السياسة واللغة الإنكليزية

جورج أورويل

ترجمة محمود الصباغ

استهلال

“السياسة واللغة الإنكليزية” من أشهر المقالات التي كتبها الروائي البريطاني جورج أورويل (أول ذكر للمقالة بعنوانها الحالي يعود إلى كانون الأول 1945، ثم نشرت في العام 1946  في مجلة Horizon  [volume 13, issue 76, pages 252–265]) أي في أوج الحرب العالمية الثانية، ولعل هذا ما يفسر، جزئياً، اللغة المكثفة والحادة التي يتناول فيها أورويل موضوعه. وأكثر ما كان يشغله -فيما أرى- الطريقة التي صممت فيها اللغة السياسية بحيث تصبح “الأكاذيب حقيقة، والقتل سلوك محترم ويمكن تفهمه” ويستعير مجازاً لوصف هذه اللغة السياسية بأنها تعطي للريح الخفيفة العادية مظهراً عاصفاً وصلباً، بمعنى تقوم البروباغاندا السياسية بخلق حقائق على الأرض تخفي من خلالها السلوك السياسي القبيح، والسعي لرجال السياسة لتنفيذ سياسات تضليلية بهدف بقائهم في السلطة أو على قمة الهرم السياسي والحزبي، وهم يستخدمون، في سبيل ذلك، تعابير إعلامية مشوهة، غايتها إخفاء المعنى الحقيقي لأقوالهم بدلاً من نقله كواقع متاح لجمهورهم. سوف يوظف أورويل كل هذا في روايته (مزرعة الحيوانات فنكتشف كيف يمكن للغة السياسية أن “تسرق” الثورة من أبنائها، حيث يخبرنا كيف “اتفق أصحاب المزارع على أن يلجؤوا إلى كثير من المبالغة والتهويل، وحتى إلى الكذب والافتراء، لكى تقتنع حيواناتهم بأن الثورة التي قامت بها تلك الحيوانات الطائشة كانت وبالاً عليها.. وأن الحيوانات العاقلة يجب أن تقف إلى جانب أصحاب المزارع” وفي الحقيقة مازلنا -نحن العرب- نعاني من الاستخدام السياسي الغامض للغة كما هو حال تأويل نتائج قرار مجلس الأمن 242، فمازلنا عالقين حتى اللحظة بين التفسير “اللغوي القواعدي” الفرنسي والتفسير الإنكليزي للقرار.

يطرح أورويل العديد من أمثلة اللغة السياسية الإنكليزية السائدة في عصره والتي تتضمن الكثير من الغموض والنفاق النفعي (الذي يمنع الوصول إلى الوضوح كما يرى). ويعبر، دون مواربة، عن مقته، بالأحرى، عدائه الشديد لتلك اللغة الطنّانة المخادعة التي كانت يستخدمها أتباع الاتجاهات السياسية الرئيسة آنذاك، أي الليبراليين الرأسماليين بجميع فئاتهم من محافظين وتحرريين.. إلخ  والماركسيين التقليديين بمن فيهم الفوضيين وأصحاب الفكر اليساري المتطرف وغيرهم. فنحن نعلم، على سبيل المثال وبحكم التجربة والخبرة والمثاقفة، أن العديد من المشاكل الاجتماعية والسياسية والاقتصادية تبقى بلا حل نسبياً.

فما موقف السياسي منها؟

يقر أورويل بالتعريف الكلاسيكي للإنسان بوصفه “حيوان سياسي يعيش في محيط سياسي” وهذه الصفة – فيما أرى- لا تعني قيمة مطلقة تدل على الوجود الإنساني الذي يتضمنه المحيط السياسي بقدر ما تعني صفة قهرية ملازمة للغة أقرب ما تكون للإرث الماركسي ” الإنسان عبد الكلمة”. لكن الإنسان أيضاً كائن اجتماعي ويخضع لقوانين الاجتماع الإنساني كشرط جوهري لوجوده ولعيشه المشترك مع الآخرين، أي عدم انقياده للعزلة، وهذا ما يقترح النظر إلى البنية الاجتماعية الإنسانية كبعد سياسي بالدرجة الأولى يمنحه قيمة وإرادة تقاوم وطأة الأنظمة الشمولية القاهرة وأثرها على طبيعته، ولذلك لا يقر رجل السياسة بانتهاء الحلول، فلكل مشكلة حل، فيوهمنا أنه يقبض بيديه على خيوط المشكلة كافة، ويستطيع التحكم، بل والتلاعب بها كيفما ومتى يشاء، وهوـ أي السياسي، لا يحبذ استخدام كلمة “مشكلة” ويفضل عليها “قضية” أو “مسألة” بصيغ المفرد والجمع لا فرق. كلمة مشكلة تسبب له أرقاً لأنها تحمل في طياتها الفشل في العثور على حل، بينما كلمة قضية تنطوي على “تسوية ما” أو “مساومة” وهذه ميزة لا تحتملها كلمة “مشكلة”، فضلاً عن أن كلمة “مسألة” تحيل إلى أنطولوجيا رياضية قابلة للتعيين في فضاء ما، فبعض العبارات في الحقيقة تخلق فينا شعوراً غامضاً حين تعجز عن نقل الحقائق الملموسة مثل أن نتخيل المظهر الصلب للريح النقية الخفيفة.

ولكن ما نعني بقولنا “لغة سياسية”؟ هل تختلف عن لغتنا التي نتحدث بها؟ هل هي لغة اصطلاحية أم وظيفية؟ أم هي جميع ما ذكر مع بعض التعديلات الظرفية التي تناسب موضوعها وأهدافها؟

لعل الإجابة “الأورويلية” على هذه التساؤلات تتحدد بدرجة “غموض” هذه اللغة و”نفاقها” و”مجازاتها” وعدم تضمينها لأي معنى حقيقي، بل على العكس سيكون هدفها إخفاء الحقائق بدلاً من الإفصاح عنها، ويمثل الخطاب السياسي دفاعاً عمّا لا يمكن الدفاع عنه كما يقول أورويل، ولو حاول هذا الخطاب القيام بأية خطوة دفاعية فسوف يكون ذلك عبر حجج غير منطقية وغير مقبولة يصعب على معظمنا تحملها رغم عدم توافقها مع الطروحات المرجعية للجهة السياسية المدافعة (والأمثلة هنا أكثر من أن تحصى)، فثمة كثير من الأكاذيب (يدخل معظمها في إطار التأويل والتأويل المضاد) نعرفها جميعها ونتعايش معها رغم الأضرار الحقيقة الهائلة التي تسببها (مثل بعض الدعايات المضللة عن منتج تجاري ما، أو بعض الإحصائيات الخاصة بشركات الأدوية أو حوادث المرور أو فوائد/ مضار القهوة وغيرها) وهي تختلف من حيث المظهر والجوهر عن المزاعم السياسية النمطية المخصصة لإقناع الناخبين بالتصويت لمنصة سياسية معينة، حيث تسعى الكلمة/ اللغة إلى تغيير معايير الإقناع السياسي بحيث يتم تضخيم هذه التعابير والتشديد على أهميتها -الفعلية أو المتخيلة- طالما هناك حاجة لذلك، وهكذا سوف نصل إلى خلاصة موقف أورويل في تحديد الخطوط “الببغائية” والاستجابات الانعكاسية للغة السياسية، بصرف النظر عن نواحيها، أو ملامحها/ الجمالية (لعل هذا ما قصده بقوله أنه اقتصر في مقاله على الجانب السياسي دون التطرق للجانب الفني والأدبي) حيث لا يمكن للغة السياسية أن تستلب عقولنا وتحشوها بعبارات “مسبقة الصنع” ما لم يكن لدينا القابلية والاستعداد لذلك، فكل ما يدخل عقولنا من هذه العبارات تعمل كمخدر لجزء من أدمغتنا.

ونحن نعلم كيف شكلت اللغة البنية الأساسية لرواية 1948، حيث يصف الفصلين الرابع والخامس منها لغة جديدة أطلق عليها أورويل اسم “نيوسبيك” اعتمدت من قبل الحزب الحاكم (الحزب الإنكليزي الاشتراكي) على تحوير اللغة بصورة كاملة، وقد اخترعت بهدف السيطرة على أنماط التفكير للمواطنين والتخلص من المصطلحات والتعابير التي تهدد نظام الحكم واستبدالها بمصطلحات أخرى تستند إلى تبسيط اللغة الإنكليزية المعقد كما يزعم الحزب من أجل تعزيز ما يطلق عليه أورويل في الرواية “التفكير المزدوج Doublethink “، أي أن تحمل الكلمة (ومن خلفها الأفراد طبعاً) الفكرة ونقيضها بذات الوقت. ويقول أورويل أن “نيوسبيك” تتبع في نحوها قواعد اللغة الإنكليزية لكن ضمن شروط أكثر صرامة وتعيينات أكثر حدّة، فقد تم التخلص من المترادفات أو المعاني المزدوجة المتناقضة وكذلك المجازات غير المرغوب فيها، بحيث يمكن لمواطنين الدولة التحدث بها بجانب اللغة القديمة “أولدسبيك”، فحسب المأثور الماركسي نحن عبيد الكلام، بما يشير إلى العلاقة الوطيدة بين الوعي واللغة والتفكير، وأساليب التلاعب اللغوي بآليات الوعي والتفكير بحيث نصبح عبيداً للكلمات عبر أو من خلال إيحاءات ذات قوة وتأثير على الأحاسيس وبالتالي على الإدراك والتفكير برمته. فالمتحدث لديه القدرة، بفضل بلاغته وتشابيهه ومجازاته واستعاراته واستحضاره للصورة الجمالية والأمثلة القريبة والبعيدة لخلق صورة ذهنية لدة السامع، وبذلك يقوم بخلق تأثير مباشر لدى المتلقي أو السامع.

هذا الهاجس الأورويلي مستمد لا شك في مقالته تلك التي يتحدث فيها عن دور اللغة في فرض سيطرة رجال السياسة، وما يلعبه “الكلام المزدوج” في إضفاء الصفة المضللة والضبابية على اللغة السياسية ودورها الخطير في تشكيل الوعي وبناء المعتقدات والأفكار عن طريق اللغة ومجازاتها ومستوياتها النسقية والذهنية وتحولها إلى منتج سياسي موضوعي (يصف أورويل في رواية 1948 الأخ الأكبر بقوله: “لم يكن ثمة ما يسمع ما كان يقوله الأخ الكبير، فقد كانت مجرد كلمات تشجيعية معدودة تشبه تلك الكلمات التي لا يستطيع أحد تمييزها و التي كان يتمتم بها من معمعة المعارك”. قد يكون هناك مبرر أخلاقي لهجوم أورويل على اللغة، أما ما عدا ذلك فيبدو كلامه مجرد إدعاء أجوف إذ لا يمكن أن تتخلص مطلق لغة من مجازاتها، كما أنه لا يمكن القضاء على لغة المعيش اليومية للناس، ليس هذا فحسب، بل السؤال الأهم سيكون، ما الفائدة من ذلك؟  طالما أن هذه اللغة -حسب أورويل – تعتبر مبتذلة وفاسدة، فلماذا مازال الناس يتداولونها دون أي شعور بذنب أو تقصير. ومن جديد لا يؤدي هذا إلا إلى استدامة الفكر السطحي حتى لو كان براقاً، ولا يعمل أكثر من سبغ المظهر الصلب على الرياح النقية الخفيفة.

يحذرنا أورويل، بصدق، من وقوعه هو نفسه في المحاذير التي أشار إليها، إذ ليس جميع ما أتت عليه هذه المقالة صحيحاً بدرجة مطلقة، ومن المنطق القول أن استخدام صيغ المبني للمجهول موجود بحكم الدور القواعدي والوظيفي والبلاغي لهذه الصيغة ولايمكن شطبها، هكذا ببساطة، نظراً لأن كلمة ما أو كتّاب بعينهم لا يروقون لأورويل يستخدمون هذه الصيغة، علماً أن البعض أحصى ما نسبته 20% من صيغ المبني للمجهول في مقالته هذه لوحدها مع التأكيد أن قاموس ويبستر استعرض دراسات إحصائية لتكرار صيغة المبني للمجهول مقابل صيغة المبني للمعلوم في الدوريات المختلفة أظهرت أن أعلى نسبة صيغ المبني للمجهول في الإحصائيات المذكورة (عددها ثلاثة) لا تتعدى 13% (للمزيد راجع، Dictionary of English Usage p. 720. Merriam-Webster). وكثيراً ما لعبت صيغ المبني للمجهول دوراً بلاغياً هاماً سواء في النثر أو الشعر، ولا يمكننا الاتفاق مع أورويل بأن استخدام هذه الصيغة يفقد النص أو صاحبه للمصداقية المطلوبة، كما أن جميع اللغات تتلاقح فيما بينها لدرجة يصعب فيها الاستغناء عن هذه العلاقة التكافلية. والإنكليزية ليست نمطاً شاذاً عن هذا، فالكثير من الكلمات الدخيلة من اللغات الأجنبية (الفرنسية الوسيطة والحديثة واللاتينية والعربية والإغريقية والألمانية.. ولغات المستعمرات.. إلخ) هي في معظمها ذات طابع تخصصي وصفي فريد لا وجود لمقابل إنكليزي له مثل alcohol العربية و déjà vu الفرنسية و Algebra و Algorithms ذات الأصول العربية أو schadenfreude (وقد نبهني إلى هذه الكلمة الأخيرة أحد الأصدقاء مشكوراً في سياق النقاش حول مقالة أورويل هذه)، وهذا يشبه بطريقة ما أن تطلب ممن يستخدم اللغة العربية الاستغناء عن عديد من الكلمات بحجة أنها دخيلة مثل رزنامة وبرنامج وبهارات وبنكرياس وفلسفة وفيسبوك وغيرها.

حظيت مقالة أورويل، في اعتقادي الشخصي، بهذا الاستقبال الحافل نظراً لسمعة كاتبها وليس لقيمة تحتويها بحد ذاتها، ولهجومه الشرس على رجال السياسة (من يحبهم أصلاً!)، ولعل هذا ليس من اختراع أورويل، فمازلنا نردد الحكمة الكونفوشيوسية القائلة “خلق مجاز الأسماء للأغراض السياسة أفسد المجتمع”.

بقي أن نلاحظ كيف يسمح مبدأ التعميم الذي يستعمله أورويل في المقالة بتوجيه الاتهامات على الصعد المختلفة كافة، دون تمييز ودون مزاعم مبرهنة، باستخدام توصيفات معيارية ذات سمة عمومية للغة السياسية ومقارنتها بما هو متاح في اللغة الإنكليزية “غير السياسية” ولكن هذه الحماسة بالعودة إلى استعمال الجذر السكسوني كلما كان ذلك ممكناً على سبيل المثال لا تعني، في الواقع،  ثراءً في اللغة وفقراً في اللغات الأخرى، فالمشكلة في استخدام كلمة “فاشية” لا يعني، على سبيل المثال، وجود مشكلة في الأسلوب البلاغي، كما أن القبح كحكم قيمة لا علاقة له بمعنى النفاق أو الشر، وليس بالضرورة أن تمت الكلمات السكسونية القصيرة بصلة إلى “الحقائق أو الخير” أكثر من كلمات اللغات الأخرى لذات المعنى (للمزيد انظر، Menand, Louis (19 January 2003). “Honest, Decent, Wrong”. The New Yorker. Retrieved 21 October 2021.)، ولا بأس من الإشادة لما ورد من ملاحظات توجيهية حول ضرورة استخدام الصور والأحاسيس لتوضيح المعنى قبل اللجوء إلى الكلمات، وأن نجعل المعنى هو من يختار الكلمة التعبيرية عنه وليس العكس، وتجنب الكلمات والعبارات المبتذلة والمختلطة والمكررة والركيكة، وغيرها من النقاط الهامة التي تناولتها المقالة

أخيراً هناك صعوبة بالغة في ترجمة هذه المقال (أفضل قراءته بلغته الأصلية لفهمه أكثر) نظرأ لطرح أورويل العديد من الأمثلة من اللغة الإنكليزية التي قد لا نجد لها مقابل في اللغات الأحرى، سيما أن معظمها يأتي على هيئة مجازات واستعارات وكنايات متعددة ومتباينة لا تمت بصلة للمعنى الأصلي للكلمة الرئيسية في العبارة، ويحتاج قراءة الترجمة العربية إلى مزيد من الصبر والتحمل ومراجعة الهوامش في كل مرة من أجل الحفاظ على الفكرة الرئيسية للنص. وسوف يلاحظ القارىء كيف عمدت إلى ترجمة بعض الكلمات بطريقة معجمية لتقريب معنى وفكرة أورويل في توضيح ملاحظاته النقدية، علماً أن هذه المجازات ذاتها يمكن التعبير عنها بلغة مختلفة في سياقات أخرى وهو ليس موضوع هذه المادة.

ملاحظة: التشديد في النص يعود للمؤلف.

انتهى

……

نص المقالة: السياسة واللغة الإنكليزية

يقر معظمنا، لاسيما من يضعون في اعتبارهم أهمية لهذا الموضوع، بسوء حال ما وصلت إليه اللغة الإنكليزية، بيد أننا نفترض، عموماً، عدم قدرتنا فعل ما يمكنه معالجة هذا الأمر بهدف تحسين وضعيتها. فها هي حضارتنا ما انفكت تتدهور وتتحلل، ويٌفترض، لا محالة، مشاركة لغتنا هذا الانهيار العام، مما يترتب عليه الإقرار ببؤس أي محاولة نقوم بها للوقوف في وجه من يسيء استخدام اللغة، وسوف تكون محاولتنا نوستالجيا بالية ممتزجة بالحمق والخبل وتنبع من عواطفنا أكثر من عقولنا، كأن نفضل استخدام الشموع على الكهرباء، وعربات الخيل على الطائرات. ويكمن خلف هذا الاعتقاد، شبه الواعي، إيمان يعيّن اللغة بوصفها نمواً طبيعياً وليست مجرد وسيلة نشكّلها وفقاً لأغراضنا الخاصة. ويبدو، واضحاً، أن سبب تدهور اللغة يعود، في نهاية المطاف، إلى أسباب سياسية واقتصادية، وليس بسبب التأثير السيئ لهذا الكاتب أو ذاك، غير أن قابلية هذا التأثير لأن يكون سبباً بحد ذاته، يجعله سبباً يعزز السبب الأصلي، فينتج ذات الأثر على اللغة وإن بصورة مكثفة، وهكذا دواليك نبقى ندور في ذات الحلقة من الأسباب والتأثيرات الناجمة عنها إلى ما لا نهاية. فعلى سبيل المثال، قد يلجأ بعضنا إلى الشراب لشعوره بالفشل، ثم يزداد الأمر سوءً ويتحول إلى فاشل حقيقي بسبب معاقرته الشراب.. وهكذا. وهذا ما يحدث فعلاً للغة الإنكليزية. ويصبح الأمر أكثر قبحاً ويخلو من الدقة بسبب حماقة أفكارنا، فتهافت ورثاثة لغتنا تجعل من السهل علينا الوصول إلى تلك الأفكار الحمقاء. وما هو مهم هنا، أن هذه العملية عكوسية بعض الشيء.

فاللغة الإنكليزية الحديثة، لاسيما المستخدمة منها في الكتابة، مليئة بعادات سيئة انتشرت بيننا عن طريق التقليد والإرث المتبادل بين من يستخدمون الإنكليزية الحديثة كلغة كتابة، وهذا أمر يمكن تفاديه فيما نكون على استعداد لبذل جهد أكبر في تحمل المشاكل والصعاب التي تعترضنا على هذا الصعيد. فإذا ما تخلصنا من هذه العادات (السيئة)، يمكننا، إذن، التفكير بوضوح أكثر، وهذا ما يمثل خطوة أولية ضرورية للمضي في عمليات التجديد السياسي، بمعنى لا ينبغي النظر إلى مواجهة سوء استخدام اللغة الإنكليزية  كمعركة تافهة ولا تقف حدودها عند دور الكتّاب المحترفين فيها. وهذه نقطة سوف أعود إليها لاحقاً، وآمل من كلامي أن يكون واضحاً أكثر عند الحديث عنها. وإلى أن نصل إلى تلك النقطة، سأسمح لنفسي بطرح خمسة أمثلة من أساليب الكتابة السائدة الآن باللغة الإنكليزية. علماً أنه لم يتم اختيار هذه المقاطع الخمسة باعتبارها نماذج بالغة السوء -كان بوسعي اختيار أمثلة أسوء بكثير لو أردت- ولكني اخترتها لأنها توضح العديد من العيوب الذهنية التي نعاني منها اليوم، فهي تمثل، ببساطة، أدنى بقليل من المتوسط، رغم أنها مجرد نماذج تمثيلية نوعاً ما. وقمت بترقيمها بهدف الرجوع إليها عند الحاجة:

المقطع رقم (1): لست متأكداً حقاً ما إذا كان من الصواب القول إن ميلتون الذي لم يبدو يوماً ما غير شبيه بـ “شيلي” في القرن السابع عشر لم يصبح، من خلال تجربة تزداد مرارة كل عام، أكثر غرابة (كذا بحسب النص) عن مؤسس تلك الطائفة اليسوعية الذي لا يستطيع أي شيء يحثه على التسامح… البروفيسور هارولد لاسكي (مقال في حرية التعبير).

المقطع رقم (2): فوق كل شيء، لا يمكننا التعامل بدرجة من التراخي والتسرع مع مجموعة التعابير الاصطلاحية الأصلية التي تعرض تراكيب فظيعة للكلمات كما هو عليه الحال مع (كلمات أساسية) مثل “التسامح” بدلاً من “التحمل” أو “الحيرة” بدلاً من “الإرباك”.(1)… البروفيسور لانسلوت هوغبن (انترغلوسيا).

المقطع رقم (3): لدينا، مبدئياً، الشخصية الحرة: وهي بحكم تعريفها ليست شخصية عصابية، لعدم امتلاكها أحلام أو صراعات. ورغباتها، بوصفها رغبات، من طبيعة شفافة، لأنها ليست سوى ما تحتفظ به الموافقة التأسيسية في الوعي المتقدم؛ وليست سوى نمط تأسيسي آخر من شأنه تغيير عددها وكثافتها؛ وثمة القليل فيها مما هو طبيعي أو غير قابل للاختزال أو خطير ثقافياً. لكن على الجانب الآخر، تبقى الرابطة الاجتماعية بحد ذاتها انعكاس متبادل لهذه التكاملات الذاتية المضمونة. تذكر تعريف الحب. أليست هذه هي الصورة ذاتها للأكاديمي الصغير؟ هل يوجد ثمة مكان في قاعة المرايا هذه سواء للشخصية أو للأخوّة؟… مقال عن علم النفس في السياسة (نيويورك).

المقطع رقم (4): كان جميع من نصفهم بـ “أفضل الناس” من نوادي سادة المجتمع، وجميع القادة الفاشيين الهستيريين، متحدون في كراهيتهم المشتركة للاشتراكية ومتحدون في إظهار رعبهم الوحشي من المد المتصاعد للحركة الثورية الجماهيرية، ولجؤوا إلى القيام بأعمال استفزازية، وإلى إثارة أعمال تحريضية كريهة، وحرق الممتلكات وبث الإشاعات التي تعود لأساطير العصور الوسطى عن الآبار المسمومة، بغية إضفاء الشرعية على تدميرهم للمنظمات البروليتارية وحظرها، وإثارة الحماسة الشوفينية لفئات البورجوازية الصغيرة المهتاجة للوقوف الحاسم في وجه الطريق الثوري للخروج من الأزمة… (منشور شيوعي).

المقطع رقم (5): إذا ما أردنا غرس روح جديدة في هذا البلد القديم، فما علينا سوى القيام بإصلاح شائك ومثير للجدل، وهو  تنشيط galvanization وأنسنة البي بي سي. فما هو مخجل هنا، ذلك الشعور بانحطاط الروح وما يصيبها من تقرح. قد يكون قلب بريطانيا سليماً معافى ويخفق بقوة، على سبيل المثال، لكن زئير الأسد البريطاني في الوقت الحاضر يشبه زئير “بوتوم” في مسرحية شكسبير حلم ليلة صيف، زئير لطيف مثل هديل حمامة ذليلة. لا يمكن لبريطانيا الجديدة المليئة بالقوة والمفعمة بالحيوية القبول بتعرضها للتشهير المستمر على مرأى ومسمع العالم بسبب ضعف وكسل لانغهام [أحد مقار البي بي سي- المترجم]، الذي يتنكر، بوقاحة، بزي “اللغة الإنكليزية القياسية”. وعندما يُسمع صوت بريطانيا في الساعة التاسعة صباحاً، فمن الأفضل كثيراً وبلا حدود وبأقل قدر من التهكم الاستماع إل الاسقاط الصادق للإذاعة بصوتها الهش بدلاً من النهيق المدرسي التافه المثبط، والذي يشبه مواء العذارى الخجولات هذا!

رسالة إلى تريبيون.

يحتوي كل مقطع من هذه المقاطع على أخطائه، ولكن بغض النظر عن القبح الذي يمكن تجاوزه، هناك صفتان مشتركتان بينها. الصفة الأول تتمثل في فقر المخيّلة، والثانية غياب الدقة والتحديد. فيبدو الكاتب كما لو أنه يريد قول شيء معين لكنه لا يستطيع التعبير عنه، أو يقول شيئاً آخر عن غير قصد، بمعنى غير ما يقصده، أو يكاد يكون غير مكترث فيما إذا كانت كلماته ذات معنى أم لا تعني شيئاً على الإطلاق. يشكل هذا المزيج من الغموض وعدم الكفاءة المطلق السمة الأكثر وضوحاً للأدب الإنكليزي الحديث، لاسيما  الكتابات السياسية. إذ سوف نلاحظ، فور تناول مواضيع معينة، كيف تتحول الأمور الملموسة إلى أفكار مجردة، ولا نبدو قادرين على التفكير في توظيف عبارات وأساليب غير مألوفة، ففي النثر، تنحسر الكلمات المختارة لمعانيها أكثر وأكثر مقابل ازدياد عبارات اصطلاحية مركبة فوق بعضها البعض مثل تجميع أقسام ديكور مسبق الصنع. وسوف أدرج أدناه، مع بعض الملاحظات والأمثلة، العديد من الحيل التي يتم من خلالها التهرب من إنشاء أدب نثري احترافي مسبوك كما هي العادة.

الاستعارات الفاسدة. تساعد الاستعارات المبتكرة في الوقت الحالي على التفكير باستحضارها صورة بصرية جديدة، وبينما  تبدو هذه الاستعارة، من ناحية أخرى، “ميتة” تقنياً (كقولنا قرار حديدي على سبيل المثال) نراها ترتد، في الواقع، لتصبح كلمة عادية قابلة للاستخدام بشكل عام دون أن تفقد وضوحها وحيويتها. ويقع بين هاتين الحالتين قدر هائل من الاستعارات الرثة المستهلكة التي فقدت مخزونها التعبيري وقدرتها الإيحائية وباتت تستخدم فقط لأنها توفر على الناس عناء اختراع عبارات جديدة. ومن الأمثلة على ذلك: تغيير الأساليبRing the changes on ، الدفاع عن قضية ما take up the cudgels for ، الامتثال للقواعد toe the line ، الاستباحة والاستغلال ride roughshod over ، الوقوف كرجل واحد stand shoulder to shoulder with ، اللعب لفائدة الغير play into the hands of ، التصرف وفقاً لدوافع خفية ذاتية no axe to grind ، المساهمة في تحقيق الهدف grist to the mill ، الاصطياد في الماء العكر fishing in troubled waters ، موضوع النقاش الرئيسي on the order of the day ، كعب أخيل (نقطة ضعف حاسمة) Achilles’ heel ، نشيد الوداع swan song ، بؤرة الاضطراب  hotbed.. إلخ(2). ويتم استخدام العديد من هذه الاستعارات دون معرفة معناها (ما هو “الصدع rift “(3)، على سبيل المثال؟)، وغالباً ما يتم بطريقة غير متوافقة خلط استعارات متناقضة ومتنافرة، وهذه إشارة واضحة إلى عدم اهتمام الكاتب بما يقوله أو يكتبه. لقد تم تحريف بعض الاستعارات الحالية من معناها الأصلي دون أن يدرك مستخدميها هذه الحقيقة. فعلى سبيل المثال، تُكتب استعارة الامتثال للقواعد [الالتزام بالخط حرفياً toe the line] أحيانًا على أنها تطلّع للخط tow the line (4). مثال آخر هو المطرقة والسندان the hammer and the anvil ، الذي يشير إلى معنى ضمني يقر بتعرض السندان لأسوء ما تقوم به المطرقة. ولكن في الحياة الواقعية، لطالما كان السندان هو الذي يكسر المطرقة، وليس العكس: على كل حال، سوف يتجنب الكاتب الذي يفكر فيما كان يقوله تحريف المعنى الأصلي للعبارة.

العوامل اللغوية، أو الأطراف اللفظية الزائفة. وتسمح هذه الخاصية في تجنب عناء انتقاء أفعال وأسماء مناسبة، وتعمل، في ذات الوقت، على ملأ الجملة بمقاطع لفظية إضافية تعطيها مظهراً متناسقاً. وهذه العبارات المميزة هي: جعله عاجزاً render inoperative ، يعرقل، يتعارض مع militate against ، يبرهن عدم القبول prove unacceptable ، يتصل، يتواصل مع make contact with ، يكون عرضة لـ be subject to ، بتسبب في give rise to ، يعطي سبباً لـ give grounds for ، له تأثير have the effect of ، يلعب دوراً رائداً play a leading part (role) in ، يظهر توجهاً نحو exhibit a tendency to ، يبدأ التأثير take effect ، يظهر ذاته make itself felt ، يخدم الغرض من serve the purpose of ،.. إلخ(5). ويبدو أن الفكرة الرئيسية منها تكمن في التخلص من الأفعال البسيطة. فبدلاً من استخدام كلمة واحدة، مثل كسر break ، توقف stop ، أفسد spoil ، أصلح mend ، قتل kill، تستخدم عبارات تتكون من اسم أو صفة مرتبطة ببعض الأفعال ذات الأغراض العامة مثل يبرهن prove ، يخدم serve ، يشكّل form ، يشغل play ، يجعل render. بالإضافة إلى ذلك، تستخدم صيغة المبني للمجهول كلما كان ذلك ممكناً بدلاً من صيغة المبني للمعلوم، وتستخدم التراكيب الاسمية بدلاً من الصيغ المصدرية gerund ( على سبيل المثال by examination of بدلاً من by examining)(6). يتم تقليص نطاق الأفعال بشكل أكبر عن طريق  اللاحقة -ize والسابقة – de(7)، ويتم إعطاء العبارات المبتذلة مظهراً عميقاً عن طريق  استخدام صيغة نفي المنفي – not un. ويتم استبدال حروف العطف البسيطة وحروف الجر بتعابير مختلفة مثل: بالمراعاة  with respect to ، بالنظر إلى،  having regard to ، من خلال by dint of ، في ضوء in view of ، في مصلحة in the interests of ، على فرض أن  on the hypothesis that ؛ ويتم تحاشي  التعابير المخيبة في ختام الجمل من خلال عبارات طنانة مشتركة مثل مرغوب بشدة as greatly to be desired ، لا يمكن تجاهله cannot be left out of account ، تطور متوقع في المستقبل القريب a development to be expected in the near future ، يستحق النظر بجدية deserving of serious consideration ، يصل إلى نتيجة مُرضية brought to a satisfactory conclusion ، وما إلى ذلك. وهكذا دواليك.

استعمال أساليب متكلفة. وتستخدم فيه  كلمات مثل ظاهرةphenomenon، عنصرelement، فردindividual  (كاسم)، موضوعيobjective، قاطعcategorical، فعّالeffective، افتراضيvirtual، أساسيbasic، رئيسيprimary، تعزيزpromote، تكوينconstitute، عرضexhibit، استغلالexploit، انتفاعutilize، إقصاءeliminate، تصفيةliquidate (8)، وتستخدم  لكسو العبارات البسيطة زينتها ومنحها مسحة من الصبغة من الحيادية العلمية لجهة الأحكام المنحازة. وتُستخدم صفات مثل ذو أهمية تاريخيةepoch-making، ملحميepic، تاريخيhistoric، لا يُنسىunforgettable، مظفرtriumphant، عتيقage-old، حتميinevitable، لا هوادة فيهinexorable، مطابق للحقيقةveritable، لتعظيم الأحداث التافهة في إطار السياسة الدولية، في حين تأخذ، عادةً، الكتابة التي تهدف إلى تمجيد الحرب لوناً قديماً من خلال تعابير مميزة مثل: مملكةrealm، عرشthrone، عربةchariot، قبضة حديديةmailed fist، رمح ثلاثي الشعبtrident، سيفsword، درعshield، ترسbuckler، رايةbanner، بسطارjackboot، هتافclarion. وتُستخدم بعض الكلمات والتعابير اللغوية الأجنبية مثل طريق مسدودcul de sac ،النظام القديم ancien régime ،الإله الخارج من الآلة deus ex machina مع إجراء التعديلات اللازمة مثل الوضع الراهن status quo ، التزامن Gleichschaltung ، النظرة إلى العالم Weltanschauung لإضفاء جو من الثقافة والأناقة. وباستثناء الاختصارات المفيدة مثل، على سبيل المثال e.g، وما إلى ذلك etc، لا توجد حاجة حقيقية للمئات من العبارات الأجنبية الموجودة حالياً باللغة الإنكليزية. ووحدهم الكتاب السيئون، وخاصة العلماء وكتّاب السياسة وعلم الاجتماع، من يشعرون دائماً بأن ثمة فكرة تطاردهم تزعم عظمة منزلة الكلمات اللاتينية أو الإغريقية بأكثر مما هو حال الكلمات السكسونية، وتحقق بعض هذه الكلمات غير الضرورية مثل: التعجيلexpedite، التحسينameliorate، التنبؤpredict، الدخيلextraneous، المشتتderacinated، السريclandestine، شبه المائيsub-aqueous (9)، والمئات غيرها مكاسب مازالت قائمة على حساب مثيلاتها الأنكلوسكسونية[1]. وتتكون المصطلحات الخاصة بالكتابة الماركسية (على سبيل المثال: الضباعhyena، الجلادhangman، آكلي لحوم البشرcannibal، البرجوازية الصغيرةpetty bourgeois، هؤلاء النبلاءthese gentry، الخدمlackey، الفاسد الإمّعةflunkey، الكلب الهائجmad dog، الحرس الأبيض White Guard، إلخ) إلى حد كبير من الكلمات المترجمة من الروسية أو الألمانية أو الفرنسية؛ لكن الطريقة العادية لصياغة كلمة جديدة هي استخدام جذر لاتيني أو إغريقي مع اللاحقة المناسبة، وعند الضرورة، استخدام اللاحقة ize-. وغالباً ما نجد سهولة في تكوين كلمات من هذا النوع (مثل إزالة الطابع الجغرافيderegionalize، غير مسموح بهimpermissible، خارج نطاق الزواجextramarital، غير مجزأnon-fragmentatory .. إلخ) (10) بدلاً من التفكير في الكلمات الإنكليزية التي تصلح للمعنى. والنتيجة، بشكل عام، زيادة الغموض والتهافت والركاكة.

كلمات بلا معنى. في أنواع معينة من الكتابة، لا سيما في النقدين الفني والأدبي، من الطبيعي مصادفة مقاطع طويلة تفتقر تماماً إلى المعنى[2]. كلمات مثل رومانسيromantic، لدنplastic، قيمvalues، إنسانيhuman، ميتdead، عاطفيsentimental، طبيعيnatural، حيويvitality، كما هي مستخدمة في النقد الأدبي، لا معنى لها تماماً، بمعنى ليس لأنها لا تشير فقط إلى أي شيء يمكن اكتشافه ولكن لأنه من غير المتوقع أن يجد فيها القارىء ضالته. وعندما يكتب أحد النقاد الجملة التالية: “السمة البارزة لعمل السيد “س” تتمثل في كونه ينبض بالحياة”، بينما يكتب آخر: “الشيء اللافت للنظر منذ الوهلة الأولى في عمل السيد “س” تمايزه باعتباره قاتماً بطريقة غريبة غير مألوفة لا حياة فيه” فسوف يقبل القارئ هذه الأقوال على أنها مجرد اختلافات بسيطة في الرأي. وإذا كانت بعض الجمل تتضمن  كلمات معينة مثل أسودblack وأبيضwhite ، فسوف نرى في الحال -بوصفنا قراء- أن هذا استخدام غير صحيح للغة، كبديل عن الكلمات الاصطلاحية السابقة (نابض بالحياةliving، ميت، لا حياة فيه dead). كما يساء، بطريقة مماثلة، استخدام العديد من الكلمات السياسية. فلا معنى اليوم لكلمة فاشيةFascism إلا بالمعنى الذي يشير إلى “شيء غير مرغوب فيه”. وسوف تحمل كلمات مثل: ديمقراطيةdemocracy، اشتراكيةsocialism، حريةfreedom، وطنيةpatriotic، واقعيةrealistic، عدالةjustice، معانٍ متعددة غير منسجمة مع بعضها البعض ولا يمكن التوفيق بينها. ففي حالة الديمقراطية، لا يتوقف الأمر عند عدم وجود تعريف متفق عليه، بل يتعدى الأمر إلى محاولة جعل وجود مثل هذا التعريف غير مقبول من جميع الأطراف. ويكاد يداخلنا شعور عام بأننا عندما نطلق على دولة ما صفة الديمقراطية، فهذا يعني الإشادة بها، وسوف ينتج عن ذلك، بالتالي، إن المدافعين عن أي نظام يزعم أنه ديمقراطي، ستنتابهم الخشية من اضطرارهم إلى الكف عن استخدام هذه الكلمة إذا ما تم ربطها بمعنى محدد. وغالباً ما تُستخدم مثل هذه الكلمات، عن وعي، بطريقة مخاتلة غير نزيهة. فمن يكثر من استخدامها لابد أنه يحتفظ لنفسه بتعريف خاص لها، في ذات الوقت الذي يجعل القارىء يعتقد أنه يقصد شيئاً مختلفاً تماماً. إن بعض العبارات، مثل القول بأن المارشال بيتان كان وطنياً حقيقياً وصادقاً، أو أن الصحافة السوفيتية تتمتع بأكبر قدر من الحرية من بين صحف العالم، أو أن الكنيسة الكاثوليكية تقف ضد العسف والاضطهاد.. إلخ، فهذه كلمات غالباً ما تستخدم بقصد الخداع. أما الكلمات الأخرى المستخدمة بعدة معانٍ مختلفة بغرض الخداع إلى حد ما أيضاً فهي: الطبقةclass، الشموليةtotalitarian، العلمscience، التقدميةprogressive، الرجعيةreactionary، البرجوازيةbourgeois، المساواةequality.

والآن بعد أن قمت بعمل هذا الكتالوغ في حصر تعابير الاحتيالات والانحرافات، سأقدم مثالًا آخر على نوع الكتابة الذي ينتج عن هذه التعابير. وهذه المرة سوف يكون المثال خيالياً. سأقوم بترجمة مقطع من اللغة الإنكليزية الجيدة إلى لغة هي أسوأ ما يمكن أن تنتجه أنماط الكتابة الإنكليزية الحديثة، والنص عبارة عن مقطع معروف من سفر الجامعة:” فَعُدْتُ وَرَأَيْتُ تَحْتَ ٱلشَّمْسِ: أَنَّ ٱلسَّعْيَ لَيْسَ لِلْخَفِيفِ، وَلَا ٱلْحَرْبَ لِلْأَقْوِيَاءِ، وَلَا ٱلْخُبْزَ لِلْحُكَمَاءِ، وَلَا ٱلْغِنَى لِلْفُهَمَاءِ، وَلَا ٱلنِّعْمَةَ لِذَوِي ٱلْمَعْرِفَةِ، لِأَنَهُ ٱلْوَقْتُ وَٱلْعَرَضُ يُلَاقِيَانِهِمْ كَافَّةً” [سفر الجامعة 11: 9]. سوف يتحول هذا النص بلغتنا الإنكليزية الحديثة إلى ما يلي: “تدفعنا الاعتبارات الموضوعية للظواهر المعاصرة إلى استنتاج مفاده اعتبار النجاح أو الفشل في الأنشطة التنافسية لا يظهران ميلًا متناسباً مع القدرات الفطرية، إنما ينبغي النظر على الدوام إلى عنصر ما من العناصر لا يمكن التنبؤ به بصورة حتمية”(11).

ليس هذا العمل إلا محاكاة ساخرة للأصل، لكنها محاكاة غير مبالغ فيها على كل حال. يحتوي المقطع (3) أعلاه، على سبيل المثال، على عدة عبارات تشبه هذا النوع من اللغة. وسوف يلاحظ القارىء عدم تقصدي القيام بترجمة كاملة، بينما تتبع بداية الجملة ونهايتها المعنى الأصلي بدقة، تتلاشي المعاني المطروحة، في الأمثلة الملموسة، في وسط الجملة: السعي، المعركة، الخبز، في عبارة غامضة مثل “النجاح أو الفشل في الأنشطة التنافسية”. والسبب في ذلك يعود لعدم وجود أي كاتب من الكتّاب الذين نستعرض أعمالهم هنا والذين يستخدمون مصطلحات مثل “الاعتبارات الموضوعية للظواهر المعاصرة” يمكنه تصنيف أفكاره بهذه الطريقة الدقيقة والمفصلة. ويتجه المنحى العام للنثر الحديث نحو مسار بعيد كل البعد عن استخدام المعاني الملموسة، أي التحديد، ولنحلل الآن هاتين الجملتين بشكل أكثر تفصيلاً: الأولى تحتوي على 49 كلمة و60 مقطعاً صوتياً، وجميع كلماتها مشتقة من المعيش اليومي. أما الجملة الثانية فتتكون من 38 كلمة و90 مقطعاً صوتياً، 18 كلمة منها تعود لأصل لاتيني وكلمة إغريقية واحدة. وتحتوي الجملة الأولى على ست صور حية، ومصطلح واحد فقط (“الوقت والصدفة”) ويمكن وصفه كمصطلح غامض. لا تحتوي الجملة الثانية على أي مصطلح جديدة ولافت للنظر، وعلى الرغم من مقاطعه اللفظية التسعين، إلا أنه لا يقدم سوى نسخة مختصرة من المعنى الوارد في الجملة الأول. ومع ذلك، ستهيمن الجملة الثانية وتنتشر بلا شك في اللغة الإنكليزية الحديثة.

لا أحبذ المبالغة هنا، فهذا النوع من الكتابة لم يصبح شائعاً بعد، وسوف تظهر يعض الأمثلة البسيطة هنا وهناك في الصفحات السيئة. بيد أنه لو طُلب منك أو مني كتابة بضعة أسطر عن عدم اليقين بشأن أقدار البشر، فمن المحتمل أن نقترب كثيراً من الجملة التخيلية التي ترجمتها بنفسي أكثر من الجملة الواردة في سفر الجامعة. وكما حاولت أن أبين، لا تتمثل الكتابة الحديثة، في أسوأ حالاتها، في انتقاء الكلمات من أجل معانيها ولا تبتكر الصور بغية توضيح المعنى؛ بل تعمل على تجميع خطوط طويلة من الكلمات مرتبة مع بعضها البعض مسبقاً على أيدي كتّاب سابقون، وتقدم ما ينتج عن هذا التجميع عن طريق الهراء المطلق. وتكمن جاذبية هذه الطريقة في الكتابة في سهولتها. فمن الأسهل -بل حتى من الأسرع الاعتياد على هذه الطريقة- أن تقول “في رأيي أنه ليس افتراضاً غير مبرر بدلاَ من القول على ما أعتقد. وإذا ما كنا نستخدم عبارات جاهزة، فليس علينا البحث عن الكلمات المناسبة فقط؛ بل لن نكون مضطرين أيضاً إلى القلق بشأن اختيار الإيقاعات المناسبة لعباراتنا و جملنا، نظراً لأنها ستكون مرتبة على وجه العموم بحيث تكون ذات وقع حسن عند المستمع، وعندما نتسرع في إنشاء عباراتنا -مثلما نفعل ذلك عن طريق آلة التسجيل على سبيل المثال، أو نلقي خطاباً عاماً- فمن الطبيعي الوقوع في أسلوب مصطنع طنان ذو صبغة لاتينية: من المفيد أن نتذكر مصطلحات الكلام المكرر حيث استنتاج أو اعتبار كهذا نوافق عليه جميعاً بسهولة، سيجعل الكثير من نهايات الجمل مقبولة.

لا يجعلنا استخدام الاستعارات والتشبيهات والتعابير المتداولة التي لا معنى لها، نبذل الكثير من الجهد العقلي، ولكن سيكون الثمن على حساب غموض المعاني، ليس فقط للقارئ بل لنا أيضاً، ومن هذه النقطة تأتي أهمية الاستعارات المختلطة. والهدف الوحيد من الاستعارة هو استدعاء الصورة البصرية. وعندما تتعارض هذه الصور-كما في القول غنّى الأخطبوط الفاشي أغنية البجع [بمعنى رثاءه الأخير-المترجم] ، رمي الحذاء في وعاء الانصهار– يمكن التأكد من عدم رؤية الكاتب لأية صورة ذهنية للأشياء التي يسميها؛ وبعبارة أخرى، هو لا يفكر حقاً. لنعد مرة أخرى إلى الأمثلة التي قدمناها في بداية هذا المقال. يستخدم البروفيسور لاسكي في المقطع (1) أدوات النفي خمس مرات في 53 كلمة. إحداها زائدة غير ضرورية، مما يجعل المقطع بأكمله بلا معنى وغير مفهوم، بالإضافة إلى وجود زلة  في استخدام كلمة  “غريب عن” بدلاً من “مقرّب“، مما يجعل النص غير منطقي ويحمل المزيد من الهراء، والعديد من الأجزاء الخرقاء التي يمكن تجنبها والتي تزيد من درجة الغموض العام. ويتلاعب البروفيسور هوغبن في المقطع (2)  بكلماته بتسرع وكسل مع المخزون المتسق لكتابة المشكاة التي يعالجها، وعلى الرغم من عدم استحسانه لبعض العبارات اليومية المستخدمة مثل “تقبّل“، فهو لا يبدي أية رغبة عارمة في الظهور بمظهر مكشوف وهو يلقي نظرة على القاموس ليعرف ما تعنيه تلك العبارات من معاني “بغيضة”؛ وإذا ما اتخذنا موقفاً متشدداً من المقطع(3)، فسوف نجده، ببساطة، بلا معنى: وربما يمكننا فهم المعنى المقصود من خلال قراءة المقال برمته. ويعرّف الكاتب في المقطع (4) بدرجة ما، كثيرة أو أقليلة، ما يريد قوله، لكن تراكم العبارات التي لا معنى لها، تخنق المقال مثلما تسد أوراق الشاي المغسلة. أما في المقطع (5) سنجد كيف تفترق المعاني المقصودة عن الكلمات بحد ذاتها بصورة شبه تامة تقريباً.

عادةً ما يمتلك الذين يكتبون بهذا الأسلوب معنى عاطفياً عاماً -فهم يرغبون في شيء ويدعموه ولا يحبذون في المقابل، شيء آخر- لكنهم غير مهتمين بتفاصيل ما يقولونه. إن أي كاتب يتوخى الدقة في كلامه -بمعنى في كل جملة يكتبها، لابد أنه يسأل نفسه أربعة أسئلة على الأقل: ماذا الذي أحاول قوله؟ ماهي الكلمات التي ستعبر عن هذا القول؟ ما هي الصورة أو المصطلح الذي سيجعل من أقوالي أكثر وضوحاً؟ وهل هذه الصورة جيدة بما يكفي ليكون لها وقع تحدث به تأثيراً معيناً؟. ومن المحتمل أن يسأل نفسه أيضاً سؤالين آخرين: هل يمكن التعبير عما يجول في خاطري بطريقة مختصرة؟ هل ثمة ما هو قبيح في قولي يمكن تجنبه؟. غير أن الكاتب ليس مضطراً لطرح جميع هذه الأسئلة. بل يمكنه الهروب عبر انفتاح ذهنه للعبارات الجاهزة ليملأ بها كتاباته التي ستقوم، نيابة عنه، بتركيب الجمل المطلوبة، بل سوف تفكر عوضاً عنه، إلى حد معين، وسوف تؤدي، عند الحاجة خدمتها الهامة المتمثلة في إخفاء المعنى جزئياً حتى عن الكاتب نفسه. وهنا، لابد أن تتضح العلاقة الخاصة بين السياسة وانحطاط اللغة.

من الصحيح الحديث، عموماً، عن سوء الكتابة السياسية في وقتنا الحاضر، وإذا لم يكن الأمر كذلك، فسوف يكون الكاتب السياسي متمرداً بطريقة ما حين يعبر عن آرائه الخاصة، وليس عن “خط حزبي”. ويبدو أن اتباع موقف أصولي محافظ من أي لون، يتطلب أسلوباً تقليداً لا حياة فيه ومحاكاة للآخرين. وتختلف، بطبيعة الحال، اللهجات السياسية التي يمكن العثور عليها في الكتيبات والمقالات والخطابات الحكومية والبيانات والمنشورات وخطب وكلاء الوزارات من حزب لآخر، لكنها تتشابه تقريباً في عدم احتواءها على أي تنويع أو محاولة حيوية ومبتكرة في الأسلوب لدرجة أننا لا نجد فيها جديداً يذكر. وعندما نعثر على كاتب أخرق يعتلي منصة خطابية مردداً على مسامعنا تلك العبارات المألوفة بصورة ميكانيكية فجة، من قبيل: الفظائع الوحشية، البسطار العسكري، الاستبداد الملطخ بالدماء، شعوب العالم الحر، الوقوف وقفة رجل واحد[حرفياً كتفاً إلى كتف-المترجم]– فغالباً ما ينتابنا شعور ممتزج بالفضول لمعرفة ما إذا كان هذا المراهق السياسي الذي يحمل صفة الكاتب كائناً بشرياً أم مجرد دميه تطلق التفاهات في فمها، وتزداد حدّة هذا الشعور فجأة حين يسلط الضوء على نظارات المتحدث ويحولها إلى أقراص فارغة لا عيون خلفها. وهذا ليس تصوراً واهماً على كل حال. فالمتحدث الذي يستخدم هذه العبارات لابد أنه قطع شوطاً كبيراً لجهة تحويل نفسه إلى آلة تثير ضجيجاً صادراً من حنجرته، لكن دماغه لا يتدخل ولا يشارك في صنع تلك الأصوات كما لو كان هو نفسه من اختارها. وإذا ما كان هذا الخطيب قد اعتاد على إلقاء خطابه عدة مرات وبصورة متكررة، فسوف يكون غير مدرك نوعاً ما لما يقوله، كما هو الحال مع من يردد الصلاة في الكنيسة، وتبدو هذه الحالة الهزيلة من الوعي مواتية لاشك، إن لم تكن ضرورية للتوافق السياسي.

تعتبر الخطابة والكتابة في الحقل السياسي، في أيامنا هذه، دفاعاً عمّا لا يمكن الدفاع عنه. يمكننا بالفعل الدفاع عن أشياء عديدة  مثل استمرار الحكم البريطاني في الهند، عمليات التطهير والترحيل الروسية، إلقاء القنابل الذرية على اليابان، وهذا لن يحدث إلا من خلال حجج وحشية فظيعة يصعب على معظم الناس مواجهتها، وهي حجج لا تتوافق مع الأهداف المعلنة للأحزاب السياسية. ولهذا ينبغي لهذا الأسلوب اللغوي الدفاعي أن يتحلى بلغة سياسية تحمل في طياتها الكثير من الكنايات والتعابير الملطفة والحفاظ على غموضها الضبابي بالمطلق. نحن نرى كيف تُقصف القرى الآمنة من الجو، وكيف يُدفع السكان عل الفرار من المدن نحو الأرياف، وكيف تُطلق النار على الماشية مصدر الرزق، وتُحرق الأكواخ بالقنابل، وكل هذا يسميه السياسيون إعادة الأمن والسلام والتهدئة. تُسلب مزارع ملايين الفلاحين ويشردون من بيوتهم ويسيرون مشياً على أقدامهم يحملون ما خف وزنه: ويسمى هذا إعادة توطين [ترانسفير] السكان أو تصحيح الحدود. يُسجن الناس لسنوات دون محاكمة أو يتم إطلاق النار عليهم من الخلف أو يُرسلون ليموتوا من داء الاسقربوط في معسكرات الأخشاب في القطب الشمالي، وكل هذا يدعى القضاء على العناصر غير الموثوقة. هناك حاجة إلى مثل هذه العبارات إذا أردنا تسمية الأشياء بأسمائها وإذا ما رغبنا في عدم استحضار الصور الذهنية الحية لهذه الأحداث. لنأخذ على سبيل المثال بعض ما يقوله، بطريقة تبدو مريحة ومطمئنة، بروفيسوراً إنكليزياً في معرض دفاعه عن الشمولية الروسية، لا يستطيع هذا البروفيسور القول صراحة: “أنا أؤمن بقتل الخصوم المعارضين عندما يؤدي هذا الفعل إلى نتائج جيدة”، بل سيقول شيء آخر مشابه من قبيل: “في الوقت الذي نعترف فيه بصورة واضحة بوجود سمات معينة في النظام السوفييتي قد نميل إلى استنكارها وإدانتها، فيجب الاتفاق، كما أعتقد، على أن تقييداً معيناً لحقوق المعارضة السياسية أمر لا مفر منه في الفترات الانتقالية، والقسوة التي تعرض لها الشعب الروسي لإخضاعه يمكن تبريرها بما يطول من الحديث عند النظر إلى حجم المنجزات الملموسة التي تحققت”.

يبدو هذا الأسلوب اللغوي المنتفخ والمبالغ فيه نوع من كناية خفيفة ملطفة، وثمة قدر كبير من الكلمات اللاتينية تنهمر على الحقائق مثل ندف الثلج الخفيف، الأمر الذي يؤدي إلى تشويش الخطوط العريضة للأفكار المطروحة وتتستر على بقية التفاصيل. يمثل النفاق أكبر عدو للغة الواضحة. فإن وجدت فجوة ما بين الأهداف الحقيقية والأهداف المعلنة، فسوف يتحول الكاتب، غريزياً، إلى استخدام الكلمات الطويلة والتعابير الشائعة، مثلما يفعل الحبار عندما ينفث حبره. ولا يوجد، في عصرنا، شيء  يقال له “الابتعاد عن السياسة”، فجميع القضايا من حولنا هي قضايا سياسية، والسياسة ذاتها عبارة عن كتلة من الأكاذيب والمراوغة والحماقة والكراهية والفصام. وعندما يكون المناخ العام سيئاً، سينعكس هذا على اللغة المستخدمة لجهة معاناتها التعبيرية. ويجب أن نتوقع انطباق الأمر-وهذا تخمين لا أملك حياله معرفة كافية للتحقق منه- على بقية اللغات الأخرى كالألمانية والروسية والإيطالية وتدهورها في السنوات العشر أو الخمس عشرة الماضية، بسبب الديكتاتورية.

ولكن إذا كان الفكر يفسد اللغة، فيمكن للغة بدورها أن تفسد الفكر أيضاً. ويمكن انتشار الاستخدام السيئ عن طريق التقليد والمحاكاة، حتى بين الأشخاص الذين يتمتعون بنوع من الحذر. فاللغة المبتذلة التي ناقشتها هنا تبدو مريحة للغاية في بعض النواحي. كما أن بعض العبارات مثل الافتراض غير المبرر، ترك الكثير مما هو مرغوب فيه، لن تخدم أي غرض نافع، أحد الاعتبارات التي ينبغي علينا أن نضعها في بالنا، تمثل إغراء مستمر، مثل عبوة الإسبرين الموجودة بجوارنا دائماً وفي متناول اليد. ولو عدت [عزيزي القارئ] إلى النظر في هذا المقال من جديد فسوف تجدني، بالتأكيد، قمت باقتراف الأخطاء ذاتها التي حذرت منها عدة مرات واعترضت على استخدامها.

تلقيت هذا الصباح منشوراً يتناول الأوضاع في ألمانيا. أخبرني مؤلفه عن “شعوره المندفع” لكتابته. فتحت المنشور بطريقة عشوائية، ووقعت عيناي على جملة تقول: “(لدى الحلفاء) فرصة ليس فقط لتحقيق تحول جذري في البنية الاجتماعية والسياسية لألمانيا بطريقة يتجنبون فيها رد فعل قومي ألماني، بل ويملك [(الحلفاء)] في ذات الوقت، فرصة لوضع أسس بناء أوروبا متعاونة وموحدة”. وكما نرى، فالكاتب “يشعر بالإكراه” على الكتابة -يشعر، على الأرجح، بمعنى أن لديه شيئاً جديداً ليقوله- غير أن كلماته، تبدو مثل خيول الفرسان المتناغمة مع أصوات الأبواق حين تجمع نفسها تلقائياً في نمط مألوف مثير للضجر. لا يمكن وقف غزو العقل هذا من خلال بعض العبارات الجاهزة (وضع الأسس، تحقيق تحول جذري) إلا إذا كنا مستعدين على الدوام للوقوف بحذر إزاء استخدامها، فكل عبارة من هذا القبيل بمنزلة مخدر يشل جزءً من أدمغتنا.

كنت قد ذكرت في موقع آخر هنا عن إمكانية معالجة تدهور لغتنا، أما أولئك الذين لا يؤيدون هذا الطرح، فقد يقدمون حججاً مضادة، فيما لو كان عندهم حجة أصلاً، ترى بأن تلك اللغة مجرد انعكاس للظروف الاجتماعية القائمة، ولا نستطيع التأثير على تطورها عن طريق التدخل بعملية إصلاح مباشرة تتلاعب بالكلمات والتركيبات فقط. وفي حين قد يكون هذا صحيحاً عند الحديث عن الطابع العام للغة أو روحها، لكنه ليس كذلك فيما لو مضينا أعمق نحو التفاصيل.

غالباً ما تختفي الكلمات والتعابير السخيفة، ليس بسبب عملية تطورية ولكن بسبب فعل واعي للأقلية. وثمة مثالان حديثان على ذلك: البحث في كل الطرق ولم يترك حجراً مقلوباً، وهما مثالان أشبعهما بعض الصحفيين قتلاً من كثرة استخدامها التهكمي. وهناك قائمة طويلة من الاستعارات المنفوخة التي يمكن، بالمثل، التخلص منها إذا ما كان في وسطنا عدد كافٍ مهتماً للقيام بذلك؛ كما يمكن الاستهزاء بأسلوب نفي المنفي حتى نصل إلى مرحلة نتخلص فيها منه [3]، وتقليل استخدام هذا الكم الكبير من الكلمات اللاتينية والإغريقية في الجمل الشائعة والتخلص من العبارات الأجنبية والكلمات العلمية المضللة. وبشكل عام، جعل الأسلوب المزعوم غير عصري. لكن كل هذا ليس سوى نقاطاً ثانوية. فالدفاع عن اللغة الإنكليزية يعني أكثر من ذلك، وربما يكون من الأفضل البدء بقول ما لا يعنيه هذا الدفاع.

بادئ ذ ي بدء، لا علاقة للدفاع عن اللغة الإنكليزية بالألفاظ العتيقة المهجورة، أو بإنقاذ تلك الأساليب اللغوية ولا الكلمات التي عفا عليها الزمن، ولا البحث عن تشكيل “لغة إنكليزية قياسية” لا ينبغي التخلي عنها قط. على العكس من ذلك، يهتم الدفاع عن اللغة ،على وجه الخصوص، بنبذ  أية كلمة أو عبارة لم تعد موضع فائدة. وهذا لا يعني عقد صلة ما بين الدفاع عن اللغة والقواعد النحوية الصحيحة وبناء الجملة، وهما أمران لا أهمية لها طالما أننا نوضح المعنى أو نتجنب التأثيرات الأمريكية على اللغة، كما أنه ليس هدف الدفاع امتلاك ما يسمى “أسلوب الكتابة الجيد”، ولا يتعلق حتى بالبساطة الزائفة ومحاولة جعل اللغة العامية لغة مكتوبة. كما أنه لا يعني في جميع الأحوال تفضيل الكلمة السكسونية على اللاتينية، على الرغم من أن الأولى تستعمل كلمات أقل وأقصر لتؤدي المعنى المطلوب. نحن نحتاج ،قبل كل شيء، إلى السماح للمعنى باختيار الكلمة، وليس العكس. وأسوء ما يمكن فعله في النثر الاستسلام للكلمات. فعندما نفكر فيما هو ملموس، فإننا نفكر بدون كلمات، ومن ثم، لو أردنا وصف الشيء المتخيل، فمن المحتمل قيامنا بالبحث عنه حتى نجد الكلمات الدقيقة المناسبة له. وعندما نفكر في شيء مجرد، نكون أكثر ميلًا لاستخدام الكلمات منذ البداية، وما لم نبذل جهداً واعياً لمنع ذلك، فسوف تندلق اللهجة المستخدمة الحالية وتؤدي المهمة نيابة عنا، مما يزيد الأمر تشويشاً وغموضاً أو حتى تغيير في المعنى المقصود أصلاً. وقد يكون من الأفضل لنا الامتناع عن استعمال الكلمات قدر الإمكان وجعل المعاني واضحة كلما كان ذلك ممكناً من خلال الصور والأحاسيس. ثم، بعد ذلك، يمكن اختيار –وليس مجرد قبول– العبارات التي من شأنها أن  تقدم المعنى بصورة أفضل، ومن ثم البحث وتحديد الانطباع المحتمل الذي ستتركه الكلمات عند الغير، وهذه الخطوة العقلية الأخيرة ستستبعد الصور القديمة أو المختلطة كافة، وجميع العبارات الجاهزة، والتكرار غير الضروري الذي لا طائل منه، وكل هذا الهراء اللغوي والغموض بشكل عام. لكن غالباً ما نقع في حيرة تدفعنا إلى الشك في تأثير كلمة ما أو عبارة، ونحتاج هنا إلى قواعد يمكننا الاعتماد عليها لتوجيهنا عندما تفشل غريزتنا. وأعتقد أن القواعد التالية تصلح لمعظم الحالات:

– لا تستخدم استعارة أو تشبيه أو أي شكل آخر من أشكال الكلام اعتدت رؤيته مطبوعاً.

– لا تستخدم كلمة طويلة قط، عندما تفي كلمة قصيرة بالغرض.

– إذا كان من الممكن حذف كلمة ما، فافعل ذلك على الفور دون تردد.

– لا تستخدم المبني للمجهول حيث يمكنك استخدام صيغة المبني للمعلوم.

– لا تستخدم عبارة أجنبية قط أو كلمة علمية أو كلمة اصطلاحية إذا كان بإمكانك التفكير في مكافئ إنكليزي مستخدم في لغة المعيش اليومي.

– ما سبق ليس مقدساً، يمكنك مخالفة أيا من القواعد السابقة إذا ما كان اتباعها سيؤدي إلى لغة غير فصيحة بشكل صريح.

تبدو النقاط السابقة مثل قواعد أولية بسيطة، وهي كذلك بالفعل، لكنها تتطلب تغييراً عميقاً في عقلية أي شخص اعتاد الكتابة

بأسلوب عصري شائع. قد نلتزم بجميع القواعد المذكورة جميعها ومع ذلك نجد أنفسنا نكتب بلغة إنكليزية سيئة، رغم أننا نكتب أشياء تنطبق عليها النماذج الخمسة المقتبسة في بداية المقال.

لم أتطرق هنا إلى الاستخدام الأدبي للغة، واقتصرت الحديث عن الكتابة كوسيلة تعبير عن الفكر وليس لإخفائه أو إلغائه. وقد قارب ستيوارت تشيس وآخرون زعماً يرى أن جميع الكلمات المجردة لا معنى لها واستخدموا ذلك كذريعة للدعوة إلى نوع من الهدوء السياسي، بمعنى: بما أننا إذا كنا لا نعرف ما هي الفاشية، فكيف يمكننا النضال ضدها محاربتها؟

لسنا بحاجة إلى هضم مثل هذه السخافات، بل نحن بحاجة إلى الإقرار بارتباط الفوضى السياسية الحالية بانحطاط وتدهور اللغة، ومن المحتمل تحقيق بعض التحسن في معالجة الأمر بدءً من الجانب اللغوي. وإذا ما قمنا بتبسيط لغتنا، فسوف نتحرر من أسوأ الحماقات التقليدية الأصولية. لا يمكننا التحدث بأي من اللهجات الضرورية، وعندما نقوم بإبداء ملاحظة حمقاء، سوف تكون حماقتنا أشد وضوحاً حتى لأنفسنا. لقد تم تصميم اللغة السياسية -وإن كان باختلافات طفيفة، التي تنطبق على جميع الأحزاب السياسية، من المحافظين إلى الفوضويين- لجعل الأكاذيب تبدو صادقة والقتل محترماً، ولإعطاء مظهر أكثر صلابة للرياح العادية. لا يمكننا تغيير كل هذا في لحظة، ولكن يمكننا، على الأقل تغيير عاداتنا الخاصة، ويمكننا، من حين لآخر، إذا ما سخرنا بصوت عالٍ بما فيه الكفاية، أن نرسل بعض العبارات البالية وغير المجدية إلى سلة المهملات حين تنتمي مثل: بسطار، كعب أخيل، الاضطراب [حرفياً:مستنبت أو دفيئة- المترجم]، وعاء صهر، الاختبار بالأسيد (12)، جحيم حقيقي وغير ذلك من سقط الكلام.

…..

ملاحظات المترجم

  1. راجع النص الأصلي حيث يشدد أورويل هنا على صيغة باللغة الإنكليزية particular verbيتغير فيها معنى الفعل حسب حرب الجر الذي يأتي معه (الذي يليه في الحقيقة) والحديث هنا عن الفعل put وتكون الحالة الأولى بصيغة put up with والثانية بصيغة put at a loss، وهما لا يحملان المعنى ذاته قطعاً حيث تشير الحالة الأولى إلى معنى “التسامح” بينما يذهب معنى التعبير الثاني إلى “الحيرة”
  2. أنصح بمراجعة النص الأصلي: في الحقيقة لا أعتقد أن الترجمة هنا قد أعطت المعنى المطلوب للعبارات والمصطلحات الإنكليزية، بل هي مقاربة تعميمية للمعنى ينقصها ما يؤكد صحتها، فما يطرحه أورويل من أمثلة هي من صلب لغته هو (وليس لغتنا) ومن مجازاتها المحلية وتخضع بالتالي لاعتبارات ثقافية محددة وأمزجة محلية وجهوية وخبرات وتجارب متعددة لستُ على إحاطة تامة أو حتى جزئية بها، وللسهولة سوف أقوم بشرح ما استغلق منها وأرجو أن أكون موفقاً:

-Ring the changes on ويعني حرفياً “قرع جرس التغيير” وهو مجاز مستمد من قرع أجراس الكنائس، ومعلوم أن صوت قرع الأجراس يتشابه في العموم لكنه يتنوع في بعض التفاصيل، وهكذا بات المصطلح يفيد معنى التغيير والتنويع، وظهر هذا التعبير في أوائل القرن السابع عشر.

– take up the cudgels for تعني حرفياً التقط الهراوات واستعد للقتال (دفاعاً عن شخص أو شيء)، وتحولت إلى معنى الجدال القوي لدعم أو دحض فكرة ما أو الوقوف ضد شخص ما. ولا يعرف كيف وأين ظهر هذا التعبير، ويرجح البعض تاريخه إلى القرن الخامس عشر نظراً لاستخدم كلمة الهراوة أو النبوت cudgel وهي عصاة قصيرة وسميكة استخدمت قديماً كسلاح، ومشتقة من الكلمة الإنكليزية القديمة cycgel  والتي تشير إلى عصا مستديرة الرأس (دبوس). ومازالت كلمة العصا تستعمل حتى الآن مجازاً للتعبير عن الاستعداد للقتال (بالمعنى المجازي وليس الحرفي طبعاً). للمزيد انظر،https://www.theidioms.com/take-up-the-cudgels/

-toe the line والمعنى الحرفي له وضع إصبع القدم على الخط ويقصد به اصطفاف المتسابقين على نسق واحد قبل بدء السباق، وتحول ليعطي معنى الالتزام الفكري أو التوافق مع قاعدة أو معيار معين، استخدمت العبارة منذ بداية القرن التاسع مع عبارات أخرى شبيهة تؤدي المعنى ذاته مثل: “toe the mark” و “toe the plank”.

-ride roughshod over  وتعني تلبيس الخيول حدوات ذات نتوءات بارزة  تؤمن خشونة تمنعه من الانزلاق أثناء جريه (لاسيما في ميادين القتال). وتحول إلى معنى من يتجاهل تماماً حقوق وأراء ومشاعر ومصالح الآخرين، وصفة لمن يتعامل بخشونة مع الآخرين دون احترام بطريقة متنمرة القصد منها إلحاق الضرر.

– stand shoulder to shoulder withوتعني حرفياً الاصطفاف أو الوقوف حيث يكون الكتف ملاصقاً للكتف كناية عن التعاضد والاتحاد لتحقيق الهدف المشترك، وظهر في بادىء الأمر للإشارة إلى تشكيلات الجيش في أواخر القرن السادس عشر، ثم أخذ المعنى المجازي مع نهاية القرن التاسع عشر، حين صار يفهم منه تقديم الدعم لشخص أو أشخاص عند الحاجة ومشاركتهم في العمل لتحقيق الأهداف المطلوبة (مثلما تعمل فرق الإنقاذ اثناء الكوارث مثلاً)

– play into the hands of ومعناها الحرفي “اللعب بأيدي أحدهم بمعنى الملامسة الرقيقة” ويعتقد أن هذا التعبير ظهير في القرن الثامن عشر وهو يحمل معنى سلبياً للشخص الموجّه إليه (بعكس المصطلح السابق “الوقوف كتفاً إلى كتف)، لأن القصد منه التحذير من أن تصرف الشخص سوف يؤدي به إلى مخاطر كمن “يلعب بالنار” أو “يرمي نفسه في أحضان عدوه” بمعنى العمل لصالح العدو أو القيام، عن غير قصد، بعمل ما يفيد الخصم أو المنافس

– no axe to grind وتعني حرفياً شحذ الفأس. ويعتقد أن العبارة مصدرها الولايات المتحدة ثم انتقلت إلى بريطانيا. وتنسب في العادة إلى بنجامين فرانكلين حيث أشار إلى ما يشبه هذا المصطلح (ليس ذات الكلمات ولكن ذات المعنى) أكثر من مرة في الربع الأخير من القرن الثامن عشر. كما ينسبها البعض إلى تشارلز مينر ويعتقد أنه أول من استخدم العبارة بصيغتها المعروفة كما هي وذلك مقالتين له بين عامي 1810 و1812 ويحدث الخلط بين مينر وفرانكلين بسبب تشابه أسلوبهما الكتابي، والمجاز البلاغي لهذه التعبير يعني “وجود دافع أو أجندة خفية”، أو “تأمل وجهة النظر (غير وجهة نظرنا طبعاً) في نزاع ما” وأخذها بعني الاعتبار، مثلما نقول في اللغة العربية ” لأمر ما جدع قصير أنفه”، كما تحمل معاني متنوعة مثل أن تحتفظ بوجهة نظر قوية إزاء أمر ما وتطلب من الآخرين القبول به.

– grist to the mill، بمعنى طحن محصول الذرة grist في الطاحونة وبيعها لتحقيق ربح أكثر من بيعها دون طحن، ويعود هذا المصطلح إلى أواخر الفرن السابع عشر للإشارة إلى تحقيق الفائدة من الأشياء بعد معالجتها (وكانت تبدو قبل المعالجة عديمة الجدوى)، وقد تأتي في سياق أن ما تقترحه قد يكون مفيداً لغرض معين أو تأييد وجهة نظر معينة، بما يجعل من هذا الاقتراح يمتلك ميزة مفيدة، فنحن نستطيع  تحقيق الربح بلا شك من الذرة أو الحنطة أو الشعير أو الحبوب بصورة عامة قبل معالجتها، لكن الفائدة تصبح أكثر والربح أوفر عند طحنها. من اللافت للنظر أن استعمال هذه العبارة قلّ كثيراً بين الناطقين بالإنكليزية في بريطانيا، وهذا من شأنه أن يكون خبراً مفرحاً لجورج أورويل حين اعتبرها في مقالته هنا “استعارة تحتضر”

– fishing in troubled waters أي الاصطياد في المياه العكرة ويستخدم في معناه المباشر للتعبير عن محاولة الحصول على مكسب أو ميزة في ظل ظروف صعبة أو باستغلال الظروف الصعبة أو المشاكل التي يمر بها الشخص الآخر، ورغم هذه الانتهازية يبقى الأمر “مجرد محاولة” محفوفة بالمخاطر، وينطبق الأمر على من يستغلون الطروف العامة مثل تجار السلاح والغذاء في الحروب أو الكوارث الطبيعية، ويعود أصل التعبير إلى فكرة قديمة ترى بأن الأسماك تكون صعبة المراس وعصية على الصيد في البحار وسهلة الالتقاط في المياه الضحلة، واستخدم هذه المجاز لأول مرة في اللغة الإنكليزية سنة 1568. علماً أنه منتشر في لغات كثيرة مختلفة وإن بصيغ مختلفة ولكن بذات المعنى.

– on the order of the day أي بترتيب اليوم، وتعني أي نشاط خلال فترة زمنية محددة أو في موقف معين، وهذا يعني ما هو شائع الاستخدام خلال زمن معين أو في يوم معين ( كالأعياد والمناسبات.. أو حقبة زمنية محددة)  فعلى سبيل المثال الوضع السائد في أيامنا هذه هو الجدل حول ظاهرة الذكاء الاصطناعي.. يعود تعبير on the order of the day إلى أواخر القرن السابع عشر، وكان يقصد به في الأصل مناقشات الهيئة التشريعية في يوم معين، ثم صار يستخدم عند الحديث عن الأوامر المرسلة للقوات المسلحة، وبحلول النصف الثاني من القرن التاسع عشر حمل التعبير معناه المجازي الحالي، بما في ذلك الإشارة إلى أجندة محددة تعرض في فترة محددة أو اجتماع أو احتفال أو مهرجان أو متابعة نشاط الأسواق المالية… إلخ

– Achilles’ heel  وتعني حرفياً كعب أخيل والأصل في هذا المجاز يعود للأسطورة الإغريقية التي تقول أن البطل الإغريقي أخيل كان على وشك الموت بسبب نبوءة وهو مازال طفلاً رضيعاً، ولمنع ذلك قامت ثيتيس والدته بغمره في مياه نهر ستيكس على أمل منها أن تحصنه ضد الموت، ولكن ثيتيس كانت قد مسكت ابنها من كعبيه كي لا يقع منها، ثم غفلت عن مسحهما بماء النهر، وكبر أخيل واصبح محارباً ماهراً نجا من الموت في معارك عديدة خاضها، وحارب في طروادة وانتصر هناك لكنه أصيب بجرح في كاحله لم يشفَ منه وكان سبب موته. وبالتالي يكون المقصود من تعبير Achilles’ heel أن كل شخص أو شيء لابد أن يكون له نقطة ضعفه يمكن النفاذ منها إليه وهزيمته ورغم قدم التعبير إلا أنه لم يصبح شائعاً بمعناه المجازي (أي نقطة الضعف) في الإنكليزية إلا في النصف الأول من القرن التاسع عشر، واستخدمه كوليريدج ضمنياً في العام 1810 حين وصف بريطانيا بـ “كعب أخيل”  حسب قاموس أكسفورد 2019.

– swan song وتعني النشاط أو الأداء الأخير قبل النهاية أو الموت أو التقاعد أو التوقف عن العمل، لاعتقادهم أن البجعة تنشد أغنية وداع جميلة قبل موتها مباشرة (وقبل ذلك تبقى صامتة طيلة حياتها). والتعبير موجود في الإغريقية القديمة κύκνειον ᾆσμα و اللاتينية carmen cygni، علماً أن هذه المجاز استخدمه الإغريق في القرن الثالث ق.م أو ربما قبل ذلك ويرمز البجع في مجمع الأساطير اليونانية القديمة إلى التناغم والجمال (وهكذا هو الغناء والرقص البشري كما يبدو) وذكرت حكاية الأغنية الأخيرة للبجع فيما ذكره إيسوب في قصة “البجعة والإوزة”، وتظهر العبارة في مسرحية إسخيلوس “أغاممنون” حين تقارن كليتمينيسترا كاساندرا الميتة ببجعة “غنت آخر نواح لها” ويذكر أفلاطون على لسان سقراط في  Phaedo أنه على الرغم من غناء البجع  في مراحل مبكرة من حياته، إلا أنه لا يفعل ذلك على تلك الصورة من الجمال الذي نراه في أغنيته قبل موته. واستفاد شكسبير من هذه الحكاية حين ذكرها في “تاجر البندقية” على لسان بورشيا (الفصل الثالث، المشهد الثاني) وكذلك في مسرحية “عطيل” على لسان إميليا (الفصل الخامس، المشهد الثاني)

-Hotbed، حرفياً: الدفيئة أو المستنبت الزراعي، بمعنى البيئة المنسبة للنمو السريع للنباتات، وهي من الناحية المجازية تفيد معنى المرتع أو بؤرة الهيجان أي البيئة المناسبة للنمو السريع للأفكار غير المرغوبة وتطورها. كأن نقول مؤسسات القطاع العام في دول العالم الثالث على وجه الخصوص مرتعاً وبؤرة للفساد والرشى.

  1. يشير المعنى الأصلي لكلمة rift صدع أو شق، وهي تحمل المعنى ذاته من كلتا الناحيتين الجيولوجية و المجازية، وإن كان للصيغ المجازية استخدامات أخرى. ظهرت الكلمة لأول مرة في القرن الرابع عشر كاسم وفعل، ويبدو أن التصور الجيولوجي لشكل الصدع أو الشق قد ساعد على تطوير المعنى المجازي وتعدد استخداماته ليشمل معاني الانقسام، الكسر، التشقق عدم التوافق أو الاتفاق، تفكك، انفصال حقيقي وجاد بين شيئين أو شخصين أو مجموعة من الأفراد أو الدول أو المنظمات والهيئات والأحزاب (بمعنى اختلاف رفاق الحزب الواحد حول برنامج أو سياسة حزبية معينة مما يؤدي إلى توسع الشقة بينهم وبالتالي انفصالهم وتشظيهم في نهاية المطاف) .من الأهمية بمكان المهم أن نلاحظ الاختلاف القليل الذي يفصل الانكسار عن الانشقاق، حيث يمكن لمجموعة ما أن تتصدع دون أن تنفصل تماماً، ويمكن أن يتم رأب هذا الصدع في حال توفر ظرف مناسب، مثل شخصية كاريزمية أو خطر خارجي، في حين أن الكسر يحمل سمة الديمومة وبالتالي غير قابل للإصلاح والالتئام
  2. ثمة فرق بين toe the line و tow the line والخلط بينهما بالاستعمال التبادلي قد يغير المعنى المقصود، فضلاً عن كونه يشير إلى الجهل في معنى المجاز وطريقة استخدامه. حيث يشير التعبير الأول (وهو الأكثر شيوعاً) إلى التصرف بما هو متوقع لجهة الالتزام أو التوافق مع خط ما أو بقانون ما أو بمنهج ما، فقد يطلب منك مسؤولك في العمل أو الحزب أو في المدرسة بالعودة إلى رشدك والالتزام باللوائح حسب الأصول فيما لو لاحظ سوء تصرف منك، وبالتالي يعبر مصطلح toe the line عن الوقوف عند الحدود الفاصلة بين شيئين مختلفين ومن المحتمل أن يحمل هذين الشيئين المختلفين عناصر غير متوافقة مع بعضها البعض (مثل قصص الواقع والقصص الخيالية) ومهما كان المقصود من هذا المجاز فهو يستخدم تماماً بذات الدلالة التي يشير إليها إصبع القدم باعتباره آخر موضع في القدم. وهكذا فإن أي سوء فهم في سماع هذا التعبير وتحويله إلى toe the line  سوف يضع المستمع في حيرة من أمره فهل أنت تتحدث فعلاً عن “سحب الخط”؟، وأي خط تقصد. ومن الواضح أن السحب هنا يعني سحباً ولا شيء آخر، وفي حين يمكن للمستمع أن يفهم أنك تريد سحب حبل وهذا منطقي ولكنه لن يفهم قطعاً ماذا تقصد بسحبك  للقانون أو الفكرة (على اعتبار السمع ،أو الاستعمال الكتابي، الخاطئ لـ  tow بدلاً من toe وبالتالي سوف يميل لتجسيد معنى المحاذاة أو المحايثة لنقطة أو بداية، وليس التوافق)
  3. تبدو هذه العبارات جميلة من حيث السبك اللغوي غير أنها صعبة فعلاً حين نترجمها إلى لغة أخرى نظراً لعلاقتها الشديدة الصلة بطابعها الثقافي والوظيفي والدلالي فعبارة render inoperative مثلاً (عطّله، أو جعله معطلاً) تعني عدم القدرة على العمل بفعالية كأن تتوقف الآلة عن العمل بسبب عطل في الكهرباء، بمعنى ينتج العطل من سبب خارجي وليس ذاتي ( في المثال انقطاع الكهرباء هو من تسبب في العطل وليس الآلة نفسها). أما عبارة militate against (يناضل أو يكافح ضد) وتعني منع أو إعاقة حدوث شيء، وتشير عبارة prove unacceptable (يبرهن أنه غير مقبول) وهي تنويع لعدم قبول شيء ما.. ويمكن تتبع المعاني المعجمية والمعاني المتداولة  لبقية الكلمات في مظانها المرجعية.
  4. لا يبالغ أورويل هنا كما يبدو للقارىء فإضفاء شيء من التنويع في استخدام كلمات تؤدي ذات المعنى لا يعد أسلوباً ذو قيمة في الخطاب، وفي الحقيقة من الصعوبة بمكان ترجمة التعبيرين by examination و by examining إلى اللغة العربية بمعنيين مختلفين وحتى متقاربين فكلاهما يعني (الفحص أو عن طريق الفحص) ولو أردنا أن نتحذلق كما يفترض أورويل فسوف نذهب إلى التنويع التالي ( الفحص، عن طريق الفحص، بوساطة الفحص، بوسيلة الفحص.. إلخ ولعل هذا ما يقصده أورويل بمعنى الابتذال)، والفارق الوحيد يعود لمصدر الاشتقاق لناحية بناء الاسم دون الرجوع للصيغة المصدرية. قد يبدو الأمر سهلاً للوهلة الأولى، لكنه ليس كذلك لمن يشتغل في الترجمة، فاختلاف قواعد الاشتقاق بسبب اختلاف القواعد النحوية بين اللغات غير المتشابهة سوف يخلق مشكلة للمترجم في الوصول إلى فكرة النص الأصلي، لكن أورويل لا يتحدث هنا، بطبيعة الحال، عن الترجمة، بل عن “الابتذال” و”الشطارة” في “اختراع” كلمات يظن أصحابها أنهم يخاطبون جمهورهم بلغة قياسية راقية.
  5. يوجد في اللغة الإنكليزية العديد من اللواحق (مثل ize) والسوابق (مثل de) وغيرهما لصياغة أفعال جديدة أسماء هي بالأساس مشتقة من أفعال يعني على طريقة “هذه أذني”، ولكن ينبغي لنا العلم بأن هذه الأفعال الجديدة الناشئة تحمل معاني مختلفة عن معنى الأفعال الأصلية، وإن كانت متقاربة، فاللاحقة ize على سبيل المثال تفيد إضفاء صفة الفعل على الاسم بصورة قصدية كأن نقول legitimize أي يضفي الصبغة الشرعية على الفعل أو السلوك يعني “يشرعن” أو نقولdelegitimize بمعنى “نزع الشرعية”.
  6. يتحدث أورويل بلا شك عن اللغة الإنكليزية واستخدام هذه الكلمات التي يراها ذات مظهر زائف كما وردت في النص الأصلي، ومن الأهمية بمكان القول عدم انطباق هذه الزعم عند ترجمتها إلى اللغة العربية حيث تبدو معانيها “طبيعية وأصيلة”
  7. في الحقيقة تبدو العديد من هذه الكلمات expedite, ameliorate, predict, extraneous, deracinated, clandestine, subaqueous غريبة بعض الشيء وصعبة الفهم ولعل هذا هو السبب في ندرة استخدامها، وربما تكون نشأت لحاجة معينة ثم تم الاستعاضة عنها بتعابير أكثر سهولة وألفة.
  8. يتحدث أورويل هنا عن كلمات محددة ذات استخدام اصطلاحي مثل deregionalize, impermissible, extramarital, non-fragmentary وتتضمن كلمات إنكليزية مضاف إليها لواحق لاتينية أو إغريقية لتوليد المعنى المقصود.
  9. يشاع أن هذا الأسلوب يعرفه أورويل منذ أيام الدراسة المبكرة مما حفظه من السيدة سيسيلي فوغان ويليكس (وهي زوجة مدير مدرسة سانت سيبريان التي درس فيها جورج أورويل) واستخدمت السيدة ويليكس في سياق تدرسيها اللغة الإنكليزية هذه الطريقة في الترجمة لتوضيح معنى الكتابة الجيدة للتلاميذ، حيث كانت تعمد إلى مقاطع بسيطة من نصوص الكتاب المقدس ثم “تترجمها” إلى الإنكليزية الضعيفة لإظهار وضوح وتألق النص الأصلي(للمزيد انظر، Pearce, Robert (August 1992). “Truth and Falsehood: Orwell’s Prep School Woes”. The Review of English Studies. New Series. 43 (171)
  10. تؤدي معنى الاختبار الذي ينتج عنه نتائج حاسمة

….

هوامش المؤلف [ينصح بمراجعة النص الأصلي]

[1]. ثمة مثال مثير للاهتمام لشرح ذلك وأقصد به الطريقة التي استبدلت بها أسماء الزهور الإنكليزية التي كانت مستخدمة حتى وقت قريب جداً بمثيلاتها الإغريقية، فتصبح الكلمة الإنكليزية snapdragon [وهي  لنبتة أنف العجل، فم السمكة -المترجم] تقال بالمرادف الإغريقي antirrhinum ونبتة forget-me-not [اذكروني؟-المترجم] تتحول إلى myosotis، وما إلى ذلك. من الصعب رؤية أي سبب عملي لهذا التغيير: وقد يعود الأمر إلى الابتعاد الغريزي عن الكلمات العادية الأكثر خصوصية والشعور الغامض بأن الكلمة الإغريقية علمية بطريقة ما.

[2] على سبيل المثال: ” يمثل التسامح المسيحي عن الإدراك والتصور بغرابة وايتمانية Whitmanesque في نطاقها، المقابل الموضوعي للإكراه الجمالي تقريباً، حيث يستمر في استحضار ذلك التلميح الطقسي المتراكم للأبدية القاسية الهادئة النافذة بآن معاً.. ويتجه “ويري غاردنر” Wrey Gardiner  عندما يستهدف التركيز على الأهداف البسيطة بتلك الدقة. وهذه ليست على تلك الدرجة من البساطة، ويتدفق من خلال هذا الحزن المتضمن فيها ما هو أكثر من مجرد الحلاوة المريرة الزاهرية للاستسلام. (Poetry Quarterly).

[3] يمكن للمرء شفاء نفسه من خاصية استخدام أسلوب نفي المنفيnot un من خلال حفظ هذه الجملة:” هناك كلب ليس بأسود كان يطارد أرنباً غير صغير في حقل ليس أخضر.

عن محمود الصباغ

كاتب ومترجم من فلسطين

شاهد أيضاً

الفضاء الحضري في المدن المختلطة في إسرائيل: إعادة قراءة

ناحوم كارلينسكي ترجمة محمود الصباغ يقتصر استخدام مصطلح المدن المختلطة ערים מעורבות في إسرائيل، لتعريف …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *