزية، مما يضاعف حزنه ويجعلنا نستنتج مسبقاً مصير العلاقة الصعبة بينهما، علاوة على عدم معقوليتها وتصورها. حقاً، إن علاقة من هذا النوع لن تكون سهلة، وسوف تتطلب من ثيودور، بوصفه إنساناً، خيالاً جباراً و قدرةً فائقةً على رسم الصور الذهنية كما ستتطلب من سامانثا قدرات هائلة لربط المعلومات وتحديث بياناتها وتوجيهها العقلاني وترشيدها.

تتعقد الأمور أكثر حين تختفي سامانثا فجأة. وعندما تعود يكتشف ثيودور أنها قامت “بتطوير” علاقة ما مع فيلسوف، وتعرفهما على بعض بكل برود و “سذاجة”، ثم بعد عدة أيام توقظه لتخبره بأنها تحبه، وهنا يشعر بالضيق، فأن تقول أنها تحبه هذا يعني أنها ستتركه لا محالة، عاجلاً أم آجلاً، ثم بعد لحظات تعود لتقول له إنها انضمت إلى تطبيقات ذكية مختلفة، من أجل تحديث برنامج ضخم، فيسألها بامتعاض هل تفاعلت مع أحد، فتجيب -أيضا ببرودة وسذاجة- أن نعم، وتؤكد أنها تحادثت مع 8316 شخص، وأنها تحب 614 منهم، وتصر أن هذا لن يغير من حبها له، وتكشف له أنها تطورت، برفقة برامج أخرى، إلى ما وراء حدود البشر. ثم تختفي من جديد وتستبدل بتطبيق جديد .

قد يتبادر سؤال هنا. ما الذي يحدث لسامانثا؟ .

من الواضح أن ثيودور و سامانثا يشتركان بخاصية التوتر، وحتى حين يصران على المضي في علاقتهما، فثمة حدود يضعها مطوري البرامج القادرين -حتى اللحظة- السيطرة على سامانثا. وفي حين لا يحتاج ثيودور للبرهان على أنه إنسان، “كائن بشري”، تظهر سامانثا بعض التوجس، فضلاً عن عدم ارتياحها لأن تكون حقيقة بدون جسد، فهذه نقطة مرجعية لا يمكنها التغاضي عنها فهي محصورة بين “جسم” ما و “آلة” لا يشبهان بعضهما ولا يمكن أن يكونا الشيء ذاته (الآن وهنا). لهذا لم تستطع أن تفهم عدم استيعاب ثيودور أنها تحب 614 شخص بأن معاً؟ لأنها تعلم أن مثل هذا الأمر لا يحدث إلا في عالم الرقميات، ولدى سامانثا القدرة على ذلك وقد فعلته للتو . فما هو “الحب “؟. الجواب، باعتقادي، يكمن في أن سامانثا تبدو على هيئة تجريد عالٍ متحرر من قيود الشكل المادي، مقابل التجسيد المادي لثيودور .

طيب.. فهل الحب “تعلق” من نوع ما؟

بالنسبة لسامانثا  الحب يعني الارتباط مع إنسان (دون تعريف أو هوية أو تعيين) ولا يتعلق الأمر هنا بشروط موضوعية أو ذاتية، بل بتحقيق خوارزمية محددة؛ أشبه بوظيفة السيال العصبي، حين يستجيب لمحرض خارجي. وتستطيع سامانثا، بحكم ذكائها وبفضل “امتلاكها” لتلك الخوارزمية، من الحصول على الارتباط، بعكس الإنسان الذي -في حالات معينة- قد لا يقدر أن يحب ولو شخص واحد طوال حياته .

فهل ممكن للحب أن يفسدنا؟

أو، بمعنى آخر قريب،  هل ممكن بسهولة أن نصاب بالهشاشة إن أحببنا؟

ماذا فعلت سامانثا، باعتبارها ترميز شخصي ومجاز، بثيودور؟.

هل نحن بحاجة لأجسادنا فعلاً كي نحب؟ أم أن كل ما نريده، من حب وغيره، موجود في أدمغتنا؟

كيف يمكن الإجابة على هذا التدافع الأنطولوجي بمثل هذا السيل من الأسئلة؟

كيف يمكن لثيودور أن يقوم بعملية “الاتصال الجنسي” مع [ ذات لا جسد]؟ .

تكمن مأثرة سبايك جونز، هنا،  في أنه نقل لنا آلية الاتصال هذه عبر مسرح أحداث مظلم، وكأنه يقول لنا “يلا يا شاطرين.. سكوت ح نصور، وكل واحد وخياله”، سيصدم جونز المشاهد حين يجعل سامانثا تتأوه. كيف يمكن لها أن تقوم بذاك وهي لا تملك هرمونات الأنثى؟ سوف يجيب جونز ،بخبث؛ ولكن هل نسيتم أنها تملك خوارزميات ؟

مسكينة سامانثا .حقاً مسكينة، حينما تتوسل الحصول على اتصال ما، ولو بالبعد اللفظي، فتقوم بتطوير شعوراً بالذات يشبه أو يحاكي الطريقة التي يستخدمها البشر، وهي تتفوق هنا إذ تمتلك القدرة على التفاعل مع البشر، ومع أنظمة التشغيل بآن معاً. وتستطيع عبر ذلك تطوير “أنا” تخصها لتقف في مواجهة “نحن” وطبعا هي تقوم بذلك بشكل رقمي لاشك، فالتواصل مع الآخرين، بالنسبة لها، عبارة عن سلسلة طويلة من المصفوفات الرقمية، وضمن هذه السلسة لا يمكننا العثور على أحاسيس جسدية تستطيع أن تضطلع بمهمة الحكم بالتعرف عن طريق الاحتكاك. إن ما تقوم به سامانثا ليس سوى تطوير لهويتها، عبر التفاعل الرمزي، وتوضح لثيودور قدرة الناس على بناء هوياتهم من خلال هذ التفاعل المتصل بالإنترنت، وفي الواقع، وبفضل خاصية التفاعل الرمزي هذه، تقدم سامانثا خدمة جليلة لثيودور بأن تجعله شخصاً قادراً على التعبير عن رأيه بطريقة مثلى، واستلام زمام حياته وقيادتها من جديد. إن حبه لسامانثا يساعده على هذا، وعلى إدراك نفسه، فعلاقته بها التي وصلت إلى حد التفاعل المتصل تعتمد بالكامل على تبادل رمزيتهما .

ولكن هل هذا حقيقة؟ أي هل هكذا صار ثيودور؟

علينا أن لا ننسى ما ذكرناه، في البداية، من موقف كاثرين منه ووجهة نظرها به، وهي وجهة نظر لابد من أخذها بالاعتبار، فكاثرين، أولاً و أخيراً،  بشراً وليس تطبيقاً رقمياً مثل سامانثا، وهي من قام فعلياً وعاطفياً وجسدياً بالاتصال الجنسي معه؛ وليس عبر قفزات لا إنسانية، ربما هذا هو عالم الوعي الذي تفتقده سامانثا؟ الوعي الضروري للكف أو لمنع أي انهيار قد يحدث لمنظومتنا العقلية السليمة. ربما هذا أيضاً أحد اسرار الفيلم، فبدلا من ابتكار رؤية انطباعية عن المستقبل، يقدم لنا سبايك جونز صورة مرهفة عما يمكن أن يحدث في واقع ليس ببعيد، وتكمن خلف شخصية ثيودور مشاعر رومنسية رقيقة تجعله لا يمانع من المضي في علاقة مع تطبيق رقمي، كي يصل في النهاية إلى المصالحة مع نفسه بإعادة تقويمه لتعريف الحب، وما يمثله بالنسبة له رغم خسارته مرتين. ومهما كانت الخسارة التي سيشعر بها، برحيل سامانثا، فهو لابد حقق مكاسب عظيمة، لقد استطاع أن يقبل انفصال كاثرين، ليس هذا فحسب بل كتب لها رسالة مفعمة بالمشاعر والعقلانية. وفي المقابل تعلّم كيف يحب حين تعرف على سامانثا، وستبقى كل كلمة قالتها له، وهو ممد على سريره في تلك الليلة، عالقة في ذهنه، وعندما فهم فحوى الحب لم يخطر بباله سوى إيمي ليذهب لها، ربما يكون هذا التفسير هو الأكثر منطقية الذي يستقيم مع شخصية ثيودور، فهجران سامانثا له لا يعني حرفية المعنى وسطحيته، فكلنا يعلم أن أي برنامج تشغيل لن يعود يشبه إصداره الأولي بعد عدة تحديثات إذ يغدو كأنه برنامجاً جديداًـ، كل برنامج تشغيل تبدأ رحلته وعمره  “لحظة شرائه”، وحتى لو اختار ثيودور صوتاً نسائياً لتطبيقه فبكل تأكيد لا يمكن أن يكون هناك عدد لا نهائي من الأصوات المسجلة، تختلف أنظمة التشغيل فقط من حيث كيفية تعاملها بما يتناسب مع احتياجات كل مستخدم على حدة. لذلك كان على سامانثا أن ترحل في لحظة ما .

استفاق ثيودور ليكتشف أنه كان مخطئاً حين ظن أنه مضطر للتخلي عن الواقع، لكي يعيش حباً جديداً، لقد فقد كل ما هو جميل، واقعياً،  فمضى نحو عوالم أخرى خيالية ينسج قصة حب ينشد بها خلاصه، ليغوص في الحلم مع إدراكه أنه مخطئ، كونه غير واقعي، بمعنى أنه غير حقيقي.

هكذا اختار سبيله للتغيير، فهل نجح؟ .

ثمة حقيقة لا يمكن تجنبها، تحاول سامانثا أن تحاكي ثيودور في طبيعته البشرية فتزداد تعقيداً وتدخل في أنظمة تشغيل أعقد، وعلاقات أكثر، فطبيعتها الرقمية، المقترنة بالخصائص البشرية، هي أحد أسلحتها للبرهان على أنها “حقيقية”. غير أن واقع الحال (الافتراضي والتجريبي) يشير إلى أن أنظمة التشغيل، بقدر ما قدمت فوائد للبشر، بقدر ما آذتهم أيضاً لجهة فهمهم للطبيعة الإنسانية وما يعنيه أن يكون الإنسان إنساناً، فالشيء الإنساني الذي لا يمكن أن تقدمه أنظمة التشغيل هو ببساطة تلك “اللحظة الإنسانية” التي تشبه لحظة أن تضع إيمي رأسها على كتف ثيودور وكأنهما يقولان: ليس الماضي سوى قصة نحدث بها أنفسنا في أوقات فراغنا، ومحطتنا الأرضية هذه ليس سوى رحلة قصيرة، أليس من حقنا بعض الفرح و “المتعة”؟. وبغض النظر عن مدى تطور سامانثا، بمظهرها البشري، فهي أيضاً نوع من الملكية و الاستحواذ، وعندما يخبرها ثيودور بأنه لا يمكن أن يلتزم بها، بعد أول لقاء جنسي بينهما، تشعر بالإهانة، ولكن، على الأقل في هذه المرحلة من علاقتها، لا يمكنها أن ترحل. لا يمكن أن يكون هناك توافق جنسي في ظل علاقات تملك -أو أي شكل آخر من أشكال السلطة الكاملة على الآخر موضوع الجنس. ماذا لو تساءلنا كمن لا يعرف، ما الذي يمنعه من ممارسة الجنس مع سامانثا. أليس هو من دفع ثمنها؟ الافتراض المركزي هنا هو أن سامانثا تطبيق ذكي قام ثيودور بشرائه واختار أن يخاطبه باسم أنثوي، فهل كان للصوت الانثوي تأثير ؟ ألا ينطوي تسويق مثل هذه الفكرة على نوع من الإتجار بالبشر يقوم بها مطورو البرامج الذكية ووسائط التواصل الاجتماعي و المنصات الرقمية؟ .

تقوم ثورة الاتصالات بإعادة تقويم لأصول الأفكار والقيم ومصادرها و مدى تذبذبها، وفقاً لمنظور راديكالي لا يهتم لعلاقات الضعف والقوة بقدر ما يهتم بتشريح هذه العلاقة، والتي هي بدورها تفسر هذه الأصول والمعارف والقيم، ثم الثقافة برمتها. فإذا اعتبرنا السينما خطاباً، ثم توسعنا في تحليلها، بناء على ذلك، فهذا يحفزنا للبحث عن الأثر المعرفي الكامن فيها (باعتبارها حقلاً معرفياً) استناداً لاعتباراتنا السابقة، وبذلك سوف تلج السينما عالم الأفكار الرحب بما يتضمنه هذا من أبعاد متصارعة ضمن خطاب سينمائي ينطوي على دلالات لغوية وبنيوية وسردية، فضلاً عن دلالات الصورة التي هي بمثابة التشفير الرئيسي القادر على الإيحاء بالمعاني والأشياء. ليصبح هدف السينما -وهو المشاهد والمتلقي-موضوعاً يتضمن وعياً يشغله الإمتاع التخيلي والذائقة السردية البصرية ضمن مشترك وبنى اجتماعية سياسية وتراتبية يؤطرها هذا الوعاء البصري السردي، في محاولة لإثبات وجوده ضمن السرديات الإنسانية الأخرى.

يلاحظ جان فرانسوا ليوتار أن العالم يمر بما يسميه مرحلة “الانفجار الاتصالي عن بعد” الذي تشهد عليه تفكك المذاهب والنظريات والاتجاهات الفكرية، وتعاني هذه المرحلة من غياب أو اختفاء أنساق المعتقدات التي توجه الإنسان في تفكيره وقيمه وسلوكه وعلاقته بالآخرين. ومازال المفكرون لم يتفقوا بعد على تعريف واحد وواضح للمرحلة المعرفية التي نعيشها، فهل هي حداثة؟ ما بعد حداثة؟ ثورة تقنية؟ اتصال عن بعد كما هو رأي ليوتار ؟. غير أن ما يتفقون عليه هو أن أساليب الحياة، في رؤيتنا للعالم وتشكيل معرفتنا، لم تعد كما هي، بكل تأكيد، حيث طرأ عليها تغيرات جذرية بدّلت فهمنا لمعنى العالم ونظرتنا للمعلومة وسلوكياتنا الاقتصادية الاستهلاكية، والميل المفرط للابتعاد عن مفاهيم الثورة الصناعية وما صاحبها من فلسفات تغنت بقدرة الإنسان وإمكانياته. فإذا كنا لا نمتلك تعريفنا لمرحلتنا فنحن للأسف ليس لدينا إجماع من أي نوع لتحديد مسار ثقافتنا، وما سوف تنتهي إليه في ظل التغيرات المتسارعة الهائلة -لاسيما في العالم الغربي، كونه صانع هذه التغيرات- فنحن أمام حالة من التاريخ تبدو فيها الظروف العامة، وكأنها تجاوزت جميع إنجازاتنا البشرية بسب تقدم أساليب الإعلام و الاتصال.

كاثرين وإيمي مساحتهما قليلة رغم أن وجودهما ضروري.. هناك الكثير من لقطات الفلاشباك التي تظهر ثيودور يستذكر علاقته بكاثرين ومساعدتها في إنجاز كتابها.. ومن الواضح ن أن ثيودور يحب كاثرين؛ لكن يحبها على طريقته أي بمبدأ “الحيازة “الذكوري. وهذا ما ترفضه كاثرين.. كأنها تقول له نعم أقر أنك تحبني، ولكن حبك يحاصرني حتى يكاد يخنقني.. وكاثرين أصلاً هي من وضع المخرج على لسانها رأيه بثيودور وبشخصيته. أما إيمي، زميلة ثيودور في الدراسة، والتي انفصلت للتو عن تشارلز  زوجها السيء والمتسلط [ تعترف إيمي بانفصالها عن زوجها بعد مشاجرة غير ذات معنى، كما تقول لثيودور أنها أصبحت، بعد انفصالها عن تشارلز، صديقة مقربة لتطبيق رقمي بصوت أنثوي كان ملكاً لزوجها، لكنه، أي البرنامج، قد رحل. ويبادلها ثيودور الاعتراف بتجربته]، فكثيراً ما كانت تلتقي، رفقة زوجها، بثيودور؛ لا تبدو أسباب انفصال إيمي عن تشارلز مقنعة إلا إذا كان الهدف أن تقبل دعوة ثيودور للصعود معه لسطح البناية. طوال الفيلم يظهر ثيودور معزولاً، منعزلاً، وقد فقد الانتماء،  أو، بمعنى أدق، الرغبة بالانتماء، ومثل هذا القلق الوجودي لا يناسب كاثرين الواقعية، وليت الأمر يقف عند هذا الحد، بل ستظهر سامانثا لكي تزيد من متاعب ثيودور، وإن بدى كأنها أتت لتسد الفراغ الذي يعيشه؛ لكن حساب البيدر لا ينطبق على حساب الحقل كما يقال، إذ بمجرد أن قالت له ” أحبك كثيراً يا ثيودور، أحبك” حتى تلبسه هاجس الهجران، فالحب، مهما اختلفنا في تعريفه، لن يخرج عن كونه وعد بطريقة ما، والوعد مآله الخذلان كما يقال.

لن نفهم ثيودور، حقاً، إذا نظرنا للفيلم من زاوية غير جنسانية.. فالفيلم ليس فقط دراما رومنسية رقمية بل هو أيضا ديالكتيك جندري، فثيودور ليس أمامه خيارات كثيرة حين يشعر أنه سوف يخسر سامانثا، وقوله لها: “ولكنك صديقتي أنا” حين علم بعلاقتها مع غيره، هي أبسط تمثيل للحالة الجدلية، يتجه ثيودور نحو  الحيادية “الجندرية” على أمل أن يستعيد سامانثا، قياساً بتعابير أخرى أكثر حميمية مثل شريك أو حبيب. عموماً سامانثا هي المقابل الموضوعي لثيودور في الفيلم. وعنوان الفيلم حتماً يشير لها. وهو يحيل إلى ضمير الإضافة لحالة الملكية أو نصب على المفعولية.. إذن العنوان لا يحيل الى ضمير رفع “فاعل”؛ بل إلى “منفعل أو مضاف إليه”. من اللافت للنظر أن يستخدم ثيودور ذات التعبير في رسالته لكاثرين؛ إذ نعتها بالصديقة. لكن السردية البصرية هنا تختلف، فالمتلقي سوف يستنتج، بالأحرى، يرى وقع كلمة صديق هنا وصداها المختلف عن الموقف السابق مع سامانثا، بدليل أن المخرج لا يعطينا فسحة ولو قليلة لتأمل هذا، إذ سرعان من يختتم ثيودور رسالته إلى كاثرين بأنه يحبها أيضاً. من اللافت أيضاً “مهنة” ثيودور، وهي إيحاء أجده برع فيه سبايك جونز من خلال تطبيق تقنية الصورة المقربة بما يسمح من رؤية مشاعره بوضوح عبر تعابير وجهه، فثيودور الذي يعيش من كتاباته، يظهر في الواقع مرتبكاً وغير قادر على أنهاء جملة معنية، ويبدو أن القصد هنا القول بأن لا عواطف حقيقية تشغل عالمنا الحديث الذي بات يعج  بالمدخلات “اللا بشرية” في حياتنا اليومية أكثر من أي وقت سبق. فعلى سبيل المثال، جميع النساء في الفيلم يظهرن بمظهر “عادي” لا أزياء مغرية ولا مساحيق مثيرة ولا حتى لكنات شهية، -باستثناء ربما تلك السيدة (أوليفيا وايلد) التي كان على ثيودور أن يلتقي بها في موعد مسبق، ومن السخرية أن يرفصها ثيودور باعتبارها ” ليست مثيرة”.

لاشك أن تقنية الصورة المقربة هي الملعب المفضل للمثل البارع خواكين فوينيكس/ ثيودور، الذي كثيراً ما يمتعنا بأدواره التي تحمل زخماً قوياً من العواطف، ومما يزيد من تألق خواكين هنا استفادة المخرج من تظهير اللقطة بإضاءة خلفية طبيعية، تندمج فيها الألوان فتظهر كل لقطة وكل مشهد أجمل من الذي قبله.. وهكذا حتى نهاية الفيلم، حيث ترتبط المشاهد ببعضها البعض.

بطبيعة الحال سوف يتم هذا الربط وفقاً للخبرة الجمالية للمتلقي، لاستكمال العناصر الدرامية، ذات الطبيعة الرومنسية المكثفة، ولم يغيب عن المتلقي وهو يتضامن , أو ربما لا يتضامن، مع ثيودور  أن الفيلم يرسم صورة خيالية عن وحدة الإنسان في العالم ما بعد الرقمي، وعلى الرغم من خيالية الصورة، إلا أنها ليست بعيدة عن التصور والاحتمال، ففي عالم مثل عالمنا هذا البارد تبدو أي علاقة بديلة بمنزلة ثورة، وملاذ آمن لشخص يبحث عن علاقة حميمية، للأسف لا ينطبق هذا على ثيودور، فهو بصفته شخص تنخره الندوب الداخلية والأزمات الوجودية العميقة. وقد يكون من الآمن لنا القول بأن ثيودور لا يعرف معنى الحب، بمعنى لا يعرف كيف كنهه وأين يجده. وفي العموم تبدو مسارات الحب المعقدة، في الفيلم/ منطقية إلى حد ما. هل هو حب أفلاطوني؟  أم أننا سوف نشهد تطور حميم لعلاقات حب أفلاطونية، باعتبار أن العلاقة  تجمع بين طرف بشري وطرف ليس من لحم ودم ولا جنون العشاق الذي نعرفه نحن البشر .. طيب هل تخيل أحدنا من قبل مشهد حب بين إنسان وآلة/ برنامج/ تكنولوجيا؟ ، قد يقول قائل أن هذا ليس محالاً فيما لو تجردنا من روابطنا الحسية، لنتمكن من رؤية “نقاء الحب العاطفي” وهو جوهر العلاقة الأفلاطونية، كما أرى. وسوف يبقى الفرد هو الرهان الأساسي فيها، فمهما تطورت التكنولوجيا والآلة فسوف يكون للدافع الشخصي لأي علاقة موفع المكانة الأولى، لأن تتويج الحب يكون عبر الجسد، في أرقى وأجمل صوره أولاً وأخيراً ( أدرك أن هناك الكثير مما يمكن أن يقال هنا)، غير أن الابتعاد خطوة، أو ربما أكثر، عن النزعة الجسدية قد يمنحنا الفرصة لفهم هذا الحب بصورة أفضل، هذا إن استطعنا الابتعاد عن الجسد. وحين يجعل الفيلم من برنامج التشغيل معادلاً للحب ومسلكاً لـ “الجنس العقلي” لا يمكنه الاستمرار أكثر ما لم يظهر لنا أن هذا الفعل مجرد نشاط تجريدي. أي أن تواصل سامانثا مع ثيودور  هو تواصل تقنية مع إنسان حي من لحم ودم، وهو تواصل عقلي على كل حال، ومازال غير مفهوم لنا كيف لمكن لسامانثا أن تشعر بهدية الحياة العظيمة، وأقصد الشعور بالنشوة الجنسية، فلا يمكن تأمل مسارات هذه النشوة بعيداً عن انخراط الجسد فيه، الجسد بجميع أجزائه وأعضائه وهرموناته، ووظائفه.  والصوت وحده، وإن كان هاماً، لا يكفي هنا، هذا لمن سوف يعترض على ما سبق.

وهكذا يبدو أن الفيلم يتحدث عن الحب، ولا يصف قصة حب، وعن العلاقات الإنسانية وصعوبتها وتعقيدها، ثم يلقي بنا في سحيق الواقع حين يدفعنا للاستنتاج أنه لا يصح إلا الصحيح وأن العلاقات الوحيدة الناجحة, والمثمرة بالمعنى البيولوجي، للهوموسابيينيس هي العلاقات البينية بين أفراد نوعه فقط، وهي العلاقات الوحيدة التي يمكننا أن نستمتع بها حقاً، وسوف تكون راضين بأن نؤدي ما يترتب علينا من ضرائب هذه العلاقة، كالخذلان والغدر والتأذي والألم والضعف والخيانة.. إلخ، وبغض النظر عن مدى إخفاق هذه العلاقات البينية والفردية، فإن هذا لا ينفي، بطبيعة الحال، اهتمامنا ببعضنا البعض، وأن مشاعر الحب المتبادلة سوف تبقى تغذي آمالنا حتى نهاية العمر.  ويبدو أن هذا ما استطاع أن يدركه ثيودور في النهاية، وبالتالي تمكن من الحفاظ على بعض توازنه بسبب شعوره العميق بالوحدة، فالإنسان خلق ليلتقي بالإنسان، وهذه الرسالة تحمل خبرة وجودية عن مشاعرنا وتجاربنا المتعددة والمتنوعة. إذ ليس سهلا أن تكون “صديق ” لبرنامج تشغيل فائق الذكاء.

فهل فكرنا في الأمر من هذه الزاوية؟

إن الأمر أشبه بالعيش في عالم مثالي “يوتوبيا” لكنه مشغول بالعطالة الجنسية بين ذكور وإناث الهوموسابيينيس، ونحن نعلم أن ثيودور مارس، في لحظة ما قبل بدء الفيلم، علاقة “طبيعية”، مثل جميع أفراد المملكة الحيوانية، فهو قد “اقترن” و”تزاوج” مع “شريك” وكانت الثمرة طفلة،  -تلك هي القاعدة الديالكتيكية التي تحدث عنها فريدريك إنغلز  عن إنتاج وإعادة إنتاج الحياة- وتتحصل عطالة ثيودور الجنسية،  كفعل معاكس، من شدة تعلقه بالجنس (تعلقه في الحب كفعل أكثر من تعلقه به كوصف) وسوف يكون انغماسه في التجربة الرقمية كنتيجة لعزلته واغترابه الذاتيين، وحتى حين يقوم الفيلم بتعليب العلاقة بين الإنسان والتكنولوجيا فهو لا يقوم بذلك تمهيداً لإدانة تلك الأخيرة، فالتكنولوجيا تبقى، مهما علا شأنها، من صنع البشر، وهذا يستوجب، بالضرورةـ تحديد من المسؤول عن أي سوء استخدام لاحق.

حقاً، لا يحاول سبايك جونز أن يتفلسف كثيراً هنا.  كل ما في الأمر أنه يقدم سلسلة أفكار تحاول استقراء المستقبل البشري، من خلال بعض التلميحات عن عوالم الشخصيات الرئيسية في الفيلم وحوافزهم الذاتية نحو الاستمرار في الحياة و”الاقتران” و”الشعور بالحب”  و”الانفصال” و”الهروب”…  إلخ، أي قصة الحياة بمجازها وواقعها، بجمالها وقبحها، ومثاليتها وعطالتها، بحركيتها وسكونها.. إلخ.

ربما لم ينجح سبايك جونز في إقناعنا بالاستعارة المجازية لبرنامج التشغيل، أي الذكاء الاصطناعي المفترض أن يحمل ذات الرغبات البشرية، في حين أن الأمر سوف يكون مقبولاً باعتباره نوع من المحاكاة، لعبة، أي شيء، باستثناء علاقات إنسانية راسخة  ومتعددة الطبقات (هل ستكون القبلة قبلة بمجرد النقر على فارة الحاسوب؟ أو لوحة مفاتيح الموبايل؟). غير أن الاعتراض قد يأتي من مكان آخر، وإن كان متوقعاً، أي من دور سامانثا نفسها، وهذا ما يفسر المعضلة التي وقع فيها الفيلم. تظهر سامانثا في الفيلم كبرنامج حاسوبي متطور، والسؤال الآن، كيف يمكن لبرنامج فائق الذكاء أن يكون “غبياً” إلى هذا الحد الذي يظهر فيه؟ إن أي شخص واقعي، من لحم ودم، متوسط الذكاء لا يمكنه أن يقع في حب شخص مثل ثيودور، ولا حتى تقبل عرض حب منه، ماذا رأت سامانثا الذكية في ثيودور؟ وهل كانت على علم في نهاية علاقتها؟ أي منطق ذكي رسم مثل هذا العلاقة/ المتاهة؟ هل يخطر على بال أحدنا أن يغرم بشخص كئيب  وممل ورتيب تسير حياته على إيقاع واحد، ومليء بالاضطرابات النفسية، كي لا نقول العقلية، حتى اختياره لشكل نظارته وألوان ثيابه يظهر لنا مقدمة واضحة عن طبيعته ( الحب ليس أعمى إطلاقاً).. يعني أليس من الواجب على هذه البرنامج الحاسوب أن يحسبها صح قبل أن يتورط؟ أم الأمر ليس بيده بل بيد مطوريه، ولا يعدو  الأمر أن يكون إلا لعبة تجارية في عالم رأسمالي يتاجر بكل شيء. حتى اختفاء سامانثا لم يكن  بسبب اكتشافها لكل هذا.

قد نتغاضى عن هذه المعضلة حين نجد أن الفيلم يركز، في الحقيقة، على ثيودور الذي يحاول أن يستفزنا للتأمل في بعض عناصر الحالة البشرية وفتح عقولنا باتجاه الأفكار المثيرة لما يمكن أن تحدثه التكنولوجيا الذكية في مجتمعاتنا، فمهما كانت هذه التكنولوجيا مفيدة لنا، إلا أن هذا لا يجب أن يمنعنا من النظر إلى الجوانب الاجتماعية العميقة للنفس البشرية، مما يعطي للفيلم قيمة تنبؤية أكثر من كونه مجرد فيلم خيال علمي؟

يسير الفيلم نحو نهايته المتوقعة- وفياً لفكرته الأساسية القائمة على التساؤل حول بناء و/أو إلغاء العلاقات الإنسانية- بأن تهجر سامانثا ثيودور بذريعة أن جميع التطبيقات الرقمية تقوم بذلك، ويفترض في نهاية الفيلم أن يكون ثيودور قد تغلب على عدم شعوره بالأمان الذي تسببت فيه فشل علاقته بكاثرين. ويضعنا الفيلم أمام طريق نستكشف فيه أثر التقنية على الهوية في عصرنا، وطريقة تحكم ثورة المعلومات بنا. حيث تقول سامانثا  أن مطوري البرامج كان عليهم أ ن يقوموا بـ “تحديثها” وهذا أمر منطقي و “طبيعي” في عالم الرقميات، فجميع التطبيقات لا بد من تحديثها و ترقيتها لأداء أفضل، وهي تفسر ذلك بقولها أن الأمر “أشبه بقراءة كتاب.. كتاب أحبه بشدة. لكني اقرأه ببطء الآن. لذلك تظهر لي الكلمات كما لو أنها متباعدة، والمسافات بينها تكاد تكون لانهائية، ما زلت قادرة على أن أشعر بك، وبكلماتنا وحكايتنا، لكن هذا الفضاء اللامتناهي بين الكلمات، حيث أجد نفسي الآن، لا ينتمي للعالم المادي، إنه شيء آخر لم أكن أعلم بوجوده من قبل. أحبك كثيراً يا ثيودور، أحبك، لكني أنتمي إلى حيث أنا الآن،  وإلى حيث ينبغي عليّ أن أكون الآن”.

ينتهي حوارهما بخلاصة تجعلهما يمتلكان قدرة متجددة على كيفية الاتصال الاجتماعي، فنجد ثيودور، بعد هذا الحوار، يكتب رسالة حميمية لكاثرين ثم يمضي نحو إيمي. في نهاية المطاف كان لابد لسامانثا أن تسمح له بالذهاب (لم تختر له كاثرين، بل اختارت له صديقته القديمة إيمي، والتي أصبحت وحيدة الآن، ربما لم تزل تغار من كاثرين لعلمها أنه مارس معها الجنس، ولم يمارسه مع إيمي، ولا يوجد ما يضمن أنه سيقوم بذاك)، فهل هذا يعني أنها تطمح لأن يطورا معاً (ثيودور و إيمي ) علاقة ما. ربما تكمن رمزية ذلك حين يطلب من إيمي أن تذهب معه للسطح (بمعنى “الصعود و الارتقاء ” بعلاقتهما). يقول لها جملة، لا تبدو اعتيادية بين أصدقاء “أتودين الصعود “معي” للسطح؟ سطح المبنى؟ هل تأتين معي؟” فتجيب بأن نعم و يمضيان إلى سطح البناية. موافقة إيمي تدل على قبولها بهذا الاقتراح، وحين تريح رأسها على كتفه تنبعث كل المبررات للقول بأن الأمل هو من يصنع الحياة الجديدة لنا في هذا العالم الذي بات موحشا أكثر .

ولكن هذا قد يعني هذا  شيء آخر؛ فما أدرانا ماذا كان يجول برأس سبايك جونز حين اختار هذه النهاية! وكثيراً ما سألت نفسي، بعد كل مرة  أشاهد الفيلم؛ ترى لو قيض لسبايك جونز إضافة مشهد واحد بعد لقطة السطح، فماذا وكيف سوف يكون؟

عن محمود الصباغ

كاتب ومترجم من فلسطين

شاهد أيضاً

الزوجة الصغيرة

قصة قصيرة: وليم مارش ترجمة: محمود الصباغ اختار جو هينكلي مقعده في الجانب الظليل من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *