تاريخ الصهيونية في ميزان نظرية “ما بعد الكولونيالية”

جدعون شمعوني

ترجمة: محمود الصباغ

لا تقدم النظرية بحد ذاتها، مهما كانت طبيعتها، أي منفعة للمؤرخ، الذي يهدف تخصصه الأكاديمي العلمي إلى كسب أشكال معرفة تخصيصية أكثر منها تعميمية، بل مهمة النظرية أن تكون أداة منهجية لاكتساب فهمٍ وتفسيرٍ لظاهرة معينة، قائمين على أسس تجريبية -في حالتنا هنا هي الحركة الصهيونية. والسؤال الذي تتناوله هذه المادة يتمحور حول ما الذي أو يمكن أن تقدمه نظرية ما بعد الكولونيالية لفهم تاريخي حقيقي وأصيل صميم لهذه الظاهرة؟

ويبدو لي أن نظرية ما بعد الكولونيالية في جوهرها، عبر التنقل بموقف منفتح ضمن المجال المعرفي الغارق تقريباً في المصطلحات لنظرية ما بعد الكولونيالية، شرط أن يكون هذا التنقل  دون تحيز وتصلب، تفترض أن حالتي “الكولونيالية” و “ما بعد الكولونيالية” بمثابة منظار تصوري paradigmatic لرصد وفهم وشرح ظروف الوجود والوعي لموضوع البحث والتحقيق. وتتمثل رؤيتها الرئيسية في أن التصورات، وبالتالي التمثيلات، لـ “الآخر” تتميز بتشوهات على الصعيد العالمي وذات طبيعة انتقاصية، تخدم مصالحها الذاتية. وتشتق حدة البصيرة هذه من اندماجها مع التصورات الفوكوية التكميلية والغرامشية باعتبار الخطاب الكولونيالي أداة خبيثة للسلطة والسيطرة والهيمنة والاستغلال. ومن ثم، يعتبر هذا الخطاب عاملاً أساسياً في تحديد جميع أشكال سياسات القوة والأدب وتشكيل الهوية والعلاقات بين الجماعات. لذلك، يعطي مؤيدو نظرية ما بعد الكولونيالية أولوية مطلقة لهذا العامل في فهمهم المزعوم لمجموعة متزايدة الاتساع من الظواهر السياسية والاجتماعية والثقافية والأدبية والفنية.

والخطاب الكولونيالي المزعوم المدروس في الحالة الراهنة هو ذلك الذي أطلق عليه إدوارد سعيد تسمية “الاستشراق”. ويصفه سعيد كخطاب يتلطى وراء ستار البحث العلمي، بحيث يعزز التمثلات المهينة للشرق (اختار سعيد التركيز  من هذا الشرق، في المقام الأول، على المجتمعات العربية الإسلامية وثقافتها). وسوف تخدم هذه التمثلات وظيفة الحفاظ على القوة والهيمنة الغربية المسيطرة. وفوق كل هذا سيمثل تصنيف أي شيء بأنه كولونيالي أو استشراقي وصمة لا يمكن إصلاحها. وشكلت الفئة الأكاديمية من الباحثين المستشرقين، بكل تأكيد، مصدر وحي أصيل لدى سعيد لتوجيه مثل هذه الاتهامات الحادة لهم، لكن نظرية ما بعد الكولونيالية عملت على توسيع هذه القاعدة  حتى بات أي خطاب مهيمن عن الآخر يصنف خطاباً استشراقياً أكثر من أي وقت مضى .

لاحظ برنارد لويس أن إدوارد سعيد نجح في تحويل كلمة “استشراق” من وصف لدراسة متخصصة لمجتمعات وشعوب الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وآسيا إلى مصطلح يحمل إساءة سياسية(1). فأصبح نموذج paradigm ما بعد الكولونيالية أداة إيديولوجية للتثمين والشجب التلقائيين تلقى على كاهل الضحايا المفترضين ومقترفي كل ما يُدعى بخطاب كولونيالي أو استشراقي. ولكن في المرحلة الحالية من مقالتي، اخترت تجاهل هذه الوظيفة الإيديولوجية المتحزبة التي أطلقها برنارد لويس عن نظرية ما بعد الكولونيالية وسوف أتناول، بدلاً من ذلك، جوهرها الحقيقي الثابت فقط. وسوف أطرح فقط السؤال التاريخي التالي: ما قيمة نظرية ما بعد الكولونيالية هذه أو النموذج التفسيري لاكتساب معرفة مثبتة تجريبياً حول ظاهرة الصهيونية؟ بمعنى، من أجل فهم

(أ) سببها ونشأتها وتطورها، ودورها في قيام إسرائيل

(ب) تفاعل الصهاينة مع بيئتهم الاجتماعية والسياسية في فلسطين، ودورهم في الصراع الإسرائيلي العربي المزمن.

نشأة الصهيونية

تصبح بعض الأفكار التالية شديدة الوضوح، عند تطبيق نظرية أو نموذج ما الكولونيالية: كان وضع اليهود داخل مجتمعات الأغلبية في مواطنهم، قبل عملية الانعتاق emancipation اليهودي في القرن التاسع عشر، في العديد من النواحي المهمة مثل حالة الشعوب المستعمَرة في العالم. وهذا يعني أن اليهود كانوا ضحايا “تابعين subaltern”، خاضعين لأشكال مختلفة من الهيمنة من قبل مجتمع الأغلبية، ليس أقلها خطاب ثقافي مهيمن يمثل اليهود على أنهم الآخر الشرقي الجوهري(2). ويمكن، وفقاً لذلك، تعيين العديد من التأثيرات المميزة للوضع الكولونيالي، التي تسترشد بنظرية ما بعد الكولونيالية بشكل مماثل، على يهود أوروبا. ومن أبرز هذه التأثيرات خلق التابعين لسردياتهم المضادة في رد فعل دفاعي على الخطاب “الاستشراقي” المتحيز. من الواضح أن مشروع التنوير اليهودي Wissenschaft des Judentums ليهود ألمانيا كان مجرد سردية مضادة ذاتية التمكين كرد فعل على التمثيل المهيمن المسيحي لليهود(3). كما يمكننا، علاوة على ذلك، إظهار كيف يبدي السلوك اليهودي، بعد الانعتاق، طفرات مختلفة وأنماط هجينة للهوية اليهودية من ذات النوع تماماً الذي أشار إليه العديد من الرموز البارزة نظرية ما بعد الكولونيالية الاستعمار مثل هومي بابا Homi Bhabha(4). وتشمل هذه الأنماط، تقليد الآخر المهيمِن واستيعاب صوره المهينة عن اليهودي، وبلورة التأنيب الذاتي الحاد وحتى الكراهية الذاتية الصارخة مثل قضية سيلبست هاس Selbst-Haas سيئة السمعة لأوتو فينينغر Otto Weininger  في كتاب فيينا على أعتاب قرن جديد fin-de-siècle Vienna (5). علاوة على ذلك، لم تكن الصورة الفكرية والرمزية لليهود التابعين فقط، والتي رعتها الغالبية المهيمنة (على غرار النظام الكولونيالي)، وحدها المثال الواضح على “التمثيل” المتحيز والمشوه وذو المصالح الذاتية، ولكن أحد أكثر الجوانب انتشاراً من هذا التمثيل وصفه بأنه غريب في الأساس – “شرقي” بطبيعته. وكان هذا يتناقض بطريقة مستهلكة مع الثقافة الغربية العالية والمتفوقة وقيم وجماليات “الممثلين” المهيمنين لليهود، إذا جاز التعبير. وليس من قبيل المصادفة أن الكلمة الرمزية لكراهية اليهود التي أصبحت سارية منذ أن نشرها فيلهلم مار في منتصف سبعينيات القرن التاسع عشر كانت “معاداة السامية”، كما ظلت حتى يومنا هذا. ما يسمى بـ “السامية” كانت صورة مخترعة تتعلق بالبنية الغربية لما يسمى بـ “المشرق”.

يظهر الارتباط الواضح لليهود بالشرق، بشكل لافت للنظر، في العمائم العثمانية التي صورها رامبرانت لشخصيات مثل داود وأوريا. وكما هي العادة في كثير من أشكال الفن الأوروبي الذي يستلهم أفكاره وتصوراته من الديانة المسيحية والذي يعود إلى قرون عديدة، يظهر يسوع الإلهي كشخصية غربية في جوهرها على النقيض من اليهود الشرقيين الكتابيين الواضحين(6). علاوة على ذلك، فإن قيام اليهود أنفسهم بتضمين هذه الصورة الشرقية ورعايتها ينعكس على سبيل المثال في الهندسة المعمارية ذات الطراز المغربي للعديد من المعابد اليهودية الأوروبية. وظهرت في وقت لاحق، تعابير أخرى أقل كرماً عن هذا الاستيعاب الداخلي تمثلت في موقف بعض اليهود الألمان المثقفين تجاه المهاجرين اليهود القادمين من أورويا الشرقية  ” Ostjuden “، ومن بعد، موقف بعض اليهود الأشكناز في إسرائيل من اليهود (الشرقيين) “المزراحي”.

وهكذا يمكن القول، توفر نظرية ما بعد الكولونيالية شرحاً ملائماً لتفسير الظروف اليهودية وما يصاحبها من طفرات الهوية داخل المثقفين اليهود والتي ظهرت بين جماعات يهود أوروبا كنتيجة لفترة الانتقال المجتمعي من ما قبل الحداثة إلى الحداثة. وسوف تظهر محاولتي الخاصة في تقديم تفسير توضيحي لنشأة القومية اليهودية في شكلها الصهيوني أهمية هذه المركبات الهوياتية في توليد قسمين مختلفين من المثقفين اليهود الأوروبيين. مثل القسم الأول “الاندماجيين” الذين سعوا إلى التخلص من آثار الإثنية اليهودية، ليتخلوا عن هوية دينية بحتة يُفترض أنها متوافقة مع الطوائف المسيحية. أما القسم الثاني فكانوا “الإثنيون”، الذين بحثوا عن توليفة تجمع بين الجذور التراثية وعوامل الجذب ومطالب الحداثة من أجل إثبات الذات الإثنية اليهودية. قاوم هذا القسم “الإثني” التوجه الاستيعابي القوي لتحديث المثقفين اليهود عموماً، وبدؤوا العمل في بناء وصياغة القومية الثقافية اليهودية منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر(7). في ذات الوقت الذي عانى فيه العديد من المثقفين أصحاب النزعة الاندماجية من ردة الفعل المعادية للسامية المستعصية على الاندماج اليهودي مما تسبب في معضلات ترافقت مع الهوية المصاحبة للتجربة ذات الطبيعة “ما بعد الكولونيالية”، وهذا ما أدى بهم في نهاية المطاف إلى الشعور بنوع من خيبة أمل، ليس أقلهم مؤسس المنظمة الصهيونية في العام 1807، ثيودور هرتزل، كنموذج أولياً لهم إن جاز القول. وهو ما حدى بأولئك “الاندماجيين” إلى التخلي عن التطلع نحو الاندماج والاستيعاب، فخضعوا إلى عملية تحول جذري في الهوية أدى بهم ليس فقط إلى التقارب مع الإثنيين، بل تولي أدواراً قيادية في دفع تأكيد الذات الإثنية اليهودية نحو القومية الكاملة في شكل الصهيونية. من الجدير بالذكر أن متلازمة الهوية الذاتية عينها تسببت في قيام مؤسسي حركات قومية أخرى في العالم الذي يسيطر عليه الاستعمار -ومن الأمثلة على ذلك غاندي ونهرو في الهند أو نكروما في إفريقيا- بالانتعاش من مسارهم المحبط المتمثل في الاندماج في الثقافة. والفلك الاجتماعي لأسيادهم الاستعماريين حتى أصبحوا قادة مؤسسين للحركات القومية لمجموعاتهم الإثنية.

وهكذا، كانت الصهيونية في الأساس استجابة خاصة، تتنافس ضمن مجموعة من الاستجابات البديلة، لتأثير الحداثة على الظروف الفعلية لوجود اليهود، وهي ظروف مماثلة لتلك التي عاشها المثقفون من الأفارقة والآسيويين المستعمَرين. كانت الشرارة التي أطلقت الحركة القومية الصهيونية هي هذا التحول الجذري للهوية لعدد متزايد من الإنتلجيتسيا اليهود (على غرار ليو بينسكر في روسيا وثيودور هرتزل في النمسا) الذين اندمجوا بالفعل في المجتمع الأوروبي ولكنهم غيروا بشكل جذري الشعور بالهوية الذاتية والتوجه الإيديولوجي. بدأ هذا في الثلث الأخير من القرن التاسع عشر. ومثل القوميات الأخرى، تضمن انتشار الصهيونية أيضاً التنقيب والبناء الثقافي المبتكر الذي صدر على هيئة إرث مخترع من النوع الذي كشف عن وجوده إريك هوبسباوم في حركات قومية مختلفة(8)، لكنه استند بشدة إلى جذور اليهود القديمة، المعمرة، الإثنية والرمزية، في عمليات التفاعل والتهجين من ذات النوع التي سلطت عليها الضوء نظرية ما بعد الكولونيالية. والدليل على ذلك حقيقة أن استيعاب الخطاب المهين للطبقة الاجتماعية المهيمنة ترك بصماته أيضاً على بعض الإنتلجيتسيا اليهود الذين تحولوا إلى الصهيونية، تماماً  كما حدث داخل الإنتلجيتسيا الأفارقة والآسيويين في سياقهم الكولونيالي ولاحقاً في السياقات ما بعد الكولونيالية. وتنعكس هذه الظاهرة في شخصية ثيودور هرتزل نفسه(9). لقد أصبح هذا التحول في الهوية، في الواقع، مصدراً لبعض الجدل الصهيوني الداخلي عندما ولّدت مقولة “نفي المنفى [גלות]” داخل الصفوف الصهيونية تعابير عن لوم الذات اليهودي على حدود كراهية الذات(10).

ومن أجل ختم هذا القسم، وبالعودة إلى المواقف الأخلاقية لنظرية ما بعد الكولونيالية والوظيفة المصاحبة للتقدير والشجب، يمكننا طرح السؤال الخطابي التالي: إذا كانت نظرية ما بعد الكولونيالية قابلة للتطبيق لفهم نشأة الصهيونية، ألا ينبغي القول بداهةً أن تطبيق الامتياز الأخلاقي لنظرية ما بعد الكولونيالية على جميع الضحايا التابعين للسيطرة شبيهة الكولونيالية، ينطبق أيضاً على حالة الصهيونية؟

الصراع العربي اليهودي

سوف أنقل تركيزي الآن إلى الجزء الثاني من السؤال الذي طرحته في عرضي التقديمي: ما هي القيمة التي يمتلكها منظور نظرية ما بعد الكولونيالية للمساعدة في فهم نشأة وطبيعة الصراع العربي اليهودي؟ يبدو أن أحد المتطلبات الأساسية لمعالجة هذا السؤال يستلزم فحص وصم إدوارد سعيد المسبق للصهيونية كحالة من حالات الاستعمار الأوروبي – “الاستعمار الاستيطاني الصهيوني”(11). “كل ما فعله الصهاينة في فلسطين، فعلوه، بالطبع، كمستعمرين مستوطنين”، يقول ذلك بشكل قاطع. ويسمح سعيد لنفسه،( مظهراً نزعة جوهرية دوغمائية متناقضة مع الذات بشكل مذهل لشخص مثله يدين “المستشرقين” أساساً لجريمتهم الفكرية ذات النزعة الجوهرية)، بإصدار تصريحات مثل: “الصهيونية لم تتحدث أبداً عن نفسها بشكل لا لبس فيه كحركة تحرير يهودية، بل نظرت إلى نفسها كحركة يهودية للاستيطان الاستعماري في الشرق”، ولإعطاء مثال آخر يقول: “الصهيونية والإمبريالية الأوروبية متلازمتان، في رؤيتهما للسكان الأصليين، من الناحية المعرفية، وبالتالي متلازمتان تاريخياً وسياسياً. ومثل هذه التصريحات هي جزء عضوي لا ينفصل من نزعة سعيد المتحزبة البادية للعيان أينما التفتنا إلى مقولاته ذات الصلة. وبتجاهله أي توازن في طرفي تمثيل “الآخر” في الصراع، فهو يصدر تعميمات شديدة عن “التمثيل العنصري الصهيوني المفترض لغير اليهود في فلسطين” ولكنه يتجاهل التمثيل المتحيز عميق التأصيل ضد اليهود في التقاليد العربية الإسلامية. وبالتالي، ليس ثمة ما يقوله عن انحطاط وضعية اليهود كأقلية دينية، بسبب حالة الذمي التقليدية، ورغم ظهورها كأقلية تعيش حالة من التسامح في الفضاء الإسلامي، لكنها تبقى تابعة، وكثيراً ما تتعرض للإذلال في إطار الحيز الإسلامي؛ ناهيك عن سخط الاستياء الذاتي تجاه أي تعبير عن ثقة وقوة اليهود، ومتلازمة العار والشرف المرضية التي تمنع أي تفكير بالسيادة اليهودية في أي جزء من المجال الجغرافي السياسي المزعوم للإسلام. علاوة على ذلك، وكما أظهرت الدراسات الأكاديمية السليمة بلا شك، فإن التمثيلات العربية لليهود قد أظهرت أفكار معادية للسامية  بشكل لا لبس فيه، والتي تم تبنيها بشغف من أوروبا المسيحية(12).

عند أي تفحص تجريبي محايد للنوايا الصهيونية والتطبيق العملي في السياق المقارن لنظرية الكولونيالية، ينبغي البدء بملاحظة أن منطقة الشرق الأوسط التي نشأ فيها الاستيطان الصهيوني لأول مرة في ثمانينيات القرن التاسع عشر كانت نفسها تحت السيطرة العثمانية الكولونيالية الإمبريالية. وبعد تفكيك الإمبراطورية العثمانية في العام 1918، استمر الاستيطان الصهيوني في ظل رعاية سياسية ملتبسة من قبل بريطانيا العظمى في شكل “انتداب” من عصبة الأمم، وهو في حد ذاته شكل من أشكال الحكم الكولونيالي. وإذن، كان هناك وضع كولونيالي مع كل مظهر من مظاهر الممارسة الكولونيالية المصاحبة لذلك الجزء من الشرق الأوسط قبل الاستيطان الصهيوني وبالتزامن معه. وهذا لا ينكر أن الصهيونية ضاعفت الوضع من خلال ممارساتها الكولونيالية الخاصة. كما أنه لا ينفي الصلاحية الأكاديمية لبناء مقاربة تسعى إلى تفحص الاستيطان الصهيوني في هذه المنطقة من الإمبراطورية العثمانية، ومن ثم في فلسطين في فترة الانتداب البريطاني، في السياق المقارن لظاهرة الاستعمار العامة. ووفقاً لعالم الاجتماع غيرشون شافير، المؤيد الرئيسي لهذا النهج، تطورت الممارسة الاستيطانية للحركة الصهيونية في مراحلها الأولى (من حوالي 1882 إلى 1905) إلى نوع من “مستعمرات المزارع الإثنية”، حيث حصل المستوطنون اليهود على الأرض عن طريق الشراء وتوظيف العمالة المحلية. ويرى شافير بأن الصهيونية، تبنت بعد ذلك، “نموذج الاستيطان الخالص” للمستعمرة الذي سعى إلى استبعاد العمالة المحلية الأصلية(13). كما يمكن التأكيد والبرهان على بروز مواقف وصور “أخرى”  بالمقارنة مع مواقف وصور  تماثل الخطاب المفاهيمي لبعض مؤسسي الحركة الصهيونية والقادة الأوائل في أوروبا، وكذلك بعض المستوطنين الصهاينةـ وذلك بالمقارنة مع الصور والمواقف التي يصفها إدوارد سعيد بـ “الاستشراق”. وهذا يعني وجود بعض الأفراد الصهاينة ممن يمتلكون إحساساً بالتفوق الثقافي والتكنولوجي والأخلاقي المركزي الأوروبي وإحساساً مصاحباً بالمهمة المتحضرة التي من المفترض أن ترفع من شأن المشرق وتجعل منظره المهمل مزهراً. ويمكن، بالطبع، تفسير هذا بسهولة، من حيث البيئة الثقافية والفكرية الأوروبية التي كانت تمثل الخلفية المشتركة للجيل الأول من الصهاينة. لكن هذا بعيد كل البعد عن رسم الصورة كاملة. لأنه من الصحيح أيضاً أن المستوطنين الصهاينة الآخرين أظهروا ميلاً تعويضياً لإضفاء الطابع الرومانسي والمثالي على المشرق.

في واقع الأمر، كان ثمة، في مراحل الصهيونية المبكرة، توتر مستمر بين المواقف السلبية والإيجابية تجاه “الشرق”. وفي دراسة شاملة لمواقف المستوطنين الصهاينة الأوائل، وجد مؤرخ جامعة تل أبيب يوسف غورني ضرورة إمبريقية تقضي باقتراح تصنيف المواقف، يتضمن فئة رئيسية وصفها بـ “النظرة التكاملية”. وشمل ذلك شخصيات صهيونية مختلفة، بعضهم من خلفيات أشكنازية، على سبيل المثال المربي يتسحاق إبشتين والكاتب يهوشوا رادلر فيلدمان، ومن المزراحيم السفارديين (اليهود الشرقيين)، مثل الدكتور نسيم ملول والياهو سابير(14). وفي المقابل، كانت هناك فئة أخرى وصفها غورني بـ “النظرة الانفصالية”. ومن رموزها المؤرخ والكاتب يوسف كلاوسنر والزعيم الكاريزمي فلاديمير جابوتنسكي، الذي ربما كان من أكثر المدافعين تفصيلاً عن الارتباط بالغرب. ووجد غورني ما اعتبره دليلاً على تكافؤ النظرة التكاملية بأن جابوتنسكي وجد ضرورة استخدام مواهبه الجدلية الهائلة للقتال الحماسي ضد ما وصفه بـ “أسلوب الأرابيسك Arabesque fashion ” المضلل. لقد رفض تماماً إضفاء الطابع المثالي على الشرق الفاضل المفترض، بعكس تصويره للحضارة الأوروبية الملوثة. وشدد على أننا “نحن ذاهبون إلى [أرض إسرائيل] من أجل دفع الحدود الأخلاقية لأوروبا إلى نهر الفرات”(15). كان التوتر بين هاتين النظرتين متجذراً في أقطاب النظرة الكونية Weltanschauung المتعارضة ويمكن تتبعه على طول مسار تطور الحركة الصهيونية وإسرائيل حتى يومنا هذا. فيمكننا مواجهة، على هذا المسار، العديد من التحولات السياسية للتسوية الليبرالية من أجل سلام النظرة الكونية Weltanschauung ، على سبيل المثال تحالف السلام [بريث شالوم ברית שלום Brith Shalom] من 1925 إلى أوائل الثلاثينيات، تليها نحو الشرق[ קדמה מזרח Kedma Mizraha] وحركة إيهود[ איחוד Ihud] في الأربعينيات.

وسوف تخفق المقارنة بظاهرة الاستعمار بتوفير فهم تاريخي مناسب للصهيونية أو للصراع اليهودي العربي، ليس فقط بسبب اختلاف المواقف تجاه الشرق في الواقع بين الأقطاب الإيجابية والسلبية. والأهم من ذلك، فقط من خلال الاعتراف الكامل بالطبيعة الوجودية الأساسية للصهيونية كإيديولوجيا وحركة إثنو قومية بما يمكن أنت توفر فهماً تاريخياً حقيقياً للصهيونية. حتى إذا كان من الممكن إظهار جوانب من الممارسة الاستعمارية للصهيونية على أنها مشابهة للنماذج النظرية للاستعمار، فإن طبيعة الصهيونية القومية في الأساس تجعلها مختلفة بشكل فريد عن كل هذه النماذج في جوانب ذات أهمية تفسيرية قصوى. وفي مقدمتها الحقيقة الواضحة التي مفادها أن الاستيطان الصهيوني في فلسطين، على عكس كل حالة استعمار معروفة تقريباً، لم ينبثق من دولة أو متروبول خارج فلسطين ولم يتصرف لصالحها. في مثل هذه الظروف، من الممكن أن يكون هناك استعمار بدون استعمار، مثل الهجرة المنظمة لليهود من أوروبا الشرقية إلى الأرجنتين fin-de-siècle immigration وإنشاء مستعمرات زراعية هناك بدعم من المحسن البارون دي هيرش Baron De Hirsch ، التي كانت حالة استعمار بدون الاستعمار(16). لم يكن التطبيق العملي الاستعماري للصهيونية غاية في حد ذاته؛ بل تطور كأداة أصبحت ضرورية وملحة في الظروف الاجتماعية والاقتصادية للزمان والمكان اللذين تجلت فيهما التطلعات القومية اليهودية، بالتزامن مع دبلوماسية سياسية نشطة ونهضة ثقافية متشعبة، كاستراتيجية قومية أساسية. ومن هنا، فإن الحقيقة الاقتصادية المعهودة هي أن الحركة الصهيونية استثمرت بشكل مميز في فلسطين بدلاً من جني الأرباح أو الموارد منها بأي شكل من الأشكال. علاوة على ذلك، ومرة أخرى، لأن الدوافع القومية البحتة كانت جوهر كل الممارسات الصهيونية، فإن مجموعات العمل الصهيونية، التي ولدت جزءً كبيراً من التقدم العملي للحركة في فلسطين، طورت بوعي الحراك الاجتماعي الهابط للمهاجرين اليهود إلى فلسطين من أجل خلق فلاح يهودي وطبقة عاملة. وجعل الهدف القومي للصهيونية هذا الأمر ضرورة إيديولوجية. ومن ثم، تجنيب استغلال العمالة العربية المحلية، وكان الاتجاه الرئيسي لتوجيه التنمية الاجتماعية والاقتصادية نحو التنمية اليهودية المجزأة في المجالين الاقتصادي والسياسي. إن هدف “تطبيع” الجانب الاجتماعي والاقتصادي للشعب اليهودي من أجل تشكيل الشريحة اليهودية من سكان فلسطين (المعروفة بالعبرية باسم ييشوف) إلى دولة على الطريق، استلزم قدراً كبيراً من الاكتفاء الذاتي والانفصال. التنمية بقدر الإمكان. هذا لا يعني أنه لا يوجد دليل على المصلحة الذاتية الاقتصادية للمستوطنين اليهود وسياسات الإقصاء فيما يتعلق بـ العمالة العربية، كما يمكن الكشف عنها من خلال تحليل اقتصاد السوق التقليدي. لكن هذا يعني، في التحليل النهائي، ضرورة وضع هذه الأمور في سياق تاريخي في إطار الهدف القومي المهيمن للصهيونية المتمثل في تحقيق دولة يهودية ذات سيادة، من أجل تقديم ما تصوره الصهاينة إيديولوجياً على أنه الحل الوحيد القابل للتطبيق “للمشكلة اليهودية” الوجودية. بشقيها المادي والثقافي.

وهكذا، فإن ممارسة تطبيق النموذج الاستعماري، كما يحاول غيشون شافير تجسيدها، تقوم على مغالطة الإنكار في أسوأ الأحوال، أو عدم وضوح في أحسن الأحوال، لأسبقية الدافع القومي والنية عند الصهيونية. مثل هذه النتائج عن التحليل البنيوي المغرض الخالي من السببية والمنفصل عن السياق التاريخي، وعن الامتياز النظري المصاحب للنتائج على النوايا(17). ولايمكن قبولها من وجهة نظر التأريخ التجريبي. وسوف تعطي نتائج تسير على رأسها أو منطق توضيحي مقلوب من النوع الذي يصدر، على سبيل التوضيح، في بيان شافير النموذجي بأن “النضال من أجل” احتلال العمل “في الواقع حوّل العمال اليهود إلى ميليشيات قومية”(18)، ولكن الحقيقة الصحيحة الواضحة هنا أن هؤلاء العمال اليهود الصهاينة جاءوا إلى فلسطين بالفعل كقوميين، كونهم نتاج الصهيونية كحركة قومية نشأت في السياق الأوروبي. كان مبدأ العمل الذاتي والتطلع إلى خلق طبقة من العمال اليهود نتيجة لدوافعهم القومية المتشددة، وليس سبباً. وينطبق السياق القومي ذاته على فهم المكانة التي لعبها الخطاب “الاستشراقي” الرمزي في تاريخ الصهيونية. كما أشرت بالفعل، على الرغم من وجود دليل على مثل هذا الخطاب، كان هناك منذ البداية خطاب رمزي موازٍ يثمن “الشرق” ويصف الصهيونية بشكل رومانسي على أنها عودة يهودية إلى جذورها الشرقية المجيدة. وعليه، فإن السياق التاريخي المناسب لتقدير حقيقة أن خطاب بعض الصهاينة يتناقض مع الإهمال المعياري “الاستشراقي” الأوروبي، هو الجوهر القومي للمشروع الصهيوني. اعتبر مريدي المشروع تقدير الشرق وإضفاء الطابع الرومانسي على الجذور الشرقية المفترضة للشعب اليهودي  أمران مفيدان للسعي نحو تحقيق غايات قومية في الأساس، بقدر ما كان التقليل من أهمية الشرق يخدم نفس الأغراض القومية لمدرسة الفكر الصهيونية المنافسة، التي جسدها جابوتنسكي.

فيما يتعلق بالتعاليم السائدة المناهضة لإسرائيل لدى العديد من العقائديين اليساريين الراديكاليين في “العالم الثالث”، فإن وصف شيء ما بأنه “مستعمِر” أو “مستشرِق” يعتمد دائماً على الأحكام الأخلاقية التي تثمن آلياً أي “تابع” اجتماعي ظاهرياً وتنتقد أي جماعة يبدو أنها تتمتع بامتياز اجتماعي. إذن، وبخلاف إرضاء من يسعون بالإساءة إلى إسرائيل -إن لم يكن نزع الشرعية عنها- ما الذي يساهم به منظور النظرية ما بعد الكولونيالية في فهم طبيعة الصراع الذي نشأ بين اليهود والعرب؟ إنها يساعدنا بالطبع على فهم التصور العربي الذاتي للصهيونية. لكن، بخلاف ذلك، ليس لها قيمة تفسيرية لفهم الصراع العربي اليهودي. ولمزيد من الإيضاح، ينبغي السؤال عما إذا كان هناك أساس برهاني معقول للافتراض أن خلو الصهيونية التام وممارستها الاستعمارية من أي، وكل، “خطيئة” للخطاب الاستشراقي مثل منظري ما بعد الكولونيالية سوف يحدث فرقاً. من المؤكد أن الإجابة ستكون “لا”. من جديد نقول، لأن جوهر الصراع من طابع قومي، وليس ينتمي إلى صراعات كم طبيعة اجتماعية أو حقوق إنسانية ومدنية فردية. وطالما الأمر كذلك، فقد قدّم كل طرف في النزاع [الصهاينة من جهة والعرب من جهة أخرى] بأي حال، وبأدق مستوى من الجدال، حقوق الإنسان والحقوق المدنية للآخر،. لقد كان الصراع دائماً منحصراً بين حركتين قوميتين، تسعى كل منهما، على حدة، لتحقيق الذات الوطنية في شكل تقرير المصير الوطني السيادي في نفس المنطقة -أرض إسرائيل لليهود، وفلسطين Filastin للعرب. وبالتالي، هناك لعبة مأساوية محصلتها صفر في قلب هذا الصراع المستعصي. لا الجهل ولا الخطابات المتحيزة من أسبابها، على الرغم من أنها كانت بالتأكيد من العوامل المشددة. ويمكن للاستقصاء التجريبي في الصراع تعيين التصورات المشوهة للمستشرقين والغرب على التوالي من قبل يهود “الآخر” العربي، وعرب “الآخر” اليهودي”، ويمكننا استنتاج  طبيعة الدور الذي لعبته فرضية التنافر المعرفي وحالات الإنكار بشأن صحة أو حقيقة حالة الآخر. لكن الأدلة التي قمت بفحصها في البحث عند الجانب الصهيوني (وسأفترض احتمالية انطباق الأمر عينه على الجانب العربي) تظهر بأغلبية ساحقة عدم تغافل القيادة الصهيونية قط عن الواقع من خلال التمثيلات الاستشراقية لـ “الآخر”. لقد أدرك القادة الصهاينة، وإن على مضض، أن لدى “الآخر” العربي ادعاءات صحيحة، لكنهم آمنوا، وجادلوا وفقاً لذلك، بأسبقية الادعاءات اليهودية المستحقة باعتبار الحاجة الوجودية الماسّة والأكبر لليهود، وبني جدالهم بشأن الادعاءات العربية، أن هؤلاء يمتلكون قومية عربية مزدوجة، بالإضافة إلى احتياجات وطنية فلسطينية محلية، وسوف يشكل غياب أو إضعاف حق تقرير المصير الوطني في فلسطين Filastin جرحاً غائراً، باعتراف الجميع، بينما حال اليهود ليس كذلك، فغياب أو إنكار حقهم القومي في تقرير مصيرهم في [أرض إسرائيل]  سوف يكون ضربة قاتلة وليس مجرد جرح، إذا لا مكان آخر لليهود يذهبون إليه.

في التحليل الأخير، استندت القضية الصهيونية حول الحق في تقرير المصير القومي في [أرض إسرائيل] إلى الحاجة الوجودية الأكبر والمبدأ الأخلاقي النفعي المتمثل في القيام بأقصى قدر من الخير والحد الأدنى من الضرر في ظروف الصدام بين اثنين فقط من المطالب الوطنية. وهكذا، حتى جابوتنسكي، الذي يمثل الجناح اليميني للحركة الصهيونية، صرح للجنة بيل في عام 1937: “… من المفهوم تماماً أن عرب فلسطين يفضلون أيضاً أن تكون فلسطين هي الدولة العربية رقم 4 أو رقم 5 أو رقم 6 – وهذا ما أفهمه تماماً؛ لكن عندما يواجه الادعاء العربي مطلبنا اليهودي بالاحتفاظ، يكون الأمر أشبه بادعاءات الشهية مقابل ادعاءات الجوع. [التشديد من عندي]. لم يحالف أي محكمة على الإطلاق في النظر في قضية كانت فيها العدالة برمتها إلى جانب أحد الطرفين ولم يكن للطرف الآخر أي قضية يدافع عنها.. لا، لم يحصل هذا من قبل على الإطلاق. ويتعين على أي محكمة تعنى في الشأن الإنساني، بما في ذلك هذه المحكمة التي نتحدث عنها، عند النظر في قضيتين، أن تعترف بأن كلا الجانبين يملك قضيته الخاصة التي يحث له أن يدافع عنها، وعلى هذه المحكمة أن تضع في اعتبارها، من أجل تحقيق العدالة، ما ينبغي أن يشكل التبرير الأساسي لجميع البشر، أي مطالب الأفراد أو الجماعات – إنه التوازن الحاسم الرهيب للحاجات(19).

وفي سياق مماثل، قال حاييم وايزمان، رئيس المنظمة الصهيونية، وهو مثال لتيار الوسط في الطيف السياسي للحركة، للجنة الأنجلو أمريكية في العام 1946: “أدرك تماماً أن ما أطلبه سيواجه معارضة كبيرة من جانب العرب.. لكن لا توجد مشورة كمال في هذا العالم، ولا عدل مطلق في هذا العالم. ما تحاولون القيام به، وما نحاول جميعاً القيام به بطريقتنا الصغيرة، هو مجرد عدالة إنسانية قاسية. أعتقد أن القرار الذي أود أن تتخذه هذه اللجنة، إذا كنت أجرؤ على قول ذلك، سيكون التحرك على خط أقل قدر من الظلم”(20). وعلى نفس المنوال، وهذه المرة من يسار الطيف السياسي، يمكننا اقتباس كلمات الزعيم الأبرز للحركة العمالية الصهيونية، دافيد بن غوريون، إلى لجنة الأمم المتحدة الخاصة بفلسطين UNSCOP في العام 1947: أقلية عربية في دولة يهودية تعني أن لن يتمتع عدد من العرب بامتياز الدولة العربية، لكنها لن تقلل بأي حال من استقلال ومكانة العرق العربي الحر. إن الأقلية العربية في فلسطين، كونها محاطة بالدول العربية، ستبقى آمنة لجهة الارتباط القومي بعرقها. لكن وجود أقلية يهودية في دولة عربية، حتى في حالات أفضل ضمان خطي، سيعني الانقراض النهائي للأمل اليهودي، ليس في فلسطين وحدها، ولكن لعموم الشعب اليهودي بحصوله على المساواة القومية والاستقلال، مع كل العواقب الكارثية المألوفة في التاريخ اليهودي. يجب على ضمير البشرية أن يوازن بين هذا: أين ميزان العدل، أين الحاجة الأكبر، أين الخطر الأكبر، أين أهون الشرين، وأين الأقل ظلماً(21)؟

بالطبع، قيل على الجانب العربي، بنفس القدر من الاقتناع، أنه بحكم الأغلبية الساحقة من العرب، يجب أن تصبح فلسطين دولة عربية أخرى لتلبية حاجة سكانها العرب المحليين لتقرير مصيرهم الوطني. كما قيل، على سبيل المثال، في دليل أمام لجنة التحقيق الأنجلو أمريكية في العام 1946: “يعارض الشعب العربي كله بشكل قاطع محاولة فرض الهجرة اليهودية إلى فلسطين والاستيطان عليها، وفي النهاية إقامة دولة يهودية فيها. وتقوم معارضة الشعب على الحق. فعرب فلسطين هم من نسل السكان الأصليين للبلاد، الذين سكنوها منذ بداية التاريخ: لا يمكنهم الموافقة على أنه من الصواب إخضاع السكان الأصليين ضد إرادتهم للمهاجرين الأجانب الذين تستند مطالبهم إلى علاقة تاريخية توقفت فعلياً منذ عدة قرون”(22). لم ير العرب أي تبرير معنوي ولا مادي لأي تسوية مهما كانت، سواء في شكل تكافؤ ثنائي القومية أو تقسيم. في أحسن الأحوال، سيُمنح اليهود الذين كانوا مقيمين هناك قبل ما اعتبره العرب غزواً صهيونياً حقوقاً دينية ومدنية. معارضة الافتراض الراسخ بأن “اليهود اليوم ليسوا شعباً ولا أمة؛ اليهودية مجرد عقيدة دينية”، رفضت الهيئة العربية العليا، التي ادعت أنها تمثل عرب فلسطين، الاعتراف بأي مطالبة قومية يهودية(23). وهكذا، شكلت الاحتياجات والمطالبات والتطلعات القومية جوهر الصراع غير القابل للاختزال في تصور العرب واليهود على حد سواء. ولم تكن الاحتياجات والمطالبات الدينية ولا المدنية أكثر من مجرد قضايا هامشية. والأكثر هامشية كانت قضايا الاستعمار أو الخطاب “الاستشراقي”. بيد أن هذا لا يعني انتفاء الحاجة لحلول وسط ممكنة لفض الصراع القومي في الأساس، على الأقل من الناحية النظرية سواء في السابق أم اليوم. ففي داخل المعسكر الصهيوني، ظهر اقتراح نظام ثنائي القومية وتمت مناقشته عديد المرات، كما تم مناقشة قرار التقسيم بل حتى قبله الصهاينة أيضاً عند إقراره في تصويت الأمم المتحدة في تشرين الثاني (نوفمبر) 1947(24). ولا يزال يشكل موقفاً مركزياً على جدول أعمال الحلول التوفيقية الممكنة حتى يومنا هذا بالذات.

كتلخيص لما سبق: أيا كانت القيمة الكامنة في نظرية ما بعد الكولونيالية لفهم تاريخ الصهيونية فلا بد لها أن ترتبط بتفسير نشأتها كحركة قومية انبثقت عن حالة التحرر وما بعد التحرر لليهود؛ وهو وضع مشابه للوضع الكولونيالي وما بعد الكولونيالي للعديد من الشعوب في أماكن أخرى من العالم. بخلاف ذلك، يمكن لنظرية ما بعد الكولونيالية أن تساهم بشكل هامشي فقط في فهم الصراع العربي اليهودي في الشرق الأوسط، وأبعد من ذلك سوف يكون تأثير ضئيل في احتمالات الحل.

إن المشكلة الجذرية أكثر جوهرية وأكثر خطورة من أي مظهر من مظاهر ما يسمى بـ “الاستعمار” و “الاستشراق”. ولنا أن نتخيل لو أن “الاستعمار” أو “الاستشراق” لا وجود لهما، فمن المؤكد أن الحركة الإثنية القومية المعروفة بالصهيونية كانت ستنشأ من أسباب جوهرية ومستقلة وعميقة. وعلى نفس المنوال، هل يمكن أن يكون هناك أي شك في أن إدوارد سعيد كان سيرفض مطالبة اليهود بتقرير مصيرهم القومي في فلسطين، حتى لو لم يجد أي دليل على الإطلاق على الممارسة الاستعمارية أو الخطاب داخل الصهيونية؟

على الرغم من حدوث ما يسمى بالخطاب “الاستشراقي” في صفوف الصهيونية، فإن قادتها لم يتجاهلوا الأذى الذي لحق بالعرب الفلسطينيين ككيان وطني فعلي أو محتمل. ومع ذلك، فقد كان لديهم دافع جوهري ويائس للبحث عن خلاصهم القومي بكل الوسائل المتاحة، بما في ذلك أساليب الاستعمار. إن تصنيف الصهيونية على أنها حالة استعمار، وبالتالي وصمها بهذه الصفة، قد يخدم الغايات الخطابية المتحزبة لصالح القضية الفلسطينية، لكنه تصنيف خاطئ، كأداة تحليلية لوضع فهم محايد للصراع العربي اليهودي.

في التحليل النهائي، تعتبر نظريات القومية، التي تحظى بأدبيات واسعة وعميقة، أدوات أكثر قيمة بكثير في فهم تاريخ الصهيونية وطبيعة الصراع العربي اليهودي أكثر بكثير مما يمكن أن يذهب إليه وصف نظرية ما بعد الكولونيالية. ومع ذلك، فإن فحص قابلية تطبيق مثل هذه النظريات القومية يقع خارج نطاق هذا المقال.

……………..

العنوان الأصلي: POST-COLONIAL THEORY AND THE HISTORY OF ZIONISM

الكاتب: Gideon Shimoni

المصدر: https://www.tandfonline.com/doi/abs/10.1080/13537120701445331

الهوامش

[1] Bernard Lewis, “The Question of Orientalism,” The New York Review of Books, vol.29, no. 11, June 24, 1982.

2 See Ivan Davidson Kalmar and Derek J. Penslar, Orientalism and the Jews, Brandeis University Press, Hanover & London, 2005.

3 See Susannah Heschel, “Jewish Studies as Counter history,” in David Biale, Michael Galchinsky and Susannah Heschel, Insider/Outsider: American Jews and Multiculturalism, University of California Press, Berkeley, Los Angeles, 1998, pp.101-115. Also, Derek J. Penslar, “Zionism, Colonialism and Postcolonialism,” Journal of Israeli History, vol. 20, Nos. 2/3, Summer/Autumn 2001.

4 See e.g., Homi Bhabha, Location of Culture, Routledge, London, 1995.

5 On this variety of post-emancipation mutations see e.g., Michael A. Meyer, Jewish Identity in the Modern World, University of Washington Press, Seattle, 1990.

6 See the tracing of the Orientalist representation of Jews from the turban in the age of Ottoman power to the kaffiyeh in the age of imperialism and racial antisemitism in Ivan D. Kalmar, “Jesus Did Not Wear a Turban: Orientalism, the Jews, and Christian Art,” in Kalmar and Penslar, Orientalism and the Jews, pp. 3-31.  

7 See Gideon Shimoni, The Zionist Ideology, Brandeis University Press & University Press of New England, Hanover & London, 1995, especially Chapter one.

8 See Eric Hobsbawm and Terence Ranger, eds., The Invention of Tradition, Cambridge University Press, Cambridge, 1983.

9 See Jacques Kornberg, Theodor Herzl: From Assimilation to Zionism, Indiana University press, Bloomington, 1993, pp.59-86.

10 In the 1930s, for example, a debate raged within the Yishuv (Jewish sector of the population) over the question of Hurban hanefesh (debasement of the soul), meaning the expressions of self-hatred within Zionist thought. A leading critic of this manifestation was the Biblical scholar and important Zionist thinker, Prof. Yehezkel Kaufman. See his essay “Hurban hanefesh” in Yehezkel Kaufman, Be’hivlei hazeman (The Sufferings of Exile), Dvir, 1936, pp. 257-274. Also, Shimoni, The Zionist Ideology, pp. 331.

11 Edward W. Said, “Zionism from the Standpoint of its Victims,” in Anne McClintock, Aamir Mufti and Ella Shochat, eds., Dangerous Liaisons: Gender, Nation, and Postcolonial Perspectives, University of Minnesota Press, Minneapolis & London, 1997, pp.15-38. The quotations are from pp. 18, 17, 24, 31,19, in that order. See also Edward W. Said, The Question of Palestine, Vintage Books, New York, 1992.

12 See Bernard Lewis, Semites, and Anti-Semites: An Inquiry into Conflict and Prejudice, Norton and Company, N.Y., London, 1986; idem., The Jews of Islam, Princeton University Press, Princeton, 1984. Yehoshua Porat, “Ideologia anti-tzionit ve anti-yehudit ba-chevra ha-le’umit ha-aravit be-Eretz Israel,” (Anti-Zionists and Anti-Jewish Ideology in Arab National Society in Eretz Israel,) in Shmuel Almog, ed., Sinat Yisrael le-doroteha, (Antisemitism through the Ages), Zalman Shazar Centre, Jerusalem, 1980.  See also ibid., other articles by Yehoshafat Harkavy, (pp.247-259) Chagai Ben-Shamai, (pp. 183-192) and Yaakov Barnea (pp. 211-216).

13 See Gershon Shafir, Land, Labor and the Origins of the Israeli-Palestinian Conflict 1882-1914, Cambridge University Press, N.Y., 1989. Also, Gershon Shafir, “Zionism and Colonialism: A Comparative Approach,” in Michael Barnett ed., Israel in Comparative Perspective,” State University of New York Press, New York, 1996, pp. 227-244.

14 See Yosef Gorny, Zionism, and the Arabs 1882-1948: A Study of Ideology, Clarendon Press, Oxford, 1987.

15 Zeev Jabotinsky, “Ofnat ha-arabeskot,” (The Arabesque Fashion,) in Al sifrut ve-omanut (On Literature and Art), Jerusalem, 1958, p.222.

16 See Ran Aronson, “Settlement in Eretz Israel: A Colonialist Enterprise?” Israel Studies, vol.1, no. 2: 214-229.

17 See Avi Bareli, “Forgetting Europe: Perspectives on the Debate about Zionism and Colonialism,” Journal of Israeli History: Politics, Society, Culture, vol. 20, nos. 2/3, Summer/Autumn 2001: 100-119. Bareli argues cogently that taxonomy does not constitute explanation and that it is methodologically faulty to dispense with or deny “the essential causal context” of the phenomenon of Zionist colonization.

18 Shafir, “Zionism and Colonialism: A Comparative Approach,” p.234

19  Vladimir Jabotinsky, Evidence Submitted to the Palestine Royal Commission, (pamphlet), London 1937, pp. 10-29.

20 “Testimony to the Anglo-American Committee” August 3rd, 1946, in The Letters and Papers of Chaim Wezmann, vol.2, ed. Barnet Litvinoff, Jerusalem, 1984, pp. 594-5

21 “Evidence of David Ben-Gurion,” The Jewish Plan for Palestine: Memoranda and Statements Presented by the Jewish Agency for Palestine to the United Nations Special Committee on Palestine, Jerusalem, 1947, pp. 324, 325.

22 “The Arab Office: The Arab Case for Palestine (March 1946); Evidence Submitted to the Anglo-American Committee of Inquiry” extracted text in Walter Laquer and Barry Rubin eds. The Israeli-Arab Reader, Penguin Books, 6th edition2001, p.57.

23 The Palestine Arab case: A Statement by the Higher Arab Committee (The Body Representing the Palestine Arabs) April 1947, point 20 of the concluding section, pp.65-70.

24 On bi-national proposals see Susan Lee Hattis, The Bi-National Idea in Palestine During Mandatory Times, Shikmona, Haifa, 1970. On partition proposals see Itzhak Glanoor, The Partition of Palestine: Decision Crossroads in the Zionist Movement, State University of New York Press, Albany,1995.

عن محمود الصباغ

كاتب ومترجم من فلسطين

شاهد أيضاً

متحف الآثار الإمبراطوري في القدس من 1890 حتى1930: رواية بديلة

بياتريس سانت لوران، همّت تاشكومور(1) ترجمة: محمود الصباغ تمهيد تعتبر قصة تأسيس أول متحف آثار …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *