آخر التحديثات
الرئيسية > سياسة > ترجمة > ثقافة الحاجز وتقنيات الهيمنة
صورة: جندي إسرائيلي يسيطر على موقعه في الخليل، المصدر: تالي كاسبي

ثقافة الحاجز وتقنيات الهيمنة

ترجمة: محمود الصباغ

مازلت أذكر صبيحة ذلك اليوم الذي كنت أجلس فيه في المقعد الخلفي لسيارتنا التي كتنت تقودها أمي، ثم كيف أعلنت لها، وبكل زهو: “عليك أن تعرفي يا أمي، أنني الطفل الوحيد في الروضة، برمتها، من  يفكر بعقلٍ وليس بصوتٍ عالٍ”، كنت لم أتجاوز أربع سنوات، وحين ابطأت أمي السيارة بانتظار الإشارة الضوئية، انتهزتْ الفرصة لتلتفتَ نحوي، بما يسعفها من وقت، وهي تبتسم وتقول بهدوء: ” ولكن قل لي كيف عرفت أنك الوحيد؟ كيف عرفت أنك الأول”؟. بهتُّ من سؤالها، بالأحرى لم أجد ما أجيبها، فلذتُ بالصمت، وفقدت حتى القدرة على النطق. لقد جعلت، أمي، بسؤالها الموجز هذا، العالم يبدو غريباً لي، ليس هذا فحسب، بل شعرت إني أنا أيضاً غريباً في عالمي. لقد أماط سؤالها المختزل اللثام عن عالمٍ كاملٍ من الأحداث التي تدور من حولي، نمط جديد تماماً من نشاط بشري لا أعرفه، ولكن يعرفه  كل شخص أعرفه -الأصدقاء الذين لعبت معهم، وأخواتي، وحتى والديّ-. جلست على الدرج في ذلك اليوم في روضة الأطفال، أشاهد الأطفال الآخرين يلعبون. ثم تساءلتُ، باستخدام مهارتي المكتسبة مؤخراً، بصمت وخوف واضحين: “من يدري بمَ يفكرون؟”، وسرعان ما استعدت ثقتي، ونشأت مؤمناً بالناس من حولي. كنتُ أعلمُ أن هناك ثمة مخاطر، لكنني شعرتُ بالثقة أنني لست وحيداً وبالتالي لستُ عاجزاً عن مواجهة هكذا مخاطر. بعد أربعة عشر عاماً من اكتشافي الكبير في روضة الأطفال، تم تجنيدي في الجيش الإسرائيلي. وما شغل روحي مرة ثانية، أثناء عملي على حواجز الضفة الغربية، كيف يكون خلق الرعب في عقول الآخرين هو  المسيطر علينا هناك.

الجزء 1: وصف العمل في الوظيفة

عليك، عندما تقف عند الحاجز، أن تفكر، باستمرار، في الطرق المختلفة التي يمكن أن تتعرض بها للهجوم: من أين سيأتون؟ ماذا ستكون استراتيجيتهم؟ هل هذا الطفل، الذي يقف أمامك، بريء كما يبدو أم أنه يهرّب سلاحاً؟ هل سيارة الإسعاف هذه تنقل بالفعل امرأة إلى المستشفى لتلد أم أن هناك أعداء يختبئون في الداخل؟ هل هذا الرجل العجوز مسالمٌ غير مؤذٍ، أم أنه يتعمد تحويل انتباهك عن شيء ما سوف يباغتك خلف ظهرك؟ عليك أن تدخل إلى عقولهم وأذهانهم.  وكانت التعليمات التي يتلقاها الجنود، قبل بدء مهمتهم القتالية الأساسية في “جيش الدفاع الإسرائيلي”، فرض الحكم العسكري في الضفة الغربية، فمن يدري كيف يفكر الفلسطينيون هناك؟.. إنهم مبدعون، وقد استغلوا، بالفعل فما مضى، سذاجتنا وطيبتنا. يمكنهم التوصل إلى أي شيء، لذلك ينبغي أن تفكر في هذا الشيء قبلهم. بيد أن الجيش الإسرائيلي، في الضفة الغربية، ليس موجوداً هناك لاحتلال أراضي العدو، ولا لمنع العدو من القيام بغزو أو هجوم. بل يعمل الجيش هناك بانهماك شديد في “صراع خفض التوتر”، وهي عبارة تلخّص جوهر عدم حسم الاحتلال. فالعدو -الأشخاص الأجانب المكلف الجيش بإخضاعهم- موجود داخل حدود إقليم يخضع فعلياً، لسيطرة الجيش. وبما أن الجيش يحتل الأرض التي يقيم عليها هذا العدو، فإذن، لا يمكنه غزو أرض العدو بأكثر مما هو موجود عليه الأمر بالفعل. وبقدر ما يكون عدم وجود أرض للعدو، لا يتمتع باستقلال سياسي، ولا قدرة حقيقية على الحياة المدنية، بقدر ما يكون من المستحيل على إسرائيل -من الناحية المنطقية- أن “تخوض حرباً” مع وضد الفلسطينيين في الضفة الغربية: قد يعاني الأفراد الفلسطينيون بدرجة أكبر أو أقل، لكن الشعب الفلسطيني، كشعب، لا يمكن أن يهزم أكثر مما هو عليه واقع الحال. وفي ذات الوقت، يُنظر إلى سكان الضفة الغربية، من الفلسطينيين، كأجانب بالنسبة للجانب الإسرائيلي ولا ينطبق عليهم، بالتالي، القانون الإسرائيلي. علماً أن الأحكام العرفية الإسرائيلية -القانون الذي يرشد ويحدد عمل الجيش الإسرائيلي، على الأقل من حيث المبدأ، ليس قانونًا يمكن تطبيقه على الفلسطينيين، رغم أنه يؤثر على حياتهم بطرق عميقة. وبالتالي لا تخضع العلاقة الناظمة بين دولة إسرائيل والمدنيين الفلسطينيين في الضفة الغربية للقانون. وعلى عكس سلوك المواطنين، الذين يطيعون الشرطة ليس فقط لأن الشرطة في الدولة جهاز قوي، بل لأن هذه الشرطة تتمتع أيضاً بالسلطة، فإن الفلسطينيين يطيعون أوامر الجيش الإسرائيلي لأنه قوي فقط. وبالتالي، لا يمكن القول عن القوانين العسكرية في الضفة الغربية أنها قوانين على الإطلاق، بل هي أقرب إلى يدعوه الفيلسوف القانوني هـ. إل. هارت “أوامر مدعومة بالتهديدات”: يعتمد مصدر وحدود سلطتها على مصدر وحدود التهديدات التي يتم تعيينها.

وهكذا عندما يخالف الفلسطيني أوامر إسرائيل في الضفة الغربية، فسوف تعتبر مخالفته تلك عصياناً بحد ذاتها، وزلة في وجه احتلال، وبالتالي، يجب القضاء عليها،  وعلى كل عصيان، حتى يتمكن الجيش من يسط سيطرته، بقوة، على الأرض وسكانها. ولا يمكن، للقوة الغاشمة أن تلغي إمكانية المقاومة الفلسطينية، ولكن طالما أن المقاومة ممكنة، فليس بمقدور الجيش، الذي تكون أداته الوحيدة هي القوة الغاشمة، أن ينعم بالهدوء. ويمكن القول، بعد كل هذا، أن الاحتلال يتعلق بخوض الحرب قبل أن تبدأ، وبالتأجيل المستمر، قدر المستطاع، للانفجار التالي الذي سوف ينشأ من فعل المقاومة. فالغاية، إذن، هي إظهار الوجود، كما يقول القادة لجنودهم: علينا أن نجعلهم يشعرون وكأننا نراقب كل تحركاتهم/ سكناتهم وهمساتهم، وأن نجعلهم يتوقعون منا القيام بأي عمل اتجاههم. هذا هو حل المحتل لمشكلة منع حدوث كل، أو أي، شيء في كل مكان: على الجيش أن يجعل الفلسطينيين يعتقدون أن لا شيء يفلت من قبضة إسرائيل. فيظهر الجنود تواجدهم بهدف جعل الفلسطينيين يخشون من وجودهم، حتى عندما لا يكونوا موجودين فعلاً. وبالتالي، يكون زرع الخوف الدائم من خلال أعمال القوة الغاشمة التعسفية هو التكتيك الجيش غير الرسمي الذي لا مناص منه. ويُظهر الجيش الإسرائيلي وجوده، فعلاً، بعدة طرق. فهو يملأ الضفة الغربية بنقاط مراقبة ودوريات راجلة وسيارات جيب وعربات همفي ودبابات. ويقوم بمداهمات عشوائية للمنازل وتفتيش عشوائي للسيارات والمشاة، ويفرض حظر التجوال. ومع ذلك، يعتبر الحاجز\ المعبر، الشكل الأبرز والأكثر شهرة لوجود الجيش الإسرائيلي. وتصطف نقاط التفتيش والحواجز على حدود ما قبل العام 1967، لكن معظمها يقع داخل الضفة الغربية: بين القرى وعلى أطراف المدن وعلى الطرق الجبلية المهجورة. وقد تكون نقاط التفتيش في مناطق بارزة واستراتيجية، أو تكون حيث لا يتوقعها الكثيرون. ويكون بعضها دائماً ويضم عدد كبير من الموظفين، في حين يكون بعضها الآخر مؤقتاً ويتكون من ثلاثة جنود فقط وعلامتي توقف. بعضها حواجز غير مأهولة. ووفقاً لتقديرات الأمم المتحدة  كان هناك 522 حاجزاً في الضفة الغربية حتى أيلول\ سبتمبر الماضي(2012).

مهمة الحواجز، من الناحية الرسمية، تنظيم دخول وخروج الفلسطينيين. وقد يحتاج الفلسطيني هناك، اعتماداً على طبيعة نقطة التفتيش، إلى تقديم تصريح من أجل المرور، أو قد يُسمح له بالمرور بعد التفتيش حتى بدون تصريح. لكن المهمة الأساسية لنقاط التفتيش هي إظهار- للفلسطينيين- وجود ومراقبة مستمرة للجيش وقوته الساحقة. وبسبب من انتشار الحواجز الكثيف واحتوائها على تفاعل مكثف مع السكان المدنيين، فقد أمست أوضح تعبير عن رسالة مزدوجة يقدمها الجيش الإسرائيلي إلى فلسطينيي الضفة الغربية: لا يمكنكم الاختباء ولا يمكنكم القتال؛ إسرائيل موجودة وتمتلك القدرة على كشفكم وقتالكم على حد سواء وفي كل مكان. يقول أحد ضباط الجيش، وهو برتبة عقيد، مفتتحاً حديثه الأسبوعي أمام قاعة مليئة بالمئات من المجندين المبتدئين: “على الجنود أن يطيعوا دائماً الأوامر واللوائح”، ثم يذرع المكان أمامهم ذهاباً وإياباً على المسرح فيسمع صوت حذائه الثقيل على الأرضية الخشبية كلما توقف بين كل جملة وأخرى، وهو يواجه الجنود ويرفع إصبعه في الهواء، ويتابع: “عليك [ أيها الجندي] أن تستخدم دائماً نظرتك الثاقبة (שיקול-דעת). ففي النهاية، لا يمكن للمرء أن يتكهن بما يحاولون [أي الفلسطينيون] القيام به. وإن كانت الأوامر واللوائح مقدسة، غير أنها لا تغطي جميع السيناريوهات المحتملة. عليك [أيها الجندي] استخدام تقديرك الشخصي وفطرتك السليمة (نظرتك الثاقبة) للأمور لتقرر الوضع الذي أنت فيه، فيما إذا كان استثناءً عن القاعدة. لا يوجد شيء يحمل قيمة مثل قدرة الجندي على تقدير الموقف وبناء حكمه الواضح”. ربما لا يعطي الجنود الجالسون في القاعة أي وزن خاص لهذه التعليمات الأخيرة. فالإعلانات الدرامية حول المسؤوليات المختلفة للجنود -تجاه أمتهم، وعائلاتهم، وزملائهم الجنود، والرؤساء- هي إعلانات شائعة أثناء التدريب الأساسي، وتتحول مع مرور الوقت لأن تفقد زخمها وقوتها. من ناحية أخرى، وعلى النقيض من العديد من التوجيهات التي لا طائل من ورائها والتي حصلوا عليها حتى الآن، يبدو تعبير الحكم الواضح والفطرة السليمة يعني: كيف يمكن للأوامر واللوائح أن تغطي جميع السيناريوهات الممكنة؟

وسوف يقدّر الجنود أهمية مثل هذا الحكم الواضح عند الحاجز فقط. يشرح ذلك أحد الجنود الذي خدم في نقطة تفتيش في الخليل في شهادته التي يقدمها لمنظمة “كسر الصمت”*: “عندما يقول لك شخص ما فجأة “لا”، [فسوف يخطر في بالك أن تسأله] ماذا تقصد بـ “لا” هذه؟ من أين  أتتك هذه الوقاحة כחוצפה لتقول لي لا؟.. انس للحظة أنني أعتقد بالفعل أن كل هؤلاء اليهود [الذين استقروا في الضفة الغربية] مجانين، وأنا بالفعل أريد السلام وأعتقد أنه يجب علينا مغادرة المناطق، ولكن.. كيف تجرؤ أن تقول لي لا؟ أنا القانون! أنا القانون هنا!”. فالجندي ليس فقط لديه السلطة لطرح استثناءات؛ بل يقع على عاتقه خلق هذه الاستثناءات. وتكمن القوة المطلقة، عند نقطة التفتيش، في القدرة على صنع الأوامر، وليس مجرد امتلاك القوة لفرضها. وعندما يتم تحدي أوامر الجندي، فإن ما يتم تحديه في الحقيقة هو حكمه ( بمعنى سيطرته)، وليس مجرد تحدي قاعدة يمثلها. لذلك فالعصيان، هنا عند الحاجز، يأخذ الطابع الشخصي في جميع الحالات والأحوال. وكذلك مصير ومسار العقوبات التي تليه. حيث يمكن أن تكون الخطوة الخاطئة من قبل الفلسطيني مشابهة للفرق بين الذهاب إلى العمل أو المدرسة أو المنزل لأسرته، والإذلال أو الاحتجاز أو الاعتداء الجسدي. كما يمكن أن تعني الفرق بين الانتظار في الشمس لبضع ساعات والقتل. لكن هناك ما هو أكثر من ذلك: فمسؤولية الجندي في تفسير أي حالة معينة، على أنها استثناء للقاعدة، هي جزء من الاستراتيجية العامة للجيش الإسرائيلي لتقويض أنماطه وانتظاماته. لا يريد الجيش من الفلسطينيين أن يتمكنوا من بناء توقعات عن  مرورهم السهل والسريع والآمن عبر الحاجز. حيث يمنع بند الحكم الواضح، باعتباره حكم الفطرة السليمة والنظرة الثاقبة، ظهور أنماط السلوك القابلة للاستغلال بشكل غير مباشر.

أي عمل أو سلوك فلسطيني قد يؤدي إلى العقاب، كما يقول أحد الجنود كيف أخبره قائد الدورية، عند أحد الحواجز، أن الرسالة للفلسطيني هي كالتالي : ربما قمت بهذا العمل أو السلوك مرّات ومرّات في السابق، لكن في المرة التالية التي تقوم بتكراره، في ظروف تبدو متطابقة، وحتى أمام نفس الجنود، فقد يُحكم على سلوكك أو عملك  هذا أنه استثناء [يستوجب العقاب].. يمكنك [أيها الجندي] أن تفعل ما تريد، أيّاً  كان ما ترغب في القيام به فيما لو شعرت، ولو للحظة، أن هناك ثمة مشكلة فيما فعله [الفلسطيني]، إذا شعرت أن هناك خطبٌ ما، حتى لو كان من أبسط الأشياء، فيمكنك، عندئذٍ، احتجازه للوقت الذي تريده، كما تشاء. ويقول جندي آخر، “لا يوجد شيء اسمه” نقطة تفتيش مناسبة ونموذجية” [لأنه] لا يمكنك العمل أثناء وجودك عند الحاجز بشكل صحيح”. وبالتالي، لا يوجد مفهوم معياري للعصيان هناك، ولا توجد طريقة مناسبة يمكن للفلسطينيين أن يتصرفوا بموجبها. والسبيل الوحيد أمامهم لبناء توقعاتهم للخطوة التالية للجندي هو محاولة توقع، في كل لحظة، الفكرة التالية التي تخطر في ذهن الجندي في كل لحظة. فهل هو متذمر؟ هل يبحث عن عمل؟ هل يشعر بالوحدة ويأمل في محادثة ودية؟ هل يريد أن يكون مسلياً؟ هل هو في عجلة من أمره؟ هل يمتلئ بالحزن والغضب؟ وإذن، حالة الجندي العقلية هي الهمّ الفلسطيني الأكثر إلحاحاً عند الحاجز: إنها مسألة حياة أو موت. كما يشهد أحد الجنود، “يمكنني أن أؤكد لكم ثمة تراكم لإحباط هائل هنا، الأمر مخيف حقاً. أود أن أفرغ ما بداخلي.. أخرج كل شيء بداخلي، على شخص ما”. ويقول آخر عن فلسطينيين جُردوا من بطاقات هوياتهم وهواتفهم المحمولة، وضُربوا لدرجة شارفوا فيها على الموت، واحتُجزوا لمدة اثنتي عشرة ساعة وكل ذلك بسبب حديثهم عبر الهواتف بشكل  رآه الجندي مريباً. فالفعل الخاطئ عند الحاجز هو فعل يتسبب في قيام الجندي بتنفيذ العقوبة -أي الأذى. ويحتاج الفلسطينيون عند نقاط التفتيش، لتجنب العصيان، إلى التفكير، بشكل متواصل، وإعادة النظر فيما قد يجعلهم يخضعون للمعاقبة.

تغرس الظروف النفسية للجنود والفلسطينيين، على حد سواء، اهتماماً كبيراً في أذهان بعضهم البعض، مما يعيق، بالأحرى يفسد، قدرتهم على التعرف على بعضهم البعض. لا يمكن قول الحقيقة عند الحاجز، مثلما لا يمكن الكذب أيضاً، كما أنه ليس هناك ما يستوجب وجود فروض والتزامات ولا حركات ولا ابتسامات ولا إهانات. لا يمكن أن يكون هناك احترام أو ازدراء أو عار أو شرف. سوف يقول الفلسطينيون ويفعلون ما يعتقدون أنه سوف يؤمن لهم ،على الأرجح، عبور الحاجز، وسوف يقول الجنود ويفعلون كل ما من شأنه أن يبقي الفلسطينيين في حالة خوف بما يكفي بحيث لا يقومون بشيء سوى الامتثال والانصياع، وكما يقول أحد الجنود: أنت تصيح عليهم بخليط من العربية والعبرية: “ارجعوا للوراء” لكنهم لا يهتمون للأمر. فتشهر السلاح في وجوههم كما لو أنك على وشك استخدامه فعلاً، فيبدؤوا بالعويل والصراخ والبكاء.. جميعهم، نساء وأطفال، فتشعر للحظة، وبسبب حرارة الجو، كأنك تضغط على زناد سلاحك وترشقهم بصليات من الرصاص على الفور”. لا مكان للنظرة الشخصية، حيث يكون الثابت الوحيد هو تجنب الموت، أو بالأحرى تأجيله، وثمة عدد لا يحصى من الحالات العقلية البشرية تكون على درجة من الأهمية بسبب قابليتها لأن تكون حالات قابلة لفعل القتل. كيف يمكن للبشر القيام بعمل يتطلب الحفاظ على الوجود المادي على حساب ما يسميه روسو “الحضور الأخلاقي”؟ كيف تتكشف هذه المقايضة الصارخة؟

الجزء 2: أثناء العمل في الوظيفة

هنالك عدد ليس قليل من الجنود، ممن أتوا من خلفيات عنيفة، ليس لديهم مشكلة في تلبية “متطلبات الوظيفة”، ويكون، بالتالي، التعسف والتهديد بالعداء الشديد ليس جديد عليهم، فهم، في نهاية المطاف، لهم سطوة في ضربهم  على غير المعتاد. وغالباً ما يتم استحضار سلوك هؤلاء الجنود في الخطاب العام الإسرائيلي كدليل على طبيعتهم العدوانية، وافتقارهم إلى الأخلاق، وعدم قدرتهم على أن يصبحوا أعضاء منتجين في المجتمع المتحضر. ولكن بما أن الاستخدام التعسفي للقوة هو جوهر الحاجز، فإن اتهام هؤلاء الجنود بالعنف هو أشبه باتهامهم باتباع أوامر رؤسائهم، الذين من المفترض أنهم يمتلكون لباقة سليمة.  وقد يكون حضور مبدأ روسّو الأخلاقي، هنا، هو الأكثر صعوبة بين الجنود الذين ينضمون إلى الجيش والذين يعتقدون أنه يجب الأخذ في الاعتبار استخدام القوة، وأن إلحاق الأذى يجب أن يكون مبرراً وفقاً للمبدأ.  وقد طرحت العديد من القصص ما هو مشترك بين البعض [من هؤلاء الجنود] وتم التأكيد عليها في العديد من الشهادات أيضاً، والتي أصفها هنا.

عادة ما تبرز الطبيعة الحقيقية لمهمة الجندي بعد وقت قصير من وصوله إلى مكان عمله أو وظيفته، وقد يُطلب منه، كما طُلب مني -مثلاً-  في إحدى نوباتي الأولى، إغلاق المعبر لسبب أو لآخر، فيأتي طفل فلسطيني قادم من مدرسته يريد المرور نحو بيته. يبدأ الطفل في البكاء عندما يكتشف أن الحاجز مغلق ولا يمكنه العبور. وهنا سوف يقرر الجندي السماح للطفل بالمرور، مستذكراً الحرية الممنوحة له، والمسؤولية لممارسة حكمه الواضح وفطرته. ولكن، سرعان ما يأتي عشرة أطفال يبكون، لقد سمعوا، جميعهم، عن طريقة جديدة للمرور عبر الحاجز حتى عندما يكون مغلقاً رسمياً. وهنا، عند هذه النقطة، يدرك الجندي، في مواجهة الأطفال الباكين، أنه ارتكب خطأً -ليس لأن هؤلاء الأطفال خطرون، ولكن لأنه لا يستطيع أن ينخدع من قبل أطفال في سن العاشرة، أو من قبل أي شخص، في هذا الشأن. وإذا لم تكن هناك طريقة فعالة للمرور عبر الحاجز الذي يقف عليه ويحكمه، فيمكن، إذن، استخدام أي طريقة، بهذا الشكل أو ذاك، ضده، بمعنى ضد مهمته، وهو لا يستطيع أن يعلم من هم الأطفال الصغار المسالمين ( غالباً في سن العاشرة) ومن هم الذين أرسلوا لخداعه. يعليه أن يقول للجميع أن الأمر متروك له، وله وحده، لتقرير مصيرهم عند حاجزه. يدرك الجندي أنه لا ينبغي أن يتصرف بناءً على التعاطف، لأنه يمكن التلاعب بالتعاطف. لكن هل يمكنه قمع هذا الشعور الطبيعي؟  يحتاج هذا لبضع وقت. وفي المرة التالية التي يحدث فيها موقف مشابه، لن يسمح للطفل بالمرور. وعندها، وبدل من البكاء، سوف يبتسم الطفل له، أو يحاول إضحاكه. هذه أيضاً علامات ضعف. أي تساهله مع الأولاد، لاسيما إذا عرفوا كيف يستغلوه ضده. وسوف يدرك ذلك عندما تبدأ العائلات تسجع الأطفال على تليينه، كي يمرّوا بسرعة أكبر. إذا تلاعب به الفلسطينيون المسالمين، فيمكن لغيرهم، أي المؤذين، التلاعب به أيضاً، وبالتالي، عليه بذل جهداً إضافياً للحد من تعاطفه. ولكن إذا لم تكن بعض المشاعر، مثل التعاطف، هي الدليل المناسب لحكمه الواضح، فما هي إذن؟

يؤدي اتباع الأوامر بدقة إلى الفشل أيضاً. وقد أُمر، هذا الجندي، باستخدام حكمه الواضح في الاعتراف بالحالات التي لا تنطبق عليها الأوامر. فكيف يتعرف على مثل هذه الحالات؟ أي قاعدة للتعرف على الاستثناءات ينبغي تعينها كقاعدة ذات ترتيب أعلى للتعرف من خلالها على الاستثناءات الخاصة بها. يبدو أن هذا يؤدي إلى تراجع لا نهائي. يدرك الجندي تدريجياً أنه لا يسعه إلا أن يفشل في مهمته: القواعد والأوامر التي يجب أن يوجهها لمثل هذه المهمة مشروطة بحكمه الذي لا يمكن أن يسترشد بأي قاعدة. لا بد لحكمه أن يكون باطلاً. يعامل الجندي الناس باستمرار على أنهم أبرياء على الرغم من أنه يستطيع القول بقدر ما يستطيع أنهم قد يتآمرون ضده؛ ولذلك فسوف يعمل، باستمرار أيضاً، على ترهيب الأشخاص الذين يثيرون شكوكه على الرغم من أنهم قد يكونون أبرياء، على حد علمه. لا توجد مبادئ أو قواعد تساعده في التعرف على الإرهابي من المواطن المسالم: كل ما يفعله لا أساس له وهو يعرف ذلك. يتحدث أحد الجنود عن سائق سيارة أجرة استمر في المرور عبر حاجزه لنقل الأطفال المصابين إلى المستشفى. وكان في طريق عودته، يحشر في المقعد لخلفي لسيارته ركاباً عاديين. وعندما لاحظ جنود الحاجز تلك “الحيلة”، توقفوا عن السماح له بالمرور. ومنذ ذلك الحين، كان على الأطفال الجرحى الانتظار عند الحاجز حتى تأتي سيارة إسعاف لتقلهم. ويشرح الجندي هذا السلوك بقوله: “إذا تركت كل شخص يأتي ومعه طفل مصاب أو ذراعه مكسورة، فسوف ينتهي بك الأمر بالسماح للإرهابيين بالمرور قبل أن تعي ذلك. لن يعيقهم أي شيء و لن يتوقفوا عند أي شيء”. فبقدر ما سمح للأشرار بالمرور عبر حاجزه، بقدر ما تألّم، فيما بعد، جميع الأبرياء بسببه، وسوف يستمر في العمل وهو غير قادر على تقليب الأمور التي فعلها، والتي تسبب ألماً أكثر مما شهده في أي وقت مضى.

يميز كل من سيدني مورغنبيسر وإدنا أولمان-مارغاليت بين حالتين من الاختيار، يقعان في مجال “الانتقاء والالتقاط”، فنحن نختار” بمعنى ننتقي” بين البدائل المتنافسة عندما نعتقد أن هناك فرقاً يجعل أحدهما أفضل من الآخر. بينما نحن، من ناحية أخرى نختار “بمعنى نلتقط” من البدائل عندما نكون غير مهتمين في الفروق بينها. كما يميزان أيضاً بين نوعين من حالات “الالتقاط”. فهناك حالات مناسبة، حيث لا يُعتقد  بوجود فروقاً تذكر بين الخيارات -على سبيل المثال، الاختيار بين علب حساء طماطم كامبل على رف سوبر ماركت. بينما هناك حالات أخرى من طبيعة افتراضية، حيث يُعتقد بوجود فرقاً، ذا صلة، بل ربما حاسماً، بين الخيارات ولكن يتم منعه من التعرف عليه. على سبيل المثال، يواجه المتسابق في برنامج ألعاب مربعين متطابقين، يحتوي أحدهما على 1000 دولار بينما يحتوي الآخر على لا شيء.

وفي موضوعنا، وبسبب من بند الحكم الواضح، لا توجد طريقة مبدئية للتمييز بين الفلسطينيين الذين يحاولون المرور عبر الحاجز. لذلك، لا يرقى الحاجز إلى مستوى الاختيار “بمعنى الانتقاء”. لكن الجنود قد يعتبرون وضعهم إما حالة التقاط مناسبة (حيث لا توجد اختلافات فعلية بين الأشخاص الذين يقابلونهم) أو حالة التقاط افتراضي (حيث لا يمكن الوصول إلى الاختلافات، على الرغم من أهميتها). قد لا يهتم الجندي عند الحاجز بأي فلسطيني بعينه سوف يكون موضوع اختبار عرضه للقوة، وبالتالي لن يجد صعوبة في انتقائه. لنتذكر مثال الاختيار الصحيح في السوبر ماركت: ما عليك سوى الحصول على علبة حساء طماطم كامبل من الرف، فأنت لا تهتم أي علبة حساء طماطم كامبل ستظهر لتختارها. وفي حالة الجندي، يجب عليه أن لا يهتم أيضاً، ليس بمعاناة الفلسطينيين الأبرياء الذين قد يعاملهم كمشتبه بهم خطرين، فقط، ولكن أيضاً لمعاناة الإسرائيليين الأبرياء الذين قد يتعرضون للأذى إذا فشل في الاشتباه في المارة الأشرار.

جندي الحاجز الذي يعتقد أن هناك فرقاً مهماً بين معاملة شخص ما كمشتبه به خطير أو كمدني بريء -وأنه ممنوع من التصرف بناءً على هذا الاعتقاد- يجب أن يلتقط بشكل تلقائي. إنه مثل المتسابق في برنامج الألعاب الذي يريد الصندوق الذي يحتوي على 1000 دولار بدلاً من الصندوق الفارغ، ولكن كل ما يمكنه فعله هو التقاط صندوق من الاثنين آملاً أن تتوافق عواقب انتقاءه مع رغباته. تختلف حالة عرض اللعبة ونقطة التفتيش بطريقة حاسمة: في حالة لعبة الصندوق، يتلاشى التوتر عندما يتم الكشف عن العواقب؛ أما عند الحاجز، نادراً ما يعرف الجندي ما إذا كانت أفعاله قد أنقذت الأرواح أم أزهقتها. وهكذا يتراكم التوتر بسرعة حيث يختار الجندي بشكل افتراضي مئات من حالات الالتقاط على مدار عمل كل وردية ولمدة ثمان ساعات. معظم أفعال الجندي لها آثار أخلاقية خطيرة -فهو يعرف ذلك كثيراً. لكنه غير مبال لها. يصبح التوتر لا يطاق، في الواقع، لا يمكن فهمه. ومن المؤكد، عندما يصل الجنود إلى الحاجز، قد يهتمون كثيراً في الفرق بين الفلسطينيين الأبرياء والمعادين أو لا يهتمون على الإطلاق. ومع ذلك، فكلما زاد “التقاط” الجنود، زاد الضغط تجاه اللامبالاة الأخلاقية. إن تجاوز قوة الجندي لأي قاعدة لا يجعله قوياً بل يقضي عليه. وكونه “فوق القانون” فهذا يستنزف منه مبادئه لتي تم تعيينها مسبقاً. وقد يشعر، في بعض الأحيان، أنه يشهد بشكل سلبي على الشخص الذي أصبح عليه: فيديه، تشير بشكل تعسفي إلى ما معناه “هيا تابع”، “انتظر هناك”، “اخرس”، “أرني هذا”، “أرني ذاك”؛ يصدح صوته بعبارات من قبيل: “لا أهتم، لقد انتهى تصريحك”، “أتمنى لك يوماً سعيداً”، “إلى أين تعتقد أنك ذاهب؟”. وسوف يمر بعض الوقت قبل أن يخطر بباله أنه من خلال عدم التمييز بين المعادي والأبرياء قد لا يفشل في مهمته للدفاع عن بلده فحسب، ولكنه يفشل أيضاً في القيم والمشاعر التي تربى على التمسك بها والعمل على أساسها. وحينها لا بد أن يسأل نفسه: لكن كيف يمكن أن يكون ذلك، إذا كان لديه كل النية لفعل الصواب طوال الوقت؟ وكان كان عازماً على الدفاع عن بلاده مع الحفاظ على إنسانيته ومراعاة بوصلته الأخلاقية، فكيف/ إذن، يمكن أن يكون قد فشل فشلاً ذريعاً في كليهما؟

انظر إلى هذه الرواية لجندي يعتقد أن على إسرائيل الانسحاب من المناطق: “كنت في نقطة تفتيش، مؤقتة، ما يسمى بحاجز الخنق، كانت نقطة تفتيش صغيرة جداً، وحميمية جداً، كنا أربعة جنود، بدون ضابط قائد، لا توجد حماية جديرة بهذا الاسم، وظيفة عمل إضافية حقيقية، إغلاق مدخل قرية. فناك، من جانب، صف من السيارات الخارجة، ومن الجانب الآخر، صف من السيارات الداخلة، رتل ضخم، وفجأة تشعر بإحساس قوة جبارة تسري في أطراف أصابعك، كما لو كنت تلعب لعبة كمبيوتر. فأنا أقف هناك.. هكذا، أشير إلى شخص ما، أشير إليك، مثلاً، للقيام بهذا أو ذاك، وأنت تفعل هذا أو ذاك، تشغل السيارة، وتتحرك نحوي، وتتوقف بجانبي. وتأتي السيارة التالية، أنت تشير، تتوقف. تبدأ باللعب معهم، مثل لعبة كمبيوتر. تعال هنا، اذهب هناك، هكذا. بالكاد تتحرك، تجعلهم يطيعون طرف إصبعك. إنه شعور عظيم. إنه شيء لا تختبره في أي مكان آخر. أنت تعلم أن السبب في ذلك هو امتلاكك سلاحاً، تعرف ذلك لأنك جندي، وأنت تعرف كل هذا، ومع ذلك يسبب لك هذا الأمر نوع من الإدمان. عندما أدركتُ هذا.. راجعتُ نفسي لأرى ما حدث لي. هذا كل شيء.. فجأة، لاحظتُ أنني أصبحت مدمناً على السيطرة على الناس”.

حتى لو فشل الجندي في التصرف وفقاً لقيمه، فلا يزال لديه هذه القيم. يقرر عدم الاستسلام للامبالاة، وعدم ترك مشاعره الأخلاقية تتلاشى. يجب ألا يعتاد على المعاناة غير الضرورية التي من المحتم أن يلحقها بممارسته التعسفية للسلطة. يتمسك بالذنب مثلما يتمسك رجل يغرق بقطعة حطب. لكن لم يتبق شيء للاحتفاظ به. وبقدر ما يكون الشعور بالذنب صارم لدى الجندي، بقدر ما يبدو أنه لم يعد منطقياً له بعد الآن. إما أنه يلحق ضرراً لا داعٍ له بالأبرياء، وفي هذه الحالة يجب أن يتوقف بدلاً من مجرد الشعور بالذنب، أو أنه يفعل ما يجب عليه فعله لإنقاذ الأرواح، وفي هذه الحالة لا ينتابه شعور الذنب باي شيء واتجاه أي شيء، فالشعور بالذنب في هذه الحالة مجرد نفاق. إنه أمر مثير للسخرية. وسوف يتسبب، مع مرور الوقت، في المزيد والمزيد من المعاناة، وسوف يضيف المزيد من الأسباب الكافية لشعوره بالذنب، لكن ذنبه، في المقابل، يأبى التضخيم؛ لم يعد يشعر بالصدمة الأخلاقية المميزة التي شعر بها عندما وصل إلى الحاجز أول مرة.

ولكن هل يلزم أخلاقياً أن يفعل ما يفعله؟ هل يمكن أن يكون الإرهاب نداءه؟ يمكنه الهرب إلى الصحراء، أو الاختفاء في الجبال، أو الفرار خارج البلاد. (مثل هذه البدائل كانت تجول في ذهني في الساعات الهادئة من نوباتي الليلية الطويلة). لكنه يعرف ما سيحدث بعد ذلك. سيحل محله جندي آخر. شخص قد يكون وحشياً وسوف يتسبب في المزيد من المعاناة غير الضرورية. سوف تكون هجرته ضارة بحد ذاتها. ويبدو، من ناحية أخرى، من غير المعقول أن نقترح أن هذا هو ما يجب أن يفعله -أن إلحاق ضرر جسيم وغير ذي حاجة بالأبرياء هو، في الواقع، أمر جيد.

التهديدات. ها هو على الحاجز، يخلق التهديدات طوال النهار والليل: يهدد الناس للقضاء على إرادتهم. هو لا يعرف، في الواقع، ما هي إرادتهم. لكن يمكنه أن يشعر، الآن، أن هذا الجزء منهم يتمنى لو أنه، أي الجندي، ميت.

يقول أحد الجنود، “إذا لم يكن لديك [سلاحك]، وإذا لم يكن زملائك الجنود بجانبك، فسوف يقفزون عليك”، “سوف يطعنوك، يضربوك حتى الموت**. يتخيلهم على الحاجز المسؤول عنه: نجارون وأطباء ومعلمون ومزارعون وأمهات وأعمام وأطفال وأجداد وعشاق. كيف يمكن لهذا العدد الكبير من الناس، الذين ينظرون إليه في عينيه كل يوم، أن يريدوه ميتاً؟ كيف يراه الفلسطينيون؟ إنه لا يتعرف على نظرته المنعكسة من نوافذ سياراتهم التي يفحصها أو يصادرها. لم يعد هو نفسه.

ويدرك الجندي الآن، بعد أن أصبح الشعور بالذنب مستحيلاً، أن جزءً منه يحتضر. ويبدأ في الاعتقاد بأنه الضحية الحقيقية في كل هذا، خاصة وأن لا أحد يفهم أنه محكوم عليه بالفشل، وأن قوته تجعله عاجزاً. لا أحد يعلم أنه منذ وصوله إلى هنا لم يتخذ خياراً واحداً. بالتأكيد، الفلسطينيون عاجزون أيضاً، لكن من السهل رؤية أنهم ضحايا، كما يقول لنفسه. إنه، أي الجندي، لا يتمتع بالقوة- وتلك هي مأساته. يتراكم الغضب، ويأتي إليه الفلسطينيون، الواحد تلو الآخر، طوال اليوم، متوسلين إليه أن يسمح لهم بالمرور. يخبروه بحاجتهم للذهاب إلى مدارسهم وجامعاتهم ومستشفياتهم ووظائفهم؛ يحتاجون إلى الطعام، يريدون رؤية أطفالهم وذويهم؛ إنهم بحاجة للذهاب لحضور جنازاتهم وأعراسهم، وولادة أطفالهم. لكن كيف بحق الجحيم عليه أن يعرف كل هذا؟ لماذا يعتقدون أن لديه أدنى فكرة عما إذا كان بإمكانهم المرور عبر حاجزه أم لا؟ لا يستطيع أن يميز بينهم. يتصرفون جميعاً بالطريقة ذاتها، بالطريقة التي يتصرف بها الأشخاص المرعوبون. يحاول مقاومة هذا النمط من التفكير: هو يعلم أنهم جميعهم غير متشابهين. ويقول لنفسه إنهم بشرٌ أفراد. ويقرر أن يريهم أنه يراهم على هذا النحو. يحاول أن يكون مهذباً ومحترماً عند الحاجز. يعطي بعض الحلوى للأطفال، يلقي بعض النكت بين الحين والآخر. لكنهم يظلون على حالهم، كما هم لا يتغيرون. لا توجد بينهم علامة تشير إلى فردانية أي منهم. عندما كنت أخدمهم، حاولت إخبارهم بنكات سيئة، لمعرفة ما إذا كانوا سيتفاعلون بشكل مختلف لو كانت النكتة غير مضحكة. لكنهم لم يتفاعلوا. بل ضحكوا، جميعاً، بذات القدر. ضحكوا بشدة، معتقدين كما لو أني أريدهم أن يفعلوا ذلك، لم يهتموا على الإطلاق بجودة  ما أقوله من نُكت. وعندما كان أحدهم يضحك أحدهم، بين الحين والآخر، عند الحاجز، كنت أقوم بإسكاته على الفور. لا يمكن للجندي تحمل عشرات الفلسطينيين الذين يقفون في طوابير لا نهاية لها يتصرفون كما يشعرون. قد يشعرون برغبة في مهاجمته. لقد كنت طوال الوقت: أكتم ضحكاتهم، وكنت السبب في تماثل هيئاتهم.

تتخذ محاولات الجنود لاستدعاء فردانية الفلسطينيين الذين يواجهونهم أشكالاً مختلفة. وهنا ثمة مثال آخر. في العام 2001 ، كانت نقطة تفتيش الجلمة، الواقعة على الجزء الشمالي من حدود ما قبل العام 1967، تحت قيادة فرقة من لواء مشاة غولاني. طلب الجنود من المركبات الوقوف على بعد خمسة عشر متراً من نقطة التفتيش حيث وضعت لافتة تشير إلى ذلك، ولكن عندما لم تكن هناك سيارات في نقطة التفتيش، لم يرَ الكثير من السائقين أي سبب للتوقف عند اللافتة، فكانوا يتجهون مباشرة نحو الجنود، الذين اعتبروا هذا التصرف بمثابة تهديد أمني: كان على الجنود أن يكونوا مستعدين للمركبات التي تقترب منهم. وفي كانون الأول\ ديسمبر أرسلت فصيلة من سلاح المدفعية لتحل محل جنود غولاني. خلال الفترة القصيرة التي خدمت فيها المجموعتان هناك، أوضح جنود غولاني  كيف أنهم، كانوا بقون، في العادة، قنابل صوتية على السيارات التي تتجاوز تعليمات لوحات التوقف. وقد منحهم هذا الإجراء شعوراً سمح لهم باعتبار تصرفهم هذا وسيلة فعالة توضيحية للسكان المحليين أن علامة التوقف يجب أن تطاع في جميع الظروف. تبدو القنابل الصاعقة مثل القنابل الحية وتحدث الكثير من الضوضاء ولكنها لا تسبب أي ضرر. وقد شعر سائقو المركبات الذين عصوا لافتة التوقف بالرعب مجرد رؤيتهم، فجأة، إلقاء قنابل يدوية عليهم دون أن يعلموا أنها ليست سوى قنبلة صوتية. وبمجرد أن شعروا بالرعب من احتمال الموت المفاجئ والمؤكد، فسوف لن يقوموا من جديد بتجاوز علامة الخمسة عشر متراً دون أمر مباشر. أنا وأصدقائي، في الفصيل الجديد، وجدنا أن هذا الإجراء شديد العنف والقسوة. نسبنا ذلك إلى “نقص القيم” لدى جنود غولاني وقررنا تحقيق نفس التأثير من خلال “تثقيف” السكان المحليين، وكان الإجراء المتبع كالتالي: معاقبة سائق السيارة التي تتجاوز إشارة التوقف  بأمره السير ذهاباً وإياباً عدة مرات، من نقطة التفتيش إلى إشارة التوقف. لم تكن العقوبة التعليمية الجديدة فعالة. فقد كان يأتي المزيد والمزيد من السيارات مباشرة إلى نقطة التفتيش دون الانتظار عند إشارة التوقف. لم يكن الروتين الجديد فعالاً، لافتراضه أنه من خلال معاقبة المخالفين، لن نضيع وقت السائقين فحسب، بل نؤذي كبريائهم أيضاً. لم تنجح العقوبة لأن الفلسطينيين الذين مرّوا عبر الحاجز تعاملوا مع روتين الذهاب والإياب بذات الطريقة التي تعاملوا بها مع روتين القنبلة الصوتية: كنتيجة متوقعة لأفعالهم التي يجب أن يأخذوها في الاعتبار في المرة القادمة التي مروا فيها. لم يكن هناك شيء يمكن فعله معهم.

اعتقدنا أنه يمكننا استبدال “إهانة” العقوبة بـ “إصابة” القنابل الصوتية. قررنا أن الذل سيكون ثمن العصيان. لكن وجود الحاجز ذاته قد حرم من مرّ به من كرامتهم. جعل همهم البقاء أحياء في ظل وقوعهم تحت تهديد السلاح. لقد جُرّدوا من احترامهم لذاتهم منذ وقت طويل من إصدار الأوامر لهم بالسير دون جدوى ذهاباً وإياباً. لم نكن ندرك أنه لم يعد لدينا شيء نستطيع من خلاله إذلالهم. ليس الأمر أن الفلسطينيين الذين عبروا حاجز الجلمة رفضوا الاعتراف بتفوقنا. على العكس من ذلك، بذل الفلسطينيون جهداً كبيراً للتنازل عن أي شيء يطلب منهم. لكنهم لم يستطيعوا تصورنا كأشخاص يجب الاعتراف بهم. كما في حالة النكات السيئة، لا يتفاعل الفلسطينيون مع الجنود أنفسهم، بل يتفاعلون مع ما يمكن توقع ما يلي ذلك من تصرفات هؤلاء الجنود. إن غياب الاستخدام المبدئي للقوة عند الحاجز يقوّض إمكانية السلطة. وبقدر ما يمكن أن يكون الجندي عند الحاجز فعالاً، لن يراه الفلسطينيون أبداً قوياً. مثل سيد العبيد لدى هيجل، قد يرغب جنود الحاجز في أن يعترف بهم الفلسطينيون، لكن كل ما يمكنهم الحصول عليه هو امتثالهم.

في النهاية، لم تعد قوة الجندي تثيرهم. عدم وجودها يزعجهم. يجب أن يعترف شخص ما بقوة الجندي ليشعر بالقوة. لم تعد طاعة الفلسطينيين له قادرة على تأكيد تفوقه من تلقاء نفسها، لكن التأكيد قد يأتي من أولئك الذين يشهدون قوته: زملائه الجنود. وهكذا يظهر المعنى الحقيقي  لـ “חֲבֵרוּת “، العبرية  “الصداقة الحميمة”. إن نظرة رفاق الجندي له تؤكد قوته، وبالتالي تؤكد وجوده ونفسه. وبالتالي، تصبح العقوبات مشهداً. يُظهر الجندي قوته حتى يراه زملائه الجنود: في حين أنه لا يمكنه سوى “التقاط” من يعاقبهم من الفلسطينيين، إلا أنه قد يختار العقوبة التي يمارسها. يتم تقدير العقوبات الإبداعية ومناقشتها بين الجنود.

الصورة الأولى:

جمع الجندي في الصورتين هنا عشرات الصور له مع فلسطينيين احتجزهم عند نقاط التفتيش. في معظم الصور، كان المعتقلون معصوبي الأعين. يبدو واضحاً في الصورة أن الجندي لم يكن يأمل في الحصول على اعتراف المعتقلين بتفوقه، بل كان يأمل في الحصول على تقدير جمهوره المقصود من زملائه الجنود. علاوة على ذلك، فإن مسألة براءة هؤلاء الرجال لم تخطر بباله. واضح أنه غير مبالٍ أخلاقياً باختيار من “يلتقطهم”.

المصدر: معرض منظمة كسر الصمت 2004

الصورة الثانية:

يظهر فيها الجندي نفسه، قد تثير بعض الشكوك حول تحليلي للحاجز: لماذا لا يمكن أن يكون الحاجز جميلًا بين الحين والآخر؟ يبدو أنه لا توجد قسوة في هذه الصورة. الجميع يبتسم. تشير هذه الصورة إلى أنه حتى عند الحاجز، يمكن للجنود الإسرائيليين والعائلات الفلسطينية تجاوز خلافاتهم والتعبير عن إنسانيتهم ​​المشتركة. لكن لا يوجد ما هو ودّي في الصورة: فالنظارات غير شفافة والابتسامات فارغة. الجنود، الذين يتصرفون بشكل يائس، ويريدون أن يروا، ويفعلون كل ما في وسعهم للعثور على الرضا في أنفسهم، قرروا التقاط صورة مع عائلة فلسطينية تصادف وجودها على الحاجز. يتوق أفراد الأسرة إلى المرور عبر الحاجز بأمان وبسرعة. وهم على استعداد، من أجل ذلك، على إطاعة أهواء الجنود. هم بالتأكيد على استعداد لالتقاط صورة للكاميرا. تبتسم الأسرة بكل امتثال، ابتسامات يملأها الخوف والضيق؛ ويبتسم الجنود، بدورهم، ببلاهة، تكاد تخلو مما كانوا قد عرفوا ذات مرة أنهم هم أنفسهم.

المصدر: معرض منظمة كسر الصمت 2004

هوامش المترجم

*منظمة كسر الصمت Breaking the Silence: أو شوفريم شتيكاه שוברים שתיקה هي منظمة إسرائيلية، مناهضة للاحتلال، متخصصة بنشر انتهاكات جنود الجيش الإسرائيلي بحق الفلسطينين في المناطق المحتلة عام 1967، تأسست المنظمة في العام 2004 من قبل جنود مسرّحين من الجيش الإسرائيلي الذين خدموا في الأراضي المحتلة  وقرّروا نشر حقائق ما يحدث هناك، وخاصة في مدينة الخليل. وتعلن المنظمة أن هدفها هو رفع مستوى الوعي للواقع اليومي في المناطق المحتلة وخلق حوار مجتمعي عام حول الثمن الأخلاقي الناتج عن احتلال والسيطرة على السكان المدنيين الفلسطينيين. وجميع تصريحات الجنود في هذا المقال مصدها منظمة “كسر الصمت”.

** المعنى الحرفي للعبارة الواردة في النص “حتى تخرى على حالك”.

ملاحظات

المصدر:https://bostonreview.net/world/checkpoint-oded-naaman

العنوان الأصلي: The Checkpoint

المؤلف: عوديد نعمان

عن محمود الصباغ

كاتب ومترجم من فلسطين

شاهد أيضاً

الحدود الحرجة للتاريخ “الجديد” للرأسمالية: قراءة في كتاب “عصور الرأسمالية الأمريكية: تاريخ الولايات المتحدة”- القسم الثالث

ترجمة: محمود الصباغ صدر كتاب جوناثان ليفي الجديد، الذي يزيد عن 700 صفحة، بعنوان “عصور …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *