العصر الفارسي وأصول إسرءيل: ما وراء “الأساطير”

  إيفرين فيلاسكويز Efraín Velázquez II

ترجمة: محمود الصباغ

درجت العادة في معظم سنوات القرن الماضي على أنه إذا ما وجهت دعوة لمجموعة من الباحثين إلى مؤتمر يبحث في قضايا تتعلق بأصول إسرائيل، فإن جميع الأوراق المقدمة في المؤتمر سوف تركز جهودها على الفترة الزمنية المعروفة بأواخر العصر البرونزي والعصر الحديدي(1). وكان الإجماع، سابقاً، على أن الفصول المهمة من تاريخ إسرءيل وقعت خلال تلك الفترات (للمزيد، انظر: Albright 1935, 1939; Wright 1952; Bright 1981). وسوف يكون الموقف النهائي المتعلق بإسرءيل، بوصفها كيان سياسي، عبارة عن عملية غزو عنيف وتوطن هائل للإسرءيليين في المنطقة الجنوبية من بلاد الشام خلال القرن الخامس عشر أو الثالث عشر ق.م. وفوق كل هذا، ركّز الاتجاه السائد، في الدراسات التي ازدهرت خلال العقد الماضي، على الفترة الفارسية عند البحث هم أصل إسرءيل(2). ووصف الافتراض السابق بظهور إسرءيل ككيان اجتماعي قبل القرن السادس ق.م، على أنه “أسطورة”(3). وسوف نلاحظ في العديد من الدوائر الأكاديمية اليوم، أن أي مؤتمر يتناول بالنقاش القضايا المتعلقة بتاريخ إسرءيل المبكر لابد أن يستعرض بحوثاً تركز فقط على الفترتين الفارسية والهلنستية.

وسوف ننظر هنا في الحجج التي تدعم إجماع بعض العلماء على اعتبار الفترة الفارسية هي العصر المناسب للبحث عن أصول إسرءيل. وقد يتساءل البعض، هل غابت معظم أبحاث هذا المؤتمر عن الهدف؟ هل ننظر إلى الفترة الخاطئة في سياق بحثنا عن أصول إسرءيل؟.

إن مصطلح أسطورة، المستخدم في النقاشات الحالية حول ظهور إسرءيل، مليء بفروقات خطابية دقيقة تكاد لا تذكر(4). وفي سياق هذا المقال، لاتعدّ الأساطير قصصاً كتابيةً أو تاريخاً كتابياً. بل إن المصطلح يستخدم، هنا، بشكل فضفاض لأي عملية إعادة بناء لا يمكن أن تستمر من خلال البيانات الأثرية و/أو النصية. ويجادل طومسون (1992a) وبارستاد (1996) بأن العلماء الذين يدعمون تاريخاً مبكراً لأصول إسرءيل (ما يسمى بـ”الأصوليينmaximalists”) إنما يسعون إلى تأبيد “أسطورة إسرءيل” و “الماضي الأسطوري” للكتاب المقدس العبري. من ناحية أخرى، يسمّي عوديد (2003: 55–56) من يسمون بالتنقيحيين minimalists  بـ”مؤلفي الأساطير”، لأنهم يعودون بتاريخ أصول إسرءيل إلى فترات متأخرة (أي الفترات الفارسية أو الهلنستية). ولا أرغب الانخراط، هنا، في خطبة عصماء لن تفيد في دراسة أصول إسرءيل. فقد ألحقت التهجمات الشخصية والخطابات البلاغية الرنانة ضرراً كبيراً في سياق هذه النقاشات دون تحقيق أي فائدة ترجى منها. ويمكن النظر إلى الكثير من الأدبيات ذات الصلة اليوم على أنها خطابات رجعية ولا تساهم في تطوير فهمنا للمسألة موضوع النقاش. ومن المثمر، في هذا الصدد، تقديم ديناميكيات إشراك موضوع ما من وجهات نظر مختلفة، كما يمكن أن نحظى ببعض الفائدة عن طريق لغة ثرية متنوعة تتولد من هذه المناقشات. ولذلك ينبغي في البداية تقديم خلفية عن النقاش الحالي لأصول إسرءيل والآثار المنهجية للمواقف المقترحة.

تحدي الأساطير المبكرة

لا ترتبط صورة جحافل الإسرءيليين، وهم يجتاحون التلال الكنعانية ويحرقون ما يقع في طريقهم من مدن وبلدات، بأدلة، سواء أثرية أم نصية. وقد تذرّع بعض قراء الكتاب المقدس العبري بـ “النتائج المؤكدة” لعلم الآثار لدعم وجهات نظرهم حول غزو كنعان المدمّر على أيدي الإسرءيليين. غير إن هذه الأنواع من عمليات إعادة البناء التاريخية لم تصمد أمام الاستقصاء الدقيق للمعطيات الأثرية. وأثار هذا الفشل في الاتساق، فيما يتعلق بالبحث الحالي، شكوكًا قوية بشأن القيمة التاريخية للأسفار العبرية. يلاحظ كارتر ومايرز(1996: 3) كيف منحت “النتائج المؤكدة للدراسات الكتابية” مكانة مقدسة، منذ جيل مضى، عندما كان يتحدث عنها الباحثون الكتابيون بثقة. وأخذت هذه المواقف كأساس لجميع الدراسات اللاحقة للكتاب. وفي الآونة الأخيرة، خضعت هذه الآراء، التي حظيت بالإجماع، للاستقصاء الدقيق، بحيث ظهرت بعض الشكوك كـ “نتيجة” مشروعة إلى ما كان يعتبر ذات يوم استنتاجاً “مضمونًا”. واستندت بعض “النتائج المؤكدة” لعلم الآثار، المستخدمة “لإثبات” إعادة البناء التاريخي  للمرويات الكتابية المتعلقة بـ “الغزو”، إلى تفسيرات خاطئة للنص ذاته وإلى بيانات أثرية محدودة (Albright 1935, 1939; Wright 1952; Bright 1981). وبحسب تعريفي لمصطلح الأسطورة، فقد تم فرض هذا الطابع من الأساطير على التاريخ الكتابي. وثمة، من ناحية أخرى، من يبرر ذلك مثل زيفيت (2002a: 36) من خلال تأكيده بأن “ينبغي ألا نلقي باللوم على الأجيال السابقة من العلماء على بذلهم قصارى جهدهم”. فالأسئلة التي طرحها هؤلاء على ما بين أيديهم من معطيات كانت من طبيعة مختلفة، ولم يكن متاحاً أمامهم سوى بعض المعلومات المحددة(5). بيد أنه، وفي سياق هذا المقال، تسمى عمليات إعادة البناء التاريخية التي تستخدم منهجية مشكوك فيها بـ “الأساطير”.

لا يمكن للباحثين المعاصرين دعم “نموذج الغزو” الذي اقترحه أولبرايت. وفي حين يجب الاعتراف بمساهمات هذا النموذج، كما أظهر ميرلينغ (1997b: 59-62)، فإن نموذج أولبرايت يخضع للعديد من الشكوك بصحته من حيث الأسس الأثرية والنصية. وأبدى يونغر (1999: 200–201) ملاحظة بهذا الشأن ترى بأن “الإجماع الظاهر الوحيد [اليوم] هو عدم القبول، بعد الآن، بنموذج أولبرايت لفرضية الغزو”. وينأى معظم العلماء، الآن، بأنفسهم عن نموذج الغزو الأسطوري ومنهجية “إثبات صحة الكتاب المقدس”(6).

وهناك أسطورة أخرى شاركها العديد من الباحثين تقول بقدوم مجموعة من اليهوذيين إلى منطقة الهضاب الوسطى في يهوذا في القرن السادس ق.م، وكانت هذه المنطقة أرضاً فارغةً، فتوطنوها. وهكذا نشأت إسرءيل جديدة. ويُعرف هذا الخروج والغزو “الجديد” باسم “الإحياء أو التجديد” وكان من المفترض أن تؤكده السجلات الآثارية. واقترح نيلسون غلويك (1934; 1935; 1939) وجود فجوة توطنية في تاريخ المنطقة أعقبت الغزوات البابلية(7). وبقيت ملاحظات غلويك، الخاطئة، محط اهتمام وتداول في الأوساط الأكاديمية حتى نهاية القرن العشرين (انظر, Alt 1940; Noth 1960). وقد ساهمت البحوث الأثرية في العقود القليلة الماضية في غرب وشرق نهر الأردن إلى إعادة تقويم فرضيات الدمار و”الفجوة” ضمن أحداث القرن السادس ق.م (انظر، Pratico 1985: 26). وينبغي التأكيد على أن مواقع التوطن في إقليم جنوب بلاد الشام لم تكن خالية من السكان في القرن السادس ق.م، حتى بعد ما أحدثته جيوش الدولة البابلية الجديدة من دمار. إن نموذج “الإحياء أو التجديد” الذي يتطلب أرضاً فارغة هو بلاشك نموذج أسطوري. وقد أدت التفسيرات الخاصة لبعض النصوص الكتابية والبيانات الأثرية إلى استنتاجات خاطئة مرة أخرى.

الأساطير والطرق المنهجية

تتطلب أي عملية إعادة بناء تاريخية صالحة لرسم أصول إسرءيل، وجود علاقة متبادلة بين تفسير النصوص الكتابية والثقافة المادية. وأكدت نماذج الغزو والإحياء التقليدية وإعادة بنائها لأصول إسرءيل على ضرورة التحقق من صحة التفسير المحدد للتوصيفات الكتابية مع النتائج الأثرية. واستندت سلامة النص إلى أدلة خارجية. وتوصف التواريخ الكتابية بأنها أسطورية لأن بيانات التوطن لم “تؤكد” على قيام ملايين الإسرءيليين بإحراق المدن الكنعانية في القرنين الخامس عشر والثالث عشر ق.م. أو أن اليهوذيين جاءوا إلى مناطق الهضاب المهجورة. وبحلول منتصف القرن العشرين، استخدم علم الآثار المزيد من “الموضوعية” أكثر من استخدامه للدراسات النصية. وكانت هذه المقاربة غاية في البساطة، فإذا ما أشار كشف أثري إلى اتجاه مختلف عن إعادة بناء معينة لتاريخ الكتاب المقدس، فلا بد أن يكون النص الكتابي خاطئاً. وفي معظم الأوقات، لم تكن المشكلة الرئيسية في النص الكتابي، بل كانت، بالأحرى، مع إعادة بناء التاريخ الكتابي. وكانت نتيجة هذه المقاربة اعتبار النص الكتابي وإعادة البناء التاريخي نوعاً من الأساطير. وأشار العديد من العلماء إلى العيوب المنهجية لإعادة البناء التاريخي لأصول إسرءيل. ويصور نقد ديفر اللاذع لعلم الآثار الكتابي على أنه “يستند إلى” حقائق “مفترضة تبين أنها أوهام وليست أدلة”. ويتابع القول: “لا عجب إذن أن يتم الترحيب اليوم بإعادة البناء المبنية على علم الآثار القائم على قدر من نزعة الشك وعدم اليقين، كما هو حال “النتائج المؤكدة للنقد الكتابي للجيل الماضي”(8) (1983: 577) ، وتبدو ملاحظات ديفيز(2000: 27) مشابهة لملاحظات ديفر، حيث يشير ديفز إلى أن: “التأكيد الجوهري على مساواة إسرءيل الكتابية وإسرءيل التاريخية واعتبارهما شيئاً واحداً، ساهم في تقييد إسرائيل الكتابية بعلم الآثار، وترك الكتاب المقدس عرضة للتقليل من قيمته، فيما لو ثبت عدم موثوقيته من الناحية التاريخية”. ويضيف: “إذا سقطت البنية الفرعية الأثرية، سقط اللاهوت”.

وعلى الرغم من أن ديفر وديفيز يعبّران، فيما بينهما، عن وجهات نظر متباينة بصورة واسعة، إلا أن استنتاجاتهما، في هذا الشأن، أتت متشابهة، بمعنى اختزال القيمة التاريخية للكتاب المقدس إلى الحد الأدنى، بحيث لم يتبق منه سوى القليل من الأهمية اللاهوتية. هذا وقد حفز انتقاد القراءات الساذجة للكتاب المقدس العبري بروز دراسات أكثر جدية لمواده. ويستدعي هذا تجنب المشاكل المنهجية المرتبطة بإعادة البناء السابقة، كما يجب عدم الاستمرار في الاستنتاجات الأكاديمية أو حتى الأدب الشعبي الناتج عن تلك القراءات السابقة. كما يجب رفض نماذج الغزو والإحياء غير الصحيحة باعتبارها أساطير. وبغض النظر عن مغزى مراجعة الاستنتاجات السابقة، يجب علينا إدراك قيمة المناقشة العلمية، إلا أن هذا لم يمنع عن التصريح بوجود “أزمة” في الدراسات الكتابية متمثلة بـ”مطاردة الأسطورة”(Childs 1970; see also Lemche 2000; Long 2002a)

استخدام الأسطورة

لم يعد ثمة إجماع بين الباحثين، اليوم، على استخدام الأسطورة عند الحديث عن السرديات البطريركية، أو الخروج، أو الغزو، أو الحقبة الملكية، أو المنفى، أو العودة (راجع Garbini 1994; Person 1993; Van Seters 1992). وبعيداً عن النقاشات الأكاديمية السليمة، فقد جعلت المناهج شديدة النقد للكتاب المقدس استحالة البحث عن أصول إسرءيل تقريباً. ويلاحظ عوديد (2003: 55) اعتبار الكتاب المقدس العبري، بالنسبة لمن يسمون بالباحثين التنقيحيين، مجرد “جزء من بروباغاندة وضعت لغايات سياسية ودينية”. ويصف عوديد (2003: 55–56) الطريقة التي يرى فيها أولئك التنقيحيون مؤلفي الكتاب المقدس العبري كما يلي: اخترع اليهود، خلال الفترة الهلنستية، سلسلة من الأساطير، وأسطورة الأصول، والبطاركة، وأرض الميعاد، وأسطورة تدنيس الكنعانيين للأرض، وأسطورة الغزو وعصر القضاة، والمملكة المتحدة، ثم أسطورة المنفى والعودة، وتليها أسطورة عزرا، وأخيراً -وليس آخراً- أسطورة الأرض الفارغة.. أسطورة، أسطورة، أسطورة، تمتد “من سفر التكوين إلى سفر الملوك الثاني(على الأقل)”(9) (Carroll 1991: 84). وقد جرت عملية إعادة تدوير لبعض الحجج المستخدمة لـ “دحض” الأصول المبكرة لإسرءيل بهدف القول أن جزئية التدمير البابلي وإحياء اليهوذيين مجرد أسطورة.

ولكن، ما هي الآثار المترتبة على هذه المنهجية عند النظر إلى أحداث القرنين السادس والخامس ق.م في مرتفعات يهوذا؟

إن مناقشة الفترة الفارسية في يهوذا توضح أصول إسرءيل في فترات سابقة. وتسعى مراجعة التاريخ الكتابي الموصوف أعلاه لإثبات أن الفترة الفارسية هي التي احتضنت تجربة تأليف الكتاب المقدس العبري(10). وأصبحت الموضع الرئيسي لأصول إسرءيل. وقد أعاد هذا الاتجاه في الوسط الأكاديمي الحالي التركيز على دراسة العصور الإخمينية. وكما ذكرنا سابقاً، ينص الافتراض الحالي على عدم ضرورة دراسة العصر البرونزي المتأخر وأطوار العصر الحديدي لمن يرغب في مناقشة أصول إسرءيل، بل ينبغي التركيز على الفترتين الفارسية والهلنستية. ويرى ديفيز (2002: 2) احتواء الفترة الفارسية على “أسس مجتمع الهيكل الثاني اليهوذي” وأن “العديد من أولئك الذين شاركوا في دراسات فترة الهيكل الثاني يعتبرونها حقاً “الفترة الكتابية “(ما بين قوسين من ديفيز). وبنى موقفه هذا “على أساس إمكانية العثور على السياق الاجتماعي الذي حققت فيه جميع الأسفار شكلها الكتابي، وحيث دونت، في الواقع، أغلبية هذه الأسفار، حتى لو كانت في كثير من الحالات من بعض مواد مصدرية مبكرة (يتعذر الوصول إليها)”(11) (Davies 2002: 2). لا يشارك نوبرز (2001: 15) آراء ديفيز جميعها، لكنه يشير إلى أن “الفترات الفارسية والهلنستية المبكرة قد حظيت باهتمام كبير في السنوات الأخيرة كعصور تكوينية، إن لم تكن كحقبة تكوينية، فيما يتعلق بتأليف وتحرير وتفسير الكتب العبرية المختلفة”. وهناك مقاربات من طبيعة حادّة وعدائية كتلك التي يطرحها  كل من هاك وغرابّة(2001: 91) ، حين يعتبران أن الكتاب المقدس العبري مجرد محض بروباغاندة لصالح المسألة اليهوية. ويصوران قدرة الباحثين الذين “يحتضنون” و”يوسعون” “بروباغاندة النص”، على تبني تكهنات واسعة لدرجة أنه يمكن أن نرى، في المستقبل القريب، مقترحاً يقول بأنه “تم اكتشاف قورش باعتباره من سبط بنيامين؛ وأن داريوش كان يعبد يهوه؛ وخرخس Xerxes [خشيارشا الأول] ختن في اليوم الثامن”(12). غير أن هذا لا يعني رفض الدراسات المتعلقة بالفترة الفارسية. بل ينبغي، بالأحرى، أن يتعرف هؤلاء العلماء على تلك الحقبة بوصفها الفترة التكوينية للكتاب العبري. ويجب أيضاً أن تأخذ دراسات أصول إسرءيل ديناميكيات إيهود Yehud في القرن السادس ق.م على محمل الجد(13). علماً أنه ليس ثمة دليل يشير إلى القرن السادس ق.م كأصل لجميع المواد الكتابية.

ومن الواضح أنه ينبغي لنا تجنب استخدام الأسطورة والميل إلى الحفاظ على الافتراضات المطلقة سواء ضد أو لصالح الكتاب العبري، في الوقت الذي يجب فيه على العلماء إيلاء الفترة الفارسية المزيد من الاهتمام الفعلي(14) وما حدث في مرتفعات يهوذا خلال القرنين السادس والخامس ق.م. كانت الإيديولوجيا، على وجه التحديد، هي التي خلقت الأساطير السابقة حول أصول إسرءيل وهي القوة الدافعة وراء الأساطير الأحدث في الأبحاث الحالية.

أسطورة أم لا؟

هل أصول الكتابات العبرية التي تعود للفترة الفارسية أسطورة أيضاً؟ هل هي أصول مؤسطرة أم لا؟

يجب أن نكون قادرين على تحديد ما يمكن أن يشكل أسطورة. ولا يزال سارياً تصنيف الأسطورة على أنها أي عملية إعادة بناء تحل محل المواد الأثرية و/ أو النصية. وأحد أسباب تصنيف نموذج غزو أولبرايت ونماذج إحياء غلويك كأساطير هو عدم وجود دليل “متوقع” على الوجود العبري في توطنات القرنين الثالث عشر والسادس ق.م. كان من المتوقع أن يرسم تدفق الإسرءيليين أو اليهوذ حدود فترات جديدة. وتنعكس هذه الافتراضات في بعض التسلسلات الزمنية السابقة التي وصفت نهاية العصر البرونزي المتأخر بفترة “الإسرءيليين” ونهاية العصر الحديدي بـ “الفترة اليهوذية”. فكيف يمكن التمييز بين الفترات التاريخية؟

يلاحظ يونكر (2003b: 367)إمكانية استخدام قاعدتين للتمييز بين الفترات الأثرية: ترسيم مادي واضح في البقايا الأثرية أو “حدث تاريخي كبير يؤدي إلى تغيير اجتماعي سياسي كبير” (فيما يتعلق بالتزمين التاريخي، انظر Croce 1921: 112–16; Morris 1997: 96– 131; Ritter 1985: 313–19). وتعرف الأحداث التاريخية من خلال المصادر النصية، ويستخدم معظم الباحثين الأحداث التاريخية للفترة الزمنية، حيث نادراً ما يكون هناك تقارب للأحداث التاريخية والتغيرات في الثقافة المادية. وتستخدم بعض الفترات من الحقب الإخمينية والهلنستية مصطلح إيهود (yhd أو yhwd ) لهذا الكيان السياسي. ونحن نعلم أن أراضي إيهود كانت، في العصر الفارسي، أصغر من مملكة يهوذا السابقة، لكن الحدود الدقيقة لها لا تزال قيد المناقشة (انظر Lipschits 2005: 154, 183) وتعكس تغيراً مادياً في السجل الأثري ترجع إلى عوامل لا تتعلق مباشرة بحدث سياسي كبير(15). ويعتبر تصنيف الفخار أحد المصادر الرئيسية المستخدمة في علم الآثار لتحديد تاريخ مستويات التوطن. ويعتبر الفخار الذي عثر عليه في بعض المواقع الإخمينية مصدراً رئيسياً في علم الآثار لتحديد سويات التوطن السكاني، وينظر إلى الفخار كأهم مرجع حتى الآن في المجتمعات التي لم تعرف إنتاجاً أدبياً أو تلك التي عثر فيها على معطيات مكتوبة متفرقة. فهل ثمة ترسيم مادي كافٍ لتمييز فترة مختلفة في نهاية العصر البرونزي المتأخر؟

تصنيف الفخار والأساطير

يعد تصنيف اللقى الفخارية أحد المسائل التي تستند عليها العديد من حجج النقاش حول الطبيعة الأسطورية للمرويات الكتابية، فيما يتعلق بأصول العصر البرونزي المتأخر لإسرءيل، وفترة ما بعد السبي اللاحقة. وتعتبر بقايا فخار معظم المواقع القديمة من أكثر اللقى الأثرية انتشاراً، واستخدمت كميزات إثنية ولتمييز الحقب الأثرية على حد سواء. وبناء على ذلك، سوف نتوقع حدوث تغيير في نطاق اللقى الفخارية، في حال نشأت إسرءيل في العصر البرونزي المتأخر، نظراً لإمكانية تعيين البشر بواسطة فخارهم. غير أن العلاقة بين الأواني والبشر ليست على هذه الدرجة من البساطة. وتحذر دراسة كليتر (1999: 21) الإثنوأركيولوجية من عدم العثور “في بعض الأحيان على علاقة بين توزيع الفخار والغزوات أو الهجرة”. ويقترح مثال على ذلك: “تواجد مجموعات اجتماعية مختلفة تعيش جنباً إلى جنب وتستخدم ذات الذخيرة الفخارية، رغم اختلافهم في اللغة والكتابة اللتان تظلان منفصلتين.” فلا تقدم الاستمرارية الفخارية، إذن، حلاً نهائياً حول أصول إسرءيل. ويؤكد البعض على أوجه التشابه بين نطاق الفخار في العصر الحديدي وأواخر العصر البرونزي. ويقترح إيدلمان (2002: 44)  استمرارية مباشرة “لتقاليد وإرث الفخار “الكنعاني” من العصر البرونزي المتأخر. ولكن هذا التقويم لا يراعي التغيير في تكوين وأنماط فخار العصر الحديدي(16). علاوة على ذلك، لا يعني هذا تجانس السكان الأصليين حتى في وجود بعض الاستمرارية لأنماط الفخار(17).

وينبغي الوضع في اعتبارنا الطابع التخصصي لصناعة الفخار، وأن يكون الخزافون المتجولون قد تنقلوا بين مجموعات مختلفة من الناس. ولعل أكثر تغيير يمكن ملاحظته في ذخيرة فخار العصر الحديدي هو استخدام الجِرار المطوقة وذات الحواف. ونحن نعلم أن أواني التخزين المطوقة ذات الحواف الموجودة في مرتفعات الضفة الغربية صنفت على أنها مواد فخارية إسرءيلية مميزة(Aharoni 1970b). وتسبب وجود هذه المواد الفخارية خارج المناطق الإسرءيلية المقبولة تقليدياً مثل مواقع مثل أفيق [فيق؟] وتل ميفوراخ [تل المبارك جنوب حيفا- المترجم] وتل زيرور[تل ذرور؟] وتل قصيله والعفولة وسحاب، في التشكيك بمثل هذا الافتراض. ويبدو أن الجرار المطوقة تشير إلى استخدام من طبيعة جغرافية أكثر من كونها مجرد علامة إثنية، لأنها استخدمت، على الأغلب، في الهضاب، وندرة استخدامها في الجنوب (النقب) أو في الشمال في الجليل؛ حيث تظهر جِرار تخزين مختلفة قليلاً في هذه المناطق. ونظراً لعدم وجود صلات نصية أو أيقونية للجرار مع أي مجموعة إثنية معينة، فالعلاقة بين الجرار المطوقة والإسرءيليون تظل غير مؤكدة. لا يمكن إثبات أو إنكار أصول إسرءيل في جنوب بلاد الشام خلال العصر البرونزي المتأخر بناءً على الأواني [الفخارية]. ومع ذلك، فوجود كيان يُدعى “إسرءيل” في فترة مبكرة يتم تأكيده أيضاً من خلال ذكر إسرءيل على شاهدة مرنبتاح والتمثيلات في الكرنك(18).

ومن ناحية أخرى، يمكننا، فيما يتعلق بإنشاء الأساطير عن طريق تصنيف الفخار، استخدم الاستمرارية الفخارية لتأييد فكرة استبعاد قيام إسرءيل في الفترة الفارسية  لعدم وجود دليلٍ كافٍ على التغيير في مرجعية الفخار في القرنين السادس أو الخامس ق.م، واستمرار الثقافة المادية للعصر الحديدي دون تغيير، تقريباً، خلال العصر البابلي الحديث وحتى العصر الفارسي(19). لقد استمرت أشكال الفخار من العصر الحديدي الثاني في الفترة الفارسية في أجزاء من الضفة الغربية (Barkay 1993: 106–9) وشرق الأردن (Hendrix, Drey, and Storfjell 1997: 1; Herr 1995: 619, 1999a: 234; Ray 2006: 76). وهذه الاستمرارية هي السبب الرئيسي للاستخدام الشائع للتسمية “العصر الحديد الثاني/الفارسي” في قراءة الفخار الذي يعود للقرنين السادس والخامس ق.م.

وثمة هناك تغيير في الثقافة المادية في بلاد الشام، لاسيما في المدن الساحلية، عبر تواجد ذخيرة فخارية متنوعة وابتكارات أيقونية مختلفة. وأدرج الفينيقيون عناصر ثقافية من الغرب ومن مصر وبدرجة أقل من بلاد ما بين النهرين. ولكن هذه التغييرات غير واضحة في الثقافة المادية للمرتفعات الإيهودية. ويمكن الحديث عن التغيير البطيء لتقاليد الفخار في مقاطعة إيهود، وهناك ندرة في التمثيلات الأيقونية الغربية في السياقات اليهووية.. وإذن، هل يكفي النظر في تصنيف الفخار لتحديد أصول إسرءيل في العصر البرونزي المتأخر أو الفترة الفارسية؟

ينبغي لنا أن نتعامل، بحرص، لجهة عدم التقليل من شأن التسميات والنماذج الإثنية. ويمكن، في بعض الأحيان، ربط تقاليد الفخار المختلفة في الأفق الفخاري بالشعوب الجديدة و/أو استراتيجيات العيش والتغذي (انظر أعلاه). ولا تستبعد استمرارية الفخار تغييرات سكانية. وهذا يعني من شأن تعقيد تصنيف الفخار التخفيف من حدة الاستنتاجات المتسرعة حول ما هو أسطورة وماهو حقيقة. وفي حين يزعم البعض بعدم القدرة على الاستغناء عن العثور على رمزية فخارية قبل ربط الأواني بالناس، يقبل البعض الآخر، ببساطة، ميزات معينة في الفخار كدليل على الإثنية. وهذا ما يستدعي وجوب استكمال الدراسات الفخارية والثقافة المادية بمصادر تاريخية تحدد الأنظمة السياسية(21). ويقر كليتر  Kletter (1999: 27) استحالة  “الاعتماد على الأدلة الأثرية فقط دون مساعدة المصادر التاريخية”. مما يعني إدراك قيمة وثائق الشرق الأدنى القديمة (بما في ذلك الكتاب العبري). ولكن، وقبل الرجوع إلى هذه الوثائق، دعونا نستكشف أحد “أجهزة الكشف عن الأسطورة” الأكثر شيوعاً والمستخدمة في الدراسات الحالية.

كواشف الأسطورة

تمتلك الاستقصاءات القدرة على أن تكون كواشف للأساطير. وينبغي أن نعلم حجم التقدم المنجز في هذا الصدد(22) التي كانت مفيدة للغاية في تحليل أنماط الاستيطان، والدراسات الجغرافية، ودراسة المواقع التي تنتمي لحقبة واحدة، وذلك من بين مساهمات أخرى تنتج عن هذه الاستقصاءات والمسوحات(23). وبغض النظر عن المساهمات، يبقى ضرورة التعامل الحذر مع ما نستنتجه من المسوحات.

قام كلينغبيل(2003a) بتوثيق بعض العيوب الناتجة من منهجي المسح. وأشار إلى غياب الشفافية في مختلف المقاربات المستخدمة في المسوح. وساهمت الاستنتاجات المستخلصة من مسوحات غلويك في ترسيخ سوء الفهم حول أصول الوجود الإسرءيلي في كنعان وحول فترة ما بعد السبي (انظر أعلاه). وتشكل المسوحات الآثارية جوهر عملية إعادة البناء الديموغرافي، وتحتل موقعاً هاماً في المناقشات حول أصول إسرءيل. ويلاحظ ليبشيتس Lipschits (2003: 324–25) تأسيس “معظم الباحثين لتقديرات سكانية وفقاً لمجموعة من الحفريات والمكتشفات الناتجة عن عمليات المسح في منطقة معينة والتي تعود إلى فترة محددة، ويحاولون، بالتالي، من خلال الحفريات والمكتشفات، وضع تقدير لإجمالي الدونمات المشغولة”. ويقر ليبشيتس بقيام عمليات إعادة البناء هذه على “التكهن” إلى حد كبير(2003: 325)، مما يجعل من الصعب ربط المواقع الممسوحة لعدم التنقيب فيها، وللاختلاف في طرق مسح المناطق. ويضيف (2003: 325 n. 4)  استناد الأرقام “إلى الانطباع العام للمسّاحين”. وهناك متغيرات لم يتم تضمينها في تقارير المسح، وهذا ما يظهر “التأثير الجزئي للاختلاف في نوع المنطقة الممسوحة على عدم الاتساق في بيانات المسح”. ويقر ليبشيتس يوجود “المشكلات المنهجية الخطيرة” لنتائج الاستطلاعات، ولكنه يشير إلى اعتبار اختلاف وجهات النظر العالمية للمساحين “مشكلة رئيسية”. ويعترف بأنه “لا توجد طريقة للوصول إلى تقديرات دقيقة لمسح معظم أنواع المواقع”، وعلى الباحثين “إدراك احتواء مثل هذه التقديرات على عناصر من طبيعة تكهنية”(Lipschits 2003: 325 n. 4).

ينبغي عدم التقليل من قيمة المسوحات على الدراسات الأثرية؛ فهناك مساهمات قيمة نتجت عن هذه المسوحات. وعلى الرغم من عدم القيام بعمليات حفر في العديد من المواقع، مع احتمال ضئيل لحفرها في المستقبل القريب، لا يمكن القول بعمل هذه المسوحات بمثابة كواشف صحيحة بالمطلق، وبالمقابل استخدم البعض كواشف الأساطير لتوليد جيل جديد من الأساطير المتعلقة بأصول إسرءيل. وهذا يستدعي منا أن نكون على دراية بهذه المشاكل المحتملة في الدراسات الديموغرافية النسبية. ومن الواضح  ضرورة عمل لمواد النصية على استكمال الثقافة المادية عند توفرها(24). وهذا يتفق مع اقتراح يونكر (2003b: 367) عن الصلة الوثيقة للأحداث التاريخية بالفترة الزمنية. واستخدمت المسوحات في الدراسات المتعلقة بأصول الفترة الفارسية في إسرءيل، لإعادة بناء التقديرات الديموغرافية (انظر Hoglund 1992; Carter 1999a; Lipschits 2003). ومُنحت هذه التقديرات سلطة تحديد عمليات إعادة البناء التاريخية(25). فهل الفترة الفارسية هي المكان الذي نشأت فيه إسرءيل؟. يرتبط هذا الاستنتاج بالادعاءات الأخيرة التي تعتبر الفترة الفارسية المكان الحقيقي لتاريخ الكتاب. والسؤال الأول الذي ينبغي الإجابة عليه، عند النظر في هذا الاحتمال، هو ما إذا كان هناك أي سكان في مرتفعات يهوذا خلال الفترة الفارسية يمكن أن تنحدر منهم “إسرءيل”.

أسطورة “الأرض الفارغة”

هل دمرت مرتفعات يهوذا بعد التدمير البابلي؟ لا، لا تدعم البيانات الأثرية ولا النص الكتابي مفهوم “الأرض الفارغة”. ويؤكد بارستاد (2003: 3)  بأن “غالبية العلماء اليوم لا يؤمنون حقاً أن الحياة في يهوذا لم تعد موجودة خلال “فترة السبي”(26). ولسنوات عديدة سابقة كانت مفاهيم “السبي”، “الأرض الفارغة، “أو “العودة” موضع شك وتساؤل وفقاً لأسس نصية(27). وتضمنت المراجعات الأخيرة للتاريخ الكتابي تأملات تاريخية وبعض الحجج القائمة على علم الآثار التي تشكك في فترة” ما بعد السبي”(28). وعلى صعيد النقاش الأخير تمت الإشارة إلى العلماء الذين يدعمون الطبيعة الكارثية للغزوات البابلية على أنهم “أصحاب الأساطير”. هناك شهود من نصوص الكتاب العبري والتراث البابلي يشهدون على الأحداث التاريخية الهامة التي ميزت القرن السادس ق.م (انظر Zadok 1979; 2002; 2003). غير أن هذا لا يعني بأن دمار أراضي يهوذا خلال القرن السادس ق.م ليس مرادفًا لـ “أسطورة الأرض الفارغة” لبارستاد. لقد شجب برايت منذ عقود(1981: 324) “الفكرة الشعبية عن الترحيل الكامل الذي ترك الأرض فارغة وخاوية”. ولاحظ أن هذا التقويم كان “خاطئاً ويجب تجاهله”. وحتى لو كان برايت يؤكد على مفهومي الدمار والإبادة، و”الأرض الفارغة” تقريباً، فقد كان يؤسس لأفكاره الخاصة حول إعادة البناء التاريخي مستنداً على تفسير معين للنص الكتابي والبيانات الأثرية(29). أما المعطيات المتعلقة بالتوطن في الفترتين البابلية والفارسية فهي بعيدة المنال بسبب الاستمرارية الثقافية (المذكورة سابقاً). وكانت الأدلة على تدمير مواقع يهوذا مثيرة للجدل مثل مواقع العصر البرونزي المتأخر فيما يتعلق بالأصول المبكرة لإسرءيل. تم تفسير نتائج أعمال التنقيب في القدس بواسطة كينيون (1962; 1963; 1964a; 1964b; 1965a; 1965b; 1966a; 1966b; 1967a; 1967b; 1968a; 1968b; 1970; 1974) على أنها تدعم استمرار للتوطن في القدس في القرن السادس ق.م. وتقترح كينيون أن البابليين لم يدمروا القدس بالكامل، وتبعها باركاي وكلونر (1986; cf. Barkay 2000) في القول بأن أسر وعائلات الطبقة العليا كانت تعيش في القدس خلال الفترة البابلية الجديدة (30). واستخدم بارستاد (2003: 8, 14)  هذه النتائج لدعم مزاعمه باستمرارية الحياة المعتادة بعد الغزو البابلي. ولا تبدو هذه التفسيرات موضع اتفاق لأسباب أثرية، وقدّم ليبشيتس (2003: 328) نظرة عامة شاملة عن الحفريات في القدس، لاحظ من خلالها “صورة واضحة للدمار البابلي في جميع أنحاء المدينة المختلفة”(31). كما أبدى كارتر (2003) شكوكاً حول استنتاجات بارستاد(32). وأشار غيفا Geva (1993: 717)، في تقريره عن طبقات العصر البابلي الجديد والفارسي في القدس، بأن وصف الخراب في سفر الملوك الثاني يتوافق مع الاكتشافات الأثرية(33). مع الإشارة إلى أن القضايا النصية أكثر تعقيداً مما يقدمه غيفا، وهي خارج نطاق هذه الدراسة(34). ويشير السجل الأثري إلى حدوث دمار في مدينة القدس، لكنه لا يماثل الدمار الكامل لأرض يهوذا (انظر Lipschits 2006: 23-24). واستمر الناس في استخدام قبور أسلافهم، كما يتضح من مقابر كتف هنوم כֵּתֵף הִינוֹם [ يعرف وادي هنوم باسم “الوادي الغربي”]. ربما كان هناك بعض الاستيطان بجوار أنقاض القدس خلال الفترة البابلية الجديدة (كما اقترح باركاي 2000)، واستمرت المواقع في بنيامين في النمو والازدهار. حتى أن هناك مناطق لم يدخلها البابليون (Carter 2003: 307–10; Stern 2001: 321). وبالتالي، لا يوجد دليل على وجود “أرض فارغة” أو عودة جماعية لليهوذيين شكلت إسرءيل “جديدة” في جنوب بلاد الشام. ولا يوجد دليل على أن سكان مرتفعات يهوذا اختلقوا أصولهم في القرن السادس ق.م.

ما وراء “الأساطير”

حان الوقت الآن لتجاوز الأساطير، لاسيما عند تحليل أصول إسرءيل، وهذا يتطلب دفن الأسطورة القائلة بضرورة انفصال علم الآثار والدراسات الكتابية. وكان راست Rast (2003: 48) قد لاحظ مؤخراً أن هناك “إجماعاً على أن النصوص الكتابية وعلم الآثار هي مجالات استقصاء منفصلة”، وأدرك بعض أكثر المدافعين عن هذا الفصل وجود مشاكل في عزل مجالات العمل(35). وإذن، يجب أن تدمج مقاربات دراسات أصول إسرءيل التخصصات الأثرية والنصية. ومن الضروري فهم التفاعل بين الكتاب المقدس العبري والآثار القديمة، كما أكد كينغ (1993: xxiii): “ثمة الكثير مما يمكن أن يقدمه الحوار بين نصوص الشرق الأدنى القديم، لاسيما نصوص الكتاب المقدس، والأدلة الأثري، في إعادة بناء التاريخ الكتابي.” وثمة حوار يدور حول تأويل النصوص والمكتشفات الأثرية، حتى لو كان هذا الحوار تسوده نغمات عدوانية متصاعدة، كما هو الحال في الجدل بين من يسمون بالتنقيحيين والأصوليين، وهو جدل مفعم، لاشك، بالكثير من التصريحات المغرضة. الفارسية يمكن أن تنحدر منهم “إسرءيل”.

ومن الطبيعي الاعتراف، أن يكون أحد طرفي الطيف في الجدل الحالي حول اعتبار الكتاب مصدراً تاريخياً موثوقاً “أولئك الذين يصرون على تمتع الكتاب بدقة حرفية في جميع التفاصيل التاريخية”، ويقف على الطرف الآخر أولئك الذين يعتبرون الكتاب عديم الفائدة كتاريخ لإسرءيل (McNutt 1999: 7). والحل إذن يتمثل في تعزيز الحوار بين العلماء، وألا نشارك في تقديم خطبة لاذعة ضد استنتاجات العلماء المختلفة (انظر Carter 1999b: 28).

كما قام راست بتقصي الفترة البابلية الجديدة من منظور الفترة الكتابية (2003: 75–89). وكان عوديد قد نجح (2003) في تقديم دليل على الاستمرارية في الإشارات الكتابية إلى المنفى وكذلك الآثار المؤلمة للغزوات البابلية. وأدى الجدل الحالي، وما يسمى بالأزمة في الدراسات التأريخية إلى نضج كلا التخصصين. وطالما أن الجدل لا يتحول إلى ما يشبه العزلة والتشرذم بين الأطراف، يجب علينا الاستمرار في الاستماع إلى المقترحات الاستفزازية ونضج الحجج القوية. ولا تفيد هذه الاتهامات مثل “أصحاب الأساطير” أو “الميثوغرافيين”، من ناحية أخرى، في تطوير تخصصاتنا. وهذا لا يعني أنه لا ينبغي بذل جهود للقضاء على الأساطير، ويجب أن توضح هذه الجهود منهجية “البحث عن الأسطورة” وتقديم الافتراضات بشكل متسق. كما ينبغي، عند تحليل أصول إسرءيل، تجاوز النماذج التي لا تأخذ في الاعتبار المصادر النصية والأثرية. إن افتراضات الباحثين موجودة دائماً في المنهجية المختارة لدراسة إسرءيل وتنعكس في استنتاجات أي دراسة.

وهكذا يتوجب علينا الحرص على عدم إعطاء معاملة تفضيلية لنوع من الأدلة على الآخر. وفسر بعض قراء الكتاب العبري الروايات الكتابية بسذاجة، مستخدمين البيانات الأثرية بشكل انتقائي لدعم المزاعم. لقد حان الوقت لنكون أكثر حذراً في تأويل النصوص والأقوال. ومن ناحية أخرى، كان لدى الباحثين الجدد ميل إلى “قراءة النصوص [الكتابية] بنوع من الشك، معتقدين أنها تخفي هذه المخاوف الأوسع والأكثر أهمية تحت القشرة التي خلقتها الرغبة في تقديم مسار الأحداث ضمن سياق مألوف وضمن نمط مقبول محلياً “(Williamson 1999: 241).

وفيما يتعلق بدراسة أصول إسرءيل، هناك عدة أسباب للاستغناء عن منهجية خاطئة ترفض النص التوراتي. إن مصادر أصول إسرءيل شحيحة لدرجة أنه من الانتحار الفكري رفض المواد التي قد تلقي الضوء على الموضوع. ينص ويليامسون (1999: 241) على أنه “من غير المقبول تجاهل أو التقليل من قيمة أي مصدر محتمل من أي نوع”. يجب تجنب الأساطير التقليدية وتنمية أساطير جديدة، فهل من المستحيل التحرر من الأساطير؟ لا يبدو هودر (1986: 155) متفائلاً بهذا الشأن في تقويمه لعلم الآثار، وهو الذي قدم مساهمة من خلال أعماله الرائدة في علم الآثار العملياتي postprocessual archaeology: “تبدو النظريات منفتحة دائماً على المزيد من الأسئلة ووجهات النظر الجديدة. ولا يوجد موضع نهائي، للغياب اتام لأية طريقة لتقويم ما إذا كان قد تم التوصل إلى التأويل “الصحيح” أم لا. نحن نختلف ونقترح أن التأويل “الصحيح” يمكن تحقيقه من خلال الاتساق. يجب أن يكون الباحثين متسقين في افتراضاتهم ومنهجيتهم واستنتاجاتهم.

هذه هي الطريقة الوحيدة لدراسة أصول إسرائيل خارج الأساطير. وإذا ما استخدمنا منهجية تأخذ على محمل الجد نتائج العمل الأثري ومحتوى المعطيات النصية، فهذا يستتبع القول بأن نموذج الغزو الذي روج له أولبرايت هو في الواقع نموذج أسطوري. وهذا لا يعني أن أصول إسرءيل لم تحدث في أواخر العصر البرونزي أو الحديدي. فالأصل المبكر لإسرءيل غير ملزم بنموذج أولبرايت، حيث تختلف الروايات الكتابية التي تتحدث عن الغزو عن نموذج الغزو الذي اقترحه أولبرايت (Merling 1997b). ويؤكد سفر القضاة أن الغزو  كان عملية أكثر منه حدثاً. لقد حدثت تغيرات كبيرة في كنعان، في نهاية العصر البرونزي المتأخر، كما ينعكس ذلك في السجلات الأثرية والنصية. وإذن يجب تقويم التغييرات التاريخية والفترة الزمنية في ضوء المواد النصية التي تصف هذه الأحداث. كما يجب استخدام البيانات من الخزف والمسوحات إلى جانب المواد النصية المتاحة لتطوير إعادة عملية البناء التاريخية. وينطبق هذا على دراسة العصر البرونزي المتأخر أو العصر الحديدي أو الفترة الفارسية أو أي وقت آخر.

إن فكرة قدوم آلاف اليهود إلى منطقة الهضاب اليهوذية لبدء حياة جديدة في أرض فارغة خلال الفترة الفارسية هي أيضاً فكرة أسطورة، رغم وجود أدلة على حدوث دمار كبير في القدس وضواحيها في نهاية العصر الحديدي الثاني.

انتهت مملكة يهوذا في العصر الحديدي في القرن السادس ق.م. وتعرض هيكل سليمان للدمار وتسويته بالأرض، وأصيب اليهوذيين بندوب لن تمحى إلى الأبد بسبب الغزوات البابلية. وظهرت الأشكال الفخارية الانتقالية خلال القرن الخامس ق.م، على الرغم استمرارية الكثير من التقاليد الفخارية.

شهدت اليهووية في مرحلة ما بعد السبي انقطاعاً في الممارسات الأيقونية ونضجت لأنها عززت أدبها المقدس(36). ويصر شتيرن (2001: 29) على قيام اليهود، بعد العودة من السبي، بتطهير ديانتهم و “دمج التوحيد اليهودي في نهاية المطاف”. ويفترض هذا عدم وجود أي تصوير أيقوني ليهوه بعد السبي البابلي. وتدعم الأدلة الأثرية والنصية اليهووية -التناخ- باعتبارها الدين الرسمي المعياري الذي مارسته الأغلبية، على الرغم من وجود بعض التمثيلات الأيقونية التي تعود للفترة الفارسية والتي بحاجة إلى مزيد من النقاش التفصيلي. ويبدو أن الفترة الفارسية هي ذاتها الفترة التي انتشر فيها بشكل خاص حظر تمثيل يهوه. من التقاليد الفخارية.

لقد ازدهرت اليهووية التناخية، وأصبحت هي القاعدة التي ستتبعها الديانات الرئيسية في العالم: اليهودية والمسيحية والإسلام. لم تنشأ إسرءيل في الفترة الفارسية، فالحجج المستخدمة لدعم هذا الموقف ليست مقنعة ويمكن وصفها بالأساطير. ولكن يمكن القول بأن اليهودية المعيارية تشكلت خلال العصر الأخميني. ويجب أن تركز دراسة الفترة الفارسية على تقاليد الماضي القبلي التي احتفظ بها اليهود كأصول لهم، ولا ينبغي أن يغيب عن بالنا الأغراض الإيديولوجية لتقاليدنا وأهداف أيديولوجيتنا الخاصة، وعندئذ فقط يمكننا تجاوز الأساطير المحيطة بأصول إسرءيل

ا لعنوان الأصلي: The Persian Period and the Origins of Israel: Beyond the “Myths”

المصدر: Hess, Richard, G. A. Klingbeil, and P. J. Ray Jr. Eds. Critical Issues From Israelite History. Winona Lake, IN: Eisenbrauns, 2008

ملاحظات

  1. تركزت معظم أبحاث علماء الآثار والباحثين الكتابيين في القرن الماضي على الفترة المحصورة بين العصرين البرونزي المتأخر والحديدي الثاني (1550-587 قبل الميلاد).
  2. تعريف “إسرءيل” هو موضوع نقاش في الأوساط العلمية، ويفرق أهل الاختصاص بشكل حاد بين “الواقع” القديم حول هوية الإسرءيليين، والإيديولوجية التي احتفظ بها المؤلفون الكتابيون، والتصورات الحديثة عن إسرءيل. ويقترح ديفيز (كما لاحظDever 2002: 28) أن إسرءيل “التوراتية” و “القديمة” هي “مجرد بنى اخترعها اليهود والمسيحيون اللاحقون إلى حد كبير لتلائم احتياجاتهم اللاهوتية”.
  3. هذا هو استنتاج من يسمون بالتنقيحيين مثل Davies (1992) ،Lemche (1998) ، Thompson (1992a) ، و Whitelam (1996). ويقدم طومسون (1999: xvii-xix) “قراءة موصى بها” من قبل العلماء الذين يشاركونه آرائه. انظر بعض نقادهم: Dever (2001)، Provan (1995)، and Hoffmeier (1995، 1997).
  4. مصطلح الأسطورة، كما هو مستخدم هنا، ليس له علاقة بالنوع اليوناني الذي يتحدث عن قصص الآلهة الخيالية.
  5. من المستحيل تقويم دوافع العلماء الذين يدعمون الإيديولوجيات الدينية.
  6. الاعتراضات الأدبية / النقدية فيما يتعلق بقراءات الكتاب العبري التي تؤكد دخول إسرءيل إلى كنعان عن طريق العنف هي خارج نطاق هذه الدراسة. كما بلم يتم، أيضاً، مناقشة الآثار الضارة للاستخدامات الأصولية لعلم الآثار.
  7. بعد الغزو البابلي ليهوذا ما بين 605-604 ق.م، عادت جيوش نبوخذ نصر إلى القدس في الأعوام 597-596 ق.م، لإحباط المزيد من محاولات الفتنة. استولى البابليون على المدينة وسبوا الملك يهوياقيم مع معظم الأرستقراطيين اليهود. وبعد عقد من الزمان، حدث دمار كبير للمدينة بعد حصار استمر أكثر من عام (587-86 قبل الميلاد).
  8. يشير لونغ (1999: 161)، من ناحية أخرى، إلى أن “النتائج المؤكدة اليوم قد تكون نظريات الغد المهملة، وإذا كان هناك أي درس يمكن تعلمه من مناقشات” علم الآثار الكتابي “في الماضي، فهو وجوب المضي ببطء في إعلان ما “أثبته” أو “دحضه” علم الآثار”.
  9. يشير عوديد إلى كارول في بيانه. وكان فريدمان (1963 ؛ 1976) هو الذي طرح عنوان “التاريخ الأساسي” للأسفار الممتدة من سفر التكوين حتى سفر الملوك الثاني ورؤيتهم إلى فترة السبي في بابل.
  10. يعترف بعض العلماء بوجود بعض التقاليد المبكرة التي تمت كتابتها في الفترة الفارسية، كما أن ثمة أن أدبيات أخرى من الكتاب المقدس العبري قد اكتملت في الفترة الهلنستية.
  11. بالنسبة إلى لامكة (2000: 12)، بالكاد تسبق الأسفار العبرية “العصر اليوناني الروماني”، بينما يتحدث طومسون (1999: xv) عن “الكتاب الهيليني”. ويلاحظ كارتر (1999a: 438–39): أن “هناك شعوراً متزايداً بأن الفترة الفارسية هي نقطة التحول في تاريخ الكتاب. ويضع جميع العلماء تقريباً الكثير من عمليات التحرير والنقل، وحتى الأصل كما سوف يجادل البعض، من الكتاب العبري في الفترة الفارسية. وتؤكد هذه التقويمات الأحدث على أهمية البيئات الاجتماعية والأيديولوجية داخل مجتمع ما بعد السبي”.
  12. على الرغم من كل هذا الخطاب الثري، تم نشر ألواح حديثة بأسماء عبرية من قبل يوناس ولومير (1999: 17–34) والتي تعود إلى فترة الملوك الإخمينيين الثلاثة الأوائل. أحد الألواح، مؤرخ للسنة السابعة لقورش الكبير (532 ق.م)، يشير إلى “المستدعي” المسمى عبدة ياو Abda-Yaû. ويعد هذا “دليلاً غير رسمي على إمكانية وجود يهود في بابل في وقت مبكر جداً في العصر الأخميني، وعلى ارتقائهم مناصب رسمية” (Vanderhooft 2003: 224). ونشر ستوبلر (1985: 283-305) لوحاً يشير إلى غادالاما Gadalâma، واسمه نسخة من العبرية غادالياو Gadalyaw، خدم حاكم بابل في العام 486 ق.م ككاتب ومستشار. ويستشهد فاندرهوفت (2003: 226) “بالعديد من أوجه التشابه بين الكتبة اليهود في المقاطعات والإدارة المحلية للإمبراطورية”. كما لاحظ كل من غرابة وهاك (2001: 113 n. 35) بأن تفسيرات فاندرهوفت “حماسية بعض الشيء” لكنها لا تدرك الطبيعة التخمينية لاقتراحاته.
  13. يشير مصطلح إيهود Yehud إلى المقاطعة الفارسية (539-333 ق.م) الواقعة في الجزء الأوسط من فلسطين، والتي تختلف عن مملكة يهوذا في العصر الحديدي (930-586 ق.م).
  14. يشكو بريانت (2002: 4)، في دراسته الشاملة، من تخلي علماء الآشوريات عن الفترة الفارسية، الذين شكّل لهم سقوط بابل على يد قورش 539 ق.م نهاية التاريخ، وكذلك من قبل المتخصصين في العصر الكلاسيكي الذين “اختطفوا” تاريخ الشرق الأدنى اعتباراً من وصول الإسكندر إلى آسيا في العام 334 ق.م. ويشير كذلك إلى أن الفترة الفارسية كانت محصورة بين المركزية اليونانية الهلنستية والمركزية اليهودية. وعلى الرغم من أن انتقادات بريانت مليئة بالمبالغة الخطابية، فإن معظم العلماء يدركون إهمال الفترة الفارسية. ولو حاولنا أن ندلو بدلونا فيما يتعلق بخطاب بريانت، فقد نتهم بعض العلماء بالضغط على تاريخ إيهود بين عصر مملكة يهوذا التي تعود للعصر الحديدي ويهوذا الرومانية. يفترض هؤلاء المتخصصون أن التاريخ انتهى عندما سقطت أورشليم في العام 587 ق.م. وأن الفترة التاريخية الهامة التالية بدأت مع ولادة يسوع الناصري (انظر Betlyon 2005: 4).
  15. يمكن ربط بعض أسباب الانقطاع في الثقافة المادية بالتغيرات المناخية أو أنماط العيش المختلفة داخل مجموعة إثنية واحدة. وقد تسبق، مع ذلك في معظم الأحيان، الأحداث التاريخية التغيير في الثقافة المادية.
  16. التغييرات في الثقافة المادية التي تمثل فترة مختلفة بعد العصر البرونزي المتأخر خارج نطاق هذه الدراسة.

17- استُخدم فخار شعوب البحر كحجة للتفرد الإثني المنعكس في الفخار. هناك درجة من الصحة في هذا الافتراض، على الرغم من أنه من المستحيل التمييز بين الفلستيين، أو الشكلش، أو الدنيان، أو الوشيش، أو الشردان، أو التيريش على أساس الفخار فقط؛ التقاليد النصية ضرورية.

  1. تعتبر شاهدة مرنبتاح “أهم نص للمعلومات حول إسرءيل ما قبل الملكية” (Edelman 2002: 35).
  2. أقر بينكوفسكي (2001: 349) في سياق تحديد الموقع، أن السبب في أن “العديد من المسوحات والحفريات قد حددت القليل من المواد الفارسية التشخيصية أو لم تحددها على الإطلاق” “قد يكون لوجود عنصر استمرارية من العصر الحديد الثاني إلى الفترة الفارسية دون تغيير كبير في الثقافة المادية”. ويلاحظ بينكوفسكي (2001: 351) أنه نظراً لمشاكل التعرف على الثقافة المادية من الفترة الفارسية، “لا يمكن الاعتماد على المسوحات لتحديد موقع مستوطنة الفترة الفارسية.” في حين أن دراسته في سياق شرق الأردن، فإن النتائج تتوافق مع شرق الأردن أيضاً.
  3. يقر بينكوفسكي (2001: 349) بأن استخدام المصطلح “العصر الحديدي الثاني/ الفارسي” لا يعني ببساطة “إخفاء عدم اليقين”. إنه مصطلح مفيد يجب استخدامه في القراءة الأولية للفخار. ويعكس هذا المصطلح استمرارية أشكال العصر الحديدي الثاني في الفترة الفارسية.
  4. تم استخدام المنازل المكونة من أربع غرف كعلامة إثنية للإسرءيليين بعد الغزو. لكن هذا التفسير تعرض للعديد من الشكوك بسبب إمكانية إرجاع جذور الأسلوب إلى العصر البرونزي المتأخر (وهي ليست مشكلة بالنسبة لنظرية الغزو المبكر). كما أثار وجود منازل مماثلة خارج الحدود الإسرءيلية التقليدية العديد من الأسئلة (انظر Edelman 2002: 44-45). دافع فنكلشتين، في بعض المنشورات(1988b: 237–59) عن أسلوب تصميم موقع “الدوار” كعلامة على المستوطنات الإسرءيلية. واستند في حججه إلى مقارنات مع معسكرات الخيام البدوية.
  5. يوفر كلينغبيل (2003a) ببليوغرافيا مفيدة للأدبيات الحديثة المتعلقة بالمسوحات في بلاد الشام (انظر أيضاًLevy 1995: 101–4; A. Mazar 1990: 10–14, 28).
  6. على سبيل المثال،Beit-Arieh 1974, 1981a, 1981b; Gophna and Ayalon 1980; Gophna and Beck 1981; Ben-Tor and Rosenthal 1978; Ben-Tor 1979; Ben-Tor, Portugali, and Avissar 1979, 1981.
  7. يحذر فان دير ستين (2002a: 4) بالقول: “إن لكل من المصادر المكتوبة والبقايا الأثرية قصة ترويها، عن نفس الفترة ونفس الأشخاص، لذلك إذا تباعد الاثنان، فإن مهمتنا هي شرح سبب هذا التباعد وإيجاد التفسير التاريخي (انظر Weippert 1967: 133–39). لا يمكننا تجاهل أحدهما أو الآخر لأنهما لا يتناسبان مع فرضيتنا. وإذا كانت هذه هي الحالة، فإن الفرضية خاطئة”.
  8. انظر استنتاجات بارستاد (2003) على أساس كارتر (1999a)
  9. ومع ذلك، يتهم بارستاد(2003: n. 1) فاندرهوفت (1999: 104–6) وستيرن (2001: 303–11) بالتمسك بـ “أسطورة الأرض الفارغة”.
  10. كان توري (1898, 1910) أول من طعن في الفهم التقليدي للاستعادة. وضعت اقتراحاته جدول أعمال العديد من العلماء من خلال مقترحاته الاستفزازية التي أنكرت حقيقة المنفى البابلي والفترة الفارسية. لم تحظ ادعاءاته الجريئة باهتمام كبير حتى وقت قريب.
  11. بعض العلماء الذين رددوا اقتراحات توري همBarstad (2003), Carroll (1991), Davies (1992), Drinkard (1987) and Grabbe (1992). يتفق هؤلاء العلماء مع كثير من اقتراحاته لكنهم لا يتبعون كل استنتاجاته. يعيد درينكارد (1987: 389) صياغة مزاعم توري مقابل استخدام المصطلحين السبي وما بعد السبي. يجادل بأن مصطلح “السبي” هو مصطلح مضلل. يؤكد على نفي سكان يهوذا إلى بابل كعامل رئيسي لتشتت اليهود. وهو يدعي أن المصطلح “لا يعكس الانتشار الواسع للعبرانيين خلال هذه الفترة إلى مصر وفينيقيا وسوريا وعمونيين ومناطق مؤابية وأدوميين (إرميا 40: 11).” ويضيف درينكارد أن هذه المصطلحات أخفقت أيضاً في تضمين المجموعة التي بقيت في الأرض. ويؤكد أن تركيز الروايات الكتابية ينصب على العائلة المالكة والنبلاء والكهنة والأثرياء اقتصادياً الذين ذهبوا إلى بابل. تتشابه حججه مع حجج ميلر وهايز (1986: 437)، اللذين يدعيان أن الكتابات العبرية كتبت في بابل. يقترحون أن مؤلفيها “يتجاهلون عملياً الحياة المستمرة وتاريخ مجتمع يهوذا الذي بقي في الأرض ولم يختبر المنفى قط “.
  12. ومع ذلك، أكد برايت (1981: 324) على أن الدمار البابلي كان “مروّعاً وأنه يشير إلى اضطراب الحياة اليهودية في فلسطين”، فيقول: “تشهد الأدلة الأثرية ببلاغة أن جميع المدن المحصنة في شفيلة والبلاد الوسطى (أي كل يهوذا)، أو جميعها تقريباً، قد دُمِّرَت وسويت بالأرض، وفي معظم الحالات لم يُعاد بناؤها لسنوات عديدة قادمة”. ومع ذلك، فإن هذا الوصف ليس دقيقاً تماماً.
  13. استند في استنتاجاته إلى المكتشفات في مقابر كتف هنوم (باركاي 2000). تم استخدام هذه المقابر التي تم تأريخها إلى العصر الحديدي الثاني بناءً على أسس كتابية (Barkay and Kloner 1986) بشكل مستمر حتى العصر الفارسي.
  14. يستخدم ليبشيتس (2003: 132–34) التقارير الأثرية لإثبات أن المدينة قد دمرت بالكامل وأفرغت (انظر أيضاًAckroyd 1968: 25–29; Miller and Hayes 1986: 426). للحصول على نتائج الحفريات في مدينة داود، انظر كينيون (1974: 170–71)؛ شيلوه (1984b: 3–22)؛ وفرانكين وشتاينر (1990: 57). للحصول على أدلة على الدمار في القرن السادس قبل الميلاد. في أوفيل ، انظر إي. مزار (1991: 139; 1993: 25–32). انظر أيضاً الاكتشافات الدرامية من الحي اليهودي (Avigad 1980: 52–54) والقلعة (Geva 1983: 56-58 ؛ 1993: 717–18).
  15. يقول كارتر: “على عكس هانز بارستاد، لا أعتقد أن” الحياة سارت كالمعتاد “(2003: 311)، على الرغم من أن بارستاد (2003: 6) زعم أن دراسات كارتر تدعم موقفه. يدعي بارستاد (2003: 6) أيضاً أن دراسات ليبشيتس تدعم وجهات نظره، لكن ليبشيتس ينفي ذلك (التواصل الشخصي).
  16. يشرح غيفا (1993: 717) العدد القليل من المرحّلين الذي ذكره إرميا، مشيراً إلى أنه “من المحتمل أن العديد من المقدسيين قد هجروا المدينة حتى قبل الحصار، وهرب كثيرون آخرون أثناء القتال”.
  17. فيما يتعلق بمسألة الأعداد، يلاحظ ياموتشي (2002: 361) أن “الإشارات الكتابية إلى الأعداد التي تم ترحيلها من قبل البابليين في عهد نبوخذ نصر غير كاملة ومربكة إلى حد ما”. يجب تفسير الأوصاف الواردة في أخبار الأيام من خلال فهم أغراض الأوصاف. يلاحظ عوديد (2003: 64) “من الواضح أن في سفر الأيام الثاني 36:21 هي بمثابة مدراش في سفر اللاويين 26: 33-35 و 43 فيما يتعلق بوقف زراعة التربة بسبب كسر العهد.” يلاحظ ياموتشي (2002: 363) كذلك أن “المؤرخ ( سفر الأخبار الثاني 46: 17-20)، يتجاهل الناس الذين بقوا في الأرض، يعطي الانطباع بأن جميع الذين لم يُقتلوا نُقلوا إلى بابل”. لا يتماشى هذا مع “كتاب الأساطير” (صاغه عوديد2003: 70) ولكنه يؤكد الفروق اللاهوتية لوصف سفر الأخبار. ويشير يافث أيضاً (1997: 363–74) إلى أن المؤرخ يتعرف على اليهود الذين يعيشون في يهوذا ويوضح كيف ولماذا يختلف تصوير أخبار الأيام عن تصوير الملوك (2003: 83).
  18. في أواخر الثمانينيات، اقترح كارول وإريك مايرز دمج علم الآثار في المجتمعات الجامعية وفصله عن المعاهد الدينية والمؤسسات الدينية (1989: 143). كما دعا ديفر(1993c; 1999) إلى فصل مماثل، والذي ندم عليه لاحقاً عندما شاهد التخصص “يموت”.
  19. هذا لا يعني قبول اقتراح فيري (2001؛ انظر Frei and Koch 1984) من تفويض الرايخ Reichs autorisation، مما يعني أن الأسفار الموسوية قد تم إنتاجها تحت السيطرة الفارسية خلال العصور الإخمينية. لقد حاولت الرد على هذا الاقتراح في أطروحة الدكتوراه غير المنشورة (Velázquez 2008).

عن محمود الصباغ

كاتب ومترجم من فلسطين

شاهد أيضاً

تسمية شوارع حيفا والقدس وأم الفحم والهوية العربية الفلسطينية: تشكيل شعب في خارطة

ماعوز عزرياهو ربيكا كوك ترجمة: محمود الصباغ المقدمة: تبدو أسماء الشوارع المرتبطة بذكرى وطنية معينة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *