الرئيسية > أدب > تاجر البندقية: The Merchant of Venice أو سرديات الغنيمة

تاجر البندقية: The Merchant of Venice أو سرديات الغنيمة

قراءة في الفيلم والمسرحية

” أليس لليهودي عينان

وحواس ومشاعر وأذنان؟

ألا نبكي إن ضُربنا؟

أو نضحك إن أضحكتنا؟

ولو سممتنا, ألا نموت؟

ألا يحق لنا أن ننتقم لو أسأت إلينا؟”

هكذا تكلم شايلوك ذات محاكمة في مسرحية “تاجر البندقية”[1].

وشايلوك هذا، يا طويلين العمر، ليس مجرد شخصية “مسرحيّة و\ أو سينمائية- بمعنى شخصية درامية” منقطعة عن الماضي والتاريخ، رغم عدم الجزم بوجود “شخصية تاريخية” بهذا الاسم وتلك الصفات. لكن ما قام به شكسبير (وهو ما سعى مايكل رادفورد لتأويله في الفيلم) جعل من مجاز شايلوك ينطبق على أي يهودي عاش في وقت ما من القرن السادس عشر في أوروبا. بما يعني ذلك من تحميل الشخصية اليهودية  عبء “سياسي” يخفي الكثير من التحامل والتحيز. وكما يقول ميلان كونديرا: “نضال الإنسان ضد السلطة هو نضال الذاكرة ضد الإنسان”، فقد أنتجت السينما، بوصفها أهم المدونات التاريخية المعاصرة، أفلاماً اعتمدت على السير الذاتية والأحداث التاريخية المؤثرة باعتبارها -أي الأحداث نفسها- تلقى رواجاً شعبياً، ورغبة في التعرف على تلك الشخصيات وحياتهم داخل التاريخ، بما في ذلك الحكايات عن أشخاص مجهولين نجحوا في كسب تحدياتهم الاجتماعية واليومية، وهي تحديات ليست بالضرورة موضع إعجاب أو شهرة، بل الغرابة -في معظم الأحيان- حتى لو كانت في جزء منها خيالية هي الحافز الأول لخلق الحبكة السينمائية التي نرغب نحن كمتلقين في متابعتها، لاسيما ما يتعلق بتفاصيل إنسانية شديدة الالتصاق بحياتنا اليومية.

يدور الفيلم- كما هو حال المسرحية- حول شخص نبيل يدعى “بسانيو” ينتمي لطبقة النبلاء ويعيش في بذخ، فيبدد ثروته هنا وهناك. يقع “بسانيو” في غرام “بورشيا”، السيدة الجميلة والثرية، ولكن تكلفة هذا الحب كانت باهظة، مما يضطره إلى اللجوء إلى صديقه التاجر “أنطونيو” كي يقرضه المال “3000 دوقية” للفوز بقلب حبيبته وخطبتها، لكن “أنطونيو” كان قد استثمر للتو جميع ثروته في حمولة سفن تجارية مازالت في عرض البحر. فيقترح على “بسانيو” أن يقترض المال من المرابي /اليهودي “شايلوك” الذي يعيش في غيتو المدينة مع ابنته الوحيدة “جيسيكا”، وسوف نعلم لاحقاً أن “شايلوك” هذا يكن عداءً شديداً لـ “أنطونيو” لأنه كان قد أهانه فيما مضى وساهم في تدهور أعماله بسبب قيام “أنطونيو” بإقراض الناس بدون فائدة وبالتالي حرمه من الربح الذي كان يحصل عليه. يحاول “أنطونيو” إقناع “شايلوك” بتقديم قرض لـ “بسانيو” بضمانته، فيوافق ويشترط اقتطاع رطل لحم من الضامن-أي “أنطونيو”- في حال لم يتمكن “بسانيو” من تسديد القرض في الموعد المحدد، فيوافق “أنطونيو” لاعتقاده أن سفنه قادمة لامحالة قبل حلول أجل سداد القرض، ولكن الأخبار السيئة التي تصل إلى البندقية تفيد بأن السفن فُقدَتْ في البحر؛ وهنا يطالب “شايلوك” بتنفيذ الشرط المتفق عليه “رطل لحم من أنطونيو”، الأمر الذي يدفع هذا الأخير للدخول في صراع مع المرابي فيتعاركان على أحد جسور المدينة كما يظهر في افتتاحية الفيلم حين يبصق “أنطونيو” على “شايلوك” فوق جسر “ريالتو” (يظهر هذا المشهد في المسرحية على هيئة حوار) ويقول له بكل وقاحه أنه سيبصق في وجهه مرة أخرى كلما طلب منه سداد القرض. وتستند “جرأته” ووقاحته، كما يبدو، على الصورة النمطية له ولليهودي؛ فأنطونيو يمثّل المسيحي الذي يحمل الصفات الطيبة والذي يرفض الربا مقابل اليهودي الشرير.

هذا في العموم، أما في العمق، فتظهر شخصية “شايلوك” حساسة، بل هشّة أكثر من كونه شخصية شريرة، وضحية تراجيدية بذات الوقت الذي تنحدر فيه  نحو مصيرها المحتوم بسبب عيوبها الخاصة “الأصيلة”، أليس هو من يقول “سوف أطبّق عليكم ما علمتموني إياها من نذالة”، حين يحاول أن ينزع عن كاهله ثوب الضحية ليرد الصفعة، مع التأكيد (من النص والفيلم) بأن دوافعه ليست ثورية، فحتى صفة الثوري حُرم منها، إذ لا يمكن لشخص أن يكون ثورياً وكل ما يشغله من هرب ابنته أنها سرقته فقط دون الاكتراث لفعلتها ومصيرها[2]. ولكن حين يتمكن “بسانيو” من تأمين المبلغ (إنما بعد فوات الزمن المحدد) ويحاول مضاعفة المبلغ يرفض “شايلوك” ويصر على تنفيذ الاتفاق، فتتنكر “بورشيا” بزي رجال قانون لتبدأ على إثرها محاكمة “أنطونيو” برئاسة الدوق حاكم المدينة، وحين تطرح “بورشيا” عرض “بسانيو” السخي يكرر “شايلوك” رفضه وعدم نيته الندم لهذا الرفض فتعلن أن نص الاتفاق يعطيه الحق فعلاً في الحصول على رطل لحم من جسد “أنطونيو” دون أي اعتراض من هذا الأخير، ولكن [دائماً هناك ولكن] الاتفاق يشير إلى رطل لحم.. لحم فقط لا أكثر ولا أقل وليس أي شيء آخر، بمعنى دون إراقة قطر دم واحدة. وهنا يدرك “شايلوك” المأزق الذي وضع نفسه فيه، فيتراجع ويقبل بعرض بسانيو، إلا أن “بورشيا” تتهمه بالتآمر على قتل مواطن “مسيحي” بندقي، فيصدر الدوق أمراً بمصادرة ثروته ليحصل “أنطونيو” على نصفها ومدينة البندقية على النصف الآخر” يحاول “أنطونيو” إقناع الدوق بتغيير الحكم والغرامة والسماح للمرابي اليهودي  الاحتفاظ بنصف ثروته على أن تؤول بعد وفاته إلى ابنته “جيسيكا” وحبيبها “لورنزو”، غير أن ليس هذا ما سوف يقاسي منه شايلوك، بل الأمر الأكثر صعوبة عليه هو الحكم بتحوّله إلى المسيحية، فيرتسم الرعب على وجوه اليهود الحاضرين في المحكمة وينهار “شايلوك”، فيخر على الأرض، باكياً، وقد خسر الآن ثروته وابنته ودينه وطائفته في مشهد لا يُنسى.

يقال أن عظمة شكسبير لم تأت من محض أفكاره بحد ذاتها، بل، وإلى حدٍ كبير، من لغته المتألقة وحيويتها، و لابد لقارئ النص الشكسبيري أن يلحظ تفاصيل تلك المعاني الدقيقة التي تنساب من لغته سواء في مسرحياته أم قصائده. لقد خلق، شكسبير، بامتلاكه لناصية اللغة، تمايزاً مذهلاً لشخصياته من خلال تنوع الخطاب الأدبي والإيقاع الموسيقي الشعري. ولكننا للأسف لا نستطيع أن نطلق أحكاماً قاطعةً وشاملةً لعدم امتلاكنا تسجيلات لأعمال شكسبير المسرحية في حينه، وبالتالي نفتقر إلى تكوين صورة عن الطريقة التي تلقى فيها الحضور مسرحياته وردود أفعالهم، لاسيما الأعمال ذات الطبيعة الإشكالية مثل مسرحية “تاجر البندقية” التي يتكأ عليها عمل رادفورد [3]، فيظهر الفيلم كأنه يدعونا لإعادة النظر في النص الشكسبيري، عبر قراءة تفسيرية مختلفة تحمل عناصر عديدة استخدمها رادفورد في الفيلم – غير موجودة في النص الأصلي- لتوضيح أجواء اضطهاد اليهود والعنف السائد آنذاك، مثل مشهد الراهب على متن القارب القادم باتجاه جسر ريالتو وهو يحرض المسيحيين على مهاجمة مقرضي الأموال اليهود، متبوعاً بموكب من العازفين وأغانٍ كنسية غريغورية. ولكن المشكلة التي لم يستطع الفيلم التخلص منها، والتي تمثل جوهر العمل أصلاً ، أن شكسبير أراد أن يُظهر شايلوك شريراً. ورغم كل محاولات رادفورد وآل باتشينو، الذي لعب دور شايلوك، في أنسنة شايلوك – وقد نجحا إلى حد ما – إلا أنه بقي شريراً أصيلاً مصمماً على الانتقام بطريقة لاعقلانية رغم المبرر المنطقي الذي يدّعيه لهذا الانتقام وبتلك الطريقة. (يلمّح شايلوك ببعض الإشارات من العهد القديم فيما يتعلق بمشروعية طلبه فيستند إلى قصة يعقوب ولابان لتبرير الفائدة التي يأخذها على قروضه). وعلى عكس ما اجتهد آل باتشينو، تظهر الشخصية الشكسبيرية شريرة ليس بشخصها بل بـ “يهوديتها” ونقيضاً لشخصية أنطونيو “المسيحي”.

وبافتراض أن معظمنا قرأ نص المسرحية، أو على الأقل سمع بها أو يعرف خطوطها العامة، ألا يدعو هذا للغرابة؟ نظراً لأن ” تاجر البندقية”، المسرحية إنتاج أدبي شديد الحساسية، ولكن أن يدفعنا “تاجر البندقية”، الفيلم لإعادة قراءة نصه الأصلي فهذا يعني إما الشك بما قرأنا أو التيقن من صواب قراءتنا السابقة. وربما يغيب عن بالنا في غمرة التمتع في الفرجة أن “تاجر البندقية” في نهاية المطاف نصاً مسرحياً وليس بياناً سياسياً أو خطاب فلسفياً أو مقولات نفسية أو حتى تاريخية أو سواها، وإن كان النص يحمل رسالة ما أخلاقية فهذا يعود إلى مسؤولية الكاتب وواجبه، وبالتالي أي توسع في معاني العمل سوف يحمّله ما لا يوجد به وأي تعمق متطرف سوف يفقدنا التركيز ويشتتنا عن فكرة العمل، فشايلوك شخصية إشكالية ذات بعد واحد تؤطر الصورة النمطية لكراهية اليهود كما هي في النص (رغم أنها تظهر شخصية عاطفية في الفيلم، فشايلوك “اليهودي الشكسبيري” يختلف عن شايلوك الذي أنتجه رادفورد حيث يظهر هذا الأخير مكثفاً، قوياً، لا يلين ولا يعتذر، ولديه الكثير من أسبابه الخاصة التي تجعله يعبر عن غضبه بحرية غير معهودة في ذلك العصر بما يدفعنا على الأغلب لإعادة قراءة المسرحية بعد مشاهدة الفيلم). فالصورة المجازية كما طرحها شكسبير تكشف ما يريد النص قوله عن الصور متعددة الجوانب لليهودي الذي عاش في أوروبا آنذاك.

ربما يقول البعض أن تاجر البندقية بمثابة تقرير “أخلاقي” للطبقة المسيطرة لتوضيح طبيعة العلاقة التي كانت تربط المسيحيين باليهود في تلك الفترة والتي كانت تغلفها مشاعر الكراهية. غير أن تعريف النص الشكسبيري كطباق “يهودي\ مسيحي” هو تعريف مضلل، إذ لا يمثل أنطونيو المسيحية ولا شايلوك يمثل اليهودية، وبالتالي يكون القبول بمثل هذا التعريف\ الطباق بمنزلة القبول بالتمثيل السابق للعلاقة التي تربط أنطونيو بشايلوك ونقل الأحداث إلى صراع يهودي مسيحي مفتوح على كل الاحتمالات. وقد تكون هذه المضامين الخطيرة بشأن “العداء لليهود [معاداة السامية؟] “، السبب في ابتعاد الكثير من المخرجين السينمائيين عن مثل هذه المواضيع المقلقة والمثيرة للريبة والتي تحمل أوجه متعددة في التأويل.

وحده شايلوك، ربما، من يملك الإجابة على تساؤلاتنا. وحده من يملك التبرير لحقده ورغبته “كإنسان ليس إلا” في الانتقام ويتجلى ذلك حين يتساءل صارخاً ” تسخّرون العبيد وتسخّرون كلابكم وبغالكم وحميركم في أحط الأعمال لأنكم اشتريتموهم. هل أطالبكم بعتقهم؟ هل أناديكم لتزوجوهم من ورثتكم؟ ولو سألتكم لماذا تغرقوهم بعرق الأعباء؟ ستجيبون بأنهم عبيدكم”.

أليس شايلوك المرابي هو واحد من أوائل اليهود الذين نسمع صوتهم في الأدب الأوروبي الذين يجادلون بقضيتهم لنكتشف إنسانيتهم؟ وفي الحقيقة، نحن لا نعلم إن كان شكسبير قد التقى طوال حياته بشخص يهودي على شاكلة شايلوك، بل ربما لم يزر البندقية أو فرنسا أو الدنمارك. ومع ذلك قدم لنا نموذجاً مجتمعياً ينم عن استقراء لشخصية اليهودي في عصر النهضة الأوروبي وما تلاه وما سوف يليه، فتم تصوير الكراهية والحقد على أنهما لازمتين لرؤية اليهودي إلى جانب صورته كثريّ يستغل حاجة الناس للمال فيقرضهم بفوائد يعجزون عن دفعها، وما رطل اللحم إلا رمز لصورة الفائدة التي يستحيل سدادها, لذلك كانت صورة اليهودي في الحكايا والقصص الشعبية تجمع على بخله وغدره وتعطشه للدماء ورغبته في إلحاق الأذى بالآخرين وأمنياته في الخراب والدمار .وضمن هذا السياق سوف نكتشف توجّه الفيلم العميق، وهي رغبة المخرج لاشك، نحو تفكيك هيبة النص ضمن تأطير سينمائي يجمع ما بين التراجيديا والكوميديا في منهجية واضحة في استخدام النص الأصلي الشكسبير و الاستعانة، لاريب، بقدرات آل باتشينو الهائلة، مبتعداً كلما كان ذلك ممكناً عن الفضاء المسرحي[4]. ( ربما باستثناء المشهد الأخير في المحكمة).

أضاف مايكل رادفورد خاتمة للفيلم بإضافة ثلاث مشاهد قصيرة يعرض في كل منها على حدة رؤية فراغية معمقة تتجاوز الأبعاد الإقليدية لثلاث شخصيات يظهرها مجردة ومعزولة عن سياقها: “أنطونيو”، “شايلوك”، “جيسيكا”. وكأنه يقترح على المشاهد الأخذ بهم كشخصيات رئيسية لموضوعات الفيلم الرئيسية باعتبارهم يشكلون محفزات التراجيديا فيه. ينعدم الحوار تقريباً في هذه المشاهد الثلاث بما يعيق إلى حد ما الوصول المباشر إلى المجازات التي يتصورها رادفورد (سوف نعتمد على حدسنا في الاستدلال عليها على كل حال) ورغم أن العنوان، أي “تاجر البندقية” يقصد “أنطونيو”، بلا شك، إلا أن هذا الأخير لا يبدو كشخصية رئيسية إلا بصفاته “المسيحية” المقابلة لصفات شايلوك “اليهودية”، لذلك نراه ينتهي وحيداً منعزلاً لاسيما أن “بورشيا” لاحظت حجم العلاقة التي تربطه بحبيبها “بسانيو” وتلك النغمة الجنسية “المثلية” الواضحة بينهما والتي يمكن أن تقوض علاقتها بحبيبها (لتوضيح العلاقة بين “أنطونيو” و”بسانيو” استخدم رادفورد لقطات تصوير مقرّبة لوجه “بورشيا” أثناء جلسة المحاكمة، وكانت تعابير وجهها تشير إلى اعترافها بوجود منافس لها في حبها، وإدراكها للخطر الذي قد يشكله “أنطونيو” على زواجها). أما “شايلوك” وعدائه لأنطونيو، فقد كان صراعاً متخفياً تحت الرماد تحول لاحقاً إلى صراع وجودي مفتوح يقتضي نفي أحدهما للآخر يحفزه هروب “جيسيكا” مع عشيقها.

في المحكمة، لم يقدم “شايلوك” أي سبب منطقي لإصراره اقتطاع رطل من لحم “أنطونيو” باستثناء حقده الشخصي المكثف، وتصل الصورة إلى ذروتها حين يلوّح بسكينه والسرور يغمره على أمل أن يقطع صدر “أنطونيو”؛ وبغض النظر عن تخلص رادفورد من فقرات كثيرة من النص الأصلي إلا أنه لم يستطع حذف جميع الإشارات التي تصور “شايلوك” اليهودي الكريه والمكروه، ويظهر مجاز يسوع القتيل على يد اليهود كمؤشر على فشل الفيلم في التخلص من هذا الموقف، إذ يظهر مشهد المحاكمة مسيحياً بامتياز سواء من حيث الموسيقا أم من خلال تصوير “أنطونيو” كما لو أنه في حالة صلب وهو جالس على الكرسي يكشف عن صدره الضئيل ويجسد وجهه الملتحي صورة المعاناة بما يشبه لحظة معاناة صلب المسيح ويظهر “شايلوك” وهو على وشك أن يهم بغرس السكين في صدره لتصرخ “بورشيا” مرددة الكلمات التي جعلت إبراهيم يتوقف عن ذبح ابنه في اللحظة الأخيرة كما تذكرها نصوص العهد القديم ( ترد قصة إبراهيم و تضحيته بابنه في الإصحاح 22 من سفر التكوين).

ثمة مثل أوروبي يقول “الشخصية الكريهة تترك وراءها ذكريات حية كريهة” يعني كما يقال عندنا “العنزة بتخلّف عنزة”، ولو أردنا ترجمة ما سبق إلى لغة شكسبير، فلابد أن يجول بخاطرنا ما قاله أنطونيو لبسانيو عن شايلوك أثناء التفاوض معه للحصول على القرض: “لاحظ يا بسانيو كيف بوسع الشيطان -في سعيه لتحقيق مآربه- أن يلجأ حتى إلى ترتيل الكتاب المقدس، وما الروح الشريرة التي تلوّح باقتباساته الدينية إلا كوغد يزرع ابتسامة على وجهه أو كتفاحة جميلة لكنها متعفنة من الداخل، ألا ما أجمل المظهر الخارجي للزور والكذب”. وعلى الرغم من عدم وجود اليهود في إنكلترة في عصر شكسبير لكن ظهور شخصية دينية – بالأخص يهودية- بهذه الصورة لم يكن مستغرباً، أي كيهودي قاتل في ضوء النمطية التاريخية لليهود التي تصورهم قتلة متعطشين لدم يسوع ولدم الأطفال المسيحيين، فكراهية اليهود حاضرة إلى حد كبير في إنكلترة، فقد كانوا -قبل طردهم سنة 1290- يعملون في الربا وجمع الضرائب من الأقنان لصالح البلاط الملكي، ويعود سبب عملهم هذا بسبب العديد من الحواجز-دينية و غير دينية- مما منعهم من امتلاك الأرض أو الانضمام للنقابات والوصول إلى الوظائف أو القيام بالأعمال التجارية، وبذلك أصبحت كلمة يهودي مرادفة للطمع المالي والجشع والربا، ونظراً للحاجة الماسة للسيولة المالية بدأ ظهور اليهود كمرابين محترفين يعيشون على هامش المجتمع “المسيحي”، وهنا تظهر العلاقة المتناقضة بين كره المجتمع لليهود بحكم تمركز السيولة المالية بأيديهم وبين الحاجة لهم للاقتراض والاستدانة. لقد كان العهد الإقطاعي في أوروبا في تلك الفترة يمتاز بمراكمة الثروة بيد النبلاء المنغلقين في قلاعهم وحصونهم حيث يعيشون بذخاً قلَّ مثيله، ويقيم قرب قصورهم العديد من التجار بما يشبه أسواق شبه دائمة أو موسمية ويدفعون الإتاوات لأسياد القلاع مقابل حمايتهم، فبدأت تتشكل صورة وشخصية الدول “القومية” في أوروبا. ولعل الذين عاشوا في عصر شكسبير لم يعتادوا تماماً على فكرة “الأمة” الإنكليزية حين صارت كلمة “أمة” تعني الدولة القومية بحدودها الجمركية أو الطبيعية، وأصبحت مسائل الهوية من القضايا الخلافية الملحّة، فصارت اللغة جزء من الفخر القومي تميز أصحابها عن “الأغراب” و “الأجانب”، ولذلك كان من الضروري تحديد من هم “خارج الأمة ” وكان السبيل إلى ذلك يقضي بنفي وطرد الغرباء للحفاظ على النقاء الثقافي والقومي والديني، وتتعدد صور أولئك الغرباء وتنعكس في الأدب مثل اليهود والمغاربة والأتراك وأصحاب البشرة السوداء الموسومين بالخطيئة ( كما يظهر من سلوك السيدة الثرية “البيضاء” بورشيا وموقفها وغضبها من أمير المغرب).

و إذن ليس مفاجئاً أن يتم الترويج لهذه الصورة النمطية لليهودي فتظهره شبحاً يتصيد الفلاحين والبسطاء بواسطة كلابه في غابات أوروبا، كما جعلوه يقطن في غابة “فونتين بلو” في فرنسا، و”الغابة السوداء” في ألمانيا، وغابة “وندسور” الإنجليزية. ويظهر، بين الحين و الآخر، كشبح يسبب الموت للحيوانات والوباء والأمراض للناس الذين أطلقوا عليه أسماء متعددة مثل (يوتاديوس) بمعني قاتل الإله. وتُوّجت شخصية اليهودي هذه في الأسطورة الإيطالية النمساوية عما يسمى بألفية الصقيع التي تطابق بين الضرر الناتج عن الصقيع واليهودي، فتحكي الأسطورة عن السبب الذي كان وراء ضمور صناعة النبيذ في المناطق الجنوبية من جبال الألب، والذي تم تفسيره بسبب الرياح الباردة التي استمرت لمدة ألف عام بسبب ظهور هذا الشبح اليهودي، فظهور اليهودي في أي مكان مثله مثل البرد القارس يقتل كل حي ولا يترك خلفه إلا الخراب والدمار. (الشيء بالشيء يذكر، يقول الفلسطينيون في أحد أمثالهم التي ظهرت في فترة الانتداب البريطاني “البرد والإنكليز سبب كل علّة”).

وتعكس هذه الأساطير في رمزيتها، الى جانب عشرات غيرها، كيان الجماعات اليهودية بوصفها جماعات وظيفية ” كما يصفهم عبد الوهاب المسيري”، يضاف لها التقليد الأوروبي بتحميلهم دور تخريبي- من خلال الربا واحتكار السيولة النقدية- بحيث جعلت الذاكرة الشعبية لأمم القارة الاوروبية من هذه الجماعات شبحاً متوحشاً وموتاً بارداً وهي صورة يسهل توظيفها سياسياً مع كل تأويل بسيط من خلال إسقاطها على أحداث عادية وطبيعية بحد ذاتها. وفي المقابل حرصت الكنيسة على الترويج للدور الذي لعبه اليهود في مقتل يسوع المسيح وهو الإرث المتأصل بعمق في الوعي المسيحي[5]، وحين يبصق أنطونيو على شايلوك فهذا تأصيل لما ورد في إنجيل متى أنهم بصقوا على يسوع قبل أن يصلب[6]. كما أن الأساطير المعادية لليهود تطورت خلال فترة الحروب الصليبية، فظهرت القصة التي تتحدث عن تسميم اليهود لمياه الآبار مما تسبب في تفشي وباء الطاعون بصورة متكررة، والقصص التي تتحدث عن “فرية الدم” المتمثلة في قتل اليهود للأطفال المسيحين لصنع خبز الفطير في طقس ديني حيث يخلط الدم بعجين الفصح اليهودي “الماتزوت” ويقدم في احتفال خاص (يذكر أن هذه الفرية راجت كثيراً في ألمانيا ابتداءً من العام 1247 مما حدا بالبابا إينوسنت الرابع إلى نفيها في منشور بابوي نشر في السنة ذاتها رغم ما يعرف عنه من عداءه الشديد لليهود و للتعاليم التلمودية)[7].

يقول رادفورد عن الفيلم أنه “لا يتناول فكرة العداء لليهودية بحد ذاتها، بل هو محاولة لإلقاء الضوء على المسألة من وجهة نظر حديثة”، وكيف كان شكسبير يتحلى ببعد نظر إلى درجة أنه يمكن معالجة نصوصه في إطارٍ حديث دون قلق. أما آل باتشينو- أحد أفضل الممثلين في تاريخ السينما- فيقول عن دوره ” لم أفكر أبداً في تقديم هذه الشخصية، ولكنني قبلتها لأنني كنت متأكداً من أن المخرج سوف يقدم سيناريو جيداً والأكثر من ذلك أنه يلقي الضوء على كثير من القضايا المهمة في عصرنا الحالي والتي يجب أن نتعرف عليها جيداً”. ويضيف: “هذه الشخصية كانت مثيرة للجدل كشخصية إنسانية في حد ذاتها من ظهورها وفي كل المحاولات التي تناولتها”. وللإجابة على سؤال ما إذا كان شكسبير تعمد خلق أيقونة شر يهودية كصورة نمطية لمعاداة اليهود؛ يأتي الجواب من آل باتشينو غير متوقعاً: ” إنه رجلٌ {يقصد شايلوك} نُهبت منه ابنته. خُطفت! وهي عائلته الوحيدة. لقد تعرض للمضايقة والبصق، لكنه سوف يحظى بفرصة للانتقام، وعندها سوف يتصرف بطيش، هذه هي الشخصية، تلك هي الشخصية التي أستطيع تأديتها.” ونرى مثل هذا الموقف مجسداً في مشهد من أجمل مشاهد الفيلم والذي يختزل تقريباً حبكته حين يُسأل شايلوك عن الفائدة التي سيتحصل عليها إذا تأخر أنطونيو عن سداد دَينه باقتطاع رطل من لحمه؟ فيقول: “سأصنع منه طعاماً للأسماك. فإن لم يكن طعاماً لها فسوف يغذي انتقامي، لقد لطخني بالعار، حال دون ظفري بنصف مليون، سخر من مكاسبي وضحك من خسائري، احتقر قومي، أحبط صفقاتي، أوقع بيني وبين أصدقائي، يوغر صدور أعدائي، وكل حجته في ذلك إنني يهودي!؟. ولكن، أليس لليهودي عينان؟ أليس له يدان؟ ألا يملك نفس الجسد بنفس الأبعاد؟ ألا يملك العاطفة والمحبة والوجدان والأحاسيس والمشاعر؟ ألا يأكل من نفس الطعام؟ وتؤذيه نفس الأسلحة؟ ويمرض بنفس الأمراض؟ ويشفى بنفس الوسائل؟ ألا يشعر بالحر في الصيف وبالبرد في الشتاء، مثله مثل المسيحي؟ هل إذا وخزتمونا لا ننزف؟ وإذا دغدغتمونا لا نضحك؟ وإذا سممتمونا لا نموت؟ هل إذا أخطأتم في حقنا لا يفترض بنا أن ننتقم؟ إن كُنّا نشبهكم في كل هذا، فلماذا لا نُعامَل بالمثل في هذا الشأن. حين يخطأ اليهودي بحق المسيحي يعاقب بقسوة، وحين يخطأ المسيحي بحق اليهودي ما هي احتمالية أن ينال جزاءه وفقاً لقوانينكم؟ سأطبق عليكم ما علمتموني إياه من نذالة وخسة، وسيكون الأمر قاسياً بل سأزيده قسوة وقوة”.

هذا نداء يأتينا من العصور الوسطى من أجل الاعتراف بالجوهر الإنساني المشترك الذي يتقاسمه جميع البشر، ويظهر بدرجة معينة عيوب ونفاق الشخصيات الأخرى في الفيلم (في معظمها شخصيات مسيحية)، ويبرز التناقض الحاد للمسيحية في نداءاتها المتسامحة حين يظهر لنا أن إصرار أنطونيو بتحوّل شايلوك للمسيحية لا ُيعدّ عقاباً بل نعمة من شأنها أن تضمن خلاصه “بالمعنى المسيحي”. من ناحية أخرى يهدف مثل هذا النداء والدعوة للمساواة إلى تخفيف الشعور بالذنب في سياق الفترة الزمنية التي ظهرت فيها المسرحية، ومع الأخذ في الاعتبار أن الجمهور الذي تابع العرض المسرحي يتألف من المسيحيين فقد رمى شكسبير من وراء هذا الخطاب “الشايلوكي” تصوير دونية المرابي اليهودي وتهافته مقارنة بالتفوق الروحي المسيحي.

لاشك أن شكسبير جعل من شايلوك شخصاً شريراً مليئاً بالغضب والكراهية ويهودياً “نموذجيّاً” مكروهاً بسبب يهوديته و”وظيفته الاجتماعية\ الاقتصادية” .

طيب.. ماذا لو تحدثنا بقليل من الشطط؟

ماذا لو كان شكسبير حياً قبل مئة عام، أي على أبواب القرن العشرين؟

هل سيكتب عن شايلوك الذي نعرفه أم عن شايلوك آخر سيكون ضحية ليلة الكريستال أو أوشفيتز؟ أم عن شايلوك يتنازل طوعاً عن ثروته في ماينز أو كولن أو مانهايم أو درسدن لينتقل إلى غيتو أكبر في شرق المتوسط فيطالب من هناك بأرطال من لحم وأرض الفلسطيني؟

مازلنا نعاني من مجازات شايلوك- لحم ودم- لم يدركها اللورد بلفور، فما قامت به بورشيا -بلغة الوصف ما بعد الكولونيالي- بوضع شايلوك أمام خيارين (مصادرة جميع ثروته ويبقى يهودياً أو مصادرة نصفها بشرط أن يعتنق المسيحية) ليس سوى صورة رمزية واضحة للممارسة الأوروبية “المسيحية” ضد اليهود (بعد ظهور البروتستانتية): اعتناق المسيحية أو النفي ومصادرة الأموال، أليس هذا ما قامت به ألمانيا النازية “البروتستانتية” بما بات يعرف بمصطلح “الوضع النهائي” و “اتفاقية هعفراه [ הסכם העברה]” بين الوكالة اليهودية وألمانيا بتاريخ 25/8/1933 التي نصت على تسهيل هجرة اليهود إلى فلسطين مقابل التنازل عن ممتلكاتهم؟ فضلاً عن دور بقية الدول الأوروبية القومية “المسيحية” الأخرى مثل فرنسا وبريطانيا في دفع اليهود للهجرة من بلادهم نحو فلسطين.

ويدفعنا مثل هذا التأويل “ما بعد الكولونيالي” لاعتبار تاجر البندقية أحد المعضلات التي يعاني منها العقل الغربي، وهو يكتب تاريخ العالم باعتباره “تاريخ الرجل الأبيض”. إذ بعد أربعة قرون من ظهور تاجر البندقية، ظهر هتلر الذي اختار حلا “شايلوكياً” لليهود عبر خليط من إيديولوجية قومية بائسة وزهوٍّ عسكريٍّ ساذج يشبه الحل -الشايلوكي أيضاً- الذي أراده لاحقاً الجنرال رابين حين تمنى أن ينام ليستيقظ وقد غرقت غزة في البحر كاستمرار للملهاة الشكسبيرية.

يفترض هذا الحل أن ثمة خطاب مزدوج يدار ببراعة لتحديد الاختلافات الإثنية/ الثقافية/ التاريخية، وجوهر الوظيفة الاستراتيجية للخطاب- كما يقول الباحث الهندي هومي بابا- يتمثل في خلق فضاءٍ لـ “شعوب خاضعة” عبر إنتاج معرفة\ معارف تُمارس من خلالها المراقبة القائمة على التنميط وحشر الآخر في مرتبة أدنى، وهو يسعى لرسم حدود واضحة للأمة: “نحن” و “هم” . والعقل الأوروبي الذي تصوره المسرحية والفيلم هو ذاته العقل الذي اختار “الحل الشكسبيري” بأن أخرج أحفاد شايلوك من أوروبا ودفعهم نحو غيتو أكبر في شرق المتوسط فكان حلاً عنصرياً أصاب بالتلف ضمير وأخلاق كل من الجلاد و الضحية، فها هم، سوف يقول البعض، أحفاد شايلوك يردون الصفعة الشكسبيرية بأن يتحولوا سكيناً عظيمةً تقطع بأرطال اللحم الفلسطيني فينساح الدم في كل مكان عبر أكثر صيغ ” النيوكولونيالية ” بشاعة وفقاً للمبدأ الشايلوكي\ الشكسبيري :” أريد رطل لحم هذا الآدمي، إنه حقي ولن أتنازل عنه”. في حلّ جبان وهجين و بخس يمزج بين صورة شكسبير النمطية و إشكالية الجلاد\ الضحية.. ” أريد رطل لحم هذا الآدمي، إنه حقي ولن أتنازل عنه”.

هوامش

[1] يقال أن العنوان الأصلي للمسرحية كان “يهودي من البندقية”، ويقال أيضاً أن شكسبير اعتمد في مسرحيته على عدة مصادر مختلفة، لعل أهمها النجاح الذي لاقته مسرحية كريستوفر مارلو “يهودي من مالطا ” التي كتبت سنة 1591، وهو ما دفع شكسبير إلى كتابة مسرحية على غرارها مع بعض التعديلات، ففي مسرحية مارلو، يقع باراباس، اليهودي المالطي الغني والماكر والذكي في الفخ الذي يحدده لعدوه (ثمة إشارة من شايلوك إلى باراباس في مشهد المحاكمة). كما استفاد شكسبير بصورة أساسية من مجموعة قصصية إيطالية تدعىIl Pecorone ، كتبها جيوفاني فيورنتينو في العام 1378 ونشرت في العام 1565، تدور حول شاب نبيل يتزوج من امرأة ثرية تعيش في بلمونت يطلب من صديقه مساعدته في إقراضه بعض المال فيذهب صديقه إلى مقرض يهودي فيطلب رطلًا من لحم الصديق كدفعة إذا لم يتم سداد القرض في الوقت المناسب. وعندما يذهب اليهودي إلى المحكمة لضمان دفع أجرته، تتحدث الزوجة الثرية (مثل بورشيا)، في المحكمة عن العدالة الحقيقية وتقنع القاضي برفض الرهن. كما استفاد شكسبير من مجموعة قصصية أخرى بعنوان Gesta Romanorum نشرت في العام 1577، عند كتابته المشاهد المتعلقة بتنافس الرجال للظفر بالجميلة بورشيا واحتكامهم إلى الصناديق الثلاثة وهي تتضمن الموتيفات الأساسية عن الرقم ثلاثة مثل الفوز من المرة الثالثة وتحقيق الثروة والسعادة الأبدية ويظهر الرقم ثلاثة بطريقة ملفتة في المسرحية، فهناك الخاطفين الثلاثة، والصناديق الثلاثة، والدوقيات الثلاثة آلاف، والعقوبات الثلاث .. إلخ.

[2] تهرب جيسيكا ابنة شايلوك مع حبيبها لورنزو صديق بسانيو بعد أن تسرق ذهب أبيها .

[3] لم يرغب مايكل رادفورد في أن يكون فيلمه معاصراً، بل أراده أن يظهر” كريه الرائحة وقذراً يشبه قذارة تلك الأيام”. لقد أراد للبندقية أن تبدو- وهي في ذروة عصرها الذهبي كمركز تجاري كوسموبوليتاني يربط بين أوروبا و آسيا- بائسة وغامضة ومبهمة ومزدحمة وتعج بالتجار والمسافرين والدبلوماسيين من الجنسيات المختلفة، ولكنها رغم هذا النجاح التجاري عانت من التوتر الديني ومخاطر العنف. لقد كانت بحق مدينة مليئة بالأسرار يتلطى فيها الرجال خلف أقنعتهم ليمارسوا أعمالهم غير الشرعية. وعلى الرغم من أنها كانت من المدن الأوروبية القليلة التي لم تطرد اليهود، إلا أن سلطاتها أجبرتهم على ارتداء قبعات حمراء أثناء تجوالهم في شوارع المدينة وفي الأماكن العامة لتمييزهم عن المسيحيين. الاستثناء الوحيد كان في جلسة المحكمة، حين ظهر شايلوك واضعاً على رأسه غطاء اليهود المعتاد الذي يرتديه داخل حدود الغيتو، كما ينبغي لأي يهودي مؤمن أن يفعل. علماً أن الإشارات للون الأحمر تتكرر في الفيلم إذ نراه على هيئة شمع أحمر يقطر كالدم في ختم وثيقة الاتفاق بين بين أنطونيو وشايلوك ونراه دماً يتدفق من رقبة الماعز المذبوحة في سوق اللحم اليهودية حين يجتمع بسانيو مع شايلوك (سوف نسمع صريراً عنيفاً أثناء عملية الذبح بما يمهد لما سوف يليه من تجربة حين يلوّح شايلوك لاحقاً بسكينه فوق أنطونيو). من ناحية أخرى تظهرن بغايا البندقية يرتدين فساتين قرمزية وكن يدعن أثدائهن مكشوفة كإشارة إلى عملهن وللتأكيد على أنهن نساء (وجود البغايا إشارة إلى الجانب المنحل للبندقية في ذلك الوقت).

[4] من المعروف أن التمثيل المسرحي كان- ومازال- مبالغاُ فيه كي يلائم قوة الكلمة والبلاغة النصية حيث الضوضاء التي يثيرها الممثل على خشبة المسرح وإبراز صوته والإكثار من الحركات الإيمائية مازالت تفعل فعلها حتى وقتنا الحاضر من أجل التأثير على المشاهد، نظراً للمبالغة فيها أكثر مما هو حال الحياة الواقعية أو المشهد السينمائي “السرد البصري”, ففي غياب التقنيات المساعدة كان الممثلون يصرخون لإيصال صوتهم في كل مكان في الصالة. غير أن السينما أتاحت لنا فرصة التعرف على “الوجه الإنساني” بتعابيره المختلفة بعد أن أخرجته من الكلمات، حيث تسمح الكاميرة في “مسح” الوجه على أوسع نطاق وبأدق ارتعاشاته وتقلصات عضلاته مما جعله- أي الوجه- أكثر المساحات التعبيرية الدرامية القابلة لتصوير الأبعاد الخفية التي لا يمكن للكلمات إظهارها أو وصفها. على صعيد السينما، حمل آل باتشينو، لوحده تقريباً، عبء الفيلم كممثل اكتسب سمعة عريقة في قدرته على أداء الشخصيات المركبة في إطار سردية بصرية ساحرة، وهذا ليس غريباً من ممثل بحجمه، لعب العديد من الأدوار الصعبة، ويمتلك قدرة ملفتة على استخراج الطبائع الغنية للشخصية وتقمصها كما يقول هو نفسه ” هذا كل ما أحاول القيام به طول الوقت. الوصول إلى نقطة تشعر فيها بغريزية الشخصية” وهو يرى أن قيامه بالعديد من الأدوار الشكسبيرية إنما يعود لشعوره بأن تلك الأعمال إنما تعنيه بشكل شخصي ومع ذلك هو” لا يدرك فعلا ما إذا كان يخرج فعلاً عن حدود الشخصية” وأن هذه المسألة تثير فيه الكثير من القلق و تجعله يعاود التفكير فيها مرات عديدة. إن وجود آل باتشينو في الفيلم يجعل العديد يقاربون الفيلم قياساً لأداء آل باتشينو فيه، لاسيما إذا كان الموضوع يتعلق بقضية حساسة كما يطرحها العمل وهي اليهودي المرابي الشرير، فواقعية آل باتشينو، وهدوئه، ساهما إلى حد كبير في تقديم رؤية المخرج للنص” الذي قام بإعادة كتابته للسينما” .

[5] أشار القديس يوستينيوس الشهيد (النصف الأول من القرن الثاني الميلادي) بـأن نفي اليهود عن “مدينتهم المقدسة” إنما هو عقوبة إلهية حلت عليهم. ويتكرر في الإرث المسيحي أن حرمان اليهود من ممارسة شعائرهم في المدينة المقدسة يعني من بين ما يعني النهاية الإلهية للعهد القديم، وسوف تستمر معاناتهم كعقوبة بسبب موت المسيح. كما استخدم القديس يوحنا الذهبي الفم إنجيل لوقا للتأكيد على أن [أورشليم] سوف تحكم من قبل “الوثنيين” لآخر الزمان بحسب مذهب المسيح نفسه (لوقا 21 -24: وَيَقَعُونَ بِفَمِ السَّيْفِ، وَيُسْبَوْنَ إِلَى جَمِيعِ الأُمَمِ، وَتَكُونُ أُورُشَلِيمُ مَدُوسَةً مِنَ الأُمَمِ، حَتَّى تُكَمَّلَ أَزْمِنَةُ الأُمَمِ.” ويفسر بنبوءة الشتات اليهودي. ‏وبعد هذه الشهادات بأكثر من ألف وخمسمائة عام، أي في بداية العام 1904 استقبل وزير خارجية الكرسي الرسولي في الفاتيكان، الكاردينال (الإسباني) رافائيل ميري ديل فال، ثيودور هرتزل مؤسس الحركة الصهيونية الذي كان يحاول إقناع الفاتيكان بقبول عودة اليهود إلى فلسطين وإقامة وطن قومي لهم هناك. حاول هرتزل أن يقنع الكاردينال بعدم رغبة اليهود في بسط سيادتهم على الأماكن المقدسة في حال تحقيق المشروع الصهيوني. ورغم براعة هرتزل الخطابية، إلا أنه على ما يبدو لم يتمكن من إقناع الكاردينال الذي أصرّ -متمسكاً بإرثه الكنسي المذكور أعلاه- على أن إنكار اليهود للطبيعة الإلهية للمسيح هو الذي يجعل حكمهم للأرض المقدسة ضربا من المحال: “كيف يمكننا القيام بذلك دون أن نتخلى عن مبادئنا العزيزة على قلوبنا بمنح اليهود حق السيادة على الأرض المقدسة مرة أخرى”. وكان البابا بيوس العاشر أكثر صرامة حين قابل هرتزل بعد ثلاث أيام من لقاء الكاردينال، لكنه كان أيضاً أكثر دبلوماسية حين أشار بأنه لا يمكنه منع اليهود من الذهاب للقدس، لكنه بذات الوقت يرفض بشدّة أن يكون لهم سيادة من أي نوع على الأرض التي شهدت حياة وموت المسيح .

[6] [27 فَأَخَذَ عَسْكَرُ الْوَالِي يَسُوعَ إِلَى دَارِ الْوِلاَيَةِ وَجَمَعُوا عَلَيْهِ كُلَّ الْكَتِيبَةِ،28 فَعَرَّوْهُ وَأَلْبَسُوهُ رِدَاءً قِرْمِزِيًّا،29 وَضَفَرُوا إِكْلِيلاً مِنْ شَوْكٍ وَوَضَعُوهُ عَلَى رَأْسِهِ، وَقَصَبَةً فِي يَمِينِهِ. وَكَانُوا يَجْثُونَ قُدَّامَهُ وَيَسْتَهْزِئُونَ بِهِ قَائِلِينَ: «السَّلاَمُ يَا مَلِكَ الْيَهُودِ!»30 وَبَصَقُوا عَلَيْهِ، وَأَخَذُوا الْقَصَبَةَ وَضَرَبُوهُ عَلَى رَأْسِهِ.31 وَبَعْدَ مَا اسْتَهْزَأُوا بِهِ، نَزَعُوا عَنْهُ الرِّدَاءَ وَأَلْبَسُوهُ ثِيَابَهُ، وَمَضَوْا بِهِ لِلصَّلْبِ.] ( متّى : 27: 27-31)

[7] لعل أشهر الحوادث التي نعرفها عن فرية الدم، أو فطير صهيون، تلك الواقعة التي حصلت في دمشق في العام 1840. فقد اتُهم يهود دمشق بقتل طبيب وصيدلاني إيطالي الأصل من سردينيا، من الرهبان الفرنسيسكان اسمه بادري توماسّو (ويعرف بلقبه الأب توما الكبوشي) ومساعده المسلم إبراهيم عمارة، وكان الدافع لقتلهما استخدام دمهما لأغراض طقسية لصنع الفطير غير المختمر لتناوله في عيد البوريم “الفصح اليهودي” (ماتزوت). وتقول الحكاية أن الأب توما ذهب يوم السادس من شباط\ فبراير 1840 إلى حارة اليهود في دمشق لتلقيح أحد أبناء داود هراري اليهودي ضد فيروس الجدري، ولمّا تأخّر في العودة مضى في إثره مساعده إبراهيم يبحث عنه فاختفى أيضاً، فضجت دمشق بالخبر، وكادت أن تشتعل فتنة عظيمة، فتم تشكيل لجنة خاصة للتحقيق التي اشتبهت في حلاق يهودي يدعى سلمون سلوم الذي اعتقل، واعترف بعد تعذيبه أنه هو الذي ذبح الاب توما الكبوشي بطلب من عائلة هراري ” وهي من العائلات اليهودية الدمشقية الغنية ذات النفوذ الواسع “، كما اعترف الحلاق اليهودي أيضاً أن أحد دوافعه كانت وعداً له بتزويجه من إحدى الفتيات اليهوديات الدمشقيات. ويقال أنه تم اختطافهما ( الأب توما ومساعده إبراهيم عمارة) على يد الحاخام يوسف أبو العافية والأخوين يوسف وداود هراري، فقاموا بقتلهما وسحبوا دمهما لاستخدامه في صنع الفطير، ولعل الأخبار القادمة من دمشق صعّدت من مخاوف بعض أثرياء أوروبا من اليهود، فها هو الحاخام موسى أبو العافية يعلن من دمشق ارتداده عن اليهودية ويعتنق الإسلام و يبدل اسمه إلى ” محمد أفندي المسلماني” ويقوم لاحقاً بتحديد النصوص التلمودية التي تبيح لليهود قتل “الأغيار” ويؤكّد أن الحاخامات يمزجون دقيق القمح مع الدم بأيديهم. وتشير حادثة دمشق هذه استغلالها إلى التنافس بين اليهود الذين كانوا يتمتعون بحماية الإنكليز وبين الكاثوليك الذي كانت ترعاهم فرنسا، علماً أن التحقيقات أشارت إلى ضلوع القنصل الفرنسي في الترويج للحادثة. وأصدر السلطان العثماني عبد المجيد فرماناً في 6\11\1840 وصف فيه “تهمة الدم” بأنها غير صحيحة، واعتبرها قذفاً بحق اليهود توجب إقامة الحد، فتم الإفراج عن الحاخام أبو العافية والأخوين هراري، وأغلقت القضية. علماً أنه “عثر” على بقايا عظام الأب توما ومساعده وتم دفنهما في دير الكبوشييّن قبل أن يتمّ نقل شاهد قبرهما في العام 1866 إلى كنيسة الفرنسيسكان عند زاوية تقاطع شارع باب توما مع شارع الدير ويظهر على الشاهدة العبارة التالية باللغتين العربية والإيطالية:

زر تربة الأب توما الكبوشي و اندب مقامه
مرسل رسولي لشام يعظ و يبدي اهتمامه
قد ذبحوه يهودا و لم تجده بتمامه
في خامس أسباط أرخ هذه بقايا عظامه
سنة 1840

عن محمود الصباغ

كاتب ومترجم من فلسطين

شاهد أيضاً

جزيرة غمام

كثيرة هي المُسلسلات التي تناولت التعصب الديني وإنتقدت التشدد الديني المترافق مع العنف ، وكثيرة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *