الرئيسية > سياسة > ترجمة > إعادة تسمية شوارع حيفا وبرلين الشرقية: دراسة مقارنة في التخطيط الثقافي
المصدر: Poetics Today 13:2 (Summer 1992),

إعادة تسمية شوارع حيفا وبرلين الشرقية: دراسة مقارنة في التخطيط الثقافي

تعتبر أسماء الشوارع في غابة المدن الحديثة، أكثر من مجرد وسيلة لتسهيل تحديد التوجه المكاني نظراً لما تحمله من قيمة رمزية إضافية وتمثّل لـ”نظرية العالم” التي تعتمد على  النظام الاجتماعي والأخلاقي الحاكم. فتشمل أسماء شوارع المدينة ( سوف نطلق عليها هنا تسمية: “نص المدينة”)، بهذه الصفة، القيم القومية، والأسماء “الجغرافية” (للمدن والمناطق والأنهار والجبال وغيرها)، وتشمل أيضاً، أخيراً ولكن بالتأكيد ليس آخراً، تمثيل الماضي القومي كما هو محدد من قبل الأبطال والأحداث التي يحتفى بها في لافتات الشوارع. و يضاف، في بعض الحالات، بعدٌ رمزيٌّ آخر من خلال اختيار اللغة المستخدمة في هذه العلامات. فاللغة دلالة على هوية الجماعة، وهي محملة، بالتالي، بقيمة رمزية، لاسيما في الحالات التي يتم فيها تحديد لغتين لمجتمعين قوميين في حالة صراع محدد. و يعتبر “نص المدينة” بناء ثقافي يسهم في تحديد معنى أي نظام اجتماعي وأخلاقي وذلك من خلال تمثّل “نظرية العالم”  التي تعترف بهذا النص وتخوّل استعماله، وهو أيضا نص رسمي مسموح به من قبل النظام الحاكم. فيتم اختيار أسماء الشوارع، أحياناّ، استناداً للمشاعر الشعبية،  بيد أن صيغ وأشكال هذه النصوص تُستنبط، على الدوام، عن طريق وكلاء معينين. وبالتالي، يُنظر إلى عملية كتابة نص المدينة أو إعادة كتابته  باعتبارها مثالاً واضحاً على التفاعل بين العمليات السياسية الاجتماعية السيمائية في الثقافة.

والهدف من هذه المقالة، تفحص العلاقات بين العمليات التي تنطوي عليها عملية (إعادة) بناء “نص المدينة” على سبيل المقارنة. وقد تم [لهذا الغرض] اختيار  حالتين واسعتين من عمليات إعادة التسمية، جرت الأولى في برلين الشرقية، العاصمة السابقة لألمانيا الشرقية، و تم تنفيذ الثانية في مدينة حيفا، الميناء البحري الرئيسي لإسرائيل، في ربيع العام 1951. وحدث في سياق هاتين العمليتين تغيير هائل على مستوى المحتوى الرمزي لنصوص المدينتين ( يمكن العثور على البيانات المتعلقة في إعادة تسمية برلين الشرقية في Verordnungsblatt für Groβ-Berlin, Vol. 7 (1951), Nos. 23. 32, 40 . علماً أن البيانات الخاصة بمدينة حيفا توجد في أرشيف المدينة: ملف رقم 209 ). ومن المفيد لفت النظر إلى أن عمليات إعادة التسمية في حيفا وبرلين الشرقية و تزامنهما كان محض تصادف عرضي، حيث اشتملت  كل عملية على سماتها الخاصة وعلى سياقها التاريخي كلّ على حدة . وعلى  الرغم من هذا، فثمة قاسم مشترك يجمع بين كلتا العمليتين، ويتمثل في التلاعب السياسي في الصيرورات السيميائية التي نفذت ضمن السياق العام لإعادة بناء الثقافة الرسمية في ضوء الانقسامات السياسية الرئيسية. وتعتبر الأسماء موضوعات دلالية تجسد المعنى وتنقله، وهي بهذا تحتل مكاناً مركزياً في أي نظام ثقافي, كما أن صياغة، وإعادة صياغة، مجاميع الأسماء الطبوغرافية يعد مثالاً عميقاً على طبيعة الصلات التي تربط بين العمليات السياسية والثقافية, فغالبا ما يتم إعادة تسمية المدن و البلدان عقب احتلالها و إعادة التوطن فيها، ويذكر سفر القضاة في الإصحاح الأول 17 (وَذَهَبَ يَهُوذَا مَعَ شِمْعُونَ أَخِيهِ وَضَرَبُوا الْكَنْعَانِيِّينَ سُكَّانَ صَفَاةَ وَحَرَّمُوهَا، وَدَعَوْا اسْمَ الْمَدِينَةِ “حُرْمَةَ”.). كما يمكن أن نجد أمثلة حديثة عن هذا النمط في تاريخ المدن الألمانية السابقة دانتسيغ، بريسلاو، كونيغسبرغ، التي أصبحت بعد العام 1945 غدانسك، فروكلاف, كالينينجراد.

 تبدي الإيديولوجيات الحديثة قدراً كبيراً من الحساسية للأسماء وقيمها الرمزية، ولا تقتصر إعادة التسمية على المدن والبلدات فحسب؛ فإعادة تسمية الشوارع والدول لها نصيب أيضاً في هذه العملية، فعلى سبيل المثال، تم في الاتحاد السوفيتي [السابق] تغيير أسماء مدن هامة تيمّناً بأبطال بارزين للنظام الثوري، مثل لينين وستالين وغوركي وكالينين وفوروشيلوف وسواهم .كما غيرت العديد من الدول الأفريقية أسمائها بعد نيلها استقلالها، مثل الكونغو (زائير) و روديسيا (زيمبابوي) وغولد كوست [ساحل الذهب] (غانا) ، وكان القصد من هذه العمليات الإعلان عن عودة رسمية إلى الجذور “الأصيلة” لما  قبل الاستعمار وإيصال معانٍ مختارة بعناية فيما يخص الدول القومية المستقلة. ولو عدنا قليلاً إلى الوراء، إلى زمن الثورة الفرنسية، فسوف نعثر على العديد من الأماكن التي استبدلت أسماءها إبّان الثورة، وفي الواقع كان الماضي الملكي هو موضوع التغيير ليحلّ محلّه أسماء تحمل معنى القيم العليا للنظام الثوري، ففي العام 1793 تغير اسم “ساحة لويس الخامس عشر” في باريس إلى “ساحة الثورة”. واعتبر هذا التغيير قاعدة تم العمل بموجبها كنموذج في إعادة تسمية الشوارع باعتبارها سمة معروفة في حالات الاضطرابات السياسية وانفلاش الأيديولوجيات المهيمنة. و يمكن القول أن تحليل أسماء الشوارع يتم في إطار ميدان أسماء الأعلام، أي ما يعرف اصطلاحاً: الدراسة العامة للأسماء onomastics، أو في مجال معين لأسماء المواقع الجغرافية يقع ضمن  حقل الجغرافيا الحضرية ( العمرانية)، حيث تلعب أسماء الشوارع دوراً واضحاً في المناطق الحضرية. وثمة مقاربة أخرى، تلامس ما تتبناه هذه المقالة، حيث تربط أسماء الشوارع بـ “الذاكرة”. ووفقاً لهذه المقاربة، تعد أسماء الشوارع (وغيرها من الأشياء، مثل المعالم الأثرية واللوحات التذكارية) مصدراً يمكن من خلاله قراءة “ذاكرة”  مجتمع معطى، نظراً لأن أسماء الشوارع جزء من خزان الذاكرة الرسمية. وعلى غرار هذا، يمكن العثور على مثل هذا النوع من الأبحاث الأصلية التي تتعلق بإحياء ذكرى الأسماء في أبحاث آر. دبليو. ستامب  (1988). والمنظور الذي تتبعه هذه الدراسة هو منظور  التخطيط الرسمي للثقافة، أو نمذجة البنى الثقافية وفقاً للتعليمات الإيديولوجية التي ينفذها وكلاء معينون نيابة عن المجتمع . ويتكون التخطيط الثقافي من تفعيل مجاميع من الإجراءات والعمليات لغرض التلاعب مباشرة بالبنى الثقافية الرسمية. والمنتج الثقافي، الذي هو في دراستنا نص المدينة المعدل، مصمم للاستهلاك الدائم؛ ويفترض بعد صياغة نص المدينة أن يصبح نصاً حياً في عمليات التواصل الاجتماعي كجزء من الثقافة الرسمية. لم يتم تطبيق هذا النهج التحليلي بعد على دراسة التراكيب الثقافية مثل نص المدينة، على الرغم من ارتباطه بعدد من الدراسات التي تركز على التخطيط اللغوي، أو بشكل أكثر دقة: تعديل اللغات وفقاً للأغراض والمتطلبات القومية (لإلقاء مزيد من الضوء على هذه لمسالة، انظر على سبيل المثال، Fishman 1927).

ملاحظات أولية: تمثل “الماضي

يعرض نص المدينة خارطة معينة، للمكان والزمان، ترتبط ارتباطاً وثيقاً بـ “نظرية العالم”. وسوف نركز ،هنا، على أحد الجوانب الهامة لهذه الخرائط، أي الرواية الرسمية لـ “الماضي” كما يتم استعراضه في لافتات الشارع. وبالتوازي مع وجود هذه النسخة الرسمية من الماضي، فهناك ثمة نسخ أخرى أيضاً، وجميعها صحيحة أو خاطئة على حد سواء، و تتوقف الاختلافات فيما بينها على طبيعة الأنظمة الاجتماعية والأخلاقية التي تتحدد بها هذه النسخ, فيستحضر النظام الحاكم نسخته الخاصة، التي تضم جزءً كبيراً من “نظريته للعالم”. ويتحكم المركز السياسي على الوسائل التي يمكن من خلالها تقديم تمثيلاته للعالم إلى المجتمع ككل. ويتأكد هذا المركز السياسي من أنه لا يتم إصدار سوى التمثيلات المقبولة والمقررة من قبله، أي أ، نسخته الخاصة عن الماضي هي التي سيتم نقلها فقط عبر قنوات الاتصال الاجتماعي الرسمية. و يلاحظ إدوارد شيلز، في هذا السياق، “عندما يتوسع  المركز بشكل فعال، سوف يسيطر على مؤسسات الاتصال: كالمدارس والكنائس، وإذا كان المجتمع متعلماً، فسوف تصل السيطرة إلى أي جهاز من الأجهزة يمكنها تقديم تمثيلات وتأويلات العالم “( Shils 1981: 249). يتم قمع تمثيلات العالم المعارضة, بمعنى أنها ستكون مستبعدة من جميع القنوات الرسمية. وتشكّل لافتات الشوارع، باعتبارها وسيطاً رسمياً، نصاً رسمياً يمكن من خلاله قراءة الرواية الرسمية للماضي، بصفة خاصة، والتمثيلات والتأويلات الأخرى للعالم بصفة عامة، كما أن بناء مثل هذه النظريات ونسخ الماضي يمليه حقل البحث الأكاديمي عن “الحقيقة” الموضوعية. وتكمن أهمية مثل هذه البنى في دورها الاجتماعي السياسي كعوامل شرعية (أو غير شرعية). إن الرواية الرسمية لـ “الماضي” تضفي الشرعية على النظام القائم (ومن ثم حكمه) بحجة أنه نتاج حتمي  لـ “التاريخ”. ويمنح “الماضي” النظام الاجتماعي والأخلاقي الحاكم جواً من الطبيعة، ويقدمه بوصفه جزء غير قابل للشك من  “النظام الكوني” . كما تتحدى الروايات المتنافسة على الماضي الرواية الرسمية، وهذا يعني الرواية التي سمح النظام باستحضارها، ولهذا ينظر لتلك السرديات المنافسة على أنها تهديد. ويبنى “الماضي” على أنه سرد زمني [كرونولوجي] متقدم تنتظم فيه أحداث مختارة وشخصيات تمثيلية مؤثرة في سلاسل متتابعة وسببية ( لمناقشة ما يتعلق  بـ”السرد”، أنظر:  Hodge and Kress [1988: 229—30]). تؤدي هذه السلاسل منذ “البداية” (“ولادة الأمة” أو أي أسطورة خلق أخرى )، من خلال الصعود والهبوط والانتصارات والهزائم والكوارث والانتصارات والصراعات والنضالات، إلى الوضع  الحتمي الراهن، “الحاضر” الذي يتم  مطابقته مع النظام الاجتماعي والأخلاقي الحاكم . وغالباً ما يمثل نص المدينة -موضوعنا الرئيسي هنا- الماضي ببساطة دون سرده. لا توفر بنية النص قوساً زمنياً ناجزاً؛ فليس هناك تسلسل زمني، ولا يمكن للمرء أن يميز “قبل” و “بعد”. وليس هناك تقدم زمني، وبالتالي، لا يتضمن سببية. و سوف يكون القارئ الذي  يتمتع بـ “رأس مالٍ ثقافيّ]” كافٍ (أي معرفة مسبقة بالثقافة المعنية) قادراً ،فقط، على إعادة بناء التسلسل الزمني والروابط السببية من النص، ولكن هذ ا التسلسل وهذه الروابط لن يتم العثور عليها في النص نفسه. من ناحية أخرى، يوفّر محتوى وهيكل نص المدينة للقارئ معلومات قيمة فيما يتعلق بالرواية الرسمية للماضي. على عكس الكتب المدرسية، التي تقدم الأبطال و “أندادهم” (على الرغم من أن البطال هم الأكثر بروزاً من أندادهم) وتقويماً مناسباً لأدوارهم في التاريخ القومي، فنص المدينةـ يضم الأبطال فقط، وهو نص تمثيلي أحادي البعد عندما يتعلق الأمر بالشخصيات التاريخية التي تقف على الجانب “الإيجابي” من محور “الخير\الشر” الذي يعكس مزايا  أداء خاصة للماضي, و لذلك لا يتم تمثيل الأنداد المعادين للأبطال في نص المدينة لأنهم لا يستحقون تخليدهم عبر تضمنيهم في نص المدينة بالذات، ويحتوي نص المدينة، من الناحية البنيوية على مقياس مدمج [غير مرئي] يسمح لقارئ النص بتحديد الوضع النسبي للأحداث والقيم والأبطال. ويتمثل أحد المبادئ التنظيمية الأساسية لكتابة نص المدينة في ارتباط الحالة النسبية لعناصره بأهمية الشارع المختار في النسيج الحضري. وتنعكس التراتبية في نص من النوع المثالي في توزيع العناصر في النسيج الحضري، حيث تنص القاعدة الأساسية فيه على أن الأهمية الاستراتيجية للطريق وأهمية اسمه يجب أن يرتبطا ارتباطاً إيجابياً. ومع ذلك فقد يحدث نوع من الانحرافات عن هذا النمط، ويعود هذا الانحراف في الغالب إلى إعادة تقويم الأهمية التاريخية للأبطال المشهود لهم سابقاً أو نتيجة للتطور العمراني .

نشأة نصوص حيفا وبرلين

ينبغي فهم التغيرات في نصوص المدينة في السياق التاريخي للنص نفسه، أي في سياق وجود النص في وقت معين وعملية تدوينه. وتخلق مجموعة القيود والحوافز التي تفرضها الشروط الإيديولوجية المسبقة وكذلك الاحتياجات السياسية مجالاً للقوى التي تحدد “مضمون” نص المدينة. وبالتالي فإن إعادة كتابة نص المدينة  تعدّ في كثير من الأحيان تتويجاً لنزاعٍ طويل الأمد بين الخيارات المتنافسة. قد يكون النص جديداً، لكن النسخة الرسمية المصرح بها قد تكون معروفة جيداً قبل إعادة كتابتها كخيار غير رسمي وغير ناجح ينافس الرواية الرسمية السابقة (كما هو حال برلين)، أو تكون هذه النسخة الرسمية تنطبق بصورة بديلة على أجزاء معروفة جيدا من النص (كما هو حال حيفا).

برلين

بدأت كتابة نص برلين بتأميم نص المدينة من قبل السلطات البروسية في العام 1813. ووفقاً لقانون الولاية، كانت الدولة البروسية ممثلة في شخص  الملك هي المسؤولة، بدلاً من المدينة، عن تسمية الشوارع. بقي هذا الوضع الفريد معمولاً به حتى إلغاء النظام الملكي في العام 1918، وانتهى فقط مع الحل القانوني لبروسيا بعد الحرب العالمية الثانية. استعرض نص مدينة برلين، في ظل الإمبراطورية، مجد سلالة هوهنزولرن الحاكمة، فضلاً عن الشهرة العسكرية الألمانية بعد العام 1871 (أي بعد توحيد ألمانيا تحت الحكم الملكي لبروسيا). وقد واجهت هذه النسخة من الماضي، بعد إعلان الجمهورية في العام 1918، تحدياً من قبل الأحزاب اليسارية في البرلمان البلدي، الذين كانوا أكثر راديكالية من الشيوعيين، الذين دعوا إلى صيغة بديلة “ديمقراطية” و “تقدمية” لنص المدينة (للاطلاع على تحليل مفصل لهذه المناقشات، انظر Azaryahu 1988). وقد باءت محاولات تغيير نص المدينة بالفشل بسبب المعارضة القوية للدولة البروسية، التي كانت تسيطر على نص المدينة. ثم  قام النازيون ببناء نسختهم الخاصة من الماضي على لافتات الشوارع التي تزينت بأبطال الحزب القومي الاشتراكي، وأبرزهم أدولف هتلر، الرمز الأسمى للنظام النازي، وهورست فيسل، الشهيد البارز في “الحركة”.

بعد انتهاء الحرب واستسلام الرايخ، تم على الفور نزع الصبغة النازية عن المدينة. لكن انهيار الدولة النازية لم يكن يعني تلقائياً عودة شاملة إلى العام 1932، كما كانت تأمل بعض الدوائر المحافظة. فقد كان الشيوعيون، الذين لعبوا دوراً حاسماً في سياسة المدينة، وبدعم من الديمقراطيين الاشتراكيين، يهدفون إلى صياغة صيغة “ديمقراطية” للماضي القومي عن طريق استبدال العناصر العسكرية والسلالة الملكية (التي لم تكن ممكنة في العشرينيات) بعناصر “تقدمية”. وهذا يعني استبدال أسماء الملوك الألمان وجنرالات بروسيا  بأبطال الحركة العمالية وشهداء الثورة البروليتارية الشيوعيين الأسطوريين. ووفقا لأحد التوصيفات، يجب أن يعاد كتابة عُشْر نصوص مدينة برلين من أجل تحقيق هذا الهدف. وأحد المقترحات الأخرى الذي تم تقديمه لمجلس المدينة بعد بضعة أشهر، كان يتوخى إعادة كتابة أكثر من خُمْس النصوص -وفقا لهذه القائمة هناك نحو 1،785  اسماً للشوارع من أصل 9،000 ينبغي تغييرها – من أجل إنشاء نص مدينة “ديمقراطي” تماماً يعبر عن  ألمانيا الجديدة. وبالنظر إلى عدد الأنشطة الظاهرة الموجهة نحو إعادة تشكيل النص، التي نفذت في  مناطق مختلفة وفي مجلس المدينة نفسه، فإن العدد الفعلي لتغيير الأسماء كان في الواقع ضئيلاً للغاية: فقد تم إعادة تسمية 40 شارعاً فقط في الفترة بين أيار\مايو 1945 وآب\أغسطس 1947 (انظر Azaryahu 1990: 40—46). وبعد العام 1946، وفي ذروة الصراع بين الشيوعيين والأحزاب الأخرى في برلين، تم سحب “تنقية” نص المدينة من جدول الأعمال، ليس لأن المسألة اعتبرت غير ذات أهمية مقارنة بالنضال “الحقيقي” على الهيمنة السياسية. بل على العكس من ذلك: فقد حرص الشيوعيون، الذين كانوا في المعارضة منذ تشرين أول\أكتوبر 1946 على عدم رفع منسوب التوتر بينهم وبين الأحزاب السياسية الأخرى عبر تعزيز صراع عاطفي للغاية على الرموز. ومع ذلك، حدثت بعض التغييرات نتيجة للتعاون النادر الشيوعي -الديمقراطي الاشتراكي, لقد تضاءلت الطاقة والحماس اللذان ميزا الأشهر القليلة الأولى بعد التحرير من النظام النازي، ولكن ليس للأبد، فمع تقسيم برلين أعيد تعريف علاقات القوة وكان أن أُطلقت يد الشيوعيين في النهاية لكتابة روايتهم عن الماضي (والتي سيتم الإشادة بها على أنها النسخة “الديمقراطية” الحقيقية) في قسم المدينة الذي  كان خاضعاً لسيطرتهم .

حيفا
يبدأ التاريخ الفعلي لكتابة نص مدينة حيفا في عشرينيات القرن العشرين، الذي ترافق مع التطور العمراني السريع وتحولها إلى مركز صناعي وتجاري لما كان سابقاً مدينة نائمة .كانت المدينة مأهولة بالعرب واليهود على حد سواء، وامتلك كل منهما حجماً مماثلاً منذ أربعينيات القرن العشرين، وقبل ذلك بعقد انفصل اليهود عن العرب بشكل شبه كامل جغرافياً، فاستقر  العرب في وسط المدينة، في حين أقام اليهود على سفوح الكرمل وعلى طول شاطئ خليج حيفا. كان تصميم لافتات الشوارع موحداً في المدينة، حيث يظهر الاسم باللغات الرسمية الثلاث: الإنكليزية (التي كانت لغة الحكومة الاستعمارية ومكانها الجزء العلوي من اللافتة)؛ والعربية (لغة غالبية سكان فلسطين وكانت في الوسط)، والعبرية (كلغة للأقلية وكانت تظهر في أسفل اللافتة). لم يكن هذا التسلسل الهرمي عفوياً بأي حال، بل كان يعبّر عن الوضع النسبي للغات السائدة في فلسطين البريطانية. وبرغم هذا الوضع، قدم “محتوى” النص إطارين قوميين متميزين ولكن غير متوافقين في سياق معين كانا فيه في حالة نزاع قومي. وكانت كتابة النص لا مركزية، فلكل حي سلطة كاملة على الجزء من النص الذي “ينتمي إليه” ظاهرياً. وقد أدى هذا الفصل الإثني الواضح إلى ظهور نصين فرعيين منفصلين مكانياً: نص فرعي يهودي – صهيوني ونص فرعي عربي – فلسطيني، ويمثل النص الفرعي اليهودي-الصهيوني الربع، أما الباقي فيمثله النص الفرعي العربي-الفلسطيني، وكل منهما يقدم الماضي القومي لمجتمعه الخاص به. وكانت لغة الحوار بين النصين في السياق السياسي السائد تعبر عن القطيعة والتنافس، ولم يكن ممكناً التعايش بينهما إلا تحت مظلة الحكم البريطاني، و تجلى عدم التعايش هذا في النص ذاته عبر عدة أسماء تمثل النظام الاستعماري الحاكم. ويمكن التعبير عن حالة الخطاب بين القومي عن طريق ثلاثة عناصر تمثيلية : أ) “شارع هرتزل” في حيفا اليهودية، ب) “شارع صلاح الدين” في حيفا العربية، ج) “شارع الملك جورج الخامس”. تتعايش جميعها في ذات النص، وتظهر جوهر الصراع والتوازن غير المستقر. هرتزل: الأب المؤسس للصهيونية، يحتفى به في الشوارع الرئيسية في كل مستوطنة يهودية؛ وصلاح الدين، البطل البارز في الأسطورة السياسية العربية الفلسطينية، يحتفى به في كل مدينة عربية تقريباً، كونه نظيراً لهرتزل، أما الملك جورج الخامس، الذي يمثل الإمبراطورية البريطانية، فيظهر اسمه على الطرق المركزية في كل مدينة فلسطينية (يهودية أو عربية على حد سواء). وكل نص فرعي يعرض جغرافيا وطنية متمايزة. فالنص الفرعي اليهودي الفلسطيني يقدم فلسطين التوراتية والصهيونية، في حين يقدم النص العربي فلسطين العربية التي تتجاوز حدود فلسطين البريطانية.

إعادة كتابة نصوص المدينة: الشرط اللازم

يعد إعادة تعريف النظام الحاكم -وما يلي ذلك من إضفاء الطابع الرسمي على تمثيلاته للعالم عموماً والماضي خصوصاً- من الشروط الضرورية لتنفيذ التغييرات في نص المدينة, وكانت عمليات إعادة التسمية في العام 1951 في كل من برلين الشرقية وحيفا عبارة عن ظواهر محلية تتعلق بإعادة إعمار ألمانيا الشرقية في أعقاب قيام نظام الحكم الشيوعي من جهة وبثقافة رسمية إسرائيلية لها علاقة بالدولة القومية الإسرائيلية من جهة أخرى. وارتبطت عملية إعادة تسمية شوارع برلين الشرقية ارتباطاً وثيقاً بعمليات إعادة تسمية أخرى جرت في مدن ألمانية مختلفة بعد العام 1945، حيث تم تعديل نصوص المدن وفقاً للنظام الاجتماعي والأخلاقي الجديد- كان هذا النظام يتمثل بوضوح في الستالينية ابتداءً من العام 1948 – الذي كان آخذاً في التبلور في المنطقة السوفياتية في ألمانيا المحتلة، التي أعلنت في العام 1949 باسم جمهورية ألمانيا الديمقراطية. أما حيفا فكانت، من ناحية أخرى، ذات صلة بالهيمنة السياسية التي حققها الييشوف اليهودي على الجزء الأكبر من فلسطين  الانتدابية، في أعقاب النصر العسكري اليهودي سنة 1948. وهنا، وجدت الهيمنة السياسية تعبيراً مناسباً في تشكيل الثقافة الرسمية الإسرائيلية، التي كانت مرتبطة مباشرة بالنظام الصهيوني القومي الذي قام في العام 1948. وكان جزءً كبيراً من هذه الثقافة الناشئة هو التسمية الطبوغرافية الصهيونية – العبرية، التي حلت تدريجياً محل الأسماء الطبوغرافية العربية (بخصوص أسماء الأماكن العربية .انظر: Cohen and Kliot 1981: 227—34, and 236ff )

 تأسست جمهورية ألمانيا الديمقراطية في 7 تشرين أول\أكتوبر 1949، في حين تأسست دولة إسرائيل في 15 أيار\مايو 1948. إلا أن هذه الأحداث سبقتها أحداث محلية ذات أهمية كبيرة تتعلق بإعادة صياغة نصوص المدينة المعنية. ففي نيسان / أبريل 1948، هزمت قوات “الهاغانا” اليهودية الميليشيات العربية في حيفا، وفي غضون أقل من شهر، أصبحت المدينة العربية اليهودية الفلسطينية السابقة مدينة إسرائيلية ذات أغلبية يهودية، وما كان يعد في السابق أحياء عربية أعيد الآن توطين اليهود فيها ومن بينهم العديد من المهاجرين الجدد. في حين أن مدينة برلين انقسمت في تشرين الثاني\نوفمبر 1948، إلى قسمين، وقام الشيوعيون، بدعم واضح وفعال من سلطات الاحتلال السوفيتي، بفصل ثماني مقاطعات شرقية من القطاع السوفييتي في برلين عن بقية المدينة، وشكلوا وحدة بلدية جديدة تم دمجها في وحدة الإدارة السياسية الألمانية الشرقية. وبعد عام أصبحت تعرف باسم جمهورية ألمانيا الديمقراطية. ولقي النظام الشيوعي الستاليني الجديد الذي ظهر في ألمانيا الشرقية دعماً من خلال نظريته المتميزة الخاصة بالعالم (الماركسية – اللينينية)  فضلاً عن سردية تمت بصلة للماضي القومي الألماني. كانت نسخة الماضي لألمانية الشرقية الرسمية أممية من حيث المبدأ، فاحتضنت ماضي الحركة الثورية العالمية، لكنها كانت في الواقع نسخة قومية ألمانية، على الرغم من أنها تختلف اختلافاً كبيراً عن النسخة البديلة في ألمانيا الغربية، وبطبيعة الحال، عن النسخة النازية للماضي القومي الألماني. ومع ذلك، فقد تم احتواء كل هذه النسخ ضمن الإطار القومي نفسه، وكانت الاختلافات فيما بينها تتعلق بالعناصر التي تتألف من سلاسل زمنية  أقل منها في  تصنيفها على المستوى الإيجابي / السلبي الذي يميز كل روايات “الماضي”. وكان الفرق الرئيسي بين هذه السرديات المتنافسة في  تعريفها للأبطال ولأندادهم: فأبطال سردية ما لم يكونوا أبطالاً في سردية أخرى، والعكس بالعكس. بينما كان وضع حيفا مختلفاً تماماً ,فمع قيام دولة إسرائيل، تم حل الصراع القومي في فلسطين، وأصبح الرسم الصهيوني للفضاء والزمان هو المسؤول لاحقاً عن تمثيل نص المدينة. وقد كان النزاع، في الواقع، بين اثنتين من التعيينات المتنافسة التي لم تكن جزءً من إطار قومي واحد، كما كان الحال في برلين (باستثناء” الإعارة” الأجنبية الناجمة عن الالتزام الدولي للنظام الشيوعي). ومن الواضح أن الصراع في فلسطين\إسرائيل هو صراع بين إطارين قوميين، وليس صراعاً بين خيارين متضمنين في الإطار القومي نفسه. ولم يكن التناقضان القوميان المتنافسان على المكان والزمان جزءً من إطار واحد: فكان تاريخ المجموعتين مختلفاً تماماً من حيث البنية، دون عناصر تاريخية مشتركة (في ذلك الوقت).وكان التداخل الكبير الوحيد يتعلق بالأرض المشتركة (الصراع نفسه لم يدرج بعد في سردية ​​”الماضي”)؛ ومع ذلك، فإنه من طبيعة الصراعات القومية على الأرض المشتركة أن لا يكون عاملاً موحداً، بل على  العكس تماماً. إنه في الواقع تجسيدٌ رمزيٌّ للنزاع بأكمله بسبب المزاعم القومية المتنافسة على الأرض المشتركة. كانت الدولة القومية الإسرائيلية التي قامت في فلسطين في العام 1948 دولة يهودية صهيونية، وتمت إعادة صياغة نص المدينة البريطاني-الفلسطيني السابق وفقاً لذلك. لقد أعادت التحولات السياسية في العام 1948 تعريف الهيمنة السياسية في برلين الشرقية وحيفا، ونتيجة لذلك كانت عملية إعادة كتابة نصوص المدينة المعنية أمراً لا مفر منه. وقد أدى التناقض بين المحتوى الرمزي للنص والنظام الاجتماعي والأخلاقي الحاكم إلى قوة أدت في نهاية المطاف إلى إعادة كتابة النص. ولم يخف الضغط إلا بتعديل النص على النظام الحاكم الجديد و تمثيلاته  للعالم.

ومع ذلك، من الناحية النظرية، يمثل النص الحالي للمدينة والتوزيع الجديد للسلطة نقطة انطلاق وتوجه عام. ويعتمد الشكل الدقيق للنص النهائي للمدينة ونمط صياغتها على عوامل مختلفة، مثل التكوين السياسي للهيئات المسؤولة، ووجود الضغوط وشدته التي تمارس من “الأعلى” (الحكومة المركزية) أو من ” الأسفل “(السكان عموماً وجماعات المصالح الخاصة). كل هذه العوامل تمثل مجموعات من الأولويات والكتل والقيود والحوافز التي تكون قابلة للتعديل. وكلها تصل إلى تشكيل الأنماط المحلية التي تختلف من حالة إلى أخرى. وتوفر البنية الناعمة لهذا النمط إجابات عن سؤال “كيف” تكون: إعادة الكتابة موجهة أساساً إلى القضاء على العناصر غير المرغوب فيها – أو إدراج العناصر المرغوبة – أم أن هذين الأمرين متساويين بنفس القدر؟ هل سيكون “التحرير” فورياً أم متأخراً؟ وسوف يتم ذلك تدريجياً أو في كل مرة؟

أنماط إعادة الكتابة

1) الهدف الخاص

تمثل حالتا برلين وحيفا نمطين مختلفين من عمليات إعادة نشر النصوص الرئيسية للمدينة. وفي الوقت الذي كان فيه المسؤولين في برلين مهتمين أساساً بمحو أجزاء النص التي تمثل نسخة غير مرغوب فيها من الماضي القومي، كان توجه التغييرات في حيفا يقوم في المقام الأول على إدراج عناصر تمثل النظام القومي الجديد في النص. وبحكم طبيعتها، فإن التجمعات تشير إلى الاحتفاء وإزالة الذكرى، وهما في الواقع وجهان لعملة واحدة. وكان الهدف الرئيسي من التغييرات التي أجريت في برلين الشرقية يتمثل في شطب الاحتفاء ؛ وحلت العناصر الجديدة (أي تلك التي تمثل الراوية الشيوعية للماضي)، محل تلك التي تم محوها، كانت ذات أهمية ثانوية فقط، وإن كانت بالطبع موضع ترحيب. وفي حيفا، كان هدف العملية في العام 1951 هو تمثيل النظام القومي الجديد في النص، في حين كان القضاء على الأسماء القديمة، التي تمثل أسطورة قومية مهزومة، أمراً ضرورياً إذا ما أريد إدراج أسماء جديدة. والهدف من عملية “التطهير” في برلين واضح من تنظيمها. وتم تنفيذ العملية في أربع موجات متتالية: تم تغيير اسم ثمانية وعشرين شارعا في 12 نيسان\أبريل، وستة وعشرين في 10 ايار\مايو، وخمسة وثلاثين في  24ايار\ مايو، وتم تغيير اسم تسعة وستين شارعا في 31 أيار\مايو. وفي كل موجة مختلفة  كان يتم حذف مجموعة من الأسماء ذات صلة بجانب معين من الرواية القديمة للماضي. تم توجيه الموجتين الأوليين إلى محو ذاكرة الأسرة البروسية الحاكمة. أما الموجة الثالثة فكانت تهدف إلى إبعاد بسمارك، الذي تم ذكر اسمه في أربع مقاطعات. وكان الهدف من الموجة الرابعة هو إعادة إحياء التراث العسكري البروسي الألماني الذي يمثل أسماء الجنرالات، مثل غنيسنو، يورك، مولتكه، ورون، أو أبطال الحرب مثل ريتشوفن. ومن ناحية أخرى، لم يتم اختيار الأسماء الجديدة وفقاً لأي مبدأ تنظيمي مواضيعي. وكان الهدف الرئيسي للعملية برمتها هو “إضفاء الطابع الديمقراطي” و “نزع الطابع العسكري” عن نص المدينة؛ وأكدت الأسماء الجديدة، بطبيعتها التي لا غنى عنها، الطابع “الديمقراطي” (بالمعنى الشيوعي للمصطلح) للنص، الذي يعكس من خلال الأبطال المحتفى بهم المثل العليا الممثلة للنظام الاجتماعي والأخلاقي الحاكم.

أما في حيفا، فقد كان الهدف الرئيسي للعملية هو إدراج النظام القومي الجديد وأسماء أعلامه في نص المدينة. في الأساطير الإسرائيلية الناشئة، كان تصور إعلان الدولة بمثابة تحول بحجم كوني، وفي ذات الوقت نهاية (الاستعباد القومي)، وبداية (السيادة القومية). كانت حرب الاستقلال نضالاً بطولياً، وكان النصر فيها بمثابة الشرط اللازم لإقامة النظام القومي الجديد. وتمثل العناصر الجديدة في النص الفصل الأخير من الماضي القومي، المرتبط ارتباطاً وثيقاً بالنص الفرعي المحلي في حيفا: الاحتفاء بالجنود الذين سقطوا تم في “شارع الأبطال”؛ واحتفي بالهاغانا (التي قاتلت) في تسمية “شارع هاغانا”. وكان النظام القومي  نفسه ممثلاً في النص من خلال “طريق الاستقلال”. ولم تحل العناصر الجديدة محل النص اليهودي الصهيوني القائم، بل كانت تعززه وتكمله وتحدثه. إن إدخال العناصر الجديدة دون تغيير النص اليهودي – الصهيوني القائم يمكن أن يتم بطريقة واحدة فقط: من خلال محو عناصر النص غير الصهيوني في وسط مدينة حيفا. وتم التأكيد على الأهمية النسبية لعناصر النص الجديدة من خلال اختيار الطرق المركزية في الجزء العربي السابق في المدينة. كان يجب إزالة اسم الملك جورج الخامس [بصفه رمز للحقبة الاستعمارية] وصلاح الدين، البطل البارز للأسطورة السياسية  الفلسطينية المناهضة للصهيونية، وإزالتهما، ليس بالضرورة لأنهما يمثلان تحديا للنظام القومي المهيمن وأسماء الأعلام، ولكن نظراً لأن إشارتهما العمرانية  كانت مطلوبة للعناصر الجديدة، والتي لها أهمية قصوى للمخططين، بقيادة رئيس البلدية.

إن الربط المباشر في بعض الأحيان بين الاحتفاء ونزع الاحتفاء يؤدي إلى انحرافات مثيرة للاهتمام للقيمة الرمزية: فقد يقوم الأعداء السابقون بتبادل أماكنهم على العلامات “مستبدلين” بعضهم البعض. وتعبر هذه الانعكاسات المتماثلة بشكل مباشر عن استبدال أسماء الأعلام بأحد المنافسين الآخرين في سياق تاريخي معين. ولا يمكن أن يفهم هذا الانقلاب ويقدره إلا من هم على دراية بالخلفية التاريخية، ولكن حتى هذا القيد لا يثني المخططين عن تنفيذه. وحصل في مدينة حيفا انقلابين من هذا النوع: تم استبدال اسم “الملك جورج الخامس”، ممثل السلطة الاستعمارية السابقة بـ “الاستقلال “، الذي يمثل نقيضه الرمزي كما  تم استبدال “صلاح الدين” باليهود المجهولين “الأبطال”، التي مكنت تضحيتهم من قيام النظام الصهيوني في فلسطين. لم يحدث مثل هذا الانقلاب في برلين الشرقية، أو بالأحرى لم يتم العثور عليه، لأن أهم أبطال الأسطورة الشيوعية، أساساً، تم بالفعل الاحتفاء بهم في النص.

2) تأجيل التغيير

إن الفاصل الزمني بين إنشاء النظام الجديد (أي من منتصف أو أواخر عام 1948) لإعادة صياغة نصوص المدن المعنية في ربيع العام 1951 هو أمر ذو أهمية كبرى. إن التحولات السياسية لا تتبع بالضرورة على الفور من خلال إعادة تشكيل الثقافة الرسمية، ويمكن أن تعمل تمثّلات النظام القديم بصور أكثر في بعض مجالات الاتصال الاجتماعي التي تسيطر عليها رسمياً. وغالباً ما يكون القصور الذاتي الظاهر الذي يمنع التعديل بسبب قوى محددة تعمل كحواجز. وأسهل طريقة للخروج تتمثل، بالطبع، الامتناع عن استثمار الطاقة والموارد المالية في تخطيط وتنفيذ التعديلات؛ إلا أن هناك أسباباً إيجابية أيضا لمنع التعديل أو تأخيره، حتى لو كانت هذه في بعض الأحيان تبدو مجرد أعذار. فما هي الأسباب أو الأعذار التي طبقت في برلين الشرقية وحيفا؟

 هناك فرق كبير بين هاتين الحالتين. فتأجيل التغييرات في نص برلين الشرقية أثر فقط على مكونات رواية الماضي القديمة، في حين أدرج أبطال بارزين من النظام الحاكم في النص كعلامات مميزة و مختارة كان من بينهم  إرنست  ثيلمان، بطل الأسطورة السياسية الألمانية الستالينية الشيوعية (احتفي به في آب\أغسطس 1949)، ولينين (في نيسان\أبريل 1950)، وستالين، الذي كان اسمه قد أطلق على الطريق الرئيسي المصممة ليصبح درب الانتصار لنظام ألمانيا الشرقية “الستاليني”، تلك التسمية سيئة السمعة، التي أصبحت رمزاً بحد ذاتها. هذه الرموز وغيرها تتمثل في نص  النظام اللينيني-الستاليني الحاكم. ويبدو أن حذف أبطال ورموز النسخة السابقة للماضي القومي الأكثر عمقاً والأشد إدانة، كان أقل إلحاحاً أو كان الحكم السياسي السليم هو المسؤول عن “الرقابة” الظاهرة.

كانت برلين الشرقية استثناء بين مدن ألمانيا الشرقية الأخرى، حيث تم بالفعل تطهير النص قبل إنشاء الدولة. وكان الفرق بين برلين والمدن الأخرى هو أن برلين، باعتبارها العاصمة القومية السابقة، تم تحميلها بقيمة رمزية عالية نسبياً، شكّلت -هذه القيمة- حاجزاً يمنع تعديل النص، أو على الأقل تأجيله. فالنظام، الذي يسعى إلى الاعتراف به وكسب شرعيته، لم يكن مهتماً بتولي عبء آخر لا لزوم له: إذ أن الاستبعاد النصي للأبطال القوميين والمعترف بهم شعبياً  كان من شأنه أن يستدعي، دون شك، رداً سلبياً شرساً من الغرب ومن مواطنيه أيضاً. وكان لهذا الاعتبار العملي أهمية خاصة في ذلك الوقت، عندما كان نظام ألمانيا الشرقية يبذل جهداً متضافراً لتكريس نفسه بوصفه الوصي الحقيقي على التراث القومي. كانت برلين، باعتبارها رمزاً قومياً، موقعاً مثيراً للخلافات، وهذا ما يفسر تردد النظام النسبي في الانخراط في عملية تطهير فائقة لنص المدينة: وإذن، وكشكل من أشكال البروباغاندا تم التضحية بالنقاء الإيديولوجي من أجل المزيد من المتطلبات السياسية العملية. لكن الضغوط الإيديولوجية المتزايدة لتغيير نص المدينة لا يمكن التغلب عليها. ففي العام 1950  تم “إبعاد\نفي” نصب تذكاري شهير لفريدريش الثاني (الكبير) من وسط المدينة إلى بوتسدام، وهو العمل الذي أثار احتجاجاً في الغرب ترافق مع حملة دعائية واسعة تجاوزت الأكاذيب الصارخة: بأن  السبب الرسمي الذي أعطي لإزالة النصب هو الأضرار التي لحقت به خلال الحرب.

 أما نص مدينة حيفا بقي من ناحية أخرى “مجمداً” تماماً حتى ربيع العام 1951. وكانت عقبة التغيير هنا هي مجلس المدينة الذي رفض على أساس مبدئي تعديل النص. وقيل إن مجلس المدينة المنتخب حديثاً هو وحده الذي يمكنه أن يقرر هذه التغييرات. و”التجميد” المؤسسي للهيكل الرمزي لتاريخ حيفا امتدت إلى أبعد من أسماء الشوارع، حيث كانت محاضر الجمعية البلدية مكتوبة باللغتين العربية والعبرية على الرغم من أن معظم العرب غادروا المدينة في أعقاب هزيمة نيسان\أبريل 1948. وفي حين اعترفت البلدية بالحاجة إلى إجراء تعديلات، رفضت إجراء أي تغييرات. والسبب الممنوح هو سبب رسمي، وبالتالي لا يمكن اعتباره موجهاً ضد إعادة الكتابة نفسها. ولا بد من تشكيل هيئة إدارية جديدة قبل مواءمة نص المدينة مع الظروف السياسية الجديدة .وجاء الضغط لتنفيذ التغييرات اللازمة من الداخل ومن “تحت”. كانت إدارة المدينة المسؤولة عن علامات الشوارع قد طلبت بالفعل في العام 1949 التوجيهات المتعلقة بالشكل اللغوي الجديد للعلامات (يؤكد حقيقة أن التغييرات كانت في الواقع أمراً متوقعاً). كتب المواطنون “المعنيون” رسائل تحث مجلس المدينة على إزالة اللغة الإنجليزية من الإشارات (من أجل تجنب الخلط فيما يتعلق بالسيادة القومية) أو الاحتفاء بالجنود الذين سقطوا بدلاً من الأبطال العرب والبريطانيين. بل إن أحد المواطنين أعدَّ قائمة مفصّلة يشرح فيها ما يعتبره عمليات إعادة التشكيل المطلوبة. ومن المثير للاهتمام أن هذا الاقتراح لم يتوقع القضاء التام على النص الفرعي العربي من مشهد المدينة؛ ووفقاً لهذا الاقتراح، كان صلاح الدين لا يزال مندمجاً  في نص مدينة حيفا.

إعادة التسمية أخيرا:

أي تناقض مدمج بين نص المدينة والنظام المهيمن يجب حله عاجلاً أم آجلاً، بهدف استعادة  التناغم والانسجام. هذا التناقض هو “شرط لازم” لتنفيذ التغييرات في نصوص المدينة. وعندما تغيّر الأحداث الدراماتيكية الإطار السياسي، تخضع جمیع نصوص المدن للتعديل. ولكن من أجل إجراء التغييرات المتوقعة في نصوص المدن، يجب التغلب على العقبات التي قد تؤخر العملية من خلال قوى أكثر صرامة. والسؤال الذي يطرح نفسه هو ما الذي يجعل مثل هذه  التعديلات المتوقعة، وإن تأخرت، ممكنة في نهاية المطاف في نصين من المدينة قيد التحليل؟

كانت العقبة الوحيدة في برلين الشرقية  هي تردد مجلس  المدينة في الانخراط في عملية “تطهير” شاملة، خشية من الأضرار(بتعابير البروباغاندا) التي كان من المتوقع أن  تستتبع ذلك.. فالأمور من خلال النزعة الذرائعية تقاس بمقاييس الربح والخسارة، وغنيٌّ عن القول أن الوعد فقط بتحقيق مكاسب صريحة يمكنه التغلب على الحاجز القائم. ومن العوامل الجديدة التي أدخلت في المعادلة كان مهرجان الشباب الشيوعي الثالث الذي كان مقرراً عقده في صيف العام 1951 في برلين الشرقية. وكان هذا الحدث، وهو الحدث الدولي الأول بهذا الحجم الذي سيعقد في برلين منذ انتهاء الحرب، ذا أهمية قصوى للنظام. فبالنسبة إلى نظام يشكك في شرعيته كل من سكانه في الوطن والعالم الخارجي (الذي يشكل في الغالب بلدان غربية)، فإن هذا الحدث، في واقع الأمر، يعني اعترافاً دولياً بالغ الأهمية، وأكثر من المرغوب فيه. كما أنه ينطوي على استعادة المركز الدولي للمدينة، كما أنه سيكون مظهراً من مظاهر التضامن الشيوعي الدولي .كان الحساب بسيطاً: يمثل النقاء الأيديولوجي للضيوف القادمين أكثر أهمية من ردود الفعل الغاضبة في ألمانيا الغربية أو السخط داخل السكان المحليين. وقد دفعت مقاربة المهرجان بسلطات المدينة إلى إضفاء “الطابع الديمقراطي” على النص. وليس من قبيل المصادفة أنه خلال الجلسة ذاتها التي عقدتها بلدية برلين الشرقية والتي أعطيت فيها بالفعل “الضوء الأخضر” لإعادة التسميات، نوقشت جوانب أخرى من التحضير للمهرجان.

يبين إيريش هونيكر (الذي كان رئيس منظمة الشباب الألماني الحر حينه و المضيف الرسمي والمنظم للمهرجان. أصبح هونيكر لاحقاً رئيساً للبلاد) في سيرته الذاتية الجهود المبذولة لإظهار ألمانيا جديدة وديمقراطية, فلا مكان لبسمارك، على سبيل المثال، في النسخة الألمانية الشرقية من ألمانيا الجديدة هذه، ولهذا أصبح من الضروري إخراجه من مكانه.

أزيلت العقبة التقنية التي أعاقت تغيير نص مدينة حيفا بانتخاب مجلس بلدي جديد في أوائل العام 1951. وعكس تشكيله الظروف السياسية والديموغرافية الجديدة في المدينة وأدى انتخاب رئيس بلدية حيوي جديد إلى رؤية واضحة للتنمية المستقبلية للمدينة. وبعد ذلك بوقت قصير، قامت دائرة المدينة بإضفاء الطابع المركزي على جميع الإجراءات المتعلقة بتسمية الشوارع عن طريق تعيين لجنة خاصة تتمثل مهمتها في وضع مبادئ توجيهية عامة والتوصية بأسماء محددة تعتبر إلزامية. وأظهرت هذه الخطوة حقيقة أن التغييرات لا بد أن تحدث، وربما عاجلاً وليس آجلاً. وكان الحافز المحدد لعملية إعادة تسمية التي أطلقت في ربيع ذلك العام  هو حدثاً بحد ذاته: أي يوم الاستقلال الإسرائيلي الثالث، الذي كان احتفالاً يعمُّ أرجاء الوطن كافة، للاحتفال بالنظام القومي المؤسس حديثاً. وكان طبيعياً ربط إعادة التسمية بطقس الدولة للنظام القومي في ضوء الغرض من إعادة التسمية هذه، والذي كان لتمثيل هذا النظام ذاته في نص المدينة. ربط النظام القومي  إلى نص المدينة خلق دائرة رمزية: لقد ساهمت المدينة في طقوس قومية شاملة للدولة القومية، والتي بدورها، تحمل المكونات الجديدة للنص مع المعاني “الصحيحة” يعززها السياق الزمني بإدراجها في نص المدينة. وقد بدأ رئيس البلدية المنتخب حديثاً عمليات إعادة التشكيل من خلال مطالبة اللجنة المعينة باقتراح أسماء جديدة؛ كما حدث تقارب مع منظمة “قدماء محاربي  الهاغانا”، الذين يمثلون “محررو” حيفا في نيسان\ أبريل 1948، لاقتراح قائمة من الأسماء الجديدة لإدراجها في نص المدينة. واقترحت قائمتهم، التي قدمت في اليوم التالي، أربعين اسماً جديداً- تمثّل عُشْر نص المدينة. وكان التقارب من قدماء محاربي الهاغانا مجرد عمل رمزي كنوع من الامتنان. أبدت البلدية اقتناعها بخمس تسميات فقط، ولكن الأسماء المقترحة، مع تلك الأسماء التي ستحل محلها (والتي حتى لم يناقش أمرها)، كان لها تأثير دائم وكبير على نص مدينة حيفا.

ملاحظات ختامية

تم تعديل نص برلين الشرقية من خلال عملية التنقية والتطهير التي نفذت في ربيع العام 1951 تماشياً مع الرواية الشيوعية للماضي، والتي كانت موجودة بالفعل في مدن ألمانيّة أخرى. فقد نفذت عمليات التنقية هذه في معظم المدن الأخرى بعد الحرب العالمية الثانية مباشرة، كما هو حال مدينة لايبزيغ السكسونية على سبيل المثال، فأزيل من لافتات المدينة، خلال النصف الثاني من العام 1945، أسماء معظم أبطال الجيش البروسي الألماني وإرث السلالة الحاكمة. ومن ناحية أخرى، كانت حيفا من بين أوائل مجموعة من المدن والبلدات الإسرائيلية التي قامت بإدراج النظام القومي الجديد، ونشأة تكوينها البطولي في نصها, وفي هذا الصدد كانت برلين الشرقية متأخرة، على الرغم من وضعها الخاص كعاصمة. وقد أعقب نموذج حيفا نماذج  لمدن إسرائيلية أخرى، مما أدى إلى بناء نمط موحد تقريبا على المستوى القومي. تم ترتيب اللغات في علامات الشوارع المعاد تشكيلها أخيراً في حيفا، كما هو الحال في المدن الإسرائيلية الأخرى، وفقا لنمط قومي شامل تمثل في وضع النص العبري في الأعلى (مما يشير إلى مكانتها المهيمنة التي لا جدال فيها كلغة قومية)، في حين أن العربية (مع أنها لغة رسمية) والإنجليزية وضعتا، في هذا النظام، تحت العبرية.

مُسح بسمارك لأنه ينتمي إلى نسخة  مقموعة من الماضي القومي، واستُبعد صلاح الدين لأنه كان جزءً من الأسطورة السياسية للمجتمع القومي المهزوم. بدأت حيفا في ربيع العام 1951،عملية أدت إلى التقارب بين النصين الفرعيين لما كان مدينة يهودية عربية في السابق. وساد في برلين، من خلال استبعاد بسمارك، (خلال فترة الانقسام القومي الألماني)  تقسيم النص الواحد الموحد لبرلين إلى نصيّن فرعيين من الماضي القومي، نصٌّ مع  الغرب وآخر مع الشرق .

المصادر :

Azaryahu, Maoz.1988 “What is to be Remembered: The Struggle over Street Names, Berlin

1921 – 1930,” Tel Aviver Jahrbuch für deutsche Geschichte 18: 241—59.

1990 “Renaming the Past: Changes in ‘City-Text’ in Germany and Austria, 1945—1947,” History and Memory 2(2): 32—53.

1991 Von Wilhelmplatz zu Thälmannplatz. Politische Symbole im öffentlichen Leben der DDR (Bleicher: Gerlingen).

Cohen, Saul B., and Nurit Kliot. 1981 “Israel’s Place Names as a Reflection of Continuity and Change in Nation-Building,” Names 29(3): 227—48.

Fishman, Joshua A. 1972 Language and Nationalism (Rowley, MA: Newbury House).

Hobsbawm, Eric. 1983 “Mass-Producing Traditions: Europe, 1870—1914,” in The Invention of Tradition, edited by Eric Hobsbawm and Terence Ranger (Cambridge: Cambridge University Press).

Hodge, Robert, and Gunther Kress. 1988 Social Semiotics (Cambridge, UK: Polity Press).

Honecker, Erich. 1980 Aus meinem Leben (East Berlin: Dietz Verlag).

Karwelat, Jürgen. 1988 “Strassenbenennungen. Eine höchst brokratische Angelegenheit”, in Sackgassen. Keine Wendemöglichkeit für Berliner Straßennamen (Berlin: Nishen Verlag).

Michal, Ron, ed. 1988 The Tale of the Streets. The Story of ha-”Hagana” in Haifa (in Hebrew) (Haifa: Haifa Municipal Press).

Shils, Edward. 1981 Tradition (Chicago: University of Chicago Press).

Stump, Roger W. 1988 “Toponymic Commemoration of National Figures: The Cases of Kennedy and King,” Names 36(3—4): 203—16.

عن محمود الصباغ

كاتب ومترجم من فلسطين

شاهد أيضاً

استراتيجية عمل الصهيونية المسيحية الداعمة لإسرائيل 6

ترجمة: محمود الصباغ الفصل السادس: محاربة نزع الشرعية الإسرائيلية في المجال العام “إسرائيل هي أيضاً …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *