الرئيسية > سياسة > ترجمة > تخيل أوكرانيا، قراءة في كتاب أليسا فاليس ” ذكريات ستاروبييلسك: مقالات بين الفن والتاريخ جوزيف تشابسكي

تخيل أوكرانيا، قراءة في كتاب أليسا فاليس ” ذكريات ستاروبييلسك: مقالات بين الفن والتاريخ جوزيف تشابسكي

مارتا فيجلروفيتش

ترجمة: محمود الصباغ

تنظر كل من بولندا وروسيا إلى أوكرانيا كمقر للثقافة السلافية الأصيلة. وفي هذا السياق، تسلط ترجمة جديدة لمذكرات الحرب لجوزيف تشابسكي الضوء على مدى تضارب ذلك مع استقلال أوكرانيا.

سعى الكونت جوزيف هاتن تشابسكي (1896-1993) -والذي سوف يعرف فيما بعد باسم جوزيف أو جوزيو تشابسكي- وراء العديد من الأهداف. البعض  منها اختارها لنفسه قدر المستطاع؛ والبعص الآخر فرضت عليه نتيجة أحداث تاريخية مأساوية. ولد تشابسكي في السنوات الأخيرة من القرن التاسع عشر لعائلة أرستقراطية متعددة اللغات تعيش في براغ، بدأ في التعرف، هناك، على الجزء البولندي من سلالته وانتقل إلى بولندا المستقلة حديثاً بعد نهاية الحرب العالمية الأولى. ثم أمضى عقداً من الزمان في باريس، حيث عاش أسلوب حياة بوهيمي بصحبة حداثيين مشهورين مثل غيرترود شتاين وبابلو بيكاسو. عاد إلى بولندا في ثلاثينيات القرن الماضي، حيث كان قد بدأ لتوه في التمتع بمكانته كفنان راسخ ومعترف به على المستوى الوطني عندما دخلت القوات النازية والجيش الأحمر حدود بلاده. جنّد تشابسكي، وسرعان ما قبض عليه من قبل السوفييت، واقتيد إلى معسكر أسرى الحرب الذي خرج منه عدد قليل جداً من الضباط البولنديين أحياء. على مدى السنوات القليلة الماضية، قدمت سلسلة من الترجمات وسيرة ذاتية متقنة الصنع، كلها من نيويورك ريفية بوكس New York Review Books، تشابسكي تدريجياً إلى الجمهور الناطق بالإنجليزية. يجمع أحدث مجلد يخرج من هذه السلسلة مقالاته المتنوعة -والأهم من ذلك- مذكراته عن الفترة التي قضاها في معسكر الحرب السوفيتي.

أطلق تشابسكي في هذه المذكرات على المدينة الأوكرانية التي سُجن فيها اسم ستاروبييلسك “Starobielsk”. [أو كما كان ينطقها سكانها ستاروبيلِسٍك “Starobil’s’k”، ويكتبون اسمها باللغة السيريلية: Старобільськ. وعندما اقتيد تشابسكي إلى هناك في العام 1939، كان يأمل، هو وزملاؤه من الضباط البولنديين في البداية أن يطلق الجيش الأحمر سراحهم ويسمح لهم بالانضمام إلى القتال ضد النازيين. لكن مسعاهم هذا باء بالفشل ولن يتحقق بسهولة مع كل يوم من مسيرتهم البطيئة نحو الشرق. أظهر لهم معظم سكان القرى التي مروا بها إشارات صداقة، وقدموا  لهم الخبز والشوكولاتة. وبدا أنهم يرون أنفسهم كسجناء سوفيات بأسلوب مختلف. لكن “فلاح أوكراني حدق فينا باشمئزاز عميق”. ويفهم تشابسكي هذا الموقف العدائي، كما يظهر في مذكراته، على أن هذه النظرة كمؤشر للفلاح، وليس كمؤشر لموقفه الخاص. إنه ينظر للأوكرانيين بناءً على تفضيلهم للحكم الروسي أو البولندي، للحصول على نسخة أكثر شرقية أو أكثر غربية من الحكم السلافي.

واليوم ، تحاصر القوات الروسية نفس هذه الـ” ستاروبيلِسٍك” Старобільськ. نظراً لقربها من الحدود الروسية، وكانت من أوائل المدن الأوكرانية التي تعرضت للهجوم. لم تذكر النسخة الترويجية من كتاب “ذكريات ستاروبييلسك” للكاتب تشابسكي، والتي نُشرت في أول ترجمة باللغة الإنجليزية لها في وقت سابق من هذا الشهر*، أي ذكر لأوكرانيا، على الرغم من أنها تشير فقط إلى “معسكر اعتقال سوفييتي”، وأتساءل عن عدد القراء المحتملين الذين سيجمعون معاً بمفردهم كيف يرتبط كتاب تشابسكي بشكل مباشر بحرب بوتين.

إن التشابه -وليس- الطريقة التي يسمي بها تشابسكي اسم ستاروبيلِسٍك Starobielsk، على عكس أسماء المدينة باللغتين الأوكرانية والروسية، يشير إلى أن معظم الغربيين تعلموا في الأسابيع الأخيرة فقط الفرق بين قول “كِييف Kyiv ” مقابل “كْييف Kiev “. تسلط هذه الاختلافات الضوء على الكيفية التي تظهر بها، بالتوازي، القرى والمدن الأوكرانية المتنازع عليها منذ فترة طويلة، متقاطعة في بعض الأحيان فقط مع سرديات الإمبراطورية والأمة التي جعلت الخيال الثقافي لأوروبا الشرقية كثيفاً ولكنه منعزلاً  أيضاً، وغالباً ما يكون مصاباً بفقدان الذاكرة. أدى التداخل بين التاريخ الثقافي البولندي والأوكراني إلى وقوف بولندا إلى جانب أوكرانيا بشغف، الآن وفي الماضي، عند غزو روسيا لها. لكن هذا التداخل نفسه، في لحظاته القاتمة، جعل تشابسكي وأصدقاؤه البولنديون الأرستقراطيون يتعاملون مع الفلاحين الأوكرانيين -بطريقة ما، فهم دائماً فلاحون- بصفتهم تابعين لا يلزمهم إظهار آرائهم حول ستاروبييلسك (أو ستاروبيلِسٍك كما قد يسميها هؤلاء الفلاحون) للأجيال القادمة.

مع وصول عدد لا يحصى من المهاجرين [القادمين من أوكرانيا] إلى بولندا هذا الشهر، دعا العديد من البولنديين الأوكرانيين للإقامة في منازلهم. لكن البعض الآخر كان يصر على أنه يجب إعطاء المواطنين البولنديين الأولوية في دخول المستشفيات على اللاجئين القادمين، وأنه لا ينبغي معاملة هؤلاء اللاجئين عموماً على قدم المساواة مع المواطنين البولنديين. في خضم هذه السجالات، أسمع أصداء سرد مألوف يتردد تلعب فيه حكاية تشابسكي دوراُ محورياً ولكنها سبقت تشابسكي بفترة طويلة: سرد الأخوة السلافية، لجميع الأقوام السلافيين، التي تنقلب أحياناً إلى سرديات سياسية وثقافية للتفوق الفردي. ترافق ارتباط البولنديين العميق في كثير من الأحيان ، منذ القرن الثامن عشر وقبله بفترة طويلة، بالثقافة الأوكرانية مع الإصرار على أن تكون بولندا هي الأنا العليا لعقل أوكراني لا ينبغي السماح له بالتحدث بنفسه. اليوم، بينما يشاهد العالم بولندا ترحب باللاجئين الأوكرانيين وتستوعبهم، يجدر بنا أن نضع هذه الديناميكية التاريخية في الاعتبار: ليس لتقليل صدق الشعب البولندي، ولكن من أجل فهم أفضل للقوالب النمطية الجماعية والصدمات التي  سوف يعيدها حتماً إلى السطح هذا اللقاء الدرامي الذي يجمع البولنديين والأوكرانيين.

هذا الشعور بالاحتماء بين الشرق والغرب دفع الشعراء والكتاب البولنديين إلى البحث عن أصولهم في المناطق الشرقية (الأوكرانية حالياً) للكومنولث البولندي الليتواني السابق الذي لم يكن غربياً ولا روسياً بشكل واضح.  ويبدو أن هذه المناطق حافظت، تقليدياً، على الثقافة السلافية الأصلية التي قد تكون، في جوانب معينة،  سبقت تحول السلاف إلى المسيحية. كان البولنديون ينظرون، في السابق، إلى الفولكلور في هذه المناطق، مثلما كانوا ينظرون إلى شعوبها، بازدراء شديد. لكن هذا الاستخفاف تحول، في أوائل القرن التاسع عشر، أكثر تناقضاً، حين بات مشوباً بنوع من النوستالجيا: اعتقد البولنديون أنهم رأوا في أناس الحدود kresy   [بالبولونيةkrɛsɨ]** نسخة جوهرية أقدم وأكثر سلافية منهم أنفسهم. وفي واحدة من أكثر الأساطير اللافتة للنظر التي بدأ البولنديون تداولها حول المنطقة، قيل أن الشاعر القوزاقي الأوكراني من القرن الثامن عشر المسمى فيرنيهورا Wernyhora قد تنبأ بتفكك بولندا في نهاية القرن الثامن عشر، لكنها سوف تعود في نهاية المطاف إلى أمجاد الماضي. هذه بولندا الجديدة التي ولدت من جديد، والتي يُفترض أنها أعلنت أنها ستسيطر على منطقة تمتد من البحر الأسود إلى البحر الأبيض (أي أعالي بحر البلطيق)، مما يعيد إنتاج عظمة الكومنولث البولندي الليتواني، ولكن أيضاً، وبنفس القدر من الأهمية، يجمع بين أراضي الكومنولث مع أراضي روس كييف Kievan Rus.

إن أوكرانيا التي يصورها تشابسكي في ذكريات ستاروبييلسك تأتي من هذا الاقتران الثقافي: نرى البولنديين يعرّفون أنفسهم من خلال رؤية رومانسية للأوكرانيين حتى وهم يرفضون سماع ما يعتقده الأوكرانيون أنفسهم. عندما رأى تشابسكي الفلاح الأوكراني يتجهم في ستاروبييلسك، لم تكن هذه الحادثة إلا صدى لمقابلة سابقة مع فلاح في منطقة حدودية،” كريسي”. قبل عشرين عاماً، التقى تشابسكي الشاب بفلاح كئيب مختلف أثناء قتاله الجيش الأحمر على الحدود البولندية الروسية في بيلاروسيا الحالية. كان ذلك في  العام 1920؛ وكانت الأراضي التي كانت فصيلته تقاتل فيها، منذ العام 1918، تابعة للدولة البولندية المستقلة حديثاً، والتي شن عليها الجيش الأحمر للتو هجوماً مفاجئاً. كان تشابسكي يترأس فصيلاً أرسل للدفاع عن هذه المنطقة ضد هجوم الروس. يقول تشابسكي: ” كنت على رأس الفصيل من سلاح الفرسان الخفيف البولندية uhlans  ومن بينهم عدد قليل من الطلاب الشباب، البولنديين الشجعان، الواحد منهم مثل المهر صغير الحجم. وبينما نحن نتقدم على ظهور خيولنا، لمحنا فلاحاً يرتدي معطفاً عسكرياً، وقف ينظر إلى قواتنا والتجهم يعلو وجهه”. إن هذا الفلاح، الذي يرتدي “معطفاً عسكرياً”، استولى عليه-، كما هو واضح ضمناً من جندي بولندي قتيل- لا يدعم مهمة تشابسكي. ويعلق تشابسكي قائلاً: “واضح بما فيه الكفاية”. ليس من الصعب عليه أن يرى سبب تجهم الفلاح وعبوسه في وجوههم. “كان صمة ممتلكات هنا بعد كل شيء، وهي تعود للبولنديين، وكان الفلاحون يحلمون بالحصول على الأرض، وكانت روسيا السوفيتية قد وعدتهم بتلك الأرض. وهنا يذهب هؤلاء النبلاء ذهاباً وإياباً فوق صهوات خيولهم الفاخرة. لا أي سبب يجعلوهم يحبونا ويشعرون بمودة اتجاهنا”.

بالعودة إلى الوراء، يشعر تشابسكي بغضب الفلاح. لكن في الوقت الحالي، بصفته قائد فصيل، لا يمكنه منع ما قد يقرره جندي من فصيله شاب “شجاع” يشبه “المهر الصغير” لمواجهة تكاثر الفلاحين: “عندما رأى هذا الطالب الصغير، تعبير وجه الرجل المتجهم، نزل عن ظهر حصانه وصفع الفلاح على وجهه صفعتين”. اعتقد الجميع من حول تشابسكي أنه “عمل رائع  يعبر عن وطنية حقيقية “. غير أن تشابسكي نفسه شعر  بالغثيان، لكن ليس  إلى درجة تجعله يتدخل إلى اتخاذ إجراء ما. بل يتذكر ردة فعله أنه قال ” لا، هذا كل شيء. سأغادر”. واستقال من الجيش في اليوم التالي، ليعود بعد بضعة أشهر بعد أن اشتد القتال وأصبح الوضع في بولندا أكثر خطورة. انتصر البولنديون في نهاية المطاف في الحرب، وأبقوا حقول هذا الفلاح الذي لم يذكر اسمه ضمن الحدود البولندية. يعتبر موقف تشابسكي تجاه هذا الفلاح الذي لم يذكر اسمه نموذجاً لموقف مثقف بولندي معين في عصره: مزيج من التعاطف والاغتراب، تعريف يبدو، جزئياً فهماً لرفض هذا الرجل الآخر، ولكنه أيضاً غير راغب في الانخراط به. في رؤية نفسه قطباً أو عضواً في جماعة الأخوة البولندية الأوكرانية. قد يميل بعض القراء إلى وصف موقف تشابسكي بأنه موقف المستعمر تجاه منطقة ثقافية مستعمرة. هذا صحيح جزئيا. ولكن هذا التحليل في حد ذاته لا يلتقط بشكل كافٍ الانجراف المضاد الذي يصر فيه العديد من البولنديين، وفي الواقع بعض الأوكرانيين، على صعوبة التمييز أين يبدأ وينتهي الجزء “البولندي” من الحدود kresy، من الناحية الجغرافية وكذلك الثقافية. افترض تشابسكي أن الفلاحين المتجهمين الذين التقى بهم في العام 1920، ثم مرة أخرى في العام 1940 ، كانوا يفضلون أن يكونوا مواطنين روس. وهذا ما يزعمه بوتين حالياً، وهو، أيضاً، ما زعمه ستالين في العام 1920، في بداية الحرب البولندية الروسية التي شارك فيها تشابسكي الذي لم يخطر بباله أن يسأل أي من الفلاحين عن توجهاتهم الفعلية. لم يكن يتصور أنهم قد لا يرغبون في الحصول على الجنسية الروسية، بل يريدون  الاستقلال عن كل من روسيا وبولندا. هذه هي المشكلة باختصار: لقرون عديدة، كانت الدول المحيطة بأوكرانيا تراها، وتقاتل من أجلها، كجزء أصيل من نفسها. في مواجهة هذا، كان على أوكرانيا أن تكافح بشدة من أجل الاعتراف بانفصالها عن كل منهم.

في العام 2004 ، عندما كنتُ مازلتُ طالبة في المدرسة الثانوية وما زلتُ أعيش في بولندا، مثل كثيرين غيري  من أبناء جيلي، دفعت بنفسي لدعم الثورة البرتقالية، التي شارك فيها الأوكرانيون، في مظاهرات حاشدة للمطالبة بإرساء الديمقراطية وإنهاء الحكم الاستبدادي. في ذلك الوقت، كان دعم بولندا القوي للثورة بمثابة تصريح قوي لكل من معارضة بلدنا لروسيا، وأهليتنا، التي نلناها عليها بشق الأنفس، على الاعتراف بالأوكرانيين كشعب منفصل لا يستحق  الاتحاد مع بولندا فحسب، بل يستحق بالتأكيد دولة مستقلة وهوية وطنية خاصة بهم. ولكن حتى في ذلك الوقت، استمر العديد من البولنديين أيضاً في رؤية أوكرانيا كجار أقل قوة وخاضعاً اقتصادياً. والأمر ذاته لا يزال صحيحا اليوم. قبل العام 2022 ، كان هناك  أكثر من مليون أوكراني يعيشون بالفعل في بولندا. تم تعيين بعضهم بشكل قانوني والبعض الآخر بشكل غير قانوني، وغالباً ما قاموا بأعمل خدمة بأجور منخفضة، وعملوا كممرضين وممرضات مقيمين لأصحاب العمل البولنديين، وفي تنظيف المنازل، وبستانيين. والآن، بينما أتابع الحرب في أوكرانيا من موقعي الآمن في هامدين، كونيكتيكت، أفكر في تشابسكي لتذكير نفسي لماذا لا تزال الكتابة عن أوكرانيا لشخص بولندي تبدو صعبة، حيث سوف أجد نفسي، حتماً، في قاعة من المرايا يصعب فيها عدم التدفق المستمر للصور النمطية والإسقاطات. كانت المرة الأولى والأخيرة التي ذهبت فيها إلى أوكرانيا في العام 2015، في بداية الصراع في شبه جزيرة القرم. لم أذهب أبعد من مدينة لفيف، حيث كان لكل مطعم صندوق تبرعات لصالح الجيش الأوكراني. لفيف هي واحدة من المدن الأوكرانية التي يعتبرها البولنديون بإصرار بولندية من الناحية الثقافية، والتي ظلت داخل الحدود البولندية لفترة طويلة؛ أعترف أن هذا هو السبب الذي جعلني أشعر بالفضول للذهاب إلى هناك. وفي المطعم الذي اخترته لأول غداء أوكراني، تلقيت قوائم باللغتين الإنجليزية والبولندية. كانت الأغاني البولندية التي تعود لعشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي تضخ في الخلفية، ويتم تشغيلها من ملفات MP3 التي تم صنعها لتبدو وكأنها أسطوانات ” بيك أب” [غرامافون] مخرمشة.

واحدة من هذه الأغاني يعود تاريخها إلى العام 1939، وهو العام الذي تم فيه ترحيل تشابسكي إلى ستاروبييلسك. وكانت الأغنية مشهورة لأنها جزء من فيلم المتشردون The Vagabonds ،[Włóczęgi  باللغة البولندية] وهو فيلم  موسيقي كوميدي جرى إنتاجه كمحاولة بولندية لتقليد مسرحية هوليوود الموسيقية. بعنوان فقط في لفيف “Tylko we Lwowie” (Only in Lviv)، يتم إعادة تمثيل الأغنية عدة مرات خلال الفيلم. الشخصيتان اللتان تؤديانها هما المتشردان المتجولان شتزيبيكSzczepek  و تونييكToniek ، اللذان يقومان بمساعدة مراهقاً يتيماً على الهروب من تأثير قريب أرستقراطي أكبره منه سناً. الفيلم يروج لمعاداة النخبة، في ذات الوقت الذي يصر فيه، أيضاً، على وحدة الثقافة البولندية من لفيف إلى وارسو، حيث ينتقل الحدث في النهاية.  يعبر شتزيبيك وتونييك، في أغنيتهما، حول الأشياء التي تحدث “فقط في لفيف”، عن نوع من اللغة البولندية التي بدأت في الذوبان في اللغة الأوكرانية، مع أحرف متحركة منغمة  وميزان صرفي مختصر للأفعال. لكن لفيف في العام 1939 سوف يغزوها الروس، مثل غيرها من المدن الأوكرانية والبولندية، بعد خمسة أشهر من طرح الفيلم السينمائي. عندما استمعت إلى هذه الأغنية في لفيف، بأذني البولنديتين، أثناء تفحصي لقائمة الطعام، وأنا أقول لنفسي: لم تتغير كثيراً الحواجز الطبقية والحواجز الثقافية التي أشرت إليها وحاولت تجاوزها على الرغم من تغير الحدود القومية لأوروبا الشرقية. يمكنني في لفيف، استخدام الزلوتي البولندي، ناهيك عن الدولار، حيث يمكنني شراء ما أريد بهما أو بأي منهما. لم تكلفتي وجبة غذاء عريضة ما يزيد عن خمسة دولارات؛ وفي الجوار، تكلفة نصف لتر من الفودكا الممتازة لا تتجاوز دولاراً ونصف. كانت المقبرة التي تجولت فيها بعد وجبتي جميلة ومحفوظة بعناية. وبينما كنت أتجول حولها،  كنت أقرأ الأسماء البولندية التي تظهر أحياناً على شواهد القبور، تمنيت لو أستطيع التفكير في تلك الأسماء على أنها تخصني أنا شخصياً. لكني في الحقيقة، كنت مجرد سائحة. كان تاريخ هذا المكان متشابكاً مع تاريخ بولندا بطرق كما لو أن استحواذ ثقافتي في المنطقة خضع للإحفاء، بصورة متناقضة، بطريقة تآمرية. إن إعادة التفكير في هذه المقبرة، بينما كنت أشاهد الاستجابة البولندية للاجئين الأوكرانيين هو إدراك أن هذه الهجرة الجماعية ستجبر حتماً على تجديد التفكير في يوتوبيا بولندا القديمة والإسقاطان المتوقعة حول الأراضي الحدودية المفترضة التي تفصلها عن روسيا. سيكون تفكيراً لمدى معرفة ما إذا كنا نحن البولنديين قد بدأنا، في العام 2022، رؤية الأوكرانيين كشعب في حد ذاته. لا أجرؤ على التنبؤ بما سيحققه مثل هذا التفكير، لكنه سيكون صعباً بالتأكيد.

مقبرة في لفيف عام 2015 فيها قبور جنود قتلوا في القتال في شبه جزيرة القرم. الصورة: Michael M. Weinstein

المصدر:https://bostonreview.net/articles/imagining-ukraine/

هوامش المترجم

*” ذكريات ستاروبييلسك: مقالات بين الفن والتاريخ جوزيف تشابسكي

MEMORIES OF STAROBIELSKESSAYS BETWEEN ART AND HISTORY

by Józef Czapski,

translated from the Polish by Alissa Valles,

 introduction by Irena Grudzińska Gross

Series: NYRB Classics

ISBN: 9781681374864

Pages: 256

Publication Date: March 1, 2022

** تعني Kresy  ” الحافة” أو الأراضي الحدودية، ظهر هذا المصطلح في فترة ما يعرف بالجمهورية البولندية الثانية ( 1918- 1939) لوصف الأجزاء الشرفية من الجمهورية وهي مناطق زراعية بالدرجة الأولى ومتعددة الأعراق والإثنيات وتمثل حوالي نصف أراضي بولندة في فترة ما قبل الحرب، وهي جزء، من الناحية التاريخية، من الكومنولث الشرقي البولندي الليتواني، وأصبحت هذه المنطقة جزء من روسيا  في القرن الثامن عشر، ثم تنازلت عنها لبولندة في العام بعد  اتفاقية السلام التي عقدت في ريغا عاصمة لاتفيا. لا تملك بولندة أي جزء من هذا الإقليم حالياً بسبب التغييرات الحدودية التي أعقبت الحرب العالمية الثانية. يقابل المصطلح البولندي Kresy  في اللغة الروسية كلمة okrainy  (окраины)، والتي تعني “المناطق الحدودية” ومنها أتى اسم “أوكرانيا”. من الناحية الإدارية كانت منطقة الحدود الشرقية  Kresy تضم المقاطعات التالية: لفوف Lwów و نوفوغروديك Nowogródek و بوليسيي Polesie و ستانيسلافوف Stanisławów وتارنوبول Tarnopol و فيلنو Wilno وفولين Wołyń و بيالوستك Białystok. وهي اليوم مقسمة بين غرب أوكرانيا وغرب بيلاروسيا وجنوب شرق ليتوانيا، ولم تعد المدن الرئيسية لفيف وفيلنيوس وغرودنو في بولندا.

 

عن محمود الصباغ

كاتب ومترجم من فلسطين

شاهد أيضاً

لندن: ملعب بوتين وخادمة الأوليغارشية

ترجمة: محمود الصباغ استهلال  استغلت المؤسسات المالية التي تتخذ من المملكة المتحدة مقراً لها، لعقود …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *