الرئيسية > سياسة > ترجمة > الولايات المتحدة كدولة نامية: قراءة في كتاب “عصور الرأسمالية الأمريكية: تاريخ الولايات المتحدة”- القسم الأول
ثراء الأمة

الولايات المتحدة كدولة نامية: قراءة في كتاب “عصور الرأسمالية الأمريكية: تاريخ الولايات المتحدة”- القسم الأول

ترجمة: محمود الصباغ

دفعت الأيام الأولى من عهد الرئيس [الأمريكي] جو بايدن إلى ما كان غير مرجح من إعادة تقويم لتوجه الرأسمالية الأمريكية. وكان إعلان بايدن عن “تحول نموذجي” بعيداً عن نظام سياسي حابى، على مدى عقود، الأثرياء بلا انقطاع أو فتور، قد استدعى ذكريات “الصفقة الجديدة”* لالتقاط رؤيته عن حكومة ناشطة، حيث وعد بايدن بطرح أجندة تنموية طموحة تربط بين البنية التحتية والسياسة الصناعية وانتقال الطاقة لمكافحة تغير المناخ، إلى جانب طرحه توسيع معنى دولة الرفاهية. وعلى الرغم من عدم اختبار عزم بايدن على تنفيذ رؤيته بعد، فإن احتمالات التدخل الشرس للدولة تبدو فرصتها، الآن، أكبر بكثير مما كانت عليه خلال فترة الركود العظيم، عندما تحول التقشف، سريعاً، إلى ظاهرة عبر الأطلسي. وكان الاختلاف الأكثر بروزاً بين الماضي والحاضر يكمن، حالياً، في تحديد بايدن للاستثمار طويل الأجل باعتباره أمراً بالغ الأهمية للحفاظ على الديمقراطية. وبعيداً عن الاقتصاديين النيوليبراليين الذين سيطروا على صنع السياسة الديمقراطية على مدى جيل كامل، تكمن أهمية رؤية بايدن، أيضاً في الإنكار الهادئ لتفاخر هيلاري كلينتون قبل ثلاث سنوات بأنها، على الرغم من خسارتها الانتخابات الرئاسية للعام 2016 أمام دونالد ترامب، لكنها “فازت بأماكن تمثل ثلثي الناتج المحلي الإجمالي لأمريكا”- الأجزاء من البلاد التي تعتبر” متفائلة ومتنوعة وديناميكية وتتقدم إلى الأمام “. لقد أوضح الوباء [جائحة كورونا] كيف أن أكثر مدن البلاد ازدهاراً، والتي كانت ذات يوم محركات النمو في عصر العولمة، أصبحت، الآن، بحاجة ماسة إلى التوزيع المتكافئ وإلى مشاريع تقودها الدولة. وهذا ما يطرح سؤالاً مركزياً يتعلق بهذا العصر الجديد من الاقتصاد السياسي الأمريكي عن الطريقة التي يمكن للحكومة أن تحث رأس المال على العمل لصالح الرفاهية العامة. كيف يوجه العملاء السياسيون رأس المال نحو الاستثمار، إذا ما كان مهياً للسيولة؟

يوضح المؤرخ الاقتصادي جوناثان ليفي، في كتابه الجديد المذهل “عصور الرأسمالية الأمريكية: تاريخ الولايات المتحدة”، الظروف التاريخية التي كان، في ظلها، مثل هذا الاتجاه ممكناً، ويجادل بأن الانعطافات الطويلة للتطور التحويلي في تاريخ الولايات المتحدة لم تنشأ بطريقة عفوية من السوق. وكما يقول ليفي: “ما يفصل بين عصور الرأسمالية الأمريكية.. ليس متغيرات اقتصادية بحتة بل مبادرات سياسية”. كما يوضح كيف يوجه رجال الدولة، على الدوام، مسار الرأسمالية الأمريكية، مع ما يترافق ذلك من تداعيات صارخة لمفاهيم عدم المساواة، والحراك الاجتماعي، وأفكار المواطنة، والآراء الشعبية لمسؤوليات الحكومة والشركات.

ينقسم الكتاب إلى أربعة أقسام: “عصر التجارة (1660–1860)”، “عصر رأس المال (1860-1932)”، “عصر السيطرة (1932-1980)”، “عصر الفوضى (1980-)”. ويتبع ليفي في كل قسم ثلاث أطروحات. الأولى ترى أن رأس المال ليس على تلك الدرجة من الأهمية، بل هو “عامل مادي للإنتاج” بقدر ما هو “صيرورة” -استثمار يقوم على توقعات الربح في المستقبل. والثانية تقول أن “دافع الربح” نفسه “لم يكن أبداً كافياً لقيادة التاريخ الاقتصادي، ولا حتى لتاريخ الرأسمالية”. أما الأطروحة الثالثة فترى أن “تاريخ الرأسمالية عبارة عن صراع لا نهاية له بين الميل قصير المدى للادخار والقدرة على المدى الطويل على الدفع نحو الاستثمار”. ويغطي ليفي مجموعة واسعة من الأسس التقنية -من التصعيد بين السياسات النقدية والمالية وعواقب الانكماش والتضخم، إلى التعقيدات المتزايدة للتمويل المعولم والأولوية المعاصرة للاحتياطي الفيدرالي- ولكن الكتاب تتضاعف أهميته، أيضاً، باعتباره كتاباً اجتماعياً حيوياً وتاريخاً جيوسياسياً. وكما كتب في مقدمة الكتاب: “يتبع علم الاقتصاد، السائد اليوم، مساراً رياضياً صارماً للغاية.. لا تفسح مجالاً كبيراً للحسابات والتوصيفات الأخرى للحياة الاقتصادية”. وعوض عن ذلك، يدافع ليفي عن “المكانة الصحيحة للتحليل التاريخي في الاقتصاد، وعن رؤية أوسع  لتعيين ما هو الاقتصاد”.

يدفع ليفي إلى واجهة النقاش، من خلال استعراضه للتضاريس المتطورة للتنمية الاقتصادية والائتلافات السياسية التي تقودها، تحالفين تنمويين يعانيان من خلل واضح، رغم حجمهما الكبير في البلاد: التحالف الجمهوري الصناعي، الذي نشأ في القرن التاسع عشر، وتحالف الصفقة الجديدة، الذي ظهر في القرن العشرين. وكان رأس المال الأمريكي قد منح، من خلال هذه التحالفات، الأولوية للاستثمارات غير السائلة، مما حفز التقدم في البنية التحتية والتكنولوجيا التي دمجت في النهاية اقتصاداً استهلاكياً وطنياً. وعلى الرغم من أن الكتاب يتحدث عما هو أكثر من مجرد ائتلافات، إلا أن مثالهما يدعم بقوة حجة الكتاب المركزية حول دور الفاعلية السياسية في تشكيل الشؤون الاقتصادية.

ربما قبل كل شيء، تساعدنا هذه التحالفات على التفكير بوضوح في المسار التاريخي للولايات المتحدة كدولة نامية، مما يدل على أن التقدم الاقتصادي -المترافق أحيانًا مع المزيد من الديمقراطية، وأحيانًا أقل بكثير- اعتمد على المساومات والتحالفات البينة الطبقية التي توسطت الجهات الفاعلة في السعي وراء فن الحكم والسلطة الوطنية. سيكون للاقتصاديين والمؤرخين الاقتصاديين كلمتهم حول تدخلات الكتاب في المناقشات الفنية. ولكن بالنظر إلى جهود بايدن للإشارة إلى تحول حاسم بعيداً عن النيوليبرالية، فمن المفيد أيضاً دراسة انتصارات -وإخفاقات- هذه التحالفات في قلب تاريخ ليفي.

التجارة الاستعمارية ومؤسسة الرق

يوضح ليفي أن العديد من السمات التي من شأنها تشكيل هاتين الفترتين العظيمتين من التوسع الاقتصادي الأمريكي -بما في ذلك الانقسامات الإقليمية الصارخة والتفسيرات المتنافسة للحرية الاقتصادية- ظهرت في الفترة الاستعمارية للتطور ما قبل الصناعي. يبدأ الكتاب بأصول المذهب التجاري الإنجليزي في أواخر القرن السابع عشر، والذي يمثل بالنسبة إلى ليفي “المفارقة القائلة بأن سلطة الدولة يجب أن تشجع القدرات المولدة للثروة في التجارة الخاصة ومع ذلك لا تزال تقيد المصلحة التجارية الذاتية النظام السياسي -وهو دافع خطير يهدد الأخلاق والسلطة”. ويجادل ليفي بأن التنافس بين الحرية والالتزام الاجتماعي الذي يشكل المسار الطويل للفكر السياسي الأمريكي ينبع في النهاية من هذا التناقض المركزي.

قصدت الدولة الإنكليزية، في بادىء الأمر، من المستعمرات أن تكون بمثابة “فتحات” لتصنيع فائض إنكلترا وسكانها -مما يخلق، في الواقع، طلباً أجنبياً يترافق مع الحد من البطالة المحلية- ولتوفير بعض المواد الخام للمتروبول. لكن مستعمِري نيو إنجلاند تحدّوا القيود المفروضة على التصنيع المحلي، مما أدى إلى تسارع في نمو البيروقراطية الإنكليزية التي حاولت مواكبة المستعمرات العازمة على تأكيد سيطرتها السياسية على تنميتها الاقتصادية. فرض المتروبول، لبعض الوقت، نهجاً أكثر واقعية، ومع قيام بنك إنكلترا بدفع الاستثمار التجاري، تم وضع الأساس للتجارة الحرة داخل الإمبراطورية. وهكذا، يجادل ليفي، تم وضع الأسس الفكرية والعملية لـ “النمو الاقتصادي الرأسمالي الأسي”. وهكذا بدء في ذات الوقت ، كما يجادل ليفي “عصر التجارة في أمريكا الشمالية بالالتزام الإمبراطوري الإنكليزي، إلى حد كبير، بعبودية السود”.

ويقرر ليفي أن هذا الالتزام لم يكن “مصيراً”، حيث بدأ التوسع الدراماتيكي للعبودية “باختيار حكام إنكلترا” لردع الهجرة بمجرد أن بدأ عدد سكان إنكلترا في الانخفاض. وبدلاً من الهجرة، يمكن الآن تحقيق عمل الاستعمار من خلال العبودية. يلاحظ ليفي كيف شكل السلع التي يتجها العبيد السود “بحلول منتصف القرن الثامن عشر، حوالي 80 % من جميع السلع الاستعمارية الأمريكية التي تم تصديرها إلى الوطن الأم”. وفُتحت تجارة الرقيق لجميع الإنكليز بعد العام 1689، مما ينذر بنظام الديموقراطية العنصرية العرقية Herrenvolk** في جمهورية الولايات المتحدة المبكرة. ومع ذلك، فإن التركيز الأعلى للعبودية في الجنوب قد مهد الطريق لظهور مسارات تنمية إقليمية متباينة كان من شأنها أن تؤدي إلى تفاقم الانقسامات في أواخر عصر ما قبل الحرب.

وفي حين أن المزرعة الجنوبية كانت تضم أغنى المستعمرات، خارج جزر الهند الغربية، فقد قام الشمال بتنويع قدراته التجارية والصناعية الناشئة. لقد كان وجود عدد أقل من العبيد في المستعمرات الشمالية يعني مشاركة المزيد من الأشخاص في التجارة، على الرغم من أن النخب الشمالية ستظل نشطة في تجارة الرقيق حتى ظهور إلغاء العبودية. يصف ليفي الثقافة الوليدة للبرجوازية الاستعمارية الشمالية، ويوضح كيف غذّت التجارة الأطلسية “المضاعف التجاري السميثي[ نسبة إلى الاقتصادي المعروف آدم سميث]” خلال القرن الثامن عشر، مما أدى إلى تغذية الثروة الاستعمارية وانتشار الأسواق لدرجة أن مستويات المعيشة ربما تجاوزت مستوى الشخص العادي في أي مكان آخر في العالم. وأدى انفجار التجارة والعبودية، في الوقت نفسه، إلى تجسيد مذاهب الملكية الخاصة في المستعمرات. وسوف تؤدي حرب الاستقلال الأمريكية إلى زيادة الانقسام الأساسي حول اتجاه الاقتصاد السياسي للجمهورية المتعثرة. يكتب ليفي: “في هذه الحقبة، كان السياسيون -وليس رجال الأعمال- هم المسؤولون الأكبر عن رسم المستقبل الاقتصادي للجمهورية على المدى الطويل”. وجسد توماس جيفرسون وألكسندر هاملتون صراع الجمهوريات المتنافسة: ويستند تصور جيفرسون لجمهورية زراعية مكتفية ذاتياً إلى عمليات التوسع غرباً، بينما سعى هاملتون للبناء وفقاً لنموذج التمويل عبر المحيط الأطلسي الذي حفز التجارة والتصنيع في الشمال. ويرى ليفي أن جوهر وجهة نظر هاملتون يقوم على سلطة الدولة في الجمهورية، هي السلطة الوحيدة التي “تستطيع أن تنسق التصعيد بين المصلحة الذاتية الخاصة والصالح العام”. وقد عارض جيفرسون بشدة هذا المشروع التنموي، خوفاً من تهميش أصحاب العقارات الصغيرة، وتغذية الأوليغارشية، ودعوة النخبة عبر الوطنية إلى تجريد الجمهورية الفتية من سيادتها الاقتصادية. وكما حدث، فإن فن الحكم لدى كل منافس سوف يلعب دور المعلم للآخر. إذ سوف تمول الهندسة المالية للولاية في حالة هاميلتون، بما في ذلك بنك الولايات المتحدة، شراء جيفرسون في لويزيانا، بينما أدى حظر جيفرسون على الصادرات خلال إدارته إلى تعزيز تطوير السوق الداخلية -مما دفع بعملية التصنيع الأولي الذي دافع عنه هاملتون في تقريره للعام 1791 حول موضوع المصنوعات.

وكما يوضح ليفي، فعلى الرغم من التوليف العرضي لهاتين الرؤيتين التنمويتين، إلا أن جيفرسون هو الذي انتصر سياسياً حتى الحرب الأهلية. كان أندرو جاكسون يشجب “النظام الأمريكي” للتخطيط القومي طويل المدى الذي اقترحه كنتاكي ويغ هنري كلاي في أعقاب حرب العام 1812. مناشداً المشاعر المناهضة للاحتكار، قام جاكسون بتجميع تحالف سياسي حول صغار المصنعين الذين يخشون أن يصبحوا معتمدين على الأجور؛ أطلقوا على أنفسهم اسم “التحالف الديمقراطي”. كان التطور خلال رئاسة جاكسون (1829-1837) محموماً وعشوائياً. حتى عندما حاولت الشعبوية في ذلك الوقت تطويق – أو “تحيط”، على حد تعبير ليفي، المجال العام بعيداً من المصلحة التجارية الخاصة، فقد حثّ فن الحكم الاستثمار والعكس بالعكس. وفوق كل شيء، وجهت سياسة الإبادة الجماعية لجاكسون، المتمثلة في إبعاد الأمريكيين الأصليين، استثمارات مضاربة في محيط البلاد الآخذ في الاتساع، مما سهل حدوث طفرة في التحسينات الداخلية. لكن نمو البنية التحتية كان مرتبطا بقروض من جهات دائنة بعيدة. على سبيل المثال، غالباً ما يتم رسملة الشركات المصرفية التي ترخصها الدولة من خلال مبيعات ديون الدولة. عندما رفع بنك إنكلترا سعر الفائدة المصرفية لاستعادة احتياطيات الذهب، لم تكن هناك سياسة طارئة لإدارة الذعر المالي في أواخر ثلاثينيات القرن التاسع عشر والانكماش الاقتصادي. ويشير ليفي إلى أن هذا التطور كان حالة كلاسيكية لانتهاء دورة الائتمان العالمية. كان جاكسون قد بنى مهنة سياسية في مهاجمة النخب، لكن عمليات التنمية التي قام بتسريعها كانت مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بنزوات المستثمرين من الشمال الشرقي والبريطانيين.

كان توسع سوق الرقيق المحلي الوحشي، بالإضافة إلى حدود المستوطنين البيض لجاكسون، دافعاً أساسياً للتنمية الاقتصادية بين الأقاليم. وأدى إغلاق تجارة الرقيق عبر الأطلسي في العام 1808 إلى “الممر الأوسط الثاني” الذي تم تغذيته بدلاً من ذلك من خلال التكاثر البيولوجي للعبيد، وحفز اقتصاد المزارع المزدهر التجارة الداخلية على طول الممرات المائية التي تربط الولايات الشمالية الغربية والجنوبية القديمة. ويوضح ليفي، من خلال تجميع شرح كارل ماركس للعبودية كمؤسسة اقتصادية وفهم نخبة المزارع لها، كيف تم تفسير العبيد على أنهم أصول رأسمالية محمولة ذات “عائد نقدي محتمل” يتم تنظيم قيمته أساساً من خلال سعر القطن. استخرج النظام درجة مذهلة حقاً من إجمالي الثروة القومية، متجاوزاً بشكل كبير مصادر النمو الأخرى في خمسينيات القرن التاسع عشر. لقد وجد ليفي أن “قيمة” الأربعة ملايين شخص مستعبد في الولايات المتحدة بلغت ثلاثة مليارات دولار – “ثلاثة أضعاف قيمة مخزون رأس المال الصناعي الأمريكي بأكمله في العام 1860”. وبحلول ذلك الوقت، تم تنظيم أكبر مزارع القطن بشكل فعال على طول خطوط فورديست الأولية، حيث تعمل مثل النباتات مع تقسيم صارم للعمل عبر مهام مختلفة لتحقيق أقصى قدر من الكفاءة. وعززت طبقة المزارعين، في الوقت نفسه،  هذا النظام الاقتصادي الوحشي من خلال شن دفاع أبوي منحرف عن العبودية، واصفة المستعبدين على أنهم امتدادات مُعتنى بها لعائلات المزارع.

ويجادل ليفي بأن مثل هذه النزعة الأبوية أبرزت الاختلاف في الاقتصاد السياسي الإقليمي بين أربعينيات القرن التاسع عشر وانتخاب لينكولن. “ثورة النقل” التي تقودها حكومة الدولة في البنية التحتية للسوق “والتي كانت مركزة بشكل أكبر في الشمال قد بدأت بالفعل قفزة كبيرة في المنطقة في التصنيع. عززت القنوات والشركات الدائرية من كثافة السوق والوصول إليها، مما أدى إلى ازدهار شبكات الحواضر من الممولين والمصنعين والتجار والعاملين في التجارة. وقد بدأ يتشكل ما يسميه ليفي “مضاعف الاستثمار الصناعي”، وبالتالي بدأت مرحلة جديدة في الرأسمالية الأمريكية. كانت الطبقة الناشئة من الصناعيين على أعتاب الاستثمار في مستوى غير مسبوق من رأس المال الثابت طويل الأجل الذي لن يعيد تشكيل البنية المادية للمدن والبلدات فحسب، بل سوف يسرع التكامل الاقتصادي، من خلال نظام السكك الحديدية لحزام التصنيع الممتد الشمال الشرقي إلى الغرب الأوسط. وسوف تبدّل هذه التغييرات الاقتصاد الأمريكي، ولكن كان هناك حاجة إلى محفز سياسي، وقد جاء في شكل الحزب الجمهوري.

صعود التصنيع الجمهوري

يبدأ القسم التالي من الكتاب، عشية الحرب الأهلية، ويوضح كيف كانت وتيرة التصنيع مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالحزب الجمهوري وانتصار الاتحاد. فقد أصبح مستقبل العبودية وتوسعها الجغرافي، لحظة وصول لينكولن للرئاسة، هو نقطة  الانقسام الذي لا يمكن التغلب عليها في السياسة الوطنية. لم يكن لينكولن من المؤيدين البارزين لإلغاء  العبودية، لكنه كان لا يزال يخشى أن تصبح العبودية أمراً قانونياً مرة أخرى في الولايات التي حظرتها بعد قرار المحكمة العليا المعروف باسم قانون دريد سكوت في العام 1857. وبحسب ليفي، أثار خطاب لينكولن قلق عدد كافٍ من المزارعين في الغرب الأوسط الأدنى من الولايات المتحدة من احتمال أن يتجاوز أصحاب العبيد سبل عيشهم ويشترون أفضل الأراضي. نجحت الرسالة في ترجيح انتخابات العام 1860 لصالح الجمهوريين. وبقدر ما كانت “قوة الرقيق” هي المهيمنة، فقد أظهر ليفي أن الحزب الجمهوري المشكل حديثاً قد ورث المسار التنموي الذي رسمه اليمينيون البائدون” الويغ”. عزز صراخ الجمهوريون الصاخب “أرض حرة، عمل حر، رجال أحرار” القاعدة السياسية عبر المناطق الزراعية في الشمال وحزام التصنيع.

وسوف يكون دمج الموظفين الجمهوريين مع الصناعة والتمويل في الشمال، حاسماً لجهة انتصار الاتحاد في الحرب الأهلية. في الواقع، يقول ليفي، أن “اقتصاداً سياسياً عالي الأداء من الفساد ساعد الاتحاد على الفوز”. فقد تم تحفيز الشركات الشمالية، بشكل كبير، من خلال طلب الحكومة الفيدرالية للسلع والمواد، والتي تم شحنها إلى جنود الاتحاد على خطوط السكك الحديدية الخاصة المستأجرة من الدولة. وفي غضون ذلك، أكد الكونغرس الجمهوري على قدرة الدولة على توجيه التنمية الاقتصادية ودفعها. وأطلقت تعرفة موريل للعام 1861 خليطاً مشتتاً من التعرفات الوقائية التي ربطت الصناعات الشمالية بالنجاح السياسي الجمهوري بعد فترة طويلة من انتصار الاتحاد. وفتح قانون الاستيطان للعام 1862 الباب على مصرعيه لملايين الأفدنة من الأراضي الفيدرالية من أجل الاستيطان المجاني تقريباً. وقدّم قانون موريل للعام 1862 منحاً للأراضي لإنشاء كليات حكومية. وأثارت قوانين  السكك الحديدية Pacific Railway لعامي 1862 و 1864 ا رتفاع وتائر السفر عبر القارة من خلال استئجار شركات يونيون باسيفيك وسنترال باسيفيك. من خلال هذه الأشكال الصارمة من عمل الدولة – التصنيع الحمائي، والاستيطان المدعوم من الدولة وملكية الأراضي، وإنشاء سوق وطنية -ولد تحالف إنمائي جمهوري، تحالف من شأنه تحديث البلاد، في ذات الوقت الذي سيولد فيه تسلسلاً هرمياً اقتصادياً جديداً.

 كان محور هذا التسلسل الهرمي الجديد التغييرات في النظام المالي الأمريكي الذي دفعته الحرب الأهلية والتي من شأنها أن تؤدي إلى تفاقم الاختلافات الإقليمية. يوضح ليفي أن الحزب الجمهوري فشل، في نهاية المطاف، في تبني نموذج شامل للتنمية في أعقاب إلغاء العبودية. أجاز القانونان المصرفيان الوطنيان لعامي 1863 و 1864، اللذان سهّلا المسار إلى عملة واحدة، استخدام الدين العام لتمويل حملة الاتحاد، مما أشعل سوق السندات العامة وجعل وول ستريت عقدة أكثر قوة في التمويل الوطني والدولي. مولت الضرائب القومية الديون، بينما ساعد الاستخدام المؤقت للدولار خلال الحرب على تضخيم الإنتاج والتجارة. لكن التوسع في عرض النقود، إلى جانب إمكانية فرض ضرائب تصاعدية، سيكونان قصيري الأمد. وأصبح استئناف المعيار الذهبي أولوية قصوى للنخبة المالية الجديدة بمجرد انتهاء الحرب، مما أضر بشدة بإعادة الإعمار. كانت العودة إلى الذهب تعني الانكماش والتقشف، مما أدى إلى تقليص حاد في النفقات المالية اللازمة لتأمين الحرية السياسية للسود بعد الحرب في الجنوب. ومن شأن انكماش الاستثمار أن يحرم غالبية العبيد السابقين من وسائل الحصول على الأرض وإقامة التجارة؛ وهكذا أصبحت المشاركة في الإيجار تحت سيطرة سادة المزارع السابقين في كل مكان.

عندما بدأ عصر الذهب في سبعينيات القرن التاسع عشر، برز أول عمالقة صناعيين حقيقيين على المستوى القومي. ويسلط ليفي الضوء على كيفية إعادة اختراع شخص مثل  أندرو كارنيجي من مُضارِب في السكك الحديدية إلى قطب  صناعة الصلب، ليكون نموذجاً للانتقال نحو اقتصاد كثيف الطاقة ورأس المال. ويقول ليفي أن “صناعة الصلب ضاعفت سلسلة كاملة من الروابط الخلفية والأمامية،” وخلقت بنى اجتماعية أكبر يعتمد تماسكها بشكل متزايد على الإنتاجية والربحية الناتجة عن رأس المال الثابت.

استفاد كارنيجي، مثل غيره من الصناعيين، من التعرفة الوقائية، وأدى هذا إلى تنامي حاجز المنافسة الأوروبية من خلال زيادة إنتاجية العمل بلا رحمة، ومراقبة التكاليف والإنتاج عن كثب من خلال مسك الدفاتر وحفظ الوقت. كما فرضت الحمائية تسلسلاً هرمياً على الفصائل والتركيبة السكانية للائتلاف الجمهوري، حيث أعطت امتيازاً لمنتجي السلع الرأسمالية والمصنعين الوسيطين بينما أجبرت المستهلكين والمزارعين بشكل فعال على دعم الإنتاج المحلي – بما في ذلك أولئك الموجودون في الجنوب المتعطش نسبياً لرأس المال. كما حلت عائدات الرسوم الجمركية محل الضرائب الوطنية، مما أدى إلى زيادة التفاوتات الإقليمية. وقد أصبح هذا الهيكل متشابكاً بشكل كبير مع النمو الحضري الشمالي والتطور المزدهر باتجاه الغرب. كما يوضح ليفي، كان هناك طلب كبير على المواد الغذائية لإطعام الطبقة المتزايدة من العاملين بأجر صناعي، مما خلق طلباً إضافياً على المصنوعات المحلية المطلوبة لتحسين الإنتاج الزراعي. حتى عندما كانت سلة الخبز في الغرب الأوسط أكثر عرضة للتقلبات في الائتمان العالمي، ربط نظام الرسوم الجمركية المزارعين والعمال والرأسماليين الصناعيين في سلسلة من تضخيم التجارة بين الولايات والأقاليم.

لكن الحمائية لا تستطيع قمع الصراع الصناعي الذي تفاقم بسبب المعيار الذهبي، وأصبح عدم المساواة والاستغلال قضية ملحة للعمالة، ومع ذلك أظهر التنظيم انقساماً واضحاً. استحوذت تجربة فرسان العمل Knights of Labor في ثمانينيات القرن التاسع عشر على العوائق المبكرة للحركة العمالية، الهيكلية والعصامية. كان صعود المجموعة، بوصفها مجموعة منتجة قوية ومتجذر في مناهضة الاحتكار على عكس السياسة الدولية، قد سبق توطيد نظام الأجور الذي سيصاحب حركة الاندماج الكبرى للشركات من 1895-1904. في حين تم إدراج النساء وبعض المنتجين السود ضمن سمات فرسان العمل الأكثر مساواة، كانت القيادة معادية للصين بشكل صريح ودعمت قانون الاستبعاد الصيني للعام 1882. كان السبب الرئيسي لنهايتهم، وفقاً لما ذكره ليفي، عدم قدرتهم على التوفيق بين تطلعات بروليتاريا حضرية عديمة الملكية مع المنتجين متوسطي الملكية الذين كانوا يحاولون الحفاظ على أهميتهم الاقتصادية مقابل الحصة السوقية الهائلة للشركات الأكبر والأكبر. اتبعت الفيدرالية الأمريكية للعمل مساراً إصلاحياً، في الوقت الذي استبعدت فيه الرأسماليين الصغار، وقد حد من آفاق هذا المسار الإصلاحي تجنب التحالفات السياسية ودمج السود والمهاجرين الجدد. ويلاحظ ليفي أن تحول الحركة العمالية نحو إصلاح نظام الأجور كان نذيراً للتركيز الأوسع على “سياسات الدخل” التي ستهيمن على الاقتصاد السياسي في القرن العشرين.

مثّلت الحركة الشعبوية، من جانبها، تحدياً آخراً للصلة بين رأس المال الصناعي والمالي. روج الشعبويون -وأسلافهم في تحالف المزارعين- لمجموعة من السياسات والابتكارات التنظيمية، بما في ذلك التعاونيات، وخطة للدولة لدعم المحاصيل وتخزينها، وأنظمة السكك الحديدية لمحاربة الاحتكارات بالإضافة إلى ملكية الدولة الكاملة لصناعات السكك الحديدية والاتصالات، واستخدام الفضة لزيادة المعروض النقدي. وتهدف طموحات استخدام الفضة، على وجه الخصوص، إلى تقليص قوة تفضيل السيولة للنخبة المالية عبر الوطن وإلغاء الزراعة الغربية والجنوبية من الممارسات الاحتكارية. كانت الدورة الحتمية للازدهار والانهيار المدفوعة بمعيار الذهب تعود بالضرر على المزارعين الغربيين على وجه الخصوص، الذين كانوا بالفعل خاضعين لمعدلات فائدة أعلى على صعيد  القروض المصرفية والرهن العقاري. تسبب الذعر في العام 1893 في أزمة ائتمانية حادة أخرى أدت إلى انكماش حاد في أسعار المحاصيل. ويلاحظ ليفي أن دخل المزارع انخفض بنسبة 22% في فترة الكساد التي تلت ذلك.

ومع ذلك، فقد حُكم على الشعبويين بالارتفاع الكبير في التعامل بالفضة في الحملة الرئاسية للعام 1896،  وكانت دفاعاتهم عن السياسة النقدية التضخمية التي تتفوق على أفكارهم الاقتصادية التنموية وشبه الدولة، كم ا يقول ليفي. وقد دعم الشعبويون ويليام جينينغز برايان، من خلال تحالف مصيري مع الحزب الديمقراطي -وهو تحالف من شأنه أن يحتوي في الوقت نفسه على الشعبوية ويغير المسار الوطني للسياسة الديمقراطية عبر حقبة الصفقة الجديدة- حيث استحوذت مبادرة برايان على فساد الأوليغارشية المتأثرة بمعيار الذهب. خسر برايان الانتخابات أمام الجمهوري ويليام ماكينلي، الذي شدّد على العلاقة بين الصناعة المحلية والازدهار الآخذ في الاتساع. ويجادل ليفي بأن التعريفة الوقائية حالت في النهاية دون حدوث هذا النوع من التحالف الكبير بين الشعبويين الزراعيين والمصنعين الصغار في الغرب الأوسط والعمالة الشمالية الشرقية اللازم لقلب هيمنة الجمهوريين في الانتخابات الفيدرالية.

في الواقع، قدمت التعرفة وسيلة تحوط ذات مصداقية ضد مسار بديل غير مجرب إلى حد كبير للتنمية، حتى لو كان يعني التسامح مع النزوات المالية التي يقودها معيار الذهب. وبرغم أن التعرفة لم تعد تلعب دوراً حيوياً  في تعزيز الصناعات الناشئة، إلا أنها جمعت، سياسياً، شريحة عابرة للطبقات في الشمال المتقدم اقتصادياً. وعلى الرغم من عدم المساواة الشديد في العصر الذهبي، فقد أصبحت الصناعة المحلية القوية الوسيلة الأساسية للتوظيف وترتبط بشكل متزايد بارتفاع الأجور. في غضون ذلك، يلاحظ ليفي أن المحكمة العليا كانت تتأرجح بين آراء مناهضة الاحتكار وعدم التدخل، لكن حكمها الصادر في العام 1895 بأن “عمليات دمج التصنيع الكبيرة لم تكن مخالفة” لقانون شيرمان لمكافحة الاحتكار لعام 1890 أدى إلى صعود الشركات الحديثة والاعتماد عليها من العمال بأجور ثابتة. تم دعم الجمهوريين بشكل أكبر من خلال الوصول الواسع إلى معاشات تقاعد الحرب الأهلية -وهو شكل فظ ولكنه ناجح من الناحية السياسية، من الرعاية الاجتماعية والذي كان موجوداً قبل فترة طويلة من تقديم الضمان الاجتماعي. وفي النهاية، لم تتمكن الحملة التي تركزت بشكل غير متناسب على “الفضة الحرة” وشكاوى جمهور معظمها من الريف من كسر التحالف الجمهوري، على الرغم من الاشتباكات المتكررة التي حدثت بين الرأسماليين والعاملين في قلب التصنيع في البلاد.

 التحولات الإقليمية للصفقة الجديدة وتحولات ما بعد الصناعة

يبحث القسم الثالث من الكتاب، الصفقة الجديدة -قمة الاستثمار الذي تقوده الدولة في الولايات المتحدة- وتداعياتها في اقتصاد ما بعد الحرب. خلال هذه الفترة، كان للأنشطة المشتركة للوكالات التنظيمية والاستثمارية والإغاثية، كما يوضح ليفي، آثار إقليمية مدهشة، حيث أعادت ترتيب النموذج الاقتصادي الجمهوري بشكل أساسي الذي جعل الشمال صناعياً إلى حد كبير على حساب الجنوب. كما يقول ليفي، جمع بناء دولة الصفقة الجديدة “سياسات الدخل” – جعل الرأسمالية الصناعية “ديمقراطية” من خلال إعادة التوزيع بوساطة الدولة والاعتراف القانوني بحقوق النقابات -مع السياسات التنموية المستمدة من الإرث الشعبوي، والتي أكدت على عدم مجرد أرضية صلبة لدخل المزارع ولكن المشاريع التي من شأنها أن تساعد في تحقيق التكافؤ الإقليمي في مستويات المعيشة. إن الانتشار الناتج للأشغال العامة والائتمان المدعوم من الدولة، لا سيما في الجنوب والغرب، من شأنه أن يساعد في تنشيط الإنتاجية في قلب الصناعة الشمالية بينما يشع الاستثمار الخاص إلى الخارج.

ارتبطت هذه التغييرات ارتباطاً وثيقاً بالتحولات السياسية العميقة التي استغرق صنعها عقوداً، بدءً من مغازلة وودرو ويلسون للبيض الجنوبيين. بمساعدة الكونغرس الديمقراطي الذي لا يزال متأثراً بشدة بالمصالح الزراعية بينما يعتمد على الأجندة الإصلاحية لتقدميي الشمال الشرقي Northeastern Progressives، أدخلت إدارة ويلسون الأولى (1913-1917) ضرائب الدخل وضريبة الشركات، وخفض التعرفات، وأقر تشريعات مكافحة الاحتكار، وخلق طرقاً جديدة لإصدار الائتمان إلى المزارعين. بينما وسّع روزفلت، في إدارته الأولى (1933-1937) ذلك الانعكاس القطاعي، فقد عزز إعادة اصطفاف الطبقة العاملة الحضرية حول الديمقراطيين من خلال الضمان الاجتماعي، وقانون فاغنر، وغيرها من التدابير التي عززت التزام الحزب ببناء رفاهية الدولة الحديثة، التي كانت حتى ذلك الحين ذات طابع هيكلي في أحسن الأحوال. (يؤكد ليفي، مردداً صدى العديد من الباحثين في الصفقة الجديدة، أن روزفلت احتضن بشغف تحالفاً متنوعاً إثنياً وإقليمياً، حتى في الوقت الذي كان لايزال النظام العنصري لـ “الجنوب الصلب” يلعب دوراً مهماً في صياغة سياسات الصفقة الجديدة).

كانت الصفقة الجديدة أكثر من مجرد تكرار للنزعة التقدمية الويلسونية الشعبوية. ويلاحظ ليفي كيف شكّل قانون الانتعاش الصناعي الوطني للعام 1933، انقطاعاً مع إرث الديمقراطيين المناهض للاحتكار في عهد جاكسون،  على الرغم من إبطال هذا القانون من قبل المحكمة العليا بعد ذلك بعامين. لن تنتهي فترة الكساد الكبير باستعادة صغار الملاك بل بحث رأس المال الصناعي على إحياء نموذج الرجل المعيل الذي وعدت به النزعة الاستهلاكية الفوردية قبل الأزمة، فيقول ليفي: “ظهر نمط جديد” – نمط “عملت فيه الحكومة الفيدرالية لتسهيل المشروع الرأسمالي” على مستويات الإنتاج الضخم، “حتى في الوقت الذي انتقد فيه العديد من رجال الأعمال سياساتها الضريبية والتنظيمية”. ونتيجة لذلك، كان الهدف الأساسي لروزفلت هو دعم الطلب وتحفيز الاستثمار، على الرغم من أن بعض شبكة تجاربه السياسية، مثّلت درجة عداوة أكثر من غيرها تجاه رأس المال، تجاوزت حدود تدخل الدولة التي افترضها سلفه هربرت هوفر. كان هوفر نموذجاً أولياً من التكنوقراط. لقد تصور “دولة جمعيات” تقوم على مزيد من الحوكمة العلمية والتنسيق بين مجموعات المصالح. ويرى ليفي أن محاولاته لمكافحة الكساد كانت مقيّدة بشدة لأنه “لن يجبر الرأسماليين على الاستثمار”. كان هوفر، بالأصح، مديناً بالفضل لعقيدة التقشف السائدة -والتي عززها، وفقاً لما ذكره ليفي، تشخيص غير صحيح لانهيار العام 1929.  ومع مطلع القرن، أصبحت بورصة نيويورك أهم سوق للأوراق المالية السائلة للشركات، مما أدى إلى توسيع نطاق الاستثمار طويل الأجل في الإنتاج، كما خلق أيضاً إغراءات جديدة للمضاربة الشرسة. وروّجت وول ستريت والشركات، طوال عشرينيات القرن الماضي، إلى الفكرة التي تنادي بأن ملكية الأسهم هي “ركيزة الملكية للمواطنة الديمقراطية”، تماماً كما كانت ملكية الأراضي في السابق، مما أدى إلى نوبة من الاستثمار المضارب على نحو متزايد. لكن ما وصفه الاقتصاديون الكلاسيكيون بأنه استثمار مفرط، يصفه ليفي بأنه “استثمار مضارب”. أدى تحول الرأسماليين اللاحق إلى “الاكتناز الاحترازي للأصول السائلة” إلى تفاقم الأزمة لأن “القدرة الحالية” – مزيج من رأس المال الثابت المنتج وجماهير العمال الراغبين- أصيبت بالركود وانهيار الطلب. وفي أعقاب هذه التطورات، كان أول نجاح حاسم لروزفلت هو استعادة خط الأساس للاستهلاك. فحصل تعديل جزئي للأسعار من خلال التحول في مؤسسة تمويل إعادة الإعمار (التي يناقشها ليفي بإسهاب، مع التركيز على استثماراتها العامة وإعادة رسملة البنوك)، وضوابط الإنتاج الزراعي، وخفض قيمة الدولار مقابل الذهب. واستكمل التمويل الذي تديره الدولة بمشاريع البنية التحتية التي وفرت الإغاثة التي كانت البطالة في أمسّ الحاجة إليها وسوف تساعد، وإن ببطء، في جذب رأس المال إلى المناطق المتخلفة في البلاد. وبرغم من الخط التنموي للصفقة الجديدة المبكرة، كما يتضح من هيئة وادي تينيسي وإدارة الأشغال العامة، يسلط ليفي الضوء على عدم تناسق مهم بين الذراع التنظيمية للصفقة الجديدة وذراعها التنموي. لقد كانت ضوابط رأس المال المختلفة -التي تهدف إلى استقرار النظام المالي، واستعادة الطلب، وتوجيه رأس المال نحو الإنتاج- ذات أولوية أعلى شأناً من بناء المساكن العامة والتوسع الإضافي للشركات العامة.

يؤكد ليفي على خلق ظروف معادية لإدخال أشكال أكثر مساواة من التنمية التي تقودها الدولة  بسبب “التفضيل (الجديد) المسيس للسيولة” بين الرأسماليين، في أواخر ثلاثينيات القرن الماضي. وقامت الحكومة  بتعزيز التنمية، كإجراء بديل، في الإيواء السكني من خلال الإدارة الفيدرالية للإسكان، والتي قامت، من بين أنشطة أخرى، بتأمين القروض وتوحيد أطر زمنية  مديدة للقروض العقارية. وبفضل هذا الإطار التنظيمي الذي شجع الاستثمار طويل الأجل، سوف تزدهر عملية بناء المساكن في حقبة ما بعد الحرب، مما سوف يشكل دعامة أخرى للنزعة الاستهلاكية المبنية على المعيل من الذكور والأسر النووية الأوليّة التقليدية.

وسوف يُسمح لإدارة روزفلت، فقط بسبب دخولها الحرب العالمية الثانية، بإعادة تنظيم الاقتصاد مؤقتاً على نطاق غير مسبوق. ويرى ليفي كيف أدت “الاستثمارات العامة الهائلة في المؤسسات” المملوكة للحكومة والمدارة من قبل المقاولين، التي تم إنشاؤها حديثاً، إلى دفع الإنتاج الحربي إلى الأمام”. فبنيت، أخيراً، مصانع جديدة، لاسيما في قطاع صناعة السيارات، على وجه الخصوص، بهدف زيادة الإنتاج لتلبية طلب الجيش على المعدات. سوف تلبي التعبئة في زمن الحرب، أخيراً، طموحات الصفقة الجديدة للتوظيف الكامل، مما يغذي “التصنيع الغربي الثالث” على طول غرب المحيط الهادئ بينما سوف تعجّل، أيضاً، بظهور حزام الشمس، الذي ستستمر أهميته الاقتصادية المعززة خلال الحرب الكورية ودولة الأمن القومي الدائم التي ولّدت الحرب الباردة.

لكن اقتصاد ما بعد الحرب وضع، في الوقت نفسه، قيوداً واضحة على ليبرالية الصفقة الجديدة. التعريف الواسع للصالح العام الذي دعت إليه الصفقة الجديدة -والذي تجسد في اقتراح روزفلت في العام 1944 لـ “وثيقة الحقوق الثانية”- تم استبداله بـ “المثلث المالي” للحكومة الفيدرالية والشركات القائمة حول مواقع الإنتاج الكبيرة، والسخاء. ويقول ليفي: “لم يكن لدى الولايات المتحدة اقتصاد” مختلط “للمشاريع العامة والخاصة، كما فعلت العديد من الدول الديمقراطية الاجتماعية في فترة ما بعد الحرب”، بل انبنى الاقتصاد على مجاميع المصالح الخاصة المتزاحمة من أجل الحصول على مزايا حكومية كبيرة. وركزت السياسة الاقتصادية على الحفاظ على النمو، واستخدام الحافز الكينزي لمواجهة حالات الركود، بينما أصبحت “الوفرة” استحقاقاً للمواطنة الاقتصادية”. لقد استغرقت الآليات السياسية أكثر من نصف قرن لضمان أن يوفر التصنيع الرخاء المشترك. ومع ذلك، سوف تتداعى بنية اقتصاد ما بعد الحرب في ظل استمراره في تأبيد سياسات عدم المساواة العرقية والجنسانية، وسوف يقود حملة شجاعة من جانب رأس المال دفاعاً شجاعاً من أجل قدر أكبر من الحركة فضلاً عن العديد من الصدمات الاقتصادية الدولية والمحلية.

ويرفض ليفي بشدة الحنين إلى العصر اذهبي رأسمالية الرفاهية، أثناء نقاشه للعملية الانتقالية من نظام الصفقة الجديدة إلى الاقتصاد المالي غير المستقر لريغان وخلفائه. ويستذكر إخفاقات إعادة الإعمار، ويُظهر كيف هدمت القرارات “الديمقراطية” الوضع الاقتصادي للأمريكيين السود، تماماً  كما كان الهدف من تشريعات “المجتمع العظيم” تعزيز مساواتهم السياسية. وسهّلت مخططات “التجديد الحضري”، التي تمت إدارتها بشكل خاطئ، عمليات نقل الاستثمار الإنتاجي بعيداً عن حزام التصنيع، مما أدى إلى إزالة ركيزة من الفرص الاقتصادية النسبية للأمريكيين السود الذين استقروا في المدن الشمالية خلال فترة الهجرة الكبرى. كان الأمريكيون السود عرضةً، أيضاً، للخطوط الحمراء لفترة طويلة، وساهمت سياسات إدارة الإسكان الفيدرالية في تضخيم الفوارق الاقتصادية من خلال توجيه الاستثمار العقاري نحو بناء منازل الأسرة الواحدة في الضواحي البيضاء. وينسب ليفي بشكل مباشر بروز الحجز الجماعي إلى هذه التطورات، فيكتب : ” ليس ثمة  إحصائية  أكثر دلالة لفشل أجندة التنمية الاقتصادية لليبرالية في القرن العشرين، من أن الرجال السود الذين ولدوا بين عامي 1965 و 1969 كانوا أكثر عرضة في المتوسط ​​إلى دخول السجن من التخرج من الكلية”. وليس ليفي وحده من يؤكد التأكيد على أن نظام الصفقة الجديدة حمل بذور تدميره في أحشائه، فما يجعل هذا التقويم أكثر وضوحاً هو الرابط الذي يرسمه ليفي بين حالة الحرب الجديدة والتأميم النهائي لسياسة حزام الشمس -وبالتالي أولوية المضاربة العقارية والأصول المالية السائلة ووظائف الخدمات التي لا يتم تعويضها.

يحيل ليفي، في الجزء المتبقي من الكتاب، هذه الموضوعات إلى الوقت الحاضر، فيستقصي في عمليات التحول ما بعد الصناعية والإجماع من الحزبين الذي نقل بنشاط الكثير من صنع السياسات الاقتصادية إلى مجلس الاحتياطي الفيدرالي، الذي أدى تفويضه للسيطرة على التضخم إلى منع التوظيف الكامل وتوفير غطاء سياسي ضد الأجور الثابتة وزيادة عدم المساواة. ويستطرد ليفي القول مطوّلاً، وبشكل ملموس، متجنباً الحديث غير المحدد عن النيو ليبرالية، أكثر عن” النزعة الاقتصادية الروبينية”Rubinomics” ، في إشارة إلى وزير خزانة بيل كلينتون روبرت روبين – الذي دافع عن الميزانيات المتوازنة، والذي أعطى الأولوية، إلى جانب رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي ألان غرينسبان، لثقة المستثمرين في أسواق رأس المال العالمية. بدلاً من الدخول في موجة جديدة من الاستثمار طويل الأجل، وقد عزز هذا التوجه السياسي، بجانب التطورات الأخرى في الاقتصاد العالمي، ارتفاع تضخم أسعار الأصول، ورسملة الأفكار التي يغذيها الإنترنت على صعيد البنية التحتية والمعدات، والتوسع المحلي الأوسع. وشكّل سحب الاستثمار الذي صاحب اقتران الاقتصادين الأمريكي والصيني أحد الآثار السياسية لمناقشات ليفي بأن الديمقراطيين، وليس الجمهوريين فقط، يتحملون مسؤولية عمليات النهب التي حدثت في عصر الذهب الثاني.

وصلت هذه التطورات إلى ذروتها في العام 2008 عندما تصاعدت، بالطبع، الأزمة المالية، إلى الركود العظيم في “انكماش معياري للدَّيْن”. ولكن أوباما تبنى إلى حد كبير اعتماد سياسة المسؤولية الأخلاقية، بدلاً من إحياء “المضاعف المالي” القوي. وكان تحفيز إدارته، كما يجمع العديد من خبراء السياسة التقدميين، شديد الحذر، وتبنى أوباما عن طيب خاطر التقشف بعد موجة حفلات الشاي في العام 2010***. ظل صنع السياسة الاقتصادية محصوراً في مجلس الاحتياطي الفيدرالي، لكن ابتكاره في التيسير الكمي الذي ساهم في خفض طويل الأجل لأسعار الفائدة، لم تشعل شرارة إعادة استثمار أرباح الشركات التي كانت مقصودة، وسوف يستغرق الأمر انتخاب دونالد ترامب والأزمة الاقتصادية الجديدة التي أحدثها الوباء لإثارة الاعتراف بين النخب الديمقراطية (بما في ذلك بايدن) بفشل جهود التحفيز التي بذلتها إدارة أوباما. وبالنظر إلى السرعة التي أعلنت بها إدارة بايدن عن سياساتها الاقتصادية، يبدو أن بعض صانعي السياسة، على الأقل، يعتبرون الآن أن فترة ولاية أوباما كانت دليلاً على أن التوسعات الطويلة لا تضمن التعافي العادل.

نجح كتاب عصور الرأسمالية الأمريكية،  في جزء كبير منه، باعتباره تاريخ مكون من مجلد واحد عمل على المسح الكامل للرأسمالية الأمريكية، بسبب تركيز مؤلفه على الأهداف المتنافسة التي تحث صنع السياسة الاقتصادية على أعلى مستويات السلطة السياسية. إنه كتاب يقدّم، أيضاً، تاريخاً مليئاً بالتفاصيل الثقافية والاجتماعية، ويوفر نافذة على نضالات وأهداف الطبقة العاملة الأمريكية، ووسائل الراحة والقيود المفروضة على حياة الطبقة الوسطى، والرؤى المهووسة للنخب الاقتصادية الأكثر أهمية في البلاد. وبطبيعة الحال، ثمة هناك حدود ضرورية للعمل بهذا النطاق والتركيز. حيث يرتبط السياق الدولي، على سبيل المثال، في الغالب بمناقشات السياسة النقدية وتقلبات الائتمان. ويتضمن الكتاب نقطة ضعف نسبية أخرى، فهو لا يتعامل، إلا بشكل غير مباشر، مع مفهوم الرأسمالية العرقية، وهي رؤية مركزية تتزايد أهميتها في ضوء المناقشات حول تاريخ العبودية والرأسمالية. ( يقر ليفي بأن المجال “لا يتسع للحديث بإنصاف عن النقاشات” المتعلقة بالعلاقة بين الرأسمالية والعبودية. فنقطة انطلاق هذه الكتاب هي “رأس المال. أمّا العبودية فهي مؤسسة قديمة أظهرت العديد من الخصائص المشتركة على مر القرون، ليس  الرسملة أحدها”.) يحتل عرض ليفي للثروة المستخرجة بوحشية من العبودية جزءً كبيراً من النصف الأول من الكتاب، وهو يسلط الضوء بشكل كبير على المسارات الإقليمية المتباينة لتطور الولايات المتحدة. لكن يفتقر النص إلى مناقشة نقدية مباشرة قدمها سيدريك ج. روبنسون وآخرون، بأن الأشكال العنصرية من القهر والتراتبية الهرمي كانت أشكالاً جوهرية للتطور الرأسمالي، وليس الأنظمة التي نشأت بشكل مشترك من الاحتمالات السياسية. ويمكن القول بتعابير أكثر عمومية: على الرغم من أن الظلم العنصري هو موضوع متواصل لتحليل ليفي، لكن يتم التعامل مع الفاعلية السياسية والحياة الاقتصادية السوداء بشكل هامشي أكثر. وبالمثل، بينما يفكر ليفي أحياناً في كيفية إبراز الرأسمالية الصناعية لـ “مجالات” الحياة المنزلية والتهميش السياسي لعمل المرأة، فإن بنية الكتاب تسمح فقط بتخصيص الكثير من الاهتمام فقط لأشكال الإقصاء والاستغلال التي صاحبت التطور الرأسمالي. .

قد يلاحظ القراء أيضاً أن العالم المادي للحياة الاقتصادية الأمريكية يتراجع مع تضييق ليفي بؤرة تركيزه على السيولة وتدفقات رأس المال العالمية. يقدم ليفي نقاشاً رائعاً حول النمو الاقتصادي في هيوستن في السبعينيات، على سبيل المثال، موضحاً كيف أن هذا النمو يمثل إنشاء مستوى جديد من الاستهلاك السريع والواضح وأعمال الرعاية منخفضة الأجر التي يقودها اندفاع النساء إلى دائرة القوى العاملة. لكنه، أي ليفي، لا يقوّم التحسين والتهجير اللذين من شأنهما تعكير حضور طفرة جديدة لمدن الساحل الشرقي والغربي. كما أنه لا يبحث بتفاصيل هامة عن الظروف التي قادت بعض مناطق حزام الصدأ Rust Belt **** للتصويت لصالح ترامب في العام 2016.

في الواقع، ينتهي الكتاب قبل صعود ترامب.

ومع ذلك، يعد الكتاب مساهمة قيمة ومثيرة للاهتمام في معظم النواحي. ولعل أحد أهم إنجازاته تكمن في توضيح قيمة النظر إلى تاريخ الولايات المتحدة على أنه تاريخ دولة نامية. هناك مجال متزايد من البحوث الأكاديمية حول هذا الموضوع، من بينها كتاب مارتن. جي. سكلار  : “الولايات المتحدة كدولة نامية” (1992)، وكتاب ريتشارد فرانكلين بينسيل:” الاقتصاد السياسي للتصنيع الأمريكي ، 1877-1900″ (2000), وكتاب مونيكا براساد: “أرض الكثير: الوفرة الأمريكية ومفارقة الفقر” (2012)، بالإضافة إلى تدخلات أحدث مثل المقال الذي نشره العام الماضي كل من نعوم ماغّور وستيفان لينك.

ويعمل هذا الكتاب التأريخي وإن بطرق مختلفة لكنها قوية، على تبديد الأساطير العالقة حول التميز الريادي في الولايات المتحدة. والاستنتاج المركزي الذي يوحد هذا العمل يتعلق في القول بأن الموارد الهائلة والحرية الاقتصادية لا يمكنها، وحدها، تفسير الإقلاع الزراعي والصناعي المشترك من منتصف القرن التاسع عشر حتى صعود الفوردية. حيث يؤكد المنظار التنموي، كتفسير بديل، على كيفية هيكلة المعتقدات الأيديولوجية والفاعلين السياسيين لمسار التصنيع. لم تكن الحوافز الطبيعية المفترضة لتكوين رأس المال هي التي خلقت نمواً مطرداً هي لسمات الطاغية، في النهاية، على المنافسين الدوليين. بل،  على العكس من ذلك، كانت القرارات السياسية، وتنوع الدعم الشعبي لها، هي السمات التي حددت وتيرة التطور، وصعود وسقوط دولة الرفاهية الأمريكية، ونطاق الهيمنة الاقتصادية الأمريكية.

تماشيا مع التوجه التخصصي للحقل الأكاديمي للمؤرخين الذين يطلقون تسمية “تاريخ الرأسمالية”، يؤيد ليفي مركزية المبادرة السياسية في التنمية الاقتصادية. وتوضح الكتاب، من خلال التراكم الشاق للأدلة على مدى عدة قرون، بصورة حاسمة تقريباً، أن رأس المال لا يعمل لصالح الجمهور بدون آليات الدولة التي تكثف وتضع معايير النشاط الاستثماري. ويُظهر ليفي، في ذات الوقت، أن المبادرة السياسية هي أيضاً قابلة المساءلة وغير معصومة، وتتميز بالانحرافات أو التحيزات الصريحة، والتسويات أو المسامات الصعبة، وأحياناً الافتقار إلى البصيرة. ويعتبر، في هذا الصدد، وصفه للاختلالات والتفاوتات في التصنيع التي سادت في أواخر القرن التاسع عشر مفيداً بشكل خاص، حيث يوفر موارد جديدة لشرح كيفية تحول الحزب الديمقراطي إلى حزب ليبرالية الصفقة الجديدة. ويثري ليفي، من خلال القيام بذلك، و بشكل كبير، فهمنا لصعود الحزب الجمهوري المبكر كحدث تاريخي عالمي.

ما الذي قد ينذر به هذا التاريخ الطويل بالنسبة لرؤية بايدن للاقتصاد الأمريكي؟

لقد أدى فوزه على ترامب إلى تحسين الهوامش مع سكان الضواحي الأثرياء، لكنه أثار الشكوك حول قدرة الديمقراطيين على حشد ناخبي الطبقة العاملة. إذا كان بايدن ينوي حقاً إقامة نظام اقتصادي أكثر عدلاً ومساواة، فعليه أن يحسّن عمله باستشارة إنجازات ومآسي التنمية الأمريكية الموثقة في كتاب ليفي.

….

هوامش المترجم

*الصفقة الجديدة  New Deal عبارة عن سلسلة إجراءات من البرامج ومشاريع العمل العام والإصلاحات المالية واللوائح التي سنها الرئيس فرانكلين روزفلت في الولايات المتحدة بين عامي 1933 و 1939.

**الديمقراطية  العنصرية العرقية Herrenvolk : نظام حكم  تسيطر فيه الأغلبية العرقية على السلطة السياسية في البلد،  دون منح الأقليات الأخرى أي حقوق من أي نوع. وتاريخ الكلمة الألمانية  يبين أنها استخدمت في البداية لتوصيف “العرق الأساسي” السائد في المجتمع، وسرعان ما تم توظيفها في الخطاب الاستعماري الأوروبي في القرن التاسع عشر لتبرير التفوق الأوروبي على السكان الأصليين للمستعمرات، وأهم الأمثلة على تطبيق “الديمقراطية العرقية”  سياسات الولايات الجنوبية للولايات المتحدة في القرن التاسع عشر ونظام الحكم الذي كان سائداً في جنوب أفريقيا, ولعل ابرز مثال حي على هذا نظام الحكم هذا هو مجتمع المستعمرين اليهود الحاكم في فلسطين الآن.

*** حركة سياسية محافظة مالياً داخل الحزب الجمهوري محافظة لجهة الإجراءات المالية، حيث دعى أعضاؤها إلى خفض الضرائب، والدين القومي وعجز الميزانية الفيدرالية من خلال خفض الإنفاق الحكومي.

**** حزام الصدأ Rust Belt جزء من ولايات الغرب الأوسط والشمال الشرقي الأمريكي تتميز بانخفاض الصناعة وعدد السكان. أمّا حزام الشمس Sun Belt فهو المنطقة الممتدة من الولايات الجنوبية الشرقية إلى الولايات الجنوبية الغربية  والتي تتمتع بمناخات صحراوية وشبه صحراوية ومتوسطية وشبه استوائية رطبة واستوائية.

….

ملاحظات

العنوان الأصلي: Portrait of the United States as a Developing Country

المؤلف: JUSTIN H. VASSALLO

المصدر: https://bostonreview.net/class-inequality-politics/justin-h-vassallo-portrait-united-states-developing-country

….

عن الكتاب

العنوان: عصور الرأسمالية الأمريكية: تاريخ الولايات المتحدة

المؤلف: Jonathan Levy جوناثان ليفي

الناشر: Random House 2021

كتاب صدر حديثاً للمؤرخ الاقتصادي جوناثان ليفي يتتبع فيه تطور الرأسمالية الأمريكية من الحقبة الاستعمارية حتى الوقت الحاضر، ليصل إلى استنتاج لافت للنظر يرى بأننا مقبلين على نقطة تحوّل سوف تحدد مسار ومعنى الحقبة ” الاقتصادية الرأسمالية “التالية. ورغم أن الكاب لم يبغ على صدوره أكثر من عام، إلّا أن البعض بات يعتبره من بين أفضا ما كُتب عن تاريخ الرأسمالية الأمريكية، زلم يعد بالإمكان فهم الولايات المتحدة دون فهم تاريخها الاقتصادي، فنحن نشهد وصول الرأسمالية الأمريكية إلى مفترق طرق منذ انهيار السوق والركود الكبير في عام 2008 ، في خضم أزمة اقتصادية جديدة وخلاف سياسي حاد، فحسب اقسام الكتاب: يمتد عصر التجارة إلى الحقبة الاستعمارية من خلال اندلاع الحرب الأهلية، وهي فترة تاريخية اعتمد فيها النمو الاقتصادي والإنتاج إلى حد كبير على العمالة المستعبدة وكان مقيداً بما يمكن استخلاصه من الأرض وأين يمكن تداولها. ثم يلي ذلك، عصر رأس المال الذي كان له تأثير أولي  تسبب في حدوث قفزة كبرى في التنمية الاقتصادية، لاسيما بعد الحرب الأهلية، تمثلت هذه القفزة بانبثاق الثورة الصناعية “الأمريكية”، عندما صب الرأسماليون رأس مالهم في المصانع لإنتاج السلع التجارية، مما ساهم في انتقال العمالة إلى المدن. لكن الاستثمارات في الاقتصاد الصناعي الجديد أدت إلى تقلبات كبيرة، وقع أكثرها إثارة في بداية فترة الكساد الكبير1929، الذي حرّك من فوره العصر التالي، أي عصر السيطرة، وذلك عندما أخذت الحكومة على عاتقها القيام بدور أكثر نشاطاً في المجال الاقتصاد، وأهم سمات هذه الحقبة تمثل في عمليات تمويل الإنتاج الحربي خلال الحرب العالمية الثانية. أدى التشكك في تدخل الحكومة في الحرب الباردة إلى جانب الركود والركود التضخمي في السبعينيات إلى أزمة الرأسمالية الصناعية وسحب الإرادة السياسية للتنظيم. وقد أدى الجمع بين تحرير القيود ونمو صناعة التمويل، في عصر الفوضى الذي أعقب ذلك، إلى خلق اقتصاد مزدهر للبعض ولكنه أدى، أيضاً، إلى عدم المساواة الواضحة وانعدام الرقابة التي أدت مباشرة إلى انهيار العام 2008.

يثبن جوناثان ليفي في كتابه أن الرأسمالية في الولايات المتحدة، على عكس العقيدة السياسية، لم تكن أبداً مجرد شيء واحدـ بل شابها التغيير عبر التاريخ، وسوف تتغير، على الأرجح، في عصرنا الحالي.

غلاف الكتاب

عن محمود الصباغ

كاتب ومترجم من فلسطين

شاهد أيضاً

استراتيجية عمل الصهيونية المسيحية الداعمة لإسرائيل 6

ترجمة: محمود الصباغ الفصل السادس: محاربة نزع الشرعية الإسرائيلية في المجال العام “إسرائيل هي أيضاً …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *