الرئيسية > أدب > الصنايعي The Machinist : تحية إلى ديستويفسكي
ملصق الفيلم

الصنايعي The Machinist : تحية إلى ديستويفسكي

قراءة في فيلم

تقول الحكمة [السينمائية: ” الحياة أقصر من أن نهدر منها ساعتين لمتابعة فيلم لن نستمتع به”، ويقول ملصق فيلم The Machinist ” كيف تستيقظ من الكابوس إن لم تكن نائماً أصلاً؟”، ونقول كيف يمكن للعقل أن يحتال على الجسد؟ كيف يقود العقل هذا الجسد نحو راحة مزيفة غير حقيقية؟ ثمة من يرى أن الحقيقة، كمعطى بمعناها المطلق، تمنحنا الحرية من خلال تقليل مساحة الخيال ووجهته رغم استحالة الوصول إليها، فحين تتحول متطلبات الحياة البسيطة عند شخصية طِباقيّة، مثل تريفور روزنيك، إلى حلم صعب المنال يمكننا أن ندرك فعلاً معنى شكواه: “أريد أن أنام.. أنام فقط”، وهذا جوهر افتراضات\ هواجس\ تساؤلات الفيلم التي نتعرف عليها من خلال ما يقوم به عقل تريفور الذي يعتقد أن إنكار حالته الأصلية، وخلق عوالم جديدة ستجعله بمنأى عن الخطر الداهم الذي يلاحقه. فهو أشبه بطفل يغمض عينيه كي لا يراه أحد. ولكن هذه الدعامات التي يحاول عقله أن يبنيها هي -للأسف- دعامات هشّة وقلقة ورخوة، بدليل تردي حالته الصحية، مع مرور الوقت وتفاقم وضعه النفسي وتزايد اضطراباته “العقلية والجسدية” كما يعبر عنها الفيلم بتقنية بصرية متقطعة “فلاش باك” ومن خلال قصاصات ورقية ملصقة على ثلاجته تشبه الأحجية، فالكلمة المطلوبة ستكون واضحة للجميع إلا له، أو ربما هو يتحاشى الوصول لها ونطقها. وتبقى المشاهَدة هي التي تعطينا الانبهار المطلوب.

تبدأ تلك القصاصات بالسؤال التنبيهي الغامض “من أنت”؟ وهنا تتملكنا الرغبة فعلاً بمعرفة من هو تريفور روزنيك، لنجد أنفسنا أمام تأويلات بصرية تطرح الأسئلة أكثر مما تقدم الإجابات، وربما، يكمن، هنا أحد أهم جوانب جودة الفيلم وقدرته على مزج الحقيقة بالوهم، ومحاولته خداع المشاهد في كثير من الأحيان لجهة عدم التمييز بين الحدود التي تفصل بينهما، التي تبدو غير واضحة تماماً عند تريفور، فتفاصيل الحياة اليومية التي لا يعيرها بعضنا بعد الانتباه تبدو مهمة جداً عنده: فتأخذ الولاعة، في سيارته، حيزاً هاماً من تفكيره، وكذلك تنظيف أرضية الحمام وتدوينه لمشترياته، مثل هذه التفاصيل ستظهر أهميتها عند الاقتراب من المشاهد الأخيرة للفيلم، حين لا نتيقن من هذه النتائج إلا عندما نعرف أن إيفان هو في الواقع جزء من تريفور نفسه أو من خياله، أو هو بالأحرى ذنبه الذي يطارده حتى يضطره إلى القيام بالخيار الصحي (تسليم نفسه للشرطة). كنهاية مقنعة أو على الأقل مرضية بحدها الأدنى لتفسير كل الألغاز التي احتواها الفيلم عن تريفور وعن مصيره الكئيب والمظلم في سياق الجريمة وعقابها، فيبدأ بفلاش باك يكاد يبدو مثالياً للتعبير عن الغموض الذي سيكتنف بقية الأحداث حين يظهر تريفور يطوي جثة ما ويرميها في البحر، وهذا ليس سوى تمهيد لذكرى مؤلمة ستكون لها عواقب على حياته حين تتحول إلى كوابيس تتحرك وتتجسد على هيئة وقائع تزيده شحوباً ونحولاً، مما يهدد صحته وحياته، فيصبح قليل الأكل والنوم أو لا ينام بالمرة.

ولابد من الإشارة هنا إلى أداء ” كريستيان بل” الذي كان مميزاً ومشوقاً في تجسيده لمشاعر الفزع والهلع ببراعة ملفتة واتقان عالٍ، ويكفي أن نعلم أنه فقد حوالي 28 كيلوغرام من وزنه خلال أربعة أشهر، قبل بدء التصوير، كي يبدو ملائما لشخصية تريفور روزنيك، فالجسد النحيل هو أهم ميزة في شخصيته فضلاً عن أن هذا النحول سيضفي بلا شك تقاسيم إضافية للوجه تعبر عن مدى المعاناة والقسوة التي يعاني منها، فشكل الجسم وحركته كانت حاضرة طوال الفيلم وهو يذكرنا بريموند بابيت في “رجل المطر Rain Man”(1) أو جان ناتش في “عقل جميل A Beautiful Mind “(2) وأشباههما. و لاشك أن ” كريستيان بل” امتلك موهبة فطرية كانت تتطور مع كل مشهد يؤديه، مما جعله يقوم بدوره بطريقة مدهشة.

وهكذا حين يحاول تريفور تخطي حالته واكتشاف سبب بؤسه وعذابه، يظهر في حياته شخص أو أشخاص بعضهم عبارة عن ذكرى أليمة وبعضهم يسعى لتدميره والتخلص منه، وسوف نعلم، لاحقاً، أنهم غير حقيقيين فكل ما يراه روزنيك من صنع عقله، وليس من واقعه، وسنكتشف أن ماري والدة نيكولاس، التي رآها روزنيك بعد أن صدم ابنها ليست حقيقية أيضاً. وفي كل مرة كان يذهب فيها روزنيك إلى المقهى كان يتصور في ذهنه أحداث عن حوار ما بينه و بينها؛ وهذا أيضا غير حقيقي، فالحوار ليس سوى سلسة حوارات في ذهنه. والرحلة إلى الملاهي لم تحدث، وزيارتها في بيتها لم تحدث. فقط ستيفي وسريرها وعمال المصنع هم الأشخاص الحقيقيون والذين شعروا بالقلق إزاء سلوكه معتقدين أن ثمة أمر ما غير طبيعي عنده “ستيفي هي الشخصية الحقيقية الوحيدة من خارج المصنع حيث يعمل”. وجميع الأشياء التي يخلقها عقل روزنيك إنما تحيلنا إلى حياته قبل الحادث، حتى تلك الملاحظات التي كتبها على ثلاجته هي من صنع عقله، وفي أكثر من محاولة نصل إلى النهاية التي يخضع لها أخيرا عقل روزنيك لما حدث له قبل عام. فإذا كانت ستيفي هي ملاذه، يمارس معها الجنس، كتلبية للاحتياج البيولوجي ليس إلا، فإن ماري هي الوجه الآخر للبهجة حيث يحلو له أن يعترف لها بأنه لم ينم منذ عام. وهي تتساءل، بدورها، ما الذي يدفعه لقطع كل هذه المسافة ليأتي إليها حيث تعمل نادلة في المطار؟ هل فقط من أجل تناول فنجان قهوة وقطعة حلوى؟ ألا يوجد شيء آخر؟ فهي كما تبدو لنا لا مانع لديها من المضي معه لأبعد من ذلك. ولكي لا نخلط الأمور، ليس من المتوقع أن يسعى روزنيك لإقامة علاقة حميمية مع ماري، لأننا سنعلم تالياً، أن ماري ليست سوى حلم، أو جزء من حلم في حين أن ستيفي هي واقعه.

ومع تقدم الفيلم تسوء حالة تريفور الصحية والنفسية فيتسبب في بتر ذراع أحد زملائه في المعمل بسبب شروده، كما أنه يتعرض لذات الموقف حين تنحشر ذارعه هو في الآلة، ولا يتقدم أحد لمساعدته، وهنا ينعطف الفيلم نحو ذروة محببة لدى صناع السينما، أي المؤامرة [ كلمة حبكة Plot التي تعني ذروة الحدث الأدبي والسينمائي باللغة الإنكليزية تعطي معنى المؤامرة أيضاً]، حين يعتقد تريفور أن زملاؤه يتآمرون عليه فيطرد من عمله في المصنع، ويتواصل التصعيد حتى يكاد الحال يصل به إلى الجنون المطبق “وهذا أيضاً من المواضيع المفضلة في السينما”، فلا يعد قادراً على الفصل بين الحقيقة والخيال.

من الناحية التقنية لا يستطيع البعض، عند هذه اللحظة، السيطرة على حياته بل سوف ينهار عند أول صدمة واستطاع الفيلم تقديم هذه الحالة باستخدام لقطات الفلاش باك والتنافر والإضاءة الخافتة، مما جعل الحبكة سهلة القياد، رغم التوائها، وتكاد حيادية روزنيك تصدمنا، فالوجه مشغول ببراعة لتظهر تعابيره الزجاجية القاسية فعلاً وليس مجازاً، حتى في أشد حالات الخوف والفزع أو حتى الضحك والشهوة، لكن هذه الحيادية لا تمنع روزنيك من أن يعيش أرقاً يهدد حياته لأسباب غامضة (سنعلمها لاحقاً) ويتحول، هذا الأرق، إلى كوابيس تنعكس بشدة على حالته الجسدية والنفسية.

وإذا كان صحيحاً أن “لا أحد يموت، عملياً، من الأرق” كما يقال، لكن [دائماً هناك لكن ] في المقابل لم يقل أحد أن الأرق لا يحول الحياة إلى جحيم؛ وكم سوف يكون صعباً علينا لو تخيلنا أنفسنا بلا نوم لأيام، وكم ستكون الحياة قاتمة لو كان الماضي يحاصرنا، ليس في أحلامنا فحسب، بل في كل لحظة واقعية نعيشها، وهذا ما انعكس على حياة الصنايعي روزنيك التي تحولت إلى ما يشبه آلة لا تنام (و لعنوان الفيلم، هنا، مغزى وأهمية إذا لابد أن يكون تريفور في فترة ما سابقة على بداية الفيلم قد امتلك مهارة الصنايعي ومعرفته بأدوات عمله ولابد أنه امتلك كفاءة عالية وقدرة على استخدام الآلات بطريقة نموذجية تمنحه لقب “الصنايعي” ) مثل روزنيك الآلة البشرية التي لا تنام والتي تخلق كوابيسها وتُكاثرها إلى حد الجنون؛ ولكن الإشكالية هنا أن الآلة، بعكس البشر، لا يدفعها فضول المغامرة نحو ارتكاب جريمة ما، بقصد أم دون قصد، بدافع الضجر أم بدوافع أخرى، فالآلة ليست سوى “أداة” يتم تشغيلها فلا تتوقف عن العمل. وإذا كان روزنيك امتلك القدرة ليصبح مثل الآلة يعمل بدقة وصرامة مثيرة للإعجاب فكل شيء مخطط له، يدفع فواتيره بانتظام، يدون ملاحظاته وطلباته ويلصقها على الثلاجة بهدوء وبحيادية مذهلة دون ملل أو كسر للروتين، باستثناء خرق أو اثنين (علاقته بكل من ستيفي وماري، وسوف نعلم الأسباب الحقيقية وراء هذه الخروقات)، فإننا سنلاحظ -عندما تبدأ الحبكة بالانكشاف كيف يصبح صعباً عليه مع مرور الوقت أن يروي قصته كما تأملنا ذلك منذ البداية، إذ لم يعد لديه الكثير مما يقوله، فيتنحى جانباً، ويترك هذه المهمة لغيره “إيفان، ستيفي، ماري” وعندها سنعرف ما يخفيه علينا من خلال مفاتيح رمزية وسياقات يبرز الماضي كأحدها وأهمها، فالماضي -وطبعاً بالإضافة إلى روزنيك- أقوى “شخصية” في الفيلم، الحضور القوي للماضي هو الذي جعل المخرج براد أندرسون يضحي بقطع السرديات الأخرى التي قد يكون لامتدادها إضافات ملهمة، وليس أفضل من تقنية الفلاش باك للتعبير عن هذه المساحة البصرية للفت انتباهنا والتركيز على تفاصيل مهملة سيكون لها كبير الأثر في فهم قصته لاحقا: مثل الولاعة، السرعة الجنونية للسيارة، توقف الساعة عند الواحدة والنصف، وبسبب من تكرار المشاهد وانضغاطها، وتحول الفيلم إلى ما يشبه عرض تحليلي للفرضيات الفرويدية، فقد عمد أندرسون إلى التضحية ببعض جوانب السردية لبعض الأحداث وإهمال ابعض الآخر من أجل التأكيد على قيمة وأهمية الرموز المختلفة الأخرى التي يضعها السيناريو أمام روزنيك، فنحن لن نعرف على وجه الدقة سبب تخليه المفاجئ عن ستيفي رغم إحساسنا بحاجته لأن تكون معه، إن نسيان الصورة في غرفتها، وتمثّله لإيفان كشريك تخونه ستيفي معه غير كافٍ لفهم الانقلاب السريع ضدها، لعل ما يريد السيناريو التخلص منه، هنا، هو ضروري من أجل التركيز على ذكريات تريفور الأخرى التي تخدم سياق الحبكة.

ولعل أهم إشكاليات التأويل في الفيلم تكمن في استخدام مقولات التحليل النفسي في الأعمال السينمائية، أثناء تناولها للشخصيات المركبة وتحويلها إلى سردية بصرية، وقدرة هذه الأخيرة على التواصل مع هذه المقولات المتعلقة بالأشخاص الذين يعانون من اضطرابات نفسية -حتى النهاية دون ضجر- على اختلاف الأعراض التي يعانون منها، وصراعاتهم الداخلية، التي قد تودي بهم إلى الهلاك أو الجنون، فالأرق والهلوسة وضعف الشهية وفرط العصبية والسلوكيات الأخرى التي يلجأ لها المريض تتسلل من خيط رفيع، رفيع جداً يكاد لا يرى لتتعاظم وتتكاثر وتأخذ مظاهر متنوعة، كمحاولة خلق حياة جديدة ظناً منه أنه سيتخلص من جانبه المظلم. فماذا لو كان المخرج أقل مهارة وقدرة أقل على الخيال؟ هل سينهار المعمار الدرامي الفيلم؟ وبصرف النظر عن الملاحظات المفرطة في الثقة التي يمكن أن يبديها التحليل النفسي هنا؛ لابد أن نتساءل بعد نهاية الفيلم عن فائدة المعرفة المنتجة من هذه الأفلام المبنية على سلسلة من العلاقات المتشابكة بين المتلقي والصورة، آخذين بعين الاعتبار الصعوبة السينمائية في إعادة إنتاج الواقع، عبر الصورة، بشكل موضوعي-ثمة حالات ممكنة أحياناً- نظراً لأن الصورة من الناحية الفنية حين نعرّفها كصورة فهي بلاشك تكون قد انتقلت لتمثل حالة “وعي” لمخرجها، فهو الذي سوف يحدد إطارها ومسارها وإيقاعها بما يخدم الأفكار الرئيسية لسرديته البصرية، وقوام الفيلم بصورة عامة. وهذا ما يستدعي من المتلقي قراءة ما لتلك الصورة ضمن سياقه الثقافي بافتراض إنها فكرة مبدعة. فإذا اتفقنا على أن الفيلم يعالج الجوانب النفسية، وإذا اتفقنا، مبدئياً، أن الفيلم المشغول جيداً لابد له أن يحتوي على نقاط رئيسية معينة مثل:

أ) عدم جعل المتلقي يغرق في متاهات بصرية على حساب الموضوع (الصورة مقابل السرد) بل ينبغي خلق لغز\ تصعيد يجعل المتلقي جزء منه ويدفعه لاستخلاصه دون عناء.

ب) آلية الفهم الجيد لأي فيلم تبدأ من حالة الاهتمام التي سوف يعيشها المتلقي و سوف تتولد بداخلة مع تقدم الأحداث.

ج) على الفيلم أن يكون مغرياً لنا لإعادة مشاهدته لمعرفة ما إذا كان الفيلم جيداً بطريقة ما أكثر من الألغاز التي يطلب منا أن نساهم في حلها، فاللغز ينبغي أن يكون وسيلة للفكرة وليس بديلاً لها أو تسلية عنها، أو كبش فداء.

د) عدم الغوص عميقاً في التحليل والتفسير البصري بطريقة مفرطة لأن هذا يقتل متعة الفرجة، فثمة لاشك مخاطر عدة من هذا التعمق، ألا يمكن لهذا التعمق -على سبيل المثال- أن يصل بنا إل تقويل الفيلم ما لم يقله ؟

ه) لا ينبغي للفيلم أن يستجدي “غرائزنا” ليثير فينا مشاعر الاستحسان

فهل حقق الفيلم هذه الشروط؟

أعتقد أن الإجابة على هذه الاشتراطات تعتمد على حجم المساحة التأويلية لكل متلقٍ على حدة، دون أن نغفل الخط النقدي العام الذي يقرر ما إذا كان الفيلم يمتلك بنية متماسكة أم لا، ربما يكون هذا الطرح مقبولاً إلى حد ما، و لكن إغراءات الفيلم تدفعنا نحو مطارح أكثر عمقاً؛ ولاشك أن المخاطرة في التعمق مفيدة هنا، إذ أن ما يطرحه الفيلم يجعلنا لا نكتفي بخدش السطح, بل تتولد الرغبة لدينا في النظر نحو الامتدادات البعيدة لما يريد الفيلم قوله، فكل تلك الإشارات تتيح لنا الاقتراب أكثر من عوالم روزنيك المشابه لعوالم أبطال دوستويفسكي، وليس مصادفة أن يظهر روزنيك وهو يقرأ “الأبله” التي يمكنها أن تقدم مفاتيح مهمة لفهم بعض الجوانب النفسية للعديد من الأشخاص على شاكلة روزنيك، وليس مستغرباً، إذن، أن نجد رموز أخرى مثل “الجريمة والعقاب”. وهنا يمكن اقتراح أن إيفان يمثل إسقاطاً لحالة تريفور الذهنية بواسطة آليات عقلية يصفها التحليل النفسي حين يحاول شخص التخلص من دوافع ذاتية أو أجزاء منها غير مقبولة عن طريق دفعها “خارجاً”.

وفي الحقيقة نحن غير معنيين بمن هو هذا الإيفان قياساً لانشداهنا بتريفور وأسراره، فهو، أي إيفان، في الواقع شخصية وهمية خلقها عقل تريفور كناية عن ذنبه. استطاع المخرج أن يجعله يتسلل إلى عقل روزنيك في غفلة منا، ومع تقدم الأحداث نستطيع أن نقرر باطمئنان أن إيفان ليس روزنيك بقدر ما هو يمثل ذنبه، وبالتالي هو شخصية وهمية موجود في حياة روزنيك الذي يمكن وصفه بمريض شيزوفرنيا نموذجي. وهناك العديد من المشاهد التي يظهر فيها وبشكل واضح أن إيفان ليس حقيقياً مثل ما يقوله زملاء روزنيك في المعمل له، ونظرات ماري الغريبة وهي تلاحظ انفعاله غير المبرر، وظهوره، أي إيفان،  عندما كان يهم بإلقاء الجثة في بداية الفيلم.. إلخ. ولنا أن نتساءل هنا: ألا يمثّل إيفان معادلاً موضوعياً “داخلياً” لخطيئة روزنيك؟ أليس هو أحد أوجه الوحش الكامن في كل واحد منا؟ هل يمارس إيفان ضغطاً كافياً لجعل روزنيك يمقت الناس وينظر لهم بشك وريبة؟ لماذا يعتزل الناس؟ لماذا لا تشغله -بعكس كل من حوله- سوى قضية واحدة غريبة غامضة، يبقى يحوم ويحوم حولها كمن ينزلق نحو الجنون. وحتى صرامته الملفتة ودقته المدهشة في تدوين الملاحظات على ثلاجته ليست سوى حيلة ذهنية من صنع خياله تقوم ذاكرته على غربلتها بطريقة تجعله يتخلص من بعض تلك الذكريات (ليست بالضرورة على تلك الدرجة من الأهمية) وهذا ما يحصل لنا جميعاً، فنحن، حين ننهض كل صباح مثقلين بهواجس الليلة الفائتة التي ينبغي التخلص منها، علماً أن هذه الهواجس\ الافتراضات هي بالأساس جملة مقولات بنيت عليها حياتنا ووقائعها المادية، وهذا ليس فقط لأنها (أي الافتراضات) موجودة فعلاً، بل أيضا لاعتقادنا بأنها موجودة بالفعل، الأمر الذي يجنبنا ربما الغرق في العزلة، وغالباً ما للبحث عن المعنى أو إنكاره في الأشياء التي تحيط بنا وتغمرنا والتي نحبها حتى لو أتت من جهة غير متوقعة نظراً لأن هذه الجهة أو الجهات تشترك معنا في ذات التصورات بسبب من امتلاكها لذات الافتراضات.

يخلق الفيلم، انطلاقاً من هذه الافتراضات، التصعيد المطلوب منه فنياً بما يغرينا للقبض على التلميحات التي يتطرق لها وسوف نكون معنيين أيضاً باكتشاف أن هذا الفيلم ربما يمثل، بطريقة ما، تحية خاصة إلى فيودور ديستويفسكي، باعتباره أحد أعظم العبقريات الأدبية التي عرفتها الرواية، حيث طيفه يعلو كل لحظة نتابع فيها روزنيك وهو يئن تحت وطأة أو تواطئ تعذيب الضمير أو ضميره المعذب، بمثل ما يستنهض فينا أجواء ديستويفسكي كونها خليط من ميشكين وراسكولنيكوف والأخوين ديمتري وإيفان كارامازوف، لاسيما الطريقة التي يتم بها طرح الأسئلة القلقة والمثيرة، وتصوير أكثر أفكار الإنسان خصوصية وأشدها غرابة، لاسيما تلك المشوبة بالشر الإنساني والإيمان وعدمه والجريمة غير المبررة، تلك الأفكار التي لا نجرؤ على التصريح بها في العلن رغم أننا نفكر بها وتشغل حيز لابأس به من منظومتنا الفكرية، والتي يعتبرها ديستويفسكي ميزة يشترك فيها كل البشر، فكل واحد منا يمتلك قابلية الفعل المباشر أو غير المباشر للجريمة والشر، بل نحن في حقيقة الأمر-وفقاً لديستويفسكي- لسنا سوى أشرار نشعر بمتعة ولذة لرؤية مصائب وعذابات غيرنا. لنتذكر لحظة احتضار العجوز مارملادوف في الجريمة والعقاب حيث يتجمهر جيرانه أمام باب بيته يراقبوه، ويصف ديستويفسكي ما يعتمل في داخلهم، “إنهم يقفون الآن وكلهم يشعر بذلك الشعور الغريب؛ شعور (الارتياح) الداخلي الذي يظهر دائماً، حتى عند أقرب المقربين، عندما تحل نكبة مفاجئة بقريب لهم. هذا الشعور الذي يبديه كل إنسان بدون استثناء بصرف النظر عن أعظم الأحاسيس إخلاصاً وشفقة” .

تظهر هذه الصورة الممتزجة بالمتناقضات عند ميشكين في “الأبله” بوصفه ملاك رقيق ولطيف للغاية لا يقدر على أذية أحد، ومع ذلك يمتلك القدرة على التمدد، بوداعة، والنوم بجوار المرأة التي أحبها وهي تسبح في بركة دمها بعد أن قتلها صديقة رازموخين. لاشك أن ميشكين يبدو مستمتعاً بهذا المشهد، وبتلك الليلة الهادئة، التي لا تعوض، وهو يرنو نحو حبيبته الغارقة بدمها. وأشد ما يكون وضوح مثل هذه الأفكار مع ديمتري كارامازوف، الذي قتل خادم أبيه، وبعد ذلك ذهب بكل برود لمنزل صديقته محاولاً أيضاً قتل خادمتها، غير أنه فجأة يبتسم لها ويطلب منها بهدوء، غير متوقع وآسر للغاية، أن تعد له كوباً من الشاي، ثم بعد ذلك يغادر مشحوناً بأشد الأفكار نقاء وطهارة، وبذهنٍ صافٍ قادر على هدم و بناء العالم من جديد، وكأنه لم يرتكب جريمة قبل قليل. وكذلك يفعل نبي ديستويفسكي المزيف (راسكولنيكوف)، حين نراه يجلس مع والدته وأخته وهو ممتلئ بشعور مفعم بالسعادة لنجاح خطته. ثم يقف فجأة ويقول لأمه أنه سيغادر في الحال ولا يرغب برؤيتها من جديد.. هكذا دون استئذان أو إشارة، يغادر ويعتزل الجميع متفرغا لأفكاره الغريبة.

وما يزيد من أهمية الإشارات إلى ديستويفسكي على صعيد التفسير النفسي وتأويل المجاز، البحث في الأسباب الكامنة وراء تلك الإشارات، بحيث يمكن النظر إليها من زاوية أخرى مثلما يأمل كلود ليفي شتراوس الأخذ بعين الاعتبار جميع جوانب الأسطورة وعدم الركون إلى تفسير بدئي أولي لها؛ حيث يتغير فهمنا للأسطورة بتغير التأويل. فإذا كان الأمر كذلك فلن تكون الأسطورة مجرد جملة من الأفكار والموتيفات تنتمي لسرديتها المركزية فقط، بل ما ينقصها هنا هو تأويلنا نحن وتفسيرنا نحن بوصفنا قراء معاصرين تختلف استراتيجية قراءتنا عن استراتيجية القراء الأقدم للأسطورة أو المعاصرين لنشأتها، ويدلل شتراوس على هذا بما يرى فيه رؤيتنا لـ “أوديب ما بعد الفرويدي”. فاستخدام فرويد لقصة أوديب غيّر من وظيفتها وفهمنا لها. وعلى هذا النحو، بتنا نفهم أوديب الآن بطريقة تختلف عما كان يفهم منها الأثيني القديم، وبالتالي، لابأس من مقاربة مقولات الأبحاث النفسية لفهم شخصية إيفان وربطها بما يعرف باسم ”نموذج الشبح البدئي” كما شرحه كارل غوستاف يونغ حين يرى في هذا النموذج جانب من جوانب العقل الباطن والظل كنموذج أصلي يمثل الحالة السلبية المكبوتة. فالشبح -إيفان- هو في جوهره الأصلي ظل روزنيك و”قرينه” وفقاً لعوالم ديستويفسكي. وبهذا يمثل روزنيك حالة مثالية للدراسات النفسية عن حالة الشعور بالذنب ومدى عمق تأثيرها وفرادتها من شخص لآخر رغم الاشتراك العام بالحالة الذهانية ذاتها، وتتمثل العوارض السلبية المكبوتة كأحد جوانب العقل الباطن في تعاملنا مع شخصية إيفان “المعادل الشرير والوحشي” الذي يساعد وجوده في التعرف على روزنيك، وهو يحاول أن يقنعه بالاعتراف واقعياً وشعورياً بقتل نيكولاس. ولا ينبغي أن يغيب عن بالنا أن إيفان هو اسم الشخصية الرئيسية في “الإخوة كارامازوف” وهي شخصية حقيقية ( القصد أنها شخصية روائية حقيقية وليست قريناً بعكس إيفان المتخيل قرين روزنيك) وهذا يحيلنا إلى استنتاج فضفاض بأن كل ما نراه في الفيلم ينطوي، في الحقيقة، على ما يتخيله عقل روزنيك, فثمة أشياء تعيدنا إلى حياته قبل حادث الدهس، وهنا تظهر مهمة إيفان واضحة، إعادة روزنيك إلى الماضي الذي يحاول إنكاره. يقول له إيفان أثناء لقاءهما الثاني في الحانة أنه ينبغي عليه أن يظهر لأن لا أحد في المصنع يصدقه، ولاحقاً يذهب روزنيك للمصنع و بينما يحاول صيانة الآلة، تعلق ذراعه بداخلها ويكاد أن يفقدها، فيصرخ طلباً للنجدة، لكن لا أحد يكترث له، عندها يبدأ في اتهام الجميع بأنهم يتآمرون عليه وأن شخصاً ما قد عبث في الآلة عمداً ربما بداعي الانتقام، وعند هذه النقطة يبدأ تريفور بملء فراغات الأحجية فيرى أن الحروف تقترب أكثر من اسم ميللر (زميله الذي بتر ذراعه بسبب شروده). فيذهب لرؤيته وهو مقتنع بأن أحد ما قد عبث بالآلة.

وعلى هذا لا تعدّ الإشارات لديستويفسكي كتلميحات خفية فحسب، بل كجزء من تجربة تريفور بوصفه قارئ لديستويفسكي، فموضوع الشعور الذنب والمعاناة التي يسببها هذا الشعور هو من الموضوعات الشائعة في أعمال ديستويفسكي، لا سيما في الجريمة والعقاب، والتي تشبه إلى حدما ما يشعر به روزنيك.

إذن الإشارات إلى الرواية التي تظهر في كوابيسه الوهمية هي في الواقع مقارنة عقله اللاشعوري بين الرواية وحياته وما تتضمنه من حقائق مفزعة تتكشف توالياً له ولنا وتخلق التصعيد المطلوب منها فنياً.

ومن الأهمية بمكان الإشارة إلى أن التصعيد النفسي لحالة روزنيك تتعارض مع المشاهد الواقعية البطيئة الأخرى التي يصورها الفيلم قبل لقاء روزنيك مع إيفان. وللتقليل من وطأة وحدة الإرباك هذه يحاول الفيلم أن يبقينا بعيدين بمسافة لابأس بها عن روزنيك، مما يتيح لنا أن فرصة التعرف على حالة البارانويا المتعاظمة، وتشخيصها وصياغة المتغيرات النفسية التي تطرأ عليه دون أن ننخرط أو نتورط مع هذه الحالة، لذلك، مع اقتراب الفيلم من نهايته، نجد أن مشاعرنا تميل نحو النفور من روزنيك، ونكون أكثر جرأة في مقاومة التعاطف معه. وعلينا ألا ننسى أن معظم ما نراه هو نسيج من اللاوعي تفرضه حالة الشعور بالذنب التي يعاني منها، والتي يقدمها الإخراج عبر المجاز والاستخدام القوي للترميز، لعل أكثرها وضوحاً شكل روزنيك نفسه، فعند رؤيتنا لهذا الهيكل العظمي ينتابنا شعور غامض، لكنه قوي بالتضامن معه، كأن نرغب في إطعامه والاعتناء به؛ ولاشك بأن هيئته هذه كانت وسيلة فعالة للإخراج ليخلق مثل هذا الجو التضامني معه، في معظم لحظات الفيلم، وليدفعنا لأن نأخذه على محمل من الجد كما لو أننا نقرأ الأبله أو الجريمة والعقاب، ونشعر بأنه علينا كسر عزلة روزنيك الوجودية القريبة من العبث الذي نسجته العوالم الأدبية لكل من ألبير كامو [ في الغريب والسقطة وأسطورة سيزيف مثلاً ] وفرانز كافكا [ في المحاكمة مثلاً] وفيودور ديستويفسكي [ في الأبله والجريمة والعقاب والأخوة كارامازوف مثلاً] وهيرمان ميلفيل [في موبي ديك مثلاً] وأندريه مالرو [في الطريق الملكية وغواية الغرب مثلاً] ونجيب محفوظ [في ثرثرة فوق النيل واللص والكلاب مثلاً] وغيرهم.

تلك العزلة القاتمة التي يريد روزنيك التخلص منها عندما يمضي بمحض إرادته للسجن في نهاية الفيلم على أمل أن يحصل على مبتغاه بأن ينام فقط، فالنوم كحل أو منقذ يشبه تخلص روزنيك من عوارض الوسواس القهري بالنظافة بمجرد اختفاء إيفان من حياته، لذلك يقول جملته الأخيرة بكل وعي “فقط أريد أن أنام”، ( لنتذكر أن ثمن اختفاء إيفان كان باهظاً جداً على روزنيك بإقراره بدهس الطفل نيكولاس).

ويا له من سيناريو تعبيري ثقيل لفهم آلية عمل اللاوعي المتجسد على هيئة شخوص ورموز تبث الرسائل والصور للوعي، مثل أن يدخل تريفور في لعبة رسم الكثير من الاحتمالات من خلال أربعة مربعات في بحث متسلسل ومتناسق، فهل تعني الأحجية كلمة “أُم”؟ ليغوص بعدها في ذكرياته عن أمه، بل ربما  تعني ميللر؟ زميله الذي تسبب ببتر ذراعه.. وهكذا يستمر في البحث عن الكلمة المناسبة وهو في الحقيقة بحث عن الذات، دون كلل، وبذات الوقت دون الوصول لمآل نهائي لبحثه “أو ربما هو يعرف النتيجة لكنه ينكرها”. فتشتت الذهن يصور له أن الكلمة التي يبحث عنها ربما تكون “الأم”، فيستحضر ماري والدة نيكولاس.

وفي المقابل يلجأ روزنيك للمرأة كملاذ فيغرس قلقه في صدر ستيفي (المشابهة تقريبا لناستازيا ديستويفسكي) التي تحبه بشدة إلى درجة أنها على استعداد للتضحية بكل شيء مقابل أن يقبل العيش معها، ومستعدة للقبول بكل حماقاته وهفواته وتجاوزاته المتواصلة لعلها تستطيع أن تنسيه مرارة وضعه، وما يحاول الهروب منه، ويبدو روزنيك في علاقته مع ستيفي شخص حزين مشوش غير قادر على التمييز بين الحلم والواقع لكثرة انهماكه في هواجسه التي سببها الأساسي كما يبدو لنا هو حادثة موت نيكولاس.

إن هذه الجوانب من الحبكة تظهر الفيلم مشغولاً جيداً من الناحية التقنية، وإن بدى أقل تعقيداً في العمق وفي المغزى، مما قد يظهر عليه في البداية. وتعامل المخرج بذكاء مع تطور الحبكة وصولاً للنهاية، فكثير من اللقطات التي قد تبدو غير مهمة، سنكتشف أهميتها في سياق فهمنا للمسارات الأخيرة للأحداث: فحادث السيارة وهروبه تبدو لنا فكرة حمقاء في البداية، ولكن مع تطور الأحداث والتعرف على مجمل القصة، نصل إلى الذروة الدرامية التي يريدها براد أندرسون، والتي تضعنا أمام سؤال “مع من نقف؟”، هل سنتضامن مع روزنيك، هل أحببنا ماري؟ هل أخذتنا الشفقة على ستيفي، وميللر؟, هل كرهنا إيفان؟،

تلك هي مفارقة الدراما.

ومن تلك المفارقات أيضاً، لماذا روزنيك ضعيف وهزيل؟ لماذا مصاب بالحمى والهذيان؟ لماذا يبدو هيكلاً عظمياً أكثر منه إنساناً عادياً؟

ثم من هو إيفان الذي يظهر فجأة ويعمل معه في نفس المصنع، والذي يبدو أنه يسعى إلى تدميره والقضاء عليه؟ وما سرّ تلك القصاصات على ثلاجته؟ وتلك الرسوم الغريبة التي سنعرف أنها ليست سوى عمل روزنيك الذهني بوصفها جزء من ذكرياته و ربما بطريقة واعية وانهماكه وحماسه في محاولة حل لغزها.

وفي ما يتعلق بتريفور، يمكن أن نشير إلى أن شخصيته السابقة لمرضه وذكرياته مع والدته في المنتزه، وعدم احتفاظه بعلاقات حميمية “إذا استثنينا علاقته مع ستيفي”، والميل الواضح لديه للاكتئاب ومعاناته من فقدان الشهية الشديد وعدم النوم، الذي أدى بدوره إلى إضعاف مهامه ومهاراته المعرفية، تمثل الجوانب المرئية المحفزة لجنونه والخلفية البصرية لهذا السرد هي الحادثة التي حصلت له حين كان يقود سيارته مسرعاً أثناء عودته من رحلة صيد، فأثناء محاولته العثور على ولاعة السجائر انحرفت السيارة فصدمت الطفل نيكولاس، غير أن روزنيك لم يتوقف، بل اختار الهرب. ومنذ تلك الحظة توقف، في الواقع، عقله عن التطور، لقد اختار أن ينمو في الماضي مما تولد عنده إحساس متعاظم من الشعور بالذنب دفعه نحو اكتئاب شديد متعاظم تحول إلى حالة ذهانيه وإلى ما يشبه الجنون وعدم النوم، وهو ما لا يمكن القبول به واقعياً وعلمياً، فمن المحال أن لا ينام الإنسان لمدة عام، فالواقع الحقيقي لا يؤكد مثل هذه المزاعم، فنحن نعلم أن أكثر مدة تم تسجيلها لعدم النوم بلغت 266 ساعة أي ما يزيد بقليل على أحد عشر يوماً متواصلاً، وهذا الزمن مسجل في العام 2007 باسم شخص يدعى توني رايت حسب تقرير للبي بي سي، علما أن موسوعة غينيس توقفت عن استخدام هذا النوع من السجلات لما في من مخاطر على الصحة العامة للأشخاص. الأمر الذي يجعلنا نقول أن روزنيك في حقيقة الأمر، لا بد أنه كان ينام في وقت ما من اليوم لكنه لم يكن يدرك ذلك، أو لم يكن يرغب بإدراك ذلك، وربما يعود السبب إلى انشغاله الدائم في التفكير بهواجسه وتداخل أحلامه وامتزاجها بين ما هو حقيقي وبين ما هو محض وهم أو خيال، ويؤكد ذلك الحضور المباغت لإيفان في كل مرة يحاول فيها أن يغفو، وهذا يعني بلغة الواقع أنه في تلك اللحظة يكون نائم وأن إيفان هو جزء من حلمه الذي يبدأ بالتشكل حين يغفو، لنتذكر أيضا أن ميللر يقول أن روزنيك كان نائما في اللحظة التي طلب منه المساعدة، لكننا نعلم أن روزنيك في تلك اللحظة كان يراقب إيفان. علاوة على ذلك، عندما يتوقف في منتصف الطريق لحظة انقلاب شاحنته، يتم قطع المشهد فجأة والانتقال بسرعة إلى مقهى المطار حيث نراه يتحدث مع ماري. ويسبق مشهد المنتزه أيضاً لقطة يظهر فيها وهو ينظر باهتمام إلى فنجان القهوة، ولذلك ربما كل هذا يشير إلى أنه، في كل تلك الأوقات، يكون فيها نائم ولكنه أيضاً منهمك بجزئيات أحلامه المتناثرة تلك ربما من غير قصد منه، وهذا ما تؤكده أوهامه التي خلقت لديه انطباع قوي بأن ماري قد غفرت له قتل ابنها، وينعكس ذلك واقعياً في الطريقة التي غفر له ميللر بتر ذراعه.

إنه حقاً فيلم ملتوٍ ومتلوٍّ ومثير للقلق لكن دون ضجر، وليس من اليسير هضمه مرة واحدة، فالأسلوب وتصعيد التوتر يعززان الطبيعة النفسية للشخصيات التي تتلوى طويلاً قبل أن تفصح عن حقيقتها وأفكارها وعوالمها، حين تحاورنا عن الجريمة والخلاص بطريقة يتداخل فيها شعور الخوف والتشاؤم بطريقة جدية وغير مبتذلة ننشد عبرها حتى آخر لحظة لمعرفة مصير روزنيك من خلال خلفية مظلمة كئيبة تتناسب مع توجه الفيلم الأساسي الذي لا يخلو من ذكاء في التصوير، وهو بهذا المنظور أقرب إلى عوالم هيتشكوك سواء من حيث المعالجة أو المحتوى أو الموضوع، رغم عدم احتوائه على تلك الإثارة الهيتشكوكية، لكنه بكل تأكيد أحد أفلام الإثارة النفسية الآسرة. ‏وساهم أسلوب العمل الإخراجي على تعزيز الطبيعة النفسية للحبكة، فإذا كان هيتشكوك دائم الخوض والتجول في الثنايا الملتوية لعقول شخصياته، فإن براد أندرسون يزيد من مستوى الجودة باستخدامه بعض الحيل السينمائية كالمطاردة والموسيقى التصويرية الحادة التي ترفع من سوية التوتر، في الوقت ذاته الذي تقوم فيه الاضطرابات العقلية بثقب ذهن روزنيك ليبقى مشتتاً، حائراً ما بين التلاشي شبه التام والتداخل في الزمان والمكان، بطريقة مبهمة، لتكريس تلك الأجواء الضبابية في الحلم.

وإذن، نحن أمام سردية “سابقة” لأحداث الفيلم تزيد من تعقيد المشهد؛ لاسيما الذي يدور حول صراع نفسي داخلي يسببه تأنيب ضمير قد يؤدي بصاحبه للهلاك أو الجنون. وتؤدي لبروز سلوكيات وانطباعات غريبة تسيطر على تصرفات الشخصيات المضطربة التي يلجأ أصحابها للتقرب من أشخاص أو رموز مجسدة بأشخاص لمحاولة خلق جو آخر وحياة جديدة ظناً منهم أنهم سيتخلصون من جانبهم المظلم، فقد تحول روزنيك إلى هيكل عظمي لقلة الأكل أو لفقدان الشهية بسبب من أحاسيسه تلك ولإيمانه بأن الجميع يتآمر ضده. لقد أصبح شبح إنسان يعيش على حافة الجنون, وهي علة “إنسانية” يمكننا التعرف عليها كونها ملازمة لنا كما يراها ميشيل فوكو، والطريقة التي نتحدث بها عن الجنون بوصفه واقعاً ضمناً هي ما تمنح الجنون تاريخاً قابلاً للسرد. وهذا لا ينفي عنه بأنه بلا شك حقيقة، وحقيقة خطرة.

يقع ما سبق، في طبيعة الحال، في باب القراءة الانطباعية الممتعة لجملة من “الافتراضات” قد تتقاطع و/ أو قد لا تتقاطع مع افتراضات الآخرين عن الفيلم، وهذا بحد ذاته يقدم إغراءات متعددة لمزيد من القراءات الانطباعية أو النقدية التخصصية، إذ باتت السينما أحد أكثر الأنشطة الثقافية رواجاً بين جمهور واسع من المستهلكين في واقعنا الحالي، وتكاد تحل محل الفنون الأخرى من مسرح ورواية وشعر ورسم.. إلخ، وبالتالي صارت تمتلك تأثيراً هائلاً على حياتنا على تشكيل ذائقتنا الفنية وحتى رؤيتنا للعالم بما يجعلنا ليس مجرد متلقين لما تنتجه هذه الصناعة، بل بات من اللوازم الضرورية في حياتنا أن نكون على دراية ولو بسيطة بالثقافة السينمائية وإنتاجها وتاريخها باعتبارها فناً بصرياً /سردياً يعمل على خلق دلالات وعي قائمة على منطق الذائقة الفنية لنا كمشاهدين ومتلقين لمفردات هذه الثقافة، التي نتعرف من خلالها على الطريقة التي يتم إنتاجها في هذا السياق أو ذاك ومدى حياديتها أو انحيازها للذات المنتجة لهذه المعرفة. فالفن -كما يرى تاركوفسكي في كتابه “النحت في الزمن”- ليس وسيلة ترفيه ومتعة [فحسب]، بل ضرورة إنسانية وأداة تعبيرية لعالم الأفكار، فالإبداع الفني لا يخضع “برغم كل شيء، لقوانين مطلقة، سارية المفعول من عصرٍ الى عصر، فحيث أنه متصل بالهدف العام، أي فهم العالم فهماً كاملاً، فهو يمتلك عدداً لا متناهياً من الأوجه”. بمعنى أن من واجب الفن أن يمتلك عدداً لا محدوداً من التأويلات.

دعونا في النهاية نأمل أن ينام تريفور، في سجنه، بسهولة أكثر من معظمنا، نحن الأحرار، بعد مشاهدة هذا الفيلم القاتم، فإغراءات متابعته كثيرة وشائقة وتدفعنا نحو مطارح أكثر عمقاً، و المخاطرة هنا مفيدة إذ أن ما يطرحه يجعلنا لا نكتفي بخدش السطح، بل تتولد لدينا الرغبة في الحفر عميقاً في ذهن روزنيك.

هوامش

1- رجل المطرRain Man   فيلم درامي من إنتاج العام 1988 مقتبس من قصة حقيقية عن الأمريكي Kim Peek ذو القدرات العقلية الاستثنائية والمصاب بالتوحد في نفس الوقت، يتحدث الفيلم عن أخوين، الكبير (داستن هوفمان) مصاب بالتوحد أما الأصغر سناً (توم كروز)  فهو شاب في مقتبل العمر، وتبدأ القصة عندما يموت والدهما، فيكتشف الأخ الأصغر أن له شريكاً بالميراث. فاز الفيلم بأربع جوائز أوسكار: جائزة أفضل فيلم، جائزة أفضل مخرج سينمائي، جائزة أفضل نص سينمائي أصلي، جائزة أفضل ممثل رئيسي (داستن هوفمان). كما رشح لأربع جوائز أخرى.” عن ويكيبيديا”

2- عقل جميل A Beautiful Mind ‏ فيلم أمريكي  من إنتاج العام 2001، يحكي قصة حياة جون فوربس ناش الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد. والقصة مستوحاة من كتاب سيلفيا نصّار ويحمل نفس الاسم. الفيلم من إخراج رون هوارد وبطولة راسل كرو، وجينيفر كونيلي، وإد هاريس، وكريستوفر بلومير وبول بيتاني. فاز الفيلم بأربع جوائز أوسكار: جائزة أفضل فيلم، جائزة أفضل مخرج، جائزة أفضل سيناريو، وجائزة أفضل ممثلة مساعدة، كما رشح  لثلاث جوائز أخرى. تعرض الفيلم لانتقادات بسبب عدم دقة تصوير بعض جوانب حياة ناش، مثل تصويره لجانب خيالي من هلوساته البصرية والسمعية، بينما هي في الواقع هلوسات سمعية فقط، وأيضاً، تعارض حقيقة تناول ناش للأدوية بين الكتاب والفيلم، إذ استنتجت نصار في كتابها أن رفض ناش لأخذ العلاج “ربما كان من حسن الحظ”، لأن آثارها الجانبية “سوف تجعل من إعادة دخوله الطفيفة في عالم الرياضيات شبه مستحيلة”، بينما في نَص الفيلم، تحدث ناش قبل تسلمه لجائزة نوبل عن تناوله “أدوية أحدث”.

عن محمود الصباغ

محمود الصباغ
كاتب ومترجم من فلسطين

شاهد أيضاً

محاكمة السياسة للأدب

في القرن الماضي، سُجلت سابقتان مشهورتان من محاولات السياسة محاكمة الفن والأدب، هما الجدانوفية والمكارثية، …

تعليق واحد

  1. Avatar

    مذهل يا رجل! أنت مذهل!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *