الرئيسية > أدب > الطوق والأسوارة: عن الغلابة… عن مصر الأخرى التي لا نعرفها

الطوق والأسوارة: عن الغلابة… عن مصر الأخرى التي لا نعرفها

قراءة في الفيلم و الرواية

في منتصف سبعينات القرن الماضي كان يتردد على مقهى ريش(1) قرب ميدان طلعت حرب وسط القاهرة, فتى صعيدي أسمر, يمتلك ذاكرة قوية تجعله يحفظ ما يكتبه عن ظهر قلب. وبفضل قدرته المذهلة على السرد ونقل الحكايا, دون نص مكتوب أمامه, فقد كان يردد  أن ” القول ” هو القاسم المشترك بينه والمجتمع، وإذا قال وأجاد القول فسوف يجد من يستمع إليه ويتأثر به وحين يقول سوف يكثر مستمعيه, ” فالناس ليسوا صمّاً “, ولطالما معظم الناس لا يقرؤون أو لا يعرفون القراءة في هذا البلد, فما الفائدة لبرجوازي صغير مثله أن يكتب لحفنة صغيرة من أمثاله؟ ولعل هذا ما دفعه لعدم الإيمان بمخاطبة المثقفين. كان هذا الفتى حين يحضر إلى المقهى يتجمهر حوله الحضور فيبدأ يروي ما كتبه أو ما يفكر أن يكتبه. قد يبدو هذا الأمر مألوفاً في الشعر, أما في النثر فتلك من الحالات النادرة التي يقوم بها قاص برواية قصصه.

إنه يحي الطاهر عبد الله(2) الذي ينتمي- بزعم د. جابر عصفور- ” إلى هذا الجيل الغاضب الذى تمرد على أشكال الكتابة القائمة والموروثة، مستعيناً بالتجريب الذى اقترن بالبحث عن أشكال جديدة وخرائط إبداعية مختلفة، وذلك بهدف مجاوزة الثنائية التقليدية بين الأصالة والمعاصرة، وبين الطليعة المهمشة والجماهير العريضة التي حلمت الطليعة بتحريكها”. وهذا ما جعله ” يختار الحكي الشفاهي لتوصيل قصصه التي احتفت بها الحياة الثقافية”. ويحيى هذا -رغم موته المبكر- حكاية لم تنتهي, مثل وهم البطولة, زخم قادم من أعماق الصعيد يتدفق رحباً مع النيل ليصل إلى الشواطئ البعيدة حيث المدينة بإغرائها وقسوتها وأضوائها ونسائها, ورغم حياته القصيرة, إلا انه كان من القلائل الذين امتلكوا ناصية اللغة الشعرية في الرواية حتى أطلق عليه لقب شاعر القصة القصيرة, فكان أسلوبه في الكتابة مميزاً وغير مألوف سواء من حيث التراكيب اللغوية أو المجازات.

كان يحيى الطاهر عبد الله يكثر من الحديث عن قريته ” الكرنك”, تلك القرية المنسية يحاول أن يضعها على خارطة الذاكرة بشخوصها وحيزها, لقد كان يحكيها, بالأحرى, يحفظها قبل أن يكتبها على الورق ثم يقوم بروايتها: ” أرى أن ما وقع على الوطن وقع عليها.. وهي قرية منسية منفية، كما أنا منفي ومنسي.. كما أنها أيضا قرية في مواجهة عالم عصري.. إذن عندما ابتعد عن قريتي أسعى إليها في المدينة، وأبحث عن أهلي وأقربائي وناسي الذين يعيشون معي…. وأنا لا أحيا إلا في عالمهم السفلي.. فحين التقي بهم نلتقي كـ ” صعايدة ”  وكأبناء ” كرنك ” ونحيا معاً ألمنا المصري وفجيعتنا العربية وبعدنا عن العصر كشخوص مغتربة” . الكرنك  القريبة من المعبد القديم في الأقصر” طيبة الفرعونية القديمة ” حيث كانت النساء فيما مضى يذهبن إلى المعبد, عند البحيرة المقدسة, يتوسلون الحمل و الإنجاب ويتم الوصل إلى المعبد عن طريق طويل يعرف باسم طريق الكباش وهو ذاته الطريق المؤدي إلى القرية, علماً أن تسمية الكرنك حديثة نسبياً, يرى البعض أنها تحريف لكلمة “خورنق” العربية بينما أقدم اسم عرف به هو ” بر أمون” أي معبد أمون أو بين أمون, ويمكن أن نقرأ في الرواية أن تلك الكباش المسمى الطريق باسمها ” كانت بشراً في الزمن القديم، وغضبة الله هي التي حولت بشر الزمن القديم إلى حجر، عقاباً لهم على كفرهم، نعم.. كيف يتزوج الأخ من أخته؟ والابن من أمه؟ وها هم البشر العصاة يرقدون في صفين متقابلين، لهم رؤوس كباش وأجساد أسود”.

فهل كان يحيى الطاهر عبد الله مجنوناً بما يشبه جنون الماركيز العبقري دو ساد ؟أم كان واهماً و رومنسياً ثورياً ؟أو ربما عاشقاً فاشلاً لجأ إلى الأدب كنوع من التعزية؟ أم هو مجرد كاتب يحلم بالمجد الشخصي وبخلوده من خلال مدونة أدبية؟

 طيب هل وصل إلى شيء؟

لا أحد يعرف, إذ لم يحضر من هناك من يخبرنا بقية قصة يحي الطاهر عبدالله, ولهذا ليس أمامنا سوق ” الطوق و الإسورة”(3)  وبقية أعماله الأخرى نافذة نطل منها على عالمه. وأستطيع أن أتذكر الآن إني شاهدت الفيلم أول مرة في نهاية الثمانينيات, وكنت قبل ذلك قد قرأت أثناء تواجدي في الجزائر الطبعة الأولى من ” الأعمال الكاملة” ليحيى الطاهر عبد الله. ورغم ما تحتويه كتابته من السحر و الأصالة ومزاوجة الفصيح بالمحلي إلا أنني لم  أستسغ أسلوبه, فقد وجدته مفككاً, وأحياناً بلا معنى شكلياً إذ كنت أراه يجهد نفسه لإيصال أفكاره ( هل هذا كان أحد الأسباب في أنه يفضل ” القول” على ” الحرف” لسرد قصصه؟). وفي الحقيقة لم أُعِدْ قراءته مرة ثانية, وحين شاهدت الفيلم بدأت تتكون ملامح أفكار يحيى وصوره الرمزية وكناياته ومجازاته, لكني لم أستطع أن أخرج من قماط انطباعاتي الأولى  تلك, غير أن السردية السينمائية ساعدت بعض الشيء في تقريبه مني بفضل عزت العلايلي وشيريهان وفردوس عبد الحميد. ولو قيّض لي أن أقرأ يحيى الطاهر عبد الله من جديد, فلاشك سوف أبحث عن العلايلي وشيريهان وفردوس بيت السطور.

” آه يا لالاللي… عَ اللي اتغرّب يوم ولا قال لي”

هكذا يبدأ الفيلم.. مشهد تراثي أصيل ( يصر خيري بشارة على هذه الخاصية طوال الفيلم) .

كادر ثابت لسماء صافية وطيور بيضاء وسطر كتب عليه : ” قرية الكرنك الأقصر 1933 ” وتأتينا صورة فتاة مراهقة تدندن بتلك الأغنية الشعبية, ثم تنقل لنا الكاميرة الصورة كاملة, دخان يتصاعد من الفرن, الأب في قيلولته, الأم تطعم فراخها وهي تستمع بسعادة لصوت ابنتها. يقطع نشوتها سعال الأب فتهرعان, الأم وابنتها, نحوه مسرعتين لنكتشف بسرعة عجزه ومرضه, يستند الأب على السيدتين ويسأل عن الابن الغائب.. وهكذا بأقل من دقيقة يعرفنا المخرج خيري بشارة(4) على شخصيات عمله الرئيسية, ثم تتوالى المشاهد, لتصف لنا يوميات الكرنك البطيئة و الكئيبة بطريقة قريبة من الميلودراما(5) في لحظات كثيرة.

تبدأ أحدث الفيلم إذن مع الثلث الثاني من القرن الماضي في قرية صغيرة في صعيد مصر تدعى” الكرنك” في محافظة الأقصر, حيث تعيش عائلة صغيرة  تعاني الفقر والعجز ومكونة من الزوج ” بخيت المشاري” المشلول والمصاب بالسل, وزوجته ” حزينة” التي تعوله وابنتهما ” فهيمة ” التي نشأت في جو يرى في ” الذكورة نعمة كبرى” وفي الأنوثة ” عبء ونقمة كبرى”, فتتعلم الأخت كيف ينبغي لها أن تخاف من أخيها حتى لو كان أصغر منها سناً ( يتكرر مشهد محدد بتقنية الفلاش باك تظهر فيه فهيمة الطفلة وشقيقها مصطفى وهو يدخن مثل ” الرجال”, في إشارة لما سوف تكون عليه العلاقة بينهما مستقبلاً و مسار و مصير كل منهما ) وحتى لو كان غائباً ( فهو حين يذكرها في رسائله ويتمنى لها ” الستر” ترتجف من وقع تلك الكلمة التي تراها مرادفة لكلمة ” زواج” وهي كذلك حقاً ), ثم كيف عليها أن تحبه وأن تشتاق له في غيابه, فالأخ يمثل الضلع الثالث من المثلث النفسي للأخت ( الضلعين الباقيتين هما الأب والأم), وهو يمثل في عرف التحلل النفسي – بوصفه أحد فنون التأويل-  دلالة نفسية عن الرعاية والحماية وقت الحاجة فغيابه يجعل ” الغريب ” يتمادى في الاقتراب أكثر منها و” اختراق ” أسوارها وبالتالي يمثل غيابه جرحاً عميقاً لها وطعناً بالغاً لنرجسيتها الأنثوية حين يتركها نهباً للضياع و الخواء.

تعيش العائلة على أمل عودة ابنهما الوحيد” مصطفى” الذي نزح إلى السودان حين كانت جزء من مصر, بحثاً عن العمل وصار يرسل لهما القليل من المال والرسائل. يموت الأب بخيت دون أن تتكحل عيناه برؤية ابنه.. يتعمق حزن السيدتين الوحيدتين و يستعدان لرثاء الأب بأهازيج الموت مع النساء النائحات :

” كتب الكتاب يا ليتني شفته

كسرت القلم والحبر نشفته

كتب الكتاب يا ليتني رأيته

كسرت القلم والحبر كبيته”

كان يمكن للقصة أن تنتهي منطقياً هنا, أي عند وفاة بخيت و البكاء عليه وعودة حزينة وابنتها إلى بيتهما و انغلاق الحزن عليهما بانتظار مصطفى, لكن الحياة ليست هكذا على كل حال ويبدو أنه من حسن حظنا أنها غير منطقية, فالشيخ الذي كفّن بخيت بالأمس, جاء اليوم ليطلب يد فهيمة للجبالي الحداد, فبعثت حزينة  تستشير مصطفى وتستأذنه, وهنا تبدأ الرواية بكتابة فصل جديد من حياة الكرنك  كأنه لا علاقة له بما سبقه, فزواج فهيمة من الجبالي و انكشاف عجزه الجنسي,  أظهر كيف سوف تتعامل حزينة مع المشكلة حين أخبرتها ابنتها بوضع زوجها, وذلك ضمن عادات و تقاليد الكرنك, إذا لا يجوز للفتاة بعد الزواج أن تبقى طويلاً بلا حمل, فمجتمع القرية لا يعترف بأن هذا الخلل قد يكون مصدره الرجل, ومنعاً لأي كلام عرضت ابنتها على الشيخ هارون(6) لعله يجد لها حلاً, ولكن بعد فشله قررت أن تعرضها على حارس المعبد على أمل أن تنجب, فيتحقق الأمل ولكن ليس بفضل الحداد, بل على يد حارس المعبد لتنجب فهيمة ابنة جميلة تسميها فرحانة ( في الرواية اسمها نبوية), لكن الحداد الجبالي يرفض هذه ” الخديعة” لعلمه بعجزه وعدم قدرته على الإنجاب فيطلق فهيمة و يتزوج من امرأة أخرى. تصاب فهيمة بالحمى وحين تتمدد قرب أمها بانتظار الموت تصرخ حزينة كأنها تخاطب الموت : لا … لا.. إنها لا ترحب بك, لكنها صغيرة, غير قادرة على مواجهة الألم, إنها لا تريدك لكنها تريد للعذاب أن ينتهي , وللجسد أن يستريح .. إنها حمقاء لاتعرف إنك الموت.

تكبر فرحانة وتعمل في منزل الشيخ فاضل الذي يعيش معه ابنه الذي هو من عمر فرحانة, وحيث أن لا أحد يمكنه أن يقف في وجه الاقدار, تبدأ هرمونات المراهقين تلح عليهما, و تبدأ الكوابيس تطرق رأس حزينة لكنها سرعان ما تطردها بزعم أنهما تربيا معاً مثل الأخوة.

وحدها عمة فرحانة والدة السعدي كانت تنظر لأبعد مما تراه حزينة.

تصادف في تلك الأثناء, أن عاد الغائب مصطفى من اغترابه وحيداً بلا زوجة ولا ابن ولا مال, كل ما في جعبته حكايا شاب مغترب يكذب أكثر مما يمكن أن يقوله عجوز ماتت أجياله, فافتتح مقهى صغير في البلدة ليعول أمه وابنة اخته التي منعها من العمل في منزل الشيخ فاضل.

صارح السعدي أمه بحبه لابنة خاله ورغبته في الزواج بها فزجرته لعلمها أن فرحانة لا تشبهها و لا تشبه الجبالي, لكن السعدي لا يعلم ولا مصطفى يعلم, فيمضي السعدي إليه يطلبها منه فيرفض هذا الأخير ويسخر منه بقوله أن هذا يمكن أن يحدث في حالة واحدة فقط بعد موته, أي مصطفى و بعد موت جدتها, أي حزينة هذا إن قبلت هي , أي فرحانة, فيهيم السعدي مثلما هام قبله مجانين العرب العشاق, ويتبدل حاله ويقسم أن يخطفها لو بقي له يوم واحد من عمره. ويقع المحظور حين يراق ماء الحياة في أحشاء فرحانة فيتحول إلى جنين يبدأ في التخلق. وهنا تظهر حزينة بصورة جديدة, فتلك الشخصية التي كانت طوال الفيلم عبارة ظل أفقي ساكن يدور و يدور- وفي هذا ما يدينها على كل حال- تحولت إلى بركان مؤقت سوف يؤدي وظيفة محددة ثم تعود كما كانت ظل أفقي حيادي في حين ينتقل الفيلم بعناصره كافة إلى فصل آخر جديد لكنه قصير ( كدلالة على الثبات وعدم التغيير) حين تخبر ابنها بما حصل فينهال على الحفيدة بالضرب و الركل و يحبسها ويمنع عنها الماء و الطعام حتى تقول اسم الفاعل ثم يدفنها في التراب باستثناء رأسها ليأتي السعدي – المطعون بشرفه- و يخرجها من الحفرة و يمضي بها نحو الطاحونة(7) فيقتلها ويلقي برأسها أمام خالها.

ينتهي الفيلم بثورة مصطفى البشاري إن جاز لنا القول, ثورة على نفسه وعلى سكان قريته, ثورة غاضبة لكنها أنانية مزيفة نابعة من واقع الإهانة لشخصه كذكر و ليس من واقع شعوره بإهانة أكبر من ذاته كإنسان, هي ثورة إذن, يزعم فيها أنه يسعى لكسر الأطواق التي تكبله والتخلص من الأوهام التي عانى منها طيلة حياته, وصرخته الأخيرة(8) في الرجال المجتمعين حوله مطالباً بالتغيير تختصر المقولة النهائية لرؤية المخرج للمجتمع المصري من خلال رؤية سينمائية تعمل على إعادة صياغة مفردات العمل الروائي وتكثيف السردية النصية وترجمتها إلى سردية بصرية قريبة, من روح النص وأفكاره والتركيز على ” المحنة التراجيدية\ الميلودرامية” بصورتها الإغريقية بما يعطيها عمقاً إنسانياً يتجاوز حدود القرية والبلد والإقليم وتحويل هذه المعاناة إلى ” فعل سينمائي ” قوامه الموروث الميثولوجي الشعبي والديني للبيئة التي تحتضنها أحداث القصة, حيث يمثل الظلم الاجتماعي أبرز سمات التأويل الذكوري للدين و التقاليد و العادات السائدة, فموت فهيمة وابنتها فرحانة لا يعود السبب فيهما إلى ” معصيتهما ” بل إلى الفهم الخاطئ للتأويل الديني وللجهل والخرافة. وليس موتهما سوى استمرار لهذه العادات عبر الأجبال المتعاقبة, فعقدة العار التي ترافق فهيمة بسبب فعلتها مع حارس المعبد تنتقل إلى ابنتها فرحانة. والمعاناة التي عاشتها فهيمة وفرحانة هي امتداد لمعاناة حزينة التي كانت شاهدة على مرض زوجها وموته واغتراب ابنها وتجربته الفاشلة. فهؤلاء ثلاثة نسوة يمثلن ثلاثة أجيال متعاقبة تعرضن للظلم من مجتمعهن¸ وبدلاً من التعاطف معهن تحولت حياتهن إلى مرض وموت و قتل. تجربة ربع قرن لثلاث نسوة يخنزلن ثلاثة أجيال عاشوا في ثلاثينيات القرن الماضي.

تجربة تذكرنا بالأجيال الثلاثة التي كتب عنها نجيب محفوظ ثلاثيته الشهيرة التي تؤرخ لصعود الطبقة الوسطى في مصر, وإذا كانت ثلاثية محفوظ تناولت بصورة واقعية التطور الاجتماعي و السياسي لمجتمع المدينة فقد كانت ” الطوق و الإسورة” \ الرواية و الفيلم, تصوير واقعي أيضاً لقرية صغيرة منسية في صعيد مصر التفت للحالة الإنسانية أكثر من الحالة الاجتماعية \ السياسية, فالواقع الإنساني ميدان رحب للتعبير عن المشاعر المختلطة التي يمر فيها الأفراد لاسيما فيما يتعلق بحالات القلق الوجودي و الخوف الذي يدفع للترقب و الانتظار و الغرق في السلبية و الجبن و تحاشي المغامرة و ” الثورة “.

فالناس عموماً تخشى الموت باعتبار أن قدومه سوف يهدم كل ما بنوه  وعملوا على إنجازه في حياتهم. فالأم التي تراقب جسد طفلتها كيف ينمو وتتفتح فيه براعم الشهوة يوماً إثر يوم تخشى على هذا الجسد من ” العابثين”   لاسيما أن الابن الحامي, في ظل مرض الأب و عجزه, غائب في رحلة لا يعلم أحد متى ستنتهي, أما القرية فلا يبدو أنها تكترث لمخاوف الأم  بل كل ما يشغل أفرادها هو النظر في ” المصيبة ” التي سوف تحيق بهم , إذ جلب أحد البقالين طاحوناً قديمة سوف تكون مصدر رعب لهم وسوف يأتي من يقول لهم ( لا أحد بالضبط يعلم من قال ذلك أول مرة) أن هذه الطاحونة لن تعمل إلا بلحم أطفالهم.

وهذه الدلالة في الفيلم تعبر عن تخوف القرية مما هو حديث ومما هو شكل من أشكال التمدن والحداثة التي تتعارض مع عزلتهم وربما هذا التخوف هو  الذي قدّم  المعنى الدلالي للعنوان ” الطوق و الإسورة “, فرغم معناهما الأولي الذي يشير إلى الحلي و المجوهرات و الزينة, إلا أن المعنى المضمر يكشف عن حقيقة الدوائر المغلقة التي تحيط بالقرية مثل الطوق الذي يحيط برقبة المرأة أو السوار الذي يزنر معصمها, فالتخلف الذي تعيشه القرية هو ” الطوق ” الكبير الذي يلتف حول رقاب رجالها ونسائها و ليس العجز(9) سوى إسورة تمنع أيديهم من الحركة الحرة لمقاومة هذا العجز, فوجود الطوق و الإسورة وإن كان ظاهريا يحمل صفة جمالية إلا أنه في الحقيقة قيد يجعل المجتمع عاجزاً عن التفكير في خلق الحلول لمشاكله.

والكاتب -بعكس المخرج- وجد الحل للطوق و الإسورة من خلال الإهداء الذي وضعه في مقدمة الرواية: ” للشجر المورق العالي, وللريح المغنية وللإنسان على الأرض ذات الخير في قوته وفي ضعفه” وهو بهذا يسقط بين براثن الرومنسية- ليست بالضرورة الثورية- دون أن يبين واقعياً  كيف سيكون مستقبل ” الكرنك ” وتلك النقطة التفت لها خيري بشارة بذكاء أكثر وبعمق, فالفيلم عملياً لا يقدم حلولاً وهي ميزة – باعتقادي- تحسب له لا عليه حين يبتعد عن التفاؤل السطحي والصيغ التعليمية والأساليب التلقينية التي نراها في بعض أفلام المدرسة الواقعية, فالفيلم يقدم مجتمع الكرنك من وجهة نظر قاسية دون مواربة ودون خجل أو نفاق أو رياء, ولا يخش خيري بشارة من سوء فهمه لأنه يراهن على ذكاء المتلقي في استقبال رسائله المتعددة واكتشاف الخلل والبحث عن الحلول- المشاهد وليس المخرج- المناسبة لتفكيك بنية التخلف في النظام الاجتماعي وكل هذا ضمن سياقات فنية ناجزة وجماليات بصرية صارت نادرة الآن في السينما المصرية, والفيلم بصورة عامة, وضمن هذا السياق, يمتاز بإيقاعه البطيء والهادئ المتناسب مع مكانه وزمانه وحكايته المليئة بلحظات الانتظار الطويلة, وحتى عندما يعود مصطفى من غربته بعد كل هذا الغياب فاشلاً وأميّاً دون أن يحقق أي شيء سيجد أن القرية أيضاً لم تحقق شيئاً يذكر وكأنه لم يمر عليها حينٌ من الزمن  فيصرخ بألم ” الواحد منا يسافر .. يسافر ..والغربة تفك قيوده, فيتحرر من الطوق, يكبر ويوعى و يقطع السلاسل.. ولما يرجع  لداره ..لناسه.. يكتشف الوهم ..الأساور في اليد أقوى من زمان.. والطوق على الرقبة أضيق من زمان ..والجذور هنا, الجذور قوية ومادّة في الناس”.

ونظراً لتشابك الرواية الأصلية مع ذات الكاتب حتى تكاد تبدو كأنها جزء منه, كان على المخرج أن يحرص على تناولها من هذه الزاوية وإلا كانت ستفقد تلك ” الحميمية ” التي أراد لها الكاتب أن تظهر فالمعالجة الدرامية للسرد النصي دون الإحاطة بتلك الذاتية سوف يعطي فيلماً قد يكون جيداً لكنه لن يكون أمينا للرواية وهذا ما جعل بشارة يقوم بإنتاج لغة سينمائية خاصة متشابكة مع الحكاية. فنقل لنا ما أراده يحيى الطاهر عبد الله بأمانة حين أراد لنا أن نرى بأن ” داخل بلادنا بلاد ” و داخل عوالمنا ثمة عوالم أخرى مضمرة, فقد لنا خيري بشارة لوحة عن ” الذي لا نعرفه”  فبتنا ليس نعرفه فقط بل لن ننساه قطعاً, فالكرنك و أهلها في التحليل الأخير صورة مختصرة لمصر ” الرواية تتحدث عن فترة الاحتلال البريطاني على مصر وعن سقوط فلسطين وهزيمة مصر هناك, رغم عدم الإشارة إلى ذلك بصورة مباشرة “, وإذن فهي, أي الكرنك, كناية عن وطن عاجز, يقيم في الفشل من شدة خوفه منه, عجز شباب القرية عن المواجهة فاضطروا للاغتراب والهروب للأمام وترحيل مشاكلهم للمستقبل وللأجيال القادمة و حين عودتهم استمر عجزهم بعدم قدرتهم على التغيير , وهي أيضاً كناية عن آباء فاشلين يعشش في عقولهم الجهل ويسيطر عليهم هقمهم ويكون مصيرهم النسيان والموت الرخيص, وعن شاب لم يستطيع الدفاع عن حبه ولم يستطع أن يقنع حبيبته بحبه فيتحول إلى أداة طيعة للشيطان وللعادات فينتفض لـ” شرفه المطعون ”  ليرتكب جريمته البشعة بقتل فتاة بريئة. وهي أيضاً كناية عن أم ليس لها ذنب بعدم الإنجاب, تموت بين يدي أمها دون أن تسطيع هذه الأخيرة إنقاذها لتترك طفلة تكرر تجربتها و مأساتها و موتها.

هذه السلسلة من الهزائم و  العادات البالية والعجز والأخطاء المتكررة عبر الأجيال لا يذكرها بشارة من باب جلد الذات او الانتقاص من قيمة و كرامة بلده, بل يقوم بهذا التوصيف على أمل أن تصل رسالته للمتلقي  فيلجأ إلى صياغة حبكة غير تقليدية عبر آلية التكرار و التناسخ كتعبير فج عن ثبات المجتمع, وهي صياغة تبتعد عن الخط الدرامي الأحادي وتميل أكثر للتركيز على التفاصيل كل على حدة واتخاذها بعداً رمزياً مثلما هو حالة ” العجز” التي عبر عنها الفيلم بأكثر من لوحة و بأكثر من شخصية ” الجبالي غير القادر على الإخصاب, بخيت المشلول, مصطفى العاجز عن الحل, حزينة العاجزة عن حماية حفيدتها, و فرحانة التي عجزت عن حماية جسدها و حياتها مثل فهيمة… إلخ” , فالمضي في التفاصيل سوف يكون على حساب تطور الشخصيات وإهمال  مراحل حياتها, بما يقلل حتماً من مساحة الخيال وفعاليته لدى المتلقي, حيث أن القصد من الامتداد الزمني للشخصيات ليس سرد ” تاريخها”  بقدر ما هو تجسيد معانيها وامتداداتها السيكولوجية ودرجة وعيها, وبالتالي موقفها, ففرحانة هي امتداد لفهيمة وليس من قبيل الصدفة أن يسند المخرج لشيريهان دور فهيمة وفرحانة وأن تشتركان في المأساة والنهاية بعد أن تخصبان. كذلك مصطفى الذي يمثل امتداداً لأبيه بخيت العاجز ( وهنا أيضا يقوم عزت العلايلي بلعب الدورين) فمصطفى يصل في نهاية المطاف إلى حالة العجز التي وصل لها بخيت من قبل, وهناك السعدي الذي هو امتداد لخاله والد فرحانة بطريقة ما فكلاهما انتهى بفعل عنيف, فالخال حرق نفسه مع زوجته الجديدة كي لا يفتضح أمر عجزه وابن الأخت قتل ابنة خاله بوحشية.

الزمن المطلق يبدو عاجزاً في الكرنك حين نراه يلبث هناك ثابتاً مقيماً دون حركة وهذا ما ينعكس على سكانها أيضا, و تتعزز فكرة الزمن الساكن حين عودة مصطفى ويلحظ عدم التغيير فيقول ” عشرين سنة.. عشرين سنة وأنا متهيأ لي هارجع وأقول سبحان مغير الأحوال، لكن لقيت الحال هو الحال، عايشين ع الرغي والحديت والقيل والقال”, فالكرنك كما هي منذ الفراعنة لم تتغير: يروح بشر ويأتي غيرهم, تموت لغة وتنهض أخرى, يختفي دين ويأتي بديله ..كل هذا و الزمان جامد مثل حجارة المعبد. ملل وضجر ورتابة وكهنة ودجالين وشيوخ وإقطاعيين واستعمار وتجار, أطواق وأساور , جميعهم يساهم في بقاء الكرنك دون تغيير, جميعهم يجعل أهل الكرنك يؤمنون فعلاً أن الطاحونة  لن تعمل ما لم يلقى في جوفها طفل, أليس هذا ما يؤمن به أهل الكرنك في  بداية الربع الثاني من القرن العشرين؟….. وربما مازالوا.

…..

1) في شارع طلعت حرب, وفي مكان ليس بعيداً عن ميدان التحرير يقع ” مقهى ريش” في قلب ” القاهرة الخديوية” التي أراد لها الخديوي إسماعيل أن تكون ” باريس الشرق”. مقهى عريق بني في بداية القرن العشرين على أنقاض قصر محمد علي باشا ليصبح أكبر وأشهر تجمع للمثقفين و السياسيين ليس في مصر فحسب بل في المنطقة العربية بأسرها وقد أخذ اسمه تيمناً بأشهر مقاهي باريس ”  كافيه ريش “.  كان المقهى ملتقى الأدباء والمثقفين أمثال: نجيب محفوظ, يوسف إدريس, أمل دنقل, معين بسيسو, يحيى الطاهر عبدالله, محمد الفيتوري, صلاح جاهين, عبدو الوهاب البياتي, نجيب سرور( الذي كتب عن عوالم المقهى في ديوانه الشهير بروتوكولات حكماء ريش), أحمد فؤاد نجم ( الذي غنى له الشيخ إمام عدة قصائد عن مقهى ريش) و جمال الغيطاني.. وغيرهم. تعرض المقهى للإغلاق المؤقت في عهد السادات بعد زيارته للقدس وتوقيع اتفاق السلام مع إسرائيل.

2) يحيى الطاهر عبدالله من أبرز أدباء مصر في الستينيات, ولد في الكرنك في محافظة الأقصر سنة 1938، وكانت تربطه علاقات صداقة قوية بالشاعرين عبدالرحمن الأبنودي وأمل دنقل. انتقل إلى القاهرة في العام 1964 و أقام مع عبد الرحمن الأبنودي الذي سبقه في الانتقال إلى القاهرة في حي بولاق الدكرور, حيث أنهى هناك بقية مجموعته القصصية الأولى ” ثلاث شجيرات تثمر برتقالاً ” ( 1970), كتب العديد من المجموعات القصصية مثل ” الدف و الصندوق ” ( 1974), ” أنا وهي و زهور العالم ” (1977), ” حكايات للأمير حتى ينام ” (ب 1978) , وله ثلاث روايات قصيرة : ” تصاوير من التراب والماء والشمس ” (1981) و ” الحقائق القديمة صالحة للدهشة ” ( 1977) و ” الطوق و الإسورة ” (1975) وهي أشهرها و ترجمت إلى الإنكليزية و الفرنسية و الإيطالية و اليابانية  و الألمانية و البولونية. وله مجموعة ” الرقصة المباحة ” التي نشرت بعد موته ضمن أعماله الكاملة التي أصدرها أصدقاؤه عن دار المستقبل بالقاهرة سنة 1983 وقد نفدت هذه الطبعة من الأسواق منذ سنوات طويلة, وفي العام 1993 صدرت الطبعة الثانية  ثم طبعة ثالثة سنة 1998. و يذكر أن يوسف إدريس قدمه في مجلة ” الكاتب” و نشر له مجموعة ” محبوب الشمس” بعد أن قابله و استمع إليه في مقهى ريش, كما قدمه عبد الفتاح الجمل في الملحق الأدبي بجريدة المساء مما ساهم في بروزه كأشهر كتاب القصة القصيرة في مصر. صدر في العام 1966 أمر اعتقال بحقه وحق مجموعة من الأدباء والمثقفين رغم أنه لم يعرف له أي نشاط سياسي يثير قلق السلطات، فهرب فترة قبل أن يقبض عليه، ثم تم إطلاق سراحه في نيسان\ أبريل 1967, توفي في العام 1981 إثر تعرضه لحادث سيارة ودفن في قريته الكرنك.

3) يعتقد البعض أن رواية الطوق و الإسورة التي ظهرت مكتملة سنة 1975 , كانت ملامحها الأولى تظهر في عملين سابقين ظهرا سنة 1974 ضمن المجموعة القصصية ” الدف و الصندوق ” الأول بعنوان ”  الشهر السادس من العالم الثالث” و الثاني بعنوان ” الموت في ثلاث لوحات”, وتتحدث القصتان عن الاغتراب بعيداً عن الديار, ومدى تأثير ذلك على الأهل الذين يموتون واحداً إثر الآخر. ويبدو أن هذه الفكرة استهوت يحي الطاهر عبد الله  وسيطرت عليه وأغرته بمتابعة تطور شخصية هذا المغترب وتطور أسرته  أثناء غيابه وبعد عودته فكان أن خلق ” الطوق و الإسورة”.

4)  ولد خيري بشارة عام 1947، وتخرج من المعهد العالي للسينما بالقاهرة عام 1967. ثم ذهب في بعثة دراسية إلى بولندا، وهناك تتلمذ على أيدي كبار السينمائيين البولنديين وعلى الأخص المخرج أندريه مونك الذي كان عميدا لمعهد لودز السينمائي الشهير حيث درس خيري، كما عمل مساعدا للمخرج البولندي الكبير كافاليروفيتش. وعاصر عدداً من أبرز السينمائيين البولنديين مثل أندريه فايدا وسكوليموفسكي وزانوسي وغيرهم. كانت بداياته من خلال السينما التسجيلية خاصة مع إنشاء المركز القومي للأفلام التسجيلية عام 1967 وبعدها أصبحت الفرصة متاحة للإعلان عن جماعة السينما الجديدة والتي كان خيري أحد أعمدتها. من الأفلام التي قام بإخراجها الأقدار الدامية- 1982، العوامة رقم 70 – 1982، الطوق والإسورة- 1986، يوم مر ويوم حلو- 1988، كابوريا – 1990، رغبة متوحشة- 1991، ايس كريم في جليم – 1992، أمريكا شيكا بيكا – 1993، إشارة مرور – 1995، قشر البندق – 1995، ليلة على القمر، ومن المسلسلات التي قام بإخراجها أيضا مسألة مبدأ، ملح الأرض، الفريسة والصياد، ريش نعام وغيرها من الأعمال. يقول عن فيلمه ( الطوق و الإسورة) : ” ظننتُ أنّ فيلمي الطوق والأسورة فيلم شعبي «حيكسر الدنيا»، لأني كنتُ وقتها متمرد على السينما السائدة، وأريد أن أقدم شيئاً جديداً، لكن الناس تابعت الفيلم ونظرت إليه على أنه فيلم غريب لا أكثر من ذلك.. أذكر أني وقتها صدمت وكدت أموت، ولم أتوازن إلا عندما ذهبتُ إلى فرنسا، واحتفى بي المخرجون العرب هنالك، عندها فقط بدأت استعيد معنوياتي.. لا أستطيع أن أحكم على نفسي بأني أجدّد، وأغيّر، وأتمرّد.. وذلك ليس من واجبي”. ( للمزيد, انظر: الحوار المنشور في مجلة نزوى و الذ أجرته معه الكاتبة و الصحفية هدى حمد – تشرين أول\ أكتوبر 2012,  https://www.nizwa.com

5) يستدرك خيري بشارة هذا الأمر حين عبّر عن تأثره بإحدى مقالات د. على الراعي باعتبار الميلودراما ليست شيئاً حقيراً بل يمكنها أن تكون ثورية بطريقة ما وكيف أنه كان يتمنى أن يخرج ” الطوق و الإسورة” على هيئة ميلودراما شعبية… والميلودراما كمصطلح, تعني الأدب الذي يعتمد على المفارقة لإحداث المبالغة المطلوبة للتأثير على رد فعل المتلقي من خلال التركيز على الأحداث المثيرة التي تتسم بالمبالغة في الحركات  التمثيلية و الانفعال لإقناع المتلقي, وتعد الميلودراما أحد التعابير الشعورية للمدرسة الرومنسية, ولا تهتم الميلودراما عموماً بالترابط المنطقي, بل تسيطر عليها العواطف بعيداً عن التفسيرات العقلانية حيت تكون الصدفة المحرك الفعلي لمعظم الأحداث, فكما يأتي الحدث غامضاُ وغير متوقعاً, كذلك يأتي الحل غامضاً و غير متوقعاً أيضاً. و الميلودراما في السينما أتت ممتزجة بقدر كبير من العمق النفسي و مليئة بالحالات المنطقية و بعيدة عن المبالغة في تكثيف الصور العاطفية و المشاعر دون الأخذ في الاعتبار التسلسل المنطقي, فتسير الميلودراما السينمائية في خط واقعي و منطقي عبر حبكة رئيسية غير أنها تستثمر الصور العاطفية و الانفعالات الشعوري بصورة كبيرة حين تعمل على تفعيل مشاهد الحبكة و أحداثها, وهكذا تظهر الميلودراما هنا كمزيج بين الواقعية و الميلودراما الأدبية. بمعنى أنها اهتمت بالزخم العاطفي دون إهمال المنطق و الواقع.

6) الشيخ هارون هو ذاته الشيخ موسى المولود سنة  1908 في قرية الزينية بحري \ الأقصر وانتقل سنة 1950 إلى الكرنك و استقر فيها بحجرته الموجودة بجوار مقامه المدفون فيه.( يعتقد مريدي الشيخ موسى أنها ذات الحجرة المذكورة في الرواية حين كانت حزينة تتجادل فيها مع زوجها حول ما إذا كان يوسف سليم جامع نذور الشيخ موسى رجلاً طيباً أم لا، إذ لام بخيت نفسه قائلاً: ” يوسف سليم رجل طيب. كان يعمل بالتجارة، وكانت دكانته حجرة من حجرات بيته، تطل على الشارع.. ولما اختار الشيخ تلك الحجرة لتكون خلوته التي يعبد فيها الواحد الأحد كف يوسف سليم عن الجزارة وأصبح نقيب الشيخ في جمع النذور”.  ويقول يحيى على لسان بخيت” والشيخ يغلق باب حجرته عليه بالنهار، ويظن الجاهل أنه بداخلها بينما الرجل الصالح يجوس هناك بمكة المكرمة حيث قبر الرسول”…. و يقع ضريح الشيخ موسى في الشارع الذي يحمل اسمه أيضاً وهو عبارة عن بيت صغير له بوابتان الأولى بمثابة مدخل للمكان و الثانية تنفتح على المقام مباشرة, و للضريح واجهة رخامية كتب عليها اسم صاحب المقام وهو العارف بالله موسى أبو علي وتاريخ وفاته ” 22 رمضان 1408 ه, 8 مايو سنة 1988″, أي أن الشيخ موسى مات بعد يحيى بست سنوات, وتقول ” الطوق و الإسورة ” (  1975) :” في إحدى ليالي الذكر، تجمع الرجال كعادتهم منتظرين خروج الشيخ لكنه لم يخرج، ومر الليل بطيئاً ثقيلاً، حتى ارتفع القول وتضارب: ” نكسر الباب” ..” من يجرؤ كشف الستر عقابه شديد” ..” سمعته بالأمس ينادي الله حبيبه: خذني، نادى الله ثلاث مرات بصوت مرتفع ” ..” في الأيام الأخيرة كان دائم الحديث عن الرحيل وعن الموت مفرق الأحبة والجماعات “. ولما تأكد أحبابه من موته، بكوه،”  كما بكته السماء قبل رحيله بيوم”. وكما يردد يحي في الرواية بعض كرامات  الشيخ موسى سواء في حياته ( ما تقول عنه فهيمة  بأن الشيخ موسى ”  كله خير وبركة.. وهو في سني خلع ثوبه ورماه في الماء فطفا الثوب، وقعد عليه الشيخ، وعبر النهر من الشرق للغرب، وعاد للشرق، ولبس ثوبه الذي لم يبتل”. أما في الفيلم فيرد بخيت البشاري على كلام ابنته بالقول ” طيب ياختى يلا انقليني أصلي اتبليت في قعدتي من غير ما عدى لا بر ولا بحر”.) أو تلك الكرامات التي رافقت موته و التي كان يرددها الناس مثل ” الخشبة طارت طيراناً.. و التي سبحت في الجو كغمامة مسرعة” .

7) لا يوجد ذكر للطاحونة في رواية ” الطوق و الإسورة”, أما في الفيلم فالطاحونة جزئية رئيسية تدور حولها العديد من الأحداث وهي من إضافات المخرج, علماً أن المكان الذي بنيت عليه الطاحونة هو أول ما يصادفه القادم إلى الكرنك عبر ” طريق الكباش ” ويذكر الكاتب الطاحونة في مجموعة ” ثلاث شجرات كبيرة تثمر برتقالاً ” والتي تحتوي حكاية بعنوان ” طاحونة الشيخ موسى” على اسم الشيخ الذي يتبارك به أهل الكرنك, وتحكي قصة طاحونة الشيخ موسى عن تاجر يقال له الخواجة ” يسّي ”  كان المحتكر الوحيد لتمويل أهل القرية بالسلع التموينية و الذي ورّثَ ابنه نظير أفكاره ودكانه، فيسيّ كانت له مقولة يرددها دائماً وهي (فكر تكسب وفتح عينك تغرق في بحور الدهب)، والتي عمل بها ابنه، ومن هنا أتت فكرة الطاحونة التي ستوفر على النسوة مشوار الذهاب يومياً إلى ” البندر “. ولأن الفلاحين بطبعهم لا يميلون إلى التخلي بسهولة عن الأفكار العزيزة على قلوبهم ولا يرحبون بالتغير فلم يرتاحوا لفكرة الطاحونة, فاهتاجوا و ذعروا من فكرة الطاحونة, ولا يعرف من أدخل في روعهم أن هذه الطاحونة تحتاج إلى عيّل صغير يلقى بداخلها كي تعمل و ما صوتها : توت توت” إلا عبارة عن صراخ العيال و ليس أزيز الحديد و السيور, ولو أصر الفلاحون على موقفهم هذا فهو سوف يعني للخواجة نظير انهياراَ لمشروعه الاقتصادي من جذوره ومهما حاول إقناع الأهالي بعدم صحة ما يتردد عن الطاحونة فقد كان كلماته ” تصطدم بالحائط الأخرس ويتردد صداها رجفة بقلوب أباء يعبدون الأبناء وأمهات يفضلن تعب المشوار وشقاء العمر ولا المصيبة في الولد”. فما كان من الخواجة إلا اللجوء إلى ” مصدر القوة السياسية في البلدة” فمضى نحو العدة يطلب منه مساعدته وحمايته, غير أن العمدة كان يشارك الأهالي في معتقداتهم و رفض مساعدة الخواجة و اعتبره نذير شؤم على البلد بأسرها, فحاول أن يحتال عليهم بقوله إنه يؤيد قولهم بأن صوت الطاحونة يحاكي صوت الطفل لكنه في الحقيقة ليس كذلك بل أن سبب الصوت يعود لأن الطاحونة قديمة نسبياً لذلك ” ما يلزمهاش عيل ” فرد عليه أحد الأهالي مستهزئاً ” لازم عطلت و عايزة عيل تاني .. ماحناش هبل يا خواجة” وعلق آخر ” الشيخ موسى بيقول احرصوا على أولادكم من طاحون الخواجة” وهنا انتبه الخواجة نظير … يا الله كيف لم يخطر بباله الشيخ موسى, وما الداعي للذهاب إلى العمدة إن كان رب القرية الذي يطيعه الجميع موجوداً و جاهزاً للخدمة, فتعالى صوت الخواجة صارخاً ” رضينا بالشيخ يا جماعة.. أنا وانتوا والعمدة نروح له.. يا ناس دا كله بركة.. قدمه تدخل الطاحونة ونعمة ربنا تحل فيها وتشتغل.. المكنة مايلزمهاش عيّل لو دخلها الشيخ.. مدد يا كبير.. كراماتك يا شيخ موسى”.. ولما وصلوا عند الشيخ و أخبروه بما اتفقوا , صفن الشيخ موسى, صفن شي سيعة وأحس بحجم الورطة التي سيقع فيها فلو رفض ستنهار أسطورته ومكانته ويخسر ثقة الناس في كراماته, فلم يكن أمامه سوى الرضوخ والذهاب معهم, وطوال الوقت كانت ” الصيحات تستعطفه في إرغام.. وساقاه مدفوعتان إلى المصير في زحف أسود مقيت كريه، ولا فكاك من النهاية ولا سبيل إلى الخلف: الجبل البشري خلفه، والبحر الأسطوري أمامه”.  وما إن دخل الشيخ موسى إلى الطاحونة قام الخواجة بتشغيلها فدارت دون أن يرمى بداخلها ” عيّل ” فعلت صيحات الرجال بالتكبير و النساء بالزغاريد وقام الخواجة من فوره بتعليق لافتة  كبيرة على مدخل الطاحونة كتب عليها ” طاحونة الشيخ موسى، لصاحبها الخواجة نظير وابنه مفيد”.

وقد استفاد خيري بشارة من هذه القصة ليوظفها ببراعة مع بعض التغييرات التي تخدم سردية الفيلم فاستغنى عن الخواجة نظير وجعل من صاحب الطاحونة ” منصور الصادق” صاحب محل البقالة في القرية. ومازال سكان قرية الكرنك يعتقدون أن سبب موت يحيى المبكر إنما يعود لأنه تناول سيرة القرية و كشف أسرارها و ” فضح ” ناسها، خاصة سيرة الشيخ موسى، الذي ظهر في الفيلم باسم الشيخ هارون، إذ ” يرون إنه تطاول على ولي، ولأن أولياء الله لا خوف عليهم، فقد عاقب الله يحيى بالحادث الذي أودى بحياته “. ولعل المتابعة الدقيقة للفيلم لمن قرأ الرواية سوف تكشف أن توظيف الطاحونة في ودورها الرئيسي جاء على حساب سردية ” الطوق الإسوارة ” المركزية مما خلق نوع من التشويش و الاختلاط و المتاهة في المتابعة.

8) تأتي صرخة مصطفى البشاري هذه خارج الدرامي للشخصية. لنتذكر أن عزت العلايلي يقوم بدور بخيت و ابنه مصطفى مثلما تؤدي شيريهان دور فهيمة و ابنتها فرحانة ومن الواضح  للمتلقي المطّلع أن العلايلي وشيريهان فشلا درامياً و تقنياً في تقديم شخصيتي مصطفى و فرحانة, فقد بالغ خيري بشارة ” بطريقة ميلودرامية مبالغ فيها ” في إسباغ ملامح و صفات الطيبة على فرحانة إلى درجة بدت في كثير من المشاهد كأنها معاقة عقلياً أو متخلفة عند مقارنتها بملامح البراءة التي ظهرت فيها بدور فهيمة. أما عزت العلايلي في تقمصه شخصية مصطفى كان غير مفهوماً, فهذا العائد المهزوم المليء بالعقد و النكسات ” طلاقه لزوجته, وفقره, وعدم إنجابه ولد يحمل اسمه, و قصص بطولاته الفارغة التي هي أقرب لأعمال اللصوصية ” لا يمكن لها أن تجعله ” فتوّة” يصرخ في الجميع و يأمر و ينهي, لقد كان على المخرج أن يبحث عن أداء مختلف له يتوافق مع الخط الدرامي لشخصية مصطفى العائدة بعد غياب, و يبدو أن خيري بشارة هنا لم يستطع الخروج عن التقاليد المتبعة آنذاك في السينما المصرية بإفراد مساحة كبيرة للبطل ” نجم الشباك” . من ناحية أخرى, من الناحية الدلالية بالدرجة الأولى، يأتي اختيار الشخصيات للعب دورين في الفيلم كتعبير واضح عن الاستمرارية و عدم التغيير.

9) يتداخل معنى العجز مع نقيضه ” الإخصاب” ويقول خيري بشارة عن معنى الخصوبة في الفيلم: (…الخصوبة هي قلب الموضوع.. نحن غير قادرين على الإخصاب.. لست معنياً أساساً بالعادات والتقاليد بقدر ما أنا معني بالتركيبة العقلية أو الذهنية.. أنا معني بالخصوبة وعلاقة ذلك بالفاعلية والقدرة على التغيير. فالفيلم يتحدث عن فقدان الخصوبة الإنسانية…). فيمثل عجز الأب دافعا قوياً و مبرراً منطقياً للأم وابنتها في النظر إلى الغائب كمنقذ فتتطلعان إلى رسائله بفارغ الصبر و يتم استدعائه ذهنياً في كل لحظه وعند كل أزمة تعيشانها. فهؤلاء الثلاثة تغلف حياتهم ثلاثة مسارات تتأرجح بين الثبات و العجز و الخصوبة, و يكون الانتظار أحد دلائل الثبات, و الفقر و المرض يشيران إلى العجز و زواج فهيمة هو التعيير المباشر عن مشروع  الخصوبة ”  قلب الموضوع في الفيلم” لإعادة إنتاج الحياة نفسها, لذلك تكثر  الدلالات التي تعبر عن حالة العجز وعدم القدرة على الإخصاب, ابتداءً من  بخيت البشاري و الجبالي وصولاً إلى مصطفى نفسه عندما يطلق زوجته الشامية لأنها لم تنجب له ولداً وهو العاجز أيضاً عن فهم ما يدور حوله, وعن عجز حزينة في جعل ابنتها تحمل ( إخصابها على يد حارس الكرنك كان حلاً ميكانيكياً خارجياً بعد أن فشل الحل الداخلي أي الجبالي في إخصابها) و عجزها أيضاً عن إنقاذ حفيدتها, وكذلك عجز السعدي عن جعل فرحانة تحبه كي يظفر بها و عجز المدرس عن التغيير. وها هي فهيمة رغم إدراكها لعجز زوجها إلا أنها تحاول الاحتفاظ به قدر ما تستطيع فتظهر كأنها شهرزاد الحكايات القديمة تردد على مسامع ” أميرها” الجبالي حكاية بائع الكلام الذي ينجو من الموت عند استخدامه بعض الكلمات, فالكلمة الأولى كانت ” حبيبك اللي تحبه ولو كان عبد نوبي” و الثانية ” ساعة الحظ متتعوضش, و الثالثة ” من آمنك لم تخونه ولو كنت خاين” وهي كما نرى ثلاث كلمات تلخص فعلاً علاقتها بزوجها و سلوكه معها و نهاية كل منهما.

وللمزيد عن الفيلم؛ فيما يلي رابط مقال صفاء الليثي بعنوان “بين خليفي و بشارة نقد المجتمعات العربية و المزج بين الوثائقي و الروائي”

https://search.emarefa.net/ar/detail/BIM-587901/%D8%A8%D9%8A%D9%86-%D8%AE%D9%84%D9%8A%D9%81%D9%8A-%D9%88-%D8%A8%D8%B4%D8%A7%D8%B1%D8%A9-%D9%86%D9%82%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AC%D8%AA%D9%85%D8%B9%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A%D8%A9-%D9%88-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B2%D8%AC-%D8%A8%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%88%D8%AB%D8%A7%D8%A6%D9%82%D9%8A-%D9%88-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%88%D8%A7%D8%A6%D9%8A/1

 

عن محمود الصباغ

كاتب ومترجم من فلسطين

شاهد أيضاً

جدلية التجسيد والتجريد في الاقتران الإنساني-الرقمي، فيلم Her مثالاً

من بين الكثير من الاقتباسات المتناثرة في هذا الفضاء الرقمي، هناك واحدة للفيزيائي الشهير ألبرت …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *