الرئيسية > تاريخ > انحسار دور علم الآثار في بناء الهوية الإسرائيلية

انحسار دور علم الآثار في بناء الهوية الإسرائيلية

ترجمة: محمود الصباغ

المقدمة

حينما كانت ترسل الشمس أشعتها الذهبية من وراء الجرف القائم عليه الحصن ,كان ثمة محارب فوق السور يحدق بخيوط الشمس، وكان بمقدوره من حيث يقف إلى جهة الغرب أن يلمح لمعان بريق دروع و رماح  صفوف كراديس جنود الروم وهي تحث خطاها نحو المنحدر، كان منظر الكتائب  القتالية يشي بعدم جدوى المقاومة، هذا ما خطر بباله لأول وهلة، لكنه لم يعره أدنى اهتمام لينفتل نحو غرفة الصلاة ويبلغ إليعيزر  بما رآه للتو..

هنا، في هذا المكان [حيث كان ذلك المحارب يقف في عصر سابق] تجمع علماء الآثار كأنهم عائلة واحدة التقوا من أصقاع الأرض لنحت و صقل النصب التذكاري لأسطورة  أولئك المحاربين الأبطال المنتمون للعصور الغابرة . وفي ذات المكان أيضاً، ثمة  مظلي شاب يحدق في أشعة الشمس الساطعة فوق “مسّادة”  وتعود تلك الايام الغابرة لتتجول في خياله وتظهر اللحظات الأخيرة التي عاشها اليهود المحاصرين هنا فيما مضى، تظهر علامات الرضا على وجه الشاب وهو يستعيد صورة آباء السلاح، “أجداده”، ويعاهد نفسه بأنّ “مسادة” سوف لن تسقط ثانية.

مثل هذه الأشياء هي جوهر النكهة “المسكّرة” في مادة الأسطورة .فمن الحقائق الراسخة اعتماد علم الآثار كأداة مهمة تستخدمها الدولة، والمنظمات التي وجدت قبل قيامها لتأسيس هوية قديمة-جديدة يهودية تعتمد على الروابط بأرض إسرءيل ومفهوم اليهودي المعاصر “إقرءها الإسرائيلي” ومستمدة من المجتمع اليهوذي القديم ، وبما يتعارض مع صورة الشتات اليهودي(1). وبالنظر إلى الحكاية السابقة، ومع كل ما تحمله من نثر رائع ومثير، فمن الواضح أن الأمر لا يتطلب كثير خيال أو أصالة ما فكرية لرؤية الدور الذي لعبه علم الآثار في تشكيل الوعي الإسرائيلي، فنشرت ,خلال العقد الماضي أو نحو ذلك ، العديد من التحليلات التي تتحدث عن العلاقة بين علم الآثار والدولة في إسرائيل وأماكن أخرى ضمن روايات رائعة ومثيرة عن الآليات والرموز  التي تحدد الصلات بين النزعة القومية و علم الآثار . وهي في جوهرها تدور حول سوسيولوجيا المعرفة، وطرق بناء التاريخ.  وحيث أن العديد من الدراسات أسست لافتراض يظهر القوة الكبيرة لعلم الآثار في إضفاء الشرعية على الوجود اليهودي في فلسطين(2) ونزع الشرعية عن الوجود العربي وتاريخه(3) فقد ركزت هذه الدراسات، في إسرائيل، بشكل خاص على شخصيات بارزة مثل يغال يادين، وعلى مشاريع أثرية في مناطق مثل  مسعدة [أو مسادا أو مصعدة]  والقدس.

ولكي نكون صريحين ، فعلى الرغم من الرؤى الهامة التي اكتسبناها عن الطرق والوسائل التي استخدمها اساتذتنا الأكاديميين في البناء المعرفي، فإن صيغة “علم الآثار الإسرائيلي = الهوية القومية” أصبحت الآن غير صالحة وغير متوافقة مع المعطيات المعرفية المعاصرة. و لكن هذا لا يعني  أن علم الآثار لم يعد يستغل على يد السياسيين  ومجموعات المصالح الخاصة  لتعزيز المصالح الضيقة لتلك الجهات، أو أننا علينا أن نتوقف عن دراسة ونقد هذه العلاقة ، بل أن علم الآثار في إسرائيل في العقدين الماضيين شهد تطوراً ملحوظاً، إلى ما هو أبعد من النزعة القومية التي سادت في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، واعتمد  إلى حد كبير، بوصفه تخصصاً  أكاديمياً، على النماذج العالمية والنقدية التي تبناها نظرائه في أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية، بما في ذلك المنهج التعددي الأساسي لأصول الابحاث. وهكذا، اشتمل علم الآثار الإسرائيلي على طيف واسع من الأساليب والأطر النظرية المتناقضة في أحيان كثيرة بما يتعارض مع خصائصه السابقة كعلم آثار كتابي ويهودي وقومي، وبالتالي علم آثار منحاز وغير نزيه من الناحية الفكرية. وفي الواقع،  ينبغي النظر إلى تلك السمات التي لا تقر  بهذا التحول على أنها صورة كاريكاتورية أكثر من كونها صورة بحوث علمية. ومثل هذا التطور في علم الآثار الإسرائيلي يتمتع -كما أشير في العنوان-بأهمية جوهرية لسببين: فيمثل هذا التطور، أولاً، نضجاً في علم الآثار الإسرائيلي، ويعكس، في واقع الحال، نضجاً في الوسط الأكاديمي الإسرائيلي بصورة عامة. ويمكننا، ثانياً، النظر إلى تطور علم الآثار الإسرائيلي على أنه نموذج لتطوير هذا الحقل في مكان آخر. وقد يكون لهذا الإطار المقارن ملامح معينة على فهم الديناميات العامة للتخصصات الأكاديمية، لا سيما في البلدان النامية. بالإضافة إلى ذلك، قد يساعد النظر في عمليات التطور  الأكاديمي في تحليل العلاقة بين علم الآثار و السياسة على تجريد الكثير من المواقف الأخلاقية والاعتداد بالنفس التي تعيق الخطاب.

تسلسل التطور

ينبغي علينا، لكي نفهم صعود وانهيار علم الآثار الإسرائيلي كعامل رئيسي في السياسة الإسرائيلية والصورة الذاتية وتحوله إلى التخصصات المعرفية المتنوعة اليوم، أن نستعرض بعضاً من تاريخ علم الآثار هذا. وللقيام بهذا، يمكن تقسيم تطور علم الآثار الإسرائيلي، ولو بشكل بسيط، إلى ثلاث مراحل أساسية: علم الآثار الإسرائيلي قبل قيام الدولة، وعلم الآثار الإسرائيلي المبكر، وعلم الآثار الإسرائيلي الحديث. وعلى الرغم من تأثير الوسط الآثاري الإمبريالي  العامل في فلسطين وإسرائيل على علم الآثار الإسرائيلي خلال تطور هذا الأخير(4) إلا أنه ينبغي الحفاظ على التمايز بين علم الآثار الإسرائيلي المستولد وبين علم الآثار الكتابي الأجنبي [غير الإسرائيلي] (التخصص الفرعي لعلم الآثار المكرس لدراسة العصور والأماكن والأحداث الكتابية)، بغض النظر عما إذا كان ممارسوه أمريكان أو بريطانيين أو فرنسيين أو ألمان. فعلم الآثار، حتى الكتابي منه، كما يمارسه الإسرائيليون والباحثون قبل قيام الدولة يختلف اختلافاً جوهرياً عن ذلك الذي يمارسه أقرانهم  في أماكن أخرى من حيث الدوافع و المضامين .

علم الآثار الإسرائيلي قبل قيام الدولة

ثمة ثلاثة صفات أساسية لها أهمية خاصة في توصيفنا لعلم الآثار الصهيوني أو اليهودي في فلسطين قبل قيام الدولة :

(1.)قلة عدد المشتغلين المحترفين رغم الاهتمام الشعبي واسع الانتشار .

(2.) دمجه في الإيديولوجية والمشروع الصهيونيين.

(3.) اختلف في مقاربته عن منهجية الممارسة الآثارية للباحثين الأجانب في فلسطين سواء من حيث المضمون أو من حيث حاجته الماسة لتمييز نفسه مؤسساتياً واجتماعياً.

ولعل أهم ما يميز علم الآثار الإسرائيلي في مرحلة ما قبل الدولة، أن عدد علماء الآثار الأكاديميين المدربين الذين نقبوا و علّموا  في فلسطين لم يكن صغيراً فحسب، بل ضآلة حجمهم أمام السيل المتدفق من الباحثين الأجانب الذين اشتغلوا على مشاريع كبيرة  بدأت في فترة ما يعرف بالعصر الذهبي للآثار الفلسطينية بين الحربين.  و كانت الجامعة العبرية، التي تأسست في العام 1925، بمثابة البؤرة الأساسية للآثاريات الصهيونية، بيد أنها  كانت مركزاً محدوداً سواء من حيث عدد الموظفين أو من حيث الميزانية، ولهذا كان حجم العمل محدوداً أيضاً. وباستثناء الحفريات في بيت شعاريم، برئاسة ميسلر (أصبح اسمه فيما بعد مزار)، وربما [كنيس] بيتا ألفا، التي تم التنقيب فيه على يد سوكينيك، لم تقترب أي تنقيبات يهودية من حيث الحجم لتصير بحجم مشاريع  أخرى مثل بعثة معهد الاستشراق التابع لجامعة شيكاغو والذي قام بالتنقيب في موقع مجدّو، أو بعثة جامعة ليفربول  في أريحا، أو مواقع أخرى مثل عاي، وتل  الفرح شمالاً، ووادي غزة، وعسقلان، وبيت مرسم، وتعنّك، و موقع  شكيم “تل بلاطة”، و موقع بيت شيمش “خربة الدير”.. إلخ. وعلى الرغم من هذه المحدودية، كان الجمهور اليهودي مهتماً بشكل واضح بالآثار، وقد تأسست في تلك الفترة المؤسسة العبرية لأبحاث أرض إسرائيل وآثارها Jewish Palestine Exploration Society وأصدرت نشرتها الخاصة، (كان اسمها بالإنكليزية: نشرة جمعية استكشاف فلسطين اليهودية Bulletin of the Jewish Palestine Exploration Society) . تطورت هذه النشرة في الخمسينات،  ليصبح اسمها مجلة استكشاف إسرائيل Israel Exploration Journal والمؤسسة إلى جمعية استكشاف إسرائيل Israel Exploration Society، مع الاحتفاظ بالاسم العبري لها كما ينعكس الاهتمام العام في علم الآثار، بشكل واضح، في المشاركة الواسعة في مختلف الأنشطة الأثرية، بما في ذلك المحاضرات والمؤتمرات والرحلات الميدانية والحفريات. ولا ينبغي أن يبدو مفاجئاً اندماج علم الآثار اليهودي السابق للدولة مع الإيديولوجية الصهيونية، فوجود علماء الآثار اليهود بحد ذاته في فلسطين، في هذه الفترة، ليس سوى  نتيجة للمشروع الصهيوني. وقد كان أولئك  الآثارين أمثال ميسلر / مزار، وسوكينيك وأفي-يونا، بلا شك صهاينة ملتزمين، و إلا لما  تواجدوا هناك أصلاً، وسوف تكون جهودهم بلا فائدة لو لم تتلوّن بإيديولوجية المشروع الصهيوني. ومثلت حقبة العشرينيات والثلاثينيات من القرن الماضي العصر الذهبي لثقافة التاريخ  كتصور  أساسي يكمن وراء العمل الأثري في كل مكان، لاسيما في أوروبا، ومن الواضح إلى حد ما القول أن الثقافة التاريخية خدمت جزئياً على الأقل كمعانٍ لإضفاء الشرعية على الحركات القومية الحديثة، وعلى الأخص -مرة أخرى-في أوروبا(5). ونظراً لأن علماء الآثار في فترة الانتداب كانوا جميعاً أوروبيين ومتدربين في أوروبا، فليس من المفاجئ أن يتم نقل هذا النهج إلى عملهم وإيديولوجيتهم السياسية. وبالتالي فالبنية الأساسية لعلم الآثار، كما مارسه الآثارين قبل قيام  إسرائيل، لم تختلف عن البنية الآثارية التي مورست  في أماكن أخرى. ويجب أن يُنظر إلى التركيز على الجذور اليهودية الموجودة في أعمال علماء الآثار الصهاينة الأوائل على أنها النتيجة الطبيعية لممارسة علم الآثار في ذلك الوقت، وليس نتيجة نوعية  للمشروع الصهيوني.

وبالإضافة إلى الأفكار العامة للتاريخ الثقافي، فقد تم تنفيذ برامج بحثية محدّدة تهدف إلى تعزيز البرامج الصهيونية. وينعكس ذلك، على سبيل المثال، في عمل يعود للعام 1918 بين بن غوريون وبن تسفي، [أرض إسرائيل في الحاضر والماضي ] الذي نشر في الواقع، باللغة اليديشية. و كُتب كرد مباشر على عمل هنتنغتون [فلسطين وتحولاتها]، وكانت هذه البرامج المسلك الحتمي الظرفي الذي استغلته الحكومة الانتدابية لتأمين استرشادات علمية للحد من الهجرة اليهودية إلى فلسطين(6).وحتى مع هذا البنية النظرية المشتركة القائمة على ثقافة التاريخ، فإن تفاصيل مقاربة علم آثار ما قبل الدولة تختلف عن قريناتها الأجنبية. وهناك ثلاثة مستويات من الفروقات: أولاً، وهو أكثرها وضوحاً، تركيز جهد اليهود على الجذور اليهودية لما يعرف باسم يهودا\إسرءيل\فلسطين، في حين كانت ثقافة  التاريخ في إنجلترا أو فرنسا أو ألمانيا قد ركزت، على الأقل ولو بشكل جزئي، على الجذور الثقافية الإنجليزية والفرنسية والألمانية ، والفرق هنا في التركيز أكثر منه في الجوهر .ثانياً، كان علم الآثار في فلسطين، كما مارسته القوى الإمبريالية، مدفوعا بمزيج من الاهتمام الأكاديمي والمنافسة الإمبريالية وإضفاء الشرعية ومختلف المعتقدات الدينية. بينما كان الآثاريين الصهاينة، ورغم تقاسمهم لبعض أساسيات البحث الأكاديمي، بالكاد يعملون لتمجيد أو إضفاء الشرعية على الأنظمة التي كانوا ينتمون لها قبل هجرتهم سواء في النوايا أو في المقاصد. وإذا كان هناك أي عنصر إمبريالي في علم الآثار الصهيوني قبل قيام الدولة، فإنه يوجد في المقام الأول بشكل افتراضي، وهو منتج ثانوي بسبب التدريب الأكاديمي الأوروبي. علاوة على ذلك، لم يقم علماء الآثار  الأجانب العاملين في فلسطين بأعمال الحفر والتنقيب قبل قيام الدولة لإثبات أو توضيح الكتاب المقدس، وتبرير المعتقدات الدينية، بل على العكس من ذلك فقد كانت نسبة عالية منهم يتمتعون بتدريب ديني ودوافع دينية، في حين كان نظرائهم اليهود علمانيين. و إذا ارتبطت قراءة أصولية للنص الكتابي، فإن النص نفسه كان يعتبر وثيقة تاريخية علمانية وليست وثيقة مقدسة. وبالنسبة لعلماء الآثار  اليهود، يجتمع علم الآثار والكتاب المقدس لإضفاء الشرعية على المزاعم اليهودية في فلسطين، لكن علم الآثار لم يُنظر إليه كدليل على قداسة وحقيقة الأمر المقدس.

وأخيراً، يعرض علم الآثار قبل الدولة نوعاً محدداً من المقاومة، والحاجة إلى التعريف الذاتي في مواجهة المؤسسات والمعاهد الأخرى. وهكذا، فإن جمعية استكشاف فلسطين اليهودية Jewish Palestine Exploration Society ، التي تنشر أبحاثها في المقام الأول باللغة العبرية، تأسست لتتمايز عن نظيرتها البريطانية جمعية استكشاف فلسطين Palestine Exploration Society. وبطبيعة الحال، الإصرار على الاشتغال بعلم الآثار في اللغة العبرية، بالإضافة إلى اللغة الإنجليزية إنما يعبر، من جهة، عن معنى هذه اللغة كأداة تعبير عن النهضة اليهودية، ولخلق التمايز أيضاً، من جهة أخرى. وقليل من الأجانب من كان في ذلك الحين يمكنه قراءة اللغة العبرية. وفي سياق “المقاومة” هذه، لم تكن السيطرة البريطانية على دائرة الآثار الفلسطينية متعاطفة بشكل خاص مع الصهاينة أو المشاريع الصهيونية. حتى على مستوى آثاريات ما قبل التاريخ، تم رفض طلب موشيه ستيكليس، أول أستاذ إسرائيلي لآثار ما قبل التاريخ، منحه تصاريح التنقيب في الكهوف، في الوقت الذي منحت مثل هذه التصاريح للمشاريع البريطانية. وباختصار، كان علم الآثار  قبل قيام الدولة، كما يشير له الواقع، مؤسسة محدودة. وعلى الرغم من ذلك ، تم في تلك الفترة زرع بذور المؤسسات والبرامج التي ستتطور لاحقا .

بواكير علم الآثار الإسرائيلي

يبدو أنه من الحكمة الآن القبول بأن علم الآثار الإسرائيلي المبكر كان أساساً مليئا بالعيوب من الناحية العلمية بسبب الحاجة الملحة لضمان  إقامة الدولة الجديدة على أساس إيديولوجي. ولإظهار حقيقة هذا التحيز القومي، فإن بعضاً من هذه المشاريع الآثارية الضخمة مثل حاصور ومسادا والقدس بعد العام 1967  استبعدت وتعرضت للانتقاد بسبب فرضياتها المتحيزة  وأساليبها الإشكالية واستنتاجاتها المنحرفة(7). وفي الآونة الأخيرة  تعرض علماء الآثار أنفسهم لتهمة الخداع المتعمد(8). وبطريقة تأججت فيها المسألة القومية بسبب هيمنة النقاشات، على قضايا مثل الاستيطان الإسرءيلي المبكر، و آثاريات ملوك إسرءيل و يهوذا العديدين، وكذلك الموضوعات اليهودية مثل مخطوطات البحر الميت وأهمية المعابد اليهودية القديمة، يضاف إلى ذلك هاجس عام  اجتاح المجتمع الإسرائيلي على صعيد علم الآثار (ربما أفضل مثال عليه أنشطة النهب البارزة لموشيه ديان)، بل ويمكن ملاحظة هذا الهوس من خلال المشاركة العامة الواسعة في المؤتمرات الأثرية السنوية التي تنظمها جمعية استكشاف إسرائيل. واستطاعت هذه المؤتمرات في ستينيات القرن الماضي جذب نحو  1000 شخص غالبيتهم العظمى من عامة الناس. ولاريب أن مثل هذه الأرقام سوف تثير إعجابنا فيما لو نظرنا إلى عدد سكان إسرائيل في ذلك الوقت، و سيكون من الغباء الاعتراض على مركزية الإيديولوجية القومية لعلم الآثار الإسرائيلي في بداياته سواء من الناحية النظرية، أم على صعيد الممارسة الميدانية و الحقلية(9). غير أن علم الآثار الإسرائيلي المبكر يتجاهل،-بوصفه أداة سياسية ، وتحليل العلمي- نسقاً عريضاً من عالَم الآثاريات  الأوسع، ومن الديناميكية التاريخية للزمن، و بالتالي الافتراض، بطريقة خاطئة،  أن علم الآثار الإسرائيلي عانى من خطيئة أصلية متعذر التخلص منها. في الواقع، في تلك العصور المظلمة من العلوم الآثارية القومية، و التي كشف النقاب عن مضامينها في فترات متأخرة، كان علم الآثار الإسرائيلي، الأكثر تنوعا مما هو مفترض، يقع منهجياً على مسافة متساوية مع غيره من العلوم الآثارية القومية ، ولم ينظر  له من الناحية النظرية، في حينه، على أنه يتضمن عيوباً أو منحازاً إلى حد كبير. وعلاوة على ذلك، كان من الواضح أن أسساً أكثر نضجاً  وضعت في تلك الفترة لبناء مثل هذا النوع من العلوم الآثارية. ولعل أفضل انعكاس لمدى اتساع  علم الآثار الإسرائيلي في هذه الفترة يمكن أن ينظر إليه في اقتحامه لأبحاث عصور ما قبل التاريخ، وهو الحقل الذي لا علاقة لها بالأساطير والهوية القومية اليهودية. وهكذا بدأ موشيه ستيكليس، في أوائل الخمسينيات، باعتباره أستاذ آثار ما قبل التاريخ في الجامعة العبرية، سلسلة من التحقيقات الرئيسية عن تلك العصور في موقع  العصر الحجري الحديث قرب كيبوتس شعار هجولان، وفيما بعد في مواقع العصر الحجري القديم في العبيدية وكهف كبارا وجسر بنات يعقوب . وينظر إلى كل من الإنكليزي غارود و الفرنسي نيوفيل باعتبارهما من وضعا  الإطار الأساسي لعصور من قبل التاريخ وتأسيسه في بلاد الشام في ثلاثينيات وأربعينيات  القرن الماضي . غير أن هذا لم يمنع ستيكليس من توسيع عمل هذه الأطر بشكل كبير، فأصبح موقع كيبوتس شعار هجولان الموقع النموذجي لوصف ما يعرف بالحضارة اليرموكية لثقافة الفخار في بلاد الشام، حتى أن اسم “الحضارة اليرموكية” كان من اقتراحه هو. في حين اعتبرت مواقع العصور الحجرية  العبيدية كأول مواقع التوطن البشري خارج أفريقيا، وعلى الرغم من العثور على مواقع أبكر، منذ ذلك الحين، إلا أنه مازال موقع العبيدية يظهر في جميع النصوص الأساسية باعتباره جزءً أساسياً من أجزاء لغز أصول الإنسان. وبعيداً عن هذه المشاريع الكبيرة، أجريت العديد من الحفريات والدراسات الاستقصائية على نطاق أصغر، ولم تكن لها صلة بأي أسطورة قومية لإعادة تشكيل اليهودية. وعلى الرغم من هذه الأنشطة، إلا أنه ينبغي التشديد، في هذا الصدد، على الحجم الصغير لهذه التنقيبات. كان ستيكليس هو الأكاديمي الوحيد المتخصص في عصور ما قبل التاريخ. وقد عمل مع الطلاب، ومع الجيل التالي من علماء الآثار الاحترافيين في مواقع عصور ما قبل التاريخ، ومع الهواة، وقدّم المداخلات الأثرية الأكاديمية الوحيدة في هذا المجال. ويمكن لأنشطة الكادر المتنامي من الهواة، التي انعكست في تشكيل الجمعية الإسرائيل لعصور ما قبل التاريخ في العام 1960، أن تندرج  بقوة تحت عنوان “معرفة الأرض”، وبالتالي تصنف على أنها نشاط شبه قومي، ولكن قيمتها العلمية تفوق أي ربط صوفي للناس بالأرض كما تظهره المقالات التي تنشرها مجلة الجمعية التي لاتزال تصدر حتى الآن، والتي كانت تدعى سابقاً “من العصر الحجري” وأصبح اسمها الآن مجلة الجمعية الإسرائيلية لعصور ما قبل التاريخ.

بالإضافة إلى تخصص عصور ما قبل التاريخ، توسع نشاط علم الآثار الإسرائيلي إلى ما هو أبعد من جذوره اليهودية / الإسرءيلية، على الرغم من القول بأن عمليات التنقيب في المواقع الكنعانية في العصور البرونزية الوسطى والمتأخّرة قدّمت المادة الخام للأبحاث التاريخية الكتابية، إلا أن التنقيبات الرئيسية في مواقع العصر البرونزي المبكر، مثل عرّاد وخربة الكرك “بيت يرح” (حفريات بار آدون الموسعة ) وتل العريني [تل الشيخ أحمد العريني] لا تناسب بصورة مرضية هذا القالب. كما ركزت التنقيبات في النقب على مواقع العصر الكلاسيكي، وعلى النظم الزراعية الصحراوية القديمة، لاسيما الموقع النبطية و الرومانية و البيزنطية، و برغم  من وجود أبحاث تتعلق بمواقع العصر الحديدي، إلا أن علم الآثار في النقب بالكاد كان يهودياً و بقدر ما كانت هذه المواقع الصحراوية القديمة ملهمة للإسرائيليين الحديثين وأولهم بن غوريون، بقد ما كان ثمة صعوبة في وصف تلك الابحاث بأنها صهيونية من الناحية الإيديولوجية. قد يتساءل المرء عما إذا كان من الممكن رؤية مدن الصحراء الصامدة منذ آلاف السنين دون أن تكون ملهمة لشيء ما. وقد تعرض علم الآثار الإسرائيلي المبكر للهجوم بسبب  كونه يتضمن عيوباً منهجية، تعيق رؤيته احتياجاته الإيديولوجية، و تشير ناديا أبو الحاج في كتابها “حقائق من الأرض Facts from the Ground ”  إلى المغالطة الماكرة لمقولة (الأواني =  البشر ) و التي تبرز بشدة في السجالات المتعلقة بأصول الإسرءيليين. وتخلص إلى أن هذا الخطأ المنهجي  يعود لفظاظة الإيديولوجيات التي لم تسمح بتقديم أي تأويلات أخرى. هذا هو سوء فهم الافتراضات الأساسية لعلم الآثار، والسياق الأوسع لهذه المناهج. إذا افترضنا أن  ثمة شيء كالإثنية، وهو مفهوم مازال علماء الأنثروبولوجيا يتصارعون حوله، فغالباً ما تكون الثقافة المادية إحدى الوسائط الرئيسية للتفاوض الثقافي، على الأقل بارتباطها [أي الثقافة المادية] جزئياً بالهويات الإثنية، و بالتالي سوف تكون الأواني مساوية للبشر بكل تأكيد، و المشكلة، هنا،   تكمن في أن ليس جميع الأواني تعادل جميع البشر بالتساوي. برغم إن هذا التصفيات هي نتاج نحو أربعين عاماً من بحوث الحداثة وما بعد الحداثة لتأويل الثقافة المادية. سيشعر بلا شك علماء الآثار الذين عرفوا في خمسينيات وستينيات القرن الماضي الإسرءيليين سكان العصر الحديدي بالإحباط الآن  لعدم تمتعهم نظرياً بالبصيرة المطلوبة . في الواقع، كان علم الآثار الإسرائيلي، في تلك الفترة المبكرة، يتماشى تماماً من الناحية المنهجية مع أقرانه من العلوم الآثارية الأخرى التي كانت سائدة حينذاك. ليس ثمة نقد منهجي معاصر لمسألة فخار العصر الحديدي، كما أنه لم يتساءل أي شخص بخصوص هذه المسألة عن البنية الأساسية للآراء النظرية الإسرائيلية، وثمة قضايا أخرى كانت موضع سجال في الأدبيات  المتخصصة الإسرائيلية و الأجنبية على حد سواء مثل مسائل جوهر وخصائص تأويل مثل هذه القضايا كظهور الإسرءيليين وطبيعة التحصينات الملكية والتنوع في مخطوطات ولفائف البحر الميت، إلا أن أول نقد منهجي علني للأساليب و المقاربات الإسرائيلية بحد ذاتها سيتأخر ظهوره حتى السبعينيات، عبر الهجمات التي شنها [وليم] ديفر على أنظمة سويات الطبقات الصخرية لمواقع الحفر. وحتى هنا، وعلى الرغم من التعريف المتعمد لهذه المقاربات والأساليب على أنها “إسرءيلية”، فلم يكن هناك ارتباط واضح بأي أجندة سياسية(10). وبهذا، حتى في ضوء الاختلاف المزعوم في الصرامة المنهجية، فقد كان ينظر إلى هذه الاختلافات ضمن إطار علمي مقبول، وإذا كان عمل [يغال] يادين واضحاً ومنحازاً للغاية وبشكل صارخ، كما ادعى، على سبيل المثال، بن يهودا في عمله الأخير التضحية بالحقيقة وعلم الآثار وأسطورة مسعدة Sacrificing Truth, Archaeology and the Myth of Masada ، فكيف يمكن لجامعة عريقة مثل أكسفورد أن تدعوه -أي يادين-لتقديم محاضرات ؟(11)

إن التوصيف البسيط لعلم الآثار الإسرائيلي المبكر، كما هو تخبرنا عنه بصور شبه حصرية النزعة القومية، يعاني من خطأين آخرين من حيث الحقيقة والمفهوم, فأولاً ، لم يعمل هذا التخصص في فراغ قط، بل دمج على الدوام في الفضاء الأوسع لعلم آثار الشرق الأدنى. ويتجلى ذلك بشكل واضح في المنشورات الإسرائيلية والأجنبية، مثل النشرة التابعة للمعهد  الأمريكي للأبحاث الشرقية، وفصلية استكشاف فلسطين (لاحقا استعيض عن كلمة فلسطين بكلمة المشرق) البريطانية، والنشرة الكتابية الفرنسية، وبعد ذلك في تخصص ما قبل التاريخ، المشرق ما قبل التاريخي، ومجلة جمعية الرابطة الفلسطينية الألمانية، ومقالات أجنبية في المجلة الإسرائيلية الابتدائية في الفترة المبكرة، مجلة استكشاف إسرائيل، كما أنه تمت الإشارة إلى النشاط الإسرائيلي دون تدقيق في الأطروحات الأجنبية الكبرى في الفترة المبكرة، ونشاط السيدة كاثلين كينون الآثاري في الأرض المقدسة، والطبعات اللاحقة وعمل [وليم] أولبرايت الآثاري في فلسطين، وكذلك في الأعمال  المعاصرة الأخرى. وهذا يعني أنه إذا عانى العمل الإسرائيلي من أخطاء نقدية في الأسلوب والمفهوم، فإن هذه الأخطاء يشترك فيها جميع من مارس العمل الآثاري في المنطقة في تلك الفترة، وبالتالي لا يمكن أن تعزى هذه الأخطاء إلى الميول الصهيونية الإسرائيلية. والنقطة الأكثر أهمية هي أنه حتى لو تأثرت الاستنتاجات العلمية بالأفكار المسبقة والتحيزات النظرية، فإن البيانات التي جمعت كانت منهجية بما يكفي للسماح بتقديم تفسير ات بديلة،  إن هذه التفسيرات البديلة التي تطلبت جيلاً جديداً من علماء الآثار لتطويرها بالكاد يمكن أن تكون بمثابة إدانة للجيل السابق أو لمجال عملهم. إنها في الواقع تعبير مثالي عن مدى التطور  المعرفي الأكاديمي. توفر البيانات والنظريات الخاصة بالجيل السابق بذور نماذج جديدة بعد جيل. وهذه المسألة من جدلية الأجيال نادراً ما تعالج في دراسة خصائص التطور الأكاديمي، ولكنها تنعكس بوضوح إلى حد ما في كلمات مختلفة في مفاهيم  “توماس كون” من نقلة نوعية.

من الناحية الآثارية، أشار فلنري إلى ذلك، في العام 1976 في مثاله عن عالم آثار  أمريكا الوسطى وطلاب الدراسات العليا المتشككين Real Mesoamerican Archaeologist and the Skeptical Graduate student (12). هناك اثنين من الآثار الهامة هنا. أولاً، مرحلة بناء أسطورة علم الآثار الإسرائيلي كانت ظاهرة قصيرة الأمد. وصلت إلى ذروتها في الستينات، ووضعت  التغييرات الأساسية في المجتمع الإسرائيلي في أعقاب حربي 1967 و 1973 نهاية لسذاجة المرحلة الأولى من علم الآثار الإسرائيلي. ثانياً، مرور هذه المرحلة هو نموذجي أيضاً، منغرس في بنية الأوساط الأكاديمية. وإذن، يجب طرح سؤال أخير يتعلق ببدايات علم الآثار الإسرائيلي. فإذا كان التحيز والتضارب الأساسيين واضحين إلى حد بعيد، فلماذا لم يكونا  كذلك قبل 30 و 40 سنة؟ هناك جوابين اثنين جاهزين.  أحدهما مثالي، وربما ساذج بطريقة ما، يقول  أن العلم يبني ويصحح نفسه، والجواب الثاني يقول أن الأخطاء أو التحيزات في الإدراك والمعرفة جزء من العملية العلمية. وبمنظور أكثر تعقيداً، على نحو ما، يأخذ بعين الاعتبار السياق الاجتماعي للعلوم يقر أن العلم جزء لا يتجزأ من السياقات الثقافية لممارسيه. فيما يتعلق بالمرحلة الأولى لعلم الآثار الإسرائيلي، يجب على المرء أيضاً أن يدرك الحجم الصغير للمشروع في نهاية المطاف. إن معهداً أثرياً واحداً، (كما في التقاليد الألمانية في التسلسل الهرمي الأكاديمي حيث يقف الأستاذ بجوار الإله) لا يمكنه لوحده أن يشكل معادلة  التعددية الأكاديمية. مناقشة بناء الأمة في تلك الفترة  يمكننا من فهم الصعوبات التي تحول دون تحقيق الاستقلال الدراسي والنضج.

علم الآثار الإسرائيلي الحالي

مر علم الآثار منذ السبعينيات في إسرائيل بما يمكن وصفه بسهولة بالثورة. وطالت التغييرات في العمل البحثي كل جانب يمكن تصوره. على المستوى الأدنى، توسع العمل المهني من حيث نطاق اهتماماته وبأعداد بسيطة من أعداد علماء الآثار المحترفين. وهناك عدد قليل من الإحصاءات تكفي لإثبات ذلك. في العام 1970، كان هناك برنامجان جامعيان في علم الآثار (يهيمن عليهما علم الآثار الكتابي): مقرر الجامعة العبرية، ومقرر دائرة الآثار التي أسسها يوحنان أهاروني في جامعة تل أبيب. مما يعكس المصالح الأولية لمؤسسيها. أما الآن، (2003 ) ثمة خمسة برامج تمنح درجات الماجستير و الدكتوراه في علم الآثار في إسرائيل، برنامج لكل جامعة ما عدا معهد التخنيون، وبرنامج إضافي للدكتوراه في العلوم الأثرية في معهد وايزمان. هناك الآن  متخصصون في عصور ما قبل التاريخ أكثر من المتخصصين الآثاريين الكتابيين في الجامعة العبرية. وفي العام 1970، كانت دائرة الآثار الإسرائيلية تضم أقل من 100 موظف بدوام كامل. أما اليوم فهناك أكثر من 200 موظف يعملون في مصلحة الآثار الإسرائيلية ، وهذا بعد تخفيضات كبيرة في الميزانية والتسريح في السنوات الأخيرة بسبب الضغوط في الاقتصاد الإسرائيلي. وفي هذا السياق، أدى الانتقال بها من إدارة حكومية إلى مصلحة أو دائرة إلى زيادة الميزانية والقوة العاملة الرئيسية، وإلى توسيع نطاق برامج وأنشطة البحوث إلى حد كبير. من ناحية أخرى، تعكس الأرقام الأخرى اتجاهات أخرى. فمن مشاركة أكثر من 1000 شخص في المؤتمرات الأثريّة السنويّة لإسرائيل، في ستينيات القرن العشرين،  تقلص العدد ليصبح في التسعينات وما بعدها في حدود 200-300 وجميعهم تقريباً علماء آثار محترفين، على النقيض من أن الغالبية العظمى في المؤتمرات السابقة كانوا أشخاصاً عاديين، و يمكن رؤية اتجاه مماثل، من الهواة إلى المحترفين، كما يمكن ملاحظة انخفاض في الأرقام المطلقة فيما بتعلق بالجمعية الإسرائيلية لعصور ما قبل التاريخ. وبالمثل، انخفضت أعداد المشتركين في مجلة علم الآثار الإسرائيلية “قدمونيوت” ،التي تنشر مقالاتها باللغة العبرية والموجهة إلى جمهور عادي، كما انخفض أعداد الطلاب، على الرغم من التوسع في عدد البرامج ، قد يكون هذا الاتجاه الظاهر نتيجة للتخفيف وليس الانخفاض الحقيقي. وعلى النقيض من ذلك، حافظت مجلة علم الآثار الكتابية الصفراء في الولايات المتحدة الأمريكية، التي تأسست في السبعينات، على أعدادها، بل وسعت من توزيعها وتأثيرها في العقود الأخيرة. والجوهر هنا هو تراجع الاهتمام الواسع بعلم الآثار الإسرائيلي على الرغم من تطوره بشكل احترافي. وبعيداً عن هذه الاتجاهات العددية، تغيرت الاتجاهات البحثية، وفعلياً النماذج الأساسية، لاسيما وأن طلاب يادين و أهاروني (المحاربون القدماء في الفترة الأولى من علم الآثار الإسرائيلي) بدؤوا يتقاعدون الآن. ولعب علم آثار عصور ما قبل التاريخ  بتبنيه خلفية أكبر في العلوم الطبيعية والاجتماعية، دوراً واضحاً هنا. قد لا يكون من قبيل الصدفة أن  تدرّس جامعة تل أبيب آثاريات عصور ما قبل التاريخ كجزء منتظم من المناهج الدراسية بمقررين كاملين، بعد أن تم حظره حرفياً لفترة محددة في السبعينيات. أما في الجامعة العبرية أصبح العاملون في مجال أبحاث عصور ما قبل التاريخ يتجاوز عدد الذين لا يزالون نشطين في مجال علم الآثار الكتابي، و يمكن ملاحظة نفس التوجه في حيفا وفي جامعة بن غوريون في بئر السبع. وقد نشأت اتجاهات جديدة في البحوث الأثرية كذلك. ففي مؤتمر عقد مؤخراً في جامعة بار إيلان، الجامعة الدينية التي يتوقع المرء أنها تتبع نهجاً أكثر تحفظاً أو تقليدياً لعلم الآثار، وبطبيعة الحال، كان رفض المقاربات التاريخية التقليدية لافتاً. تم تكريس المحاضرات بشكل حصري تقريباً لقضايا مثل تفسير الجنوسة gender  في السجل الآثاري، وإعادة بناء البنية والديناميكيات الاجتماعية، والجوانب الكمية من الأساليب الأثرية. فلا داود  كان حاضراً، ولا سليمان، ولا توطن إسرءيلي ، ولا خروج(13).

ركز المشروع  الفرعي الرئيسي في حفريات مجدو (التي تعد الحفريات الرائدة لجامعة جامعة تل أبيب) على السكان المعاصرين حول الموقع، وتصوراتهم عن مختلف المشاريع التي نفذت على مدى عقود، وفهمهم لتاريخ المنطقة كما كشف من خلال علم الآثار. كان جزء من الفكرة يرمي إلى توسيع تصور مجدو  لما هو أبعد من فكرة إسطبلات سليمان، ولجعل التاريخ شاملاً ، وليس حصرياً. كما كان عليه الحال للبحوث التي أحريت عن النقب (التي استندت بصورة خاصة على المسح العاجل للمنطقة في أعقاب اتفاق السلام مع مصر) تأثير كبير على علم الآثار الإسرائيلي. ونشأت قضايا أثرية جديدة بالكامل بصرف النظر عن الكميات الهائلة من البيانات الجديدة المتحصل عليها، مع كل ما يترتب عليها من مضامين على الأسئلة البحثية الثابتة . ويحدث للمرة الاولى في إسرائيل أن يتم تناول مسألة علم آثار البداوة بعيداً عن النصوص التاريخية. هل يترك  البدو الرحل خلفهم بقايا أثرية؟ وما الذي يمكن أن يقال بالفعل عن المجتمعات البدوية القديمة وفقا لبقاياهم الأثرية؟ ولعل الأهم من ذلك هو ما كشفته الأبحاث في النقب خلال العقدين الماضيين من وجود أفق إسلامي مبكر  متمثلاً في مساجد ونقوش و أماكن توطن وفخار، مما يسمح برؤية صعود المراحل المبكرة من الحضارة الإسلامية من خلال منظور جديد تماماً. ويمكن القول بإيجاز ، يستطيع علم الآثار أن يوضح لنا ما حدث على الأرض -تغيرات الاتجاه في التوطن و الاقتصاد وحتى الدين، في الوقت الذي تقوم فيه السجلات التاريخية بالكشف فقط عن أحداث سياسية واسعة النطاق، وما يعتبره مدوّنو التاريخ مهماً ومناسباً في ذلك الوقت، وغالباً ما تتيح مثل هذه البيانات الجديدة الآثارية المطالبة بإعادة تقويم النصوص. ولعل التغيير الأكثر إثارة للانتباه في علم الآثار الإسرائيلي في الفترة الأخيرة هو كيفية فهمنا وتفسيرنا ودمجنا للنصوص القديمة مع السجل الأثري. وهذا الأمر ليس فريداً من نوعه في إسرائيل بيد أنه الأكثر وضوحاً على افتراض أن النص الأساسي هو الكتاب، وقد اعتمد الجيل الحديث من علماء الآثار الإسرائيليين منظوراً نقدياً انطلاقاً من القراءة الحرفية الأساسية للكتاب (وغيره من النصوص القديمة أيضاً، مثل كتابات يوسيفوس، كما فهمها علماء مثل يادين وأهاروني، حيث نظر هذا الجيل الجديد إلى الكتاب باعتباره كتاباً تاريخياً، ولكن ليس بالضرورة سجلاً دقيقاً. يقرأ الكتاب المقدس باعتباره انعكاساً لمعتقدات و فهم وممارسات من كتبه، فهو يعكس سوء فهمهم  وانحيازهم ودوافعهم وأجنداتهم، بالإضافة إلى تصوراتهم الخاصة للأحداث. وفي أحسن الأحوال، من الصعب تحديد تاريخ دقيق له، ومن المؤكد أن  الأسفار المبكرة لا تعبر عن توصيفات معاصرة للأحداث التي تزعم أنها تتحدث عنها، وهذه النصوص بالنسبة لعلماء الآثار الإسرائيليين الذين يعملون في الفترة الكتابية، أو في الفترات التاريخية بشكل عام، تعد بيانات تاريخية إضافية، لكنها لم تعد المقياس الذي يتم قياس الآثار عليه. ومثل هذه المسألة ليست بالأمر الهين على كل حال بدليل حالة الجدل الذي يتولد عن النزاعات الظاهرة بين النص والقطع الأثرية، وعلى سبيل المثال تعرضت مقالة زئيف هيرتسوغ -التي نشرها في صحيفة هآرتس ذات السمعة المرموقة منذ عدة سنوات، والتي هاجم فيها  تاريخية قصة الخروج- إلى نقاش واسع في جميع أنحاء العالم تقريباً، وكان من الواضح أن ذلك كان قصد  كاتبها، أي خلق حالة من الجدل، ولكن على الصعيد الآثاري لا تحتوي المقالة على شيء جديد يمكن أن تضيفه لما نعرفه عن الموضوع(14)، وما يقترحه إسرائيل فنكلشتين عن إعادة تقويم الإطار التاريخي الكامل للنصف الأول من العصر الحديدي، يتوافق مع الطرح الذي تتبناه المدرسة التي تعرف باسم المدرسة الكتابية التصحيحية minimalist، حيث يزعم أتباع هذا النهج أن مجمل النصف الأقدم من مادة النص الكتابي هو في الأساس منتج خيالي حديث يتضمن محتوى تاريخي افتراضي غير روائي، وفحوى أطروحة فنكلشتين تتضمن تفكيك الأساطير المحيطة بالعصر الذهبي لداود وسليمان. و يتفق معظم المؤرخين الأكاديميين وعلماء الآثار على أن الدولة العظمى المنسوبة إلى داود وسليمان في الكتاب المقدس لم توجد قط(15)، على الرغم من استمرار النقاش حول تفاصيل  السويات الطبقية الآثارية والتحقيب الزمني. وثمة علامات واضحة على تجاوز علم الآثار الإسرائيلي للنصوص بعيدا عن التنازع القائم بشأنها، وقد غيّر علماء الآثار في إسرائيل البنية الاساسية لأبحاثهم لدى معالجتهم مسائل مثل الجنوسة gender والثقافات البدوية الديناميات الاجتماعية في المجتمعات القديمة، فعلى العموم لم يعد يسترشد علم الآثار، حصرياً ، بالأسئلة التي تمليها النصوص، فقد أصبح يستدل على علم الآثار في إسرائيل الآن بفضل مجموعة واسعة من التخصصات والنظريات الأكاديمية. أي أن الرواية التاريخية، سواء كانت محددة من قبل الكتاب المقدس، أو يوسيفوس، أو الحجاج البيزنطيين، حددت بنية البحوث الأثرية. و يتم تأطير البحث بالرجوع إلى المشكلات القائمة على النصوص، وبهذا أصبح علم الآثار الإسرائيلي  أكثر تنوعا و أهمية بعد أن نأى بنفسه ببطء عن قيود القضايا القائمة على النصوص، والمستمدة من مجموعة كاملة من العلوم التاريخية والاجتماعية لأجنداته.

تلعب الحرية الأكاديمية دورا أكبر في اتجاهات البحوث من خلال العلاقة المباشرة للحاجة إلى إنشاء الهوية القومية الماضية، وتحفز الفرص الكبيرة جداً التي توفرها طبيعة البيانات الأثرية نفسها على أساليب تفسيرية جديدة. وأخيراً، وكما هو الحال في جميع التخصصات المقيمة في البرج العاجي لما بعد الحداثة، تلعب الانعكاسية، أيضاً، دوراً في كيفية ممارسة الآثار في إسرائيل الآن.

ثمة وعي الآن بالدور الذي لعبه علم الآثار في سياسات المنطقة، والرغبة في معالجة هذا الدور بشكل نقدي. (وأحد الأمثلة عن مثل هذه الرغبة يتمثل في التنقيب في المنحدر الروماني في مسادا، الذي يلقي بعض الشك على القصة المقبولة، وخصوصا على تفسير يادين لها). هناك فهم واضح  على الأقل لبعض المضامين السياسية من أبحاثنا بين أولئك الذين يعملون في علم الآثار الإسلامي المبكر  في النقب. وبالمثل فإن العمل في مجدّو له تداعياته السياسية. إن كشف و فضح  الأساطير القديمة هو جزء من هذا، لكن الإقرار بالحاجة إلى الوعي بتداعيات البحث الأثري أصبح أكثر وضوحاً.

بالنظر إلى التطورات والاتجاهات المبينة أعلاه -تراجع النزعة القومية والأسطورة القومية وبناء الهوية، والنقد المتزايد للتاريخ القائم على النصوص والفرضيات التي تم إنشاؤها بواسطة النص، وإضفاء الطابع المهني الاحترافي على العمل الميداني وتوسيع نطاقه- يبقى الإصرار في محاولة تفسيرهم، ليس هناك  تفسير واحد بسيط، ولكن أقترح أن هناك ثلاثة مجالات عامة للتفسير لهذه الاتجاهات. وربما على المستوى الأكثر سذاجة، تم التخلي عن التفسيرات القومية، أو يجري التخلي عنها، لأنها في نهاية المطاف لا تحمل طابع الديمومة العلمية، فمزاعم يادين حول مسادة لم يقوضها التعرض لنزاهته المهنية، بل قوضها إعادة فحص كل من الأدلة الأدبية والأثرية، كما استند رفض نظريات الغزو لتفسير أصول الإسرءيليين إلى تراكم البيانات التي تبين المشاكل المترتبة على التحقيب الزمني لما يسمى “التدمير”، وتطوير تفسيرات بديلة تنطوي، في الغالب، على استقرار و توطن البدو، وهي ما تشمل تفسيرات تتلاءم بصورة أفضل مع البيانات الراهنة, كما أن  المزاعم التاريخية الحصرية لأرض إسرائيل المستندة إلى الوجود الأثري للأجداد يجب أن يتم التعامل معها الآن بافتراض وجود واضح لأسلاف آخرين. وإذا لم تعد الأوساط الأكاديمية توفر الشرعية العلمية للمزاعم القومية القائمة على الوجود القديم أو الحيازة بسبب تناقضات علمية متأصلة، فإن الحاجة لمثل هذه المزاعم بات أقل أيضاً. لقد تجاوز المجتمع الإسرائيلي المرحلة المبكرة لبناء الأمة، فالجيلان الأخيران من اليهود الإسرائيليين ولدا و ترعرعا في البلاد، وثمة هنا مجتمع نابض بالحياة يعرّف نفسه على أنه إسرائيلي و بقدر ما يبدو المجتمع متشظياً  فهو في أعينهم مجتمع يمتلك الشرعية، ولا يتطلب أن يقدم علم الآثار مبرراً لوجوده في إسرائيل. سوف تكون هناك دائماً جماعات ضغط في المجتمع، خاصة من العناصر المحافظة، تحن إلى العودة إلى وقت كان علم الآثار فيه لا يعد “سوء تفسير” وخدم بشكل صحيح احتياجات الدولة، ولكن حقيقة أن هذه الدعوات التي تشبه الصراخ في البرية والتي تقتصر الآن على مجموعات المصالح الخاصة دليل على أن المجتمع الإسرائيلي قد تحرك للأمام.

وأخيراً، وبدون الإشارة إلى تفاصيل تغيير النموذج أو القيم الاجتماعية، فإن التغيير يشمل أيضاً تأثير الديناميكيات داخل  وبين التخصصات الأكاديمية، وأشير هنا إلى ظاهرتين: الصراع بين الأجيال والنمو الديموغرافي. ويجب على الأجيال الجديدة من الطلاب والباحثين أن يثبتوا أنفسهم، في وقت ما، على أنهم مستقلين عن مدرسيهم. إن الإلحاح الأوديبي في الأوساط الأكاديمية يلقى تشجيعاً فعلياً، على الأقل مجازياً، مما يؤدي إلى تصعيد خلاق بين الأجيال. يبدو أن التغييرات في علم الآثار الإسرائيلي تحدث على طول الأجيال وقد تكون ذات صلة بصراعات من هذا النوع، و كما أشرنا سابقاً، فإن نمو  تخصص علم الآثار وإضفاء الصفة الاحترافية عليه سيؤثران أيضاً بشكل تلقائي. وهكذا، فإن عدد كبير من العلماء الشباب الذي يحدوهم الأمل في الحصول على منصب عمل سوف يولد وجودهم أراءً و أفكاراً جديدة لإبقاء الغابة الأكاديمية حية، فالمنافسة في الغابة  الأكاديمية الإسرائيلية شرسة.

التعليقات النهائية

نحن حقاً في عصر ما بعد الحداثة عندما ننخرط في تنقيح مراجعة تاريخ البحث الأكاديمي المنخرط في التاريخ، وهذا ما حاولت القيام به هنا. ولكن، بطبيعة الحال، لم يكن هذا مجرد تمرين عقيم، حيث تم تحميله كما هو الحال برموز حساسة تمتد في بعض الأحيان لآلاف السنين. ومن الواضح أن ثمة جدال هنا، ومن المستحيل تجنب ذلك عند التعامل مع قضايا السياسة والأسطورة القومية . في الواقع، لا يوجد مثل هذا  الطرف اللامبالي عند التعامل مع هذه القضايا.

لقد حاولت أن أقدم نموذجاً للتطور البحثي حيث يتم دمج بناء الأساطير / القومية / الهوية في ديناميكية أكبر وأكثر تعقيداً مما يعالج عادة في تواريخ علم الآثار. وهكذا، فإن النزعة القومية وبناء الهوية لا يعدان سمات فريدة أو نوعية لعلم الآثار الإسرائيلي، بل هما بالأحرى مرحلة نموذجية مر عبرها علم الآثار الإسرائيلي (وما زال)، والتي مرت من خلالها  افتراضياً جميع فروع علم الآثار الغربي أيضاً. وفي ضوء ذلك، يمكننا توقع أن يشهد علم الآثار  في البلدان النامية ديناميكيات مماثلة، تتميز بخصائص تاريخها المحلي القديم والحديث. وفي هذا السياق نستطيع  أن نلحظ انخراط علم الآثار الفلسطيني في نفس عمليات البناء وإعادة البناء التي شهدها نظيره الإسرائيلي ولا زال، وهذا الأمر لا علاقة له بمعنى الصرامة العلمية أو النزاهة أو الجودة، بل يبدو كأنه  سبيل تطور مجال البحث الآثاري.

ها هو  إنديانا[جونز]  يجلس على حجر كبير، متعباً، ينقل السوط الذي بيده جانباً وهو يتفحص وعاء الطهي الصغير، لا نازيين هنا، و لا ذهب، ولا حطام طائرات،  بل وعاء.. وعاء يمثل ثقافة مبكرة لا يعرف عنها إلا القليل، وهنا ثمة فرصة لمعرفة المزيد، بل في الواقع ثمة رضا عظيم حيال هذا .

…………………

ملاحظات

العنوان الأصلي: Coming of Age: The Decline of Archaeology in Israeli Identity

الناشر:  Public lecture on Israel given at the University of Calgary in 2003

المؤلف: Prof. Rosen Steven

المراجع  

1 E.g., Zerubavel, Y. 1995. Recovered Roots. Chicago, University of Chicago. Ben-Yehuda, N. 1995. The Masada Myth: Collective Memory and Mythmaking in Israel. University of Wisconsin Press, Madison. Silberman, N.A. 1982. Digging for God and Country. Knopf, New York.

2 E.g., Silberman, N.A. 1994. A Prophet from Amongst You: The Life of Yigael Yadin: Soldier, Scholar, and Mythmaker of Modern Israel. Addison Wesley, New York. Ben-Yehuda, N. 2002. Sacrificing Truth: Archaeology and the Myth of Masada. Humanity Books, New York. Zerubavel ibid. note 1.

3 E.g., Abu el-Haj, N. 2002. Facts on the Ground, Archaeological Practice and Territorial Self-Fashioning in Israeli Society. University of Chicago Press, Chicago.

4 E.g., Silberman, ibid. note 1; Silberman, N.A. 2000. Between Past and Present. Doubleday, New York.

5 E.g., Trigger, B. 1989. A History of Archaeological Thought. Cambridge University Press, Cambridge, pp. 148-206.

6 Huntington, Ellsworth, Palestine and Its Transformation, Boston, Houghton, and Mifflin, 1911, Ben-Gurion, D. and Ben-Zvi, Y. 1979 [1918]. Eretz Israel in Past and Present. Yad Ben Zvi Press, Jerusalem. (Translated from Yiddish to Hebrew by D. Niv). Troen, I. 1989. Calculating the ‘Economic number of young scholars all with the need of obtaining tenure will generate new ideas and paradigms to survive the academic jungle. Competition in the Israeli academic jungle is fierce.  Absorptive Capacity’ of Palestine: A Study of the Political Uses of Scientific Research. Contemporary Jewry 10:19-38.

7 e.g., Abu el-Haj, ibid. note 3; Ben-Yehuda ibid. note 2; Geva, S. 1992. Israeli Biblical Archaeology at Its Inception. Zmanim 42:93-102 (Hebrew). Kohl, P. 1998. Nationalism and Archaeology: On the Constructions of Nations and the Reconstructions of the Remote Past. Annual Reviews of Anthropology 27:223-46, esp. 237-8; Trigger, ibid. note 5, pp. 183-184.

8 E.g., Lemche, N.P. and Thomsen, T.L. 1994. Did Biran Kill David? The Bible in the Light of Archaeology. Journal for the Study of the Old Testament 64:3-22; Ben-Yehuda, ibid. note 2.

9 e.g., Broshi, M. 1987. Religion, Ideology, and Politics and Their Impact on Palestinian Archaeology. The Israel Museum Journal 6:17-32.

10 Dever, W.G. 1973. Two Approaches to Archaeological Method – The Architectural and the Stratigraphic. Eretz Israel 11:1-8.

11 Ben-Yehuda, ibid. note 2, Yadin, Y. 1972. Hazor: The Head of All Those Kingdoms: Joshua II:10. The Schweich Lectures 1970. Oxford University Press, London.

12 Flannery, K.V. 1976. The Early Mesoamerican Village. Academic Press, New York.

13 Faust, A., and Maeir, A. 1999. Material Culture, Society, and Ideology: New Directions in the Archaeology of the Land of Israel. Conference Proceedings. June 3, 1999, Bar-Ilan University, Ramat-Gan.

14 Herzog, Z. 1999. Deconstructing the Walls of Jericho. Ha’aretz October 29. (Article #845439).

15 E.g., Finkelstein, I. and Silberman, N.A. 2001. The Bible Unearthed: Archaeology’s New Vision of Ancient Israel and the Origin of Its Sacred Texts. Free Press, New York.

عن محمود الصباغ

كاتب ومترجم من فلسطين

شاهد أيضاً

لندن: ملعب بوتين وخادمة الأوليغارشية

ترجمة: محمود الصباغ استهلال  استغلت المؤسسات المالية التي تتخذ من المملكة المتحدة مقراً لها، لعقود …

تعليق واحد

  1. نزار السهلي

    شكرا استاذ محمود
    على هذه المادة القيمة في الترجمة والغنية في الافكار كما سابقاتها التي كان لكم الفضل في اطلالتنا على هذه الدراسات المتعلقة بعلم “الآثار الاسرائيلي” وتفكيك الرواية الصهيونية حولها وفشلها رغم حجم التزوير الحاصل في هذا المضمار، على اعتبار ان الأكاذيب والاساطير القديمة المتعلقة بعلم الاثار الاسرائيلي لا يمكن ان تصنع حقائق أبدية في عصر الغش والتضليل والتزوير الصهيوني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *