الرئيسية > أدب > السرديات القاتلة في “عصابات نيويورك”: أنساق الاضطهاد والضحية والمنفى

السرديات القاتلة في “عصابات نيويورك”: أنساق الاضطهاد والضحية والمنفى

أيها التاريخ لمَ يقال أن المنقار صُنعَ خصيصاً للإوزة “.

لم أعد أذكر السبب الذي جعل رسام عصر النهضة الإيطالي “بييرو ديلا فرانشيسكا” ( القرن الخامس عشر الميلادي) يقول تلك العبارة التي علقت في ذهني، منذ زمن، من أحد هوامش صفحات الكوميديا الإلهية، كتعقيب من حسن عثمان مترجم الكتاب إلى اللغة العربية. لكن ما يقصده “ديلا فرانشيسكا”، ولم يفهمه، ربما، مارتن سكورسيزي، مخرج الفيلم، قد تفسره  الحكمة القديمة التي تقول: “لا تقضم من التفاحة الكبيرة أكثر مما تستطيع مضغه“.

لطالما شعرنا بالرهبة، إن لم يكن بالرعب، من التجارب التاريخية التي غيّرت مجرى حياتنا، ولطالما كان يصدمنا تاريخنا الشخصي كلما نظرنا له من مسافة أبعد. ولطالما فشلنا في أن نكون “موضوعيين” في رؤيتنا “الذاتية” لتاريخنا هذا حين نكتشف -ربما متأخرين- كم نحن أسرى له بطريقة درامية مدهشة، سواء على هيئة تراجيديا أم  كوميديا. ولعل هذا يفسر الاستخلاص “الأنتي ماركسي” التهكمي الذي كان يردده ميلان كونديرا: ” أدركنا منذ زمن طويل أنه لم يعد بالإمكان قلب هذا العالم، ولا تغييره إلى الأفضل، ولا إيقاف جريانه البائس إلى الأمام”. فقبل أن نعترف بالتاريخ غير الرسمي للجحيم، علينا أولاً أن نقرَّ بسردياته القاتلة. وعلينا أن نقر أيضاً  أن المجتمعات ليس بنى (جمع بنية*) ساكنة لا حراك فيها.

هكذا يبدأ فيلم “عصابات نيويورك” دون مقدمات، برغبة  واضحة من سكورسيزي أن يصل لمبتغاه، فيضعنا في قلب الحدث حين يفتتح المشاهد الأولى على القس فالون وهو يحلق لحيته فيجرح نفسه، فيمسح ابنه الصغير أمستردام الدماء التي علقت على نصل السكين، فينهره الأب: ” إياك أن تفعل هذا ثانيةً، دع الدم يسيل.. دعه يسيل، سوف يأتي، عليك، يوم وتفهم السبب”. وهكذا حتى نهاية الفيلم يجعل سكورسيزي الدم يتدفق حاراً في جحيم الفوضى الملتهبة التي تذيب وتصهر نيويورك، التي يضعها القدر أمام تحد المدن العظيمة، لتحمل رسالة قيادة الأمة، فتخوض تجربة “و محنة” المدن الشبيهة التي تأسست على الدم، و النزعات الثأرية، وحتى لو جف الدم على السكين، فسوف يبقى أثره على نصله.. هذا ما يتذكره أمستردام عن والده القتيل: جرح على الخد و موس في اليد، في يوم معركة فاصلة. وتبقى السكين في يد الصبي وديعة تأويل، وتأويل مضاد، للتاريخ، كمحرض للثأر.

يبدأ الفيلم إذن، في العام 1846، من أحد أحياء مدينة نيويورك المعروف باسم فايف بوينتس  Five Points الفقير في مانهاتن السفلى، حيث تندلع حرب وجود طاحنة بين عصابة “الاتحاد البروتستانتي للسكان الأصليين الأمريكيين  Protestant Confederation of American Natives” التي يتزعمها ويليام كاتينغ المعروف باسم  “بيل ذا بتشر ( الجزار)” ، ومعظم أفرادها من أصول بريطانية وألمانية وهولندية” بروتستانت وأنغليكان”، وعصابة “الأرانب الميتة Dead Rabbits” بزعامة المهاجر الإيرلندي الكاثوليكي القس الذي قتل في نهاية المعركة على يد بيل الجزار،  فيسيطر هذا الأخير  على الحي، ويحظر عصابة “الأرانب المينة” في فايف بويتنس، يشاهد أمستردام الصغير  مقتل والده، ويتن نقله إلى دار للأيتام في جزيرة بلاكويل. يعود أمستردام في العام  1862، إلى الحي بحثاً عن بيل لينتقم منه، فيعرّفه جوني سيروكو،  أحد معارفه القدامى، بالعشائر المحلية لعصابات الحي، ليكتشف أن جميع هذه العصابات وحلفاء والده السابقين قد خضعوا بالكامل لوليم كاتينغ، الذي مازال يحكم سيطرته على الحي. فيلتقي أمستردام به دون أن يعرّفه بهويته الحقيقية. ويبدو أن بيل كرّس سيطرته على الحي من خلال حفل سنوي يقيمه في ذكرة انتصاره على عصابة “الأرانب الميتة”، فيخطط أمستردام للانتقام من بيل بقتله أمام الملء في الاحتفال. يتعرف أمستردام، في سياق التخطيط والتدبير، على جيني إيفردين، التي تعيش من النشل والاحتيال والتي تقيم علاقة مع بيل أيضاً. يكتسب أمستردام، مع مرور الوقت، ثقة بيل، فيشركه في تعاملاته مع السياسيين الفاسدين أمثال ويليام  توويد، يقوم أمستردام بإنقاذ بيل من محاولة اغتيال، مما تزداد مكانته عنده، على الرغم من أن تلك الحادثة تؤرق أمستردام، ويندهش من تنازع رغباته بين الانتقام من قاتل أبيه والإخلاص له. يكتشف بيل هوية أمستردام الحقيقية وسبب وجوده في فايف بوينتس، ويا للمصادفة يحدث ذلك في ذكرى احتفاله بالنصر على “الأرانب الميتة”، وفي نوبة من مشاعر الغيرة من علاقة جيني بأمستردام ومشاعرها نحوه. يحاول بيل أن يكشف خدعة أمستردام على الملء، وأثناء شرب نخب القس فالون، يرمي أمستردام السكين نحو بيل الذي يبعدها عنه ويوجهها نحو أمستردام الذي يصاب بخده، تهرب جيني وتختبئ  وتطلب من أمستردام أن يرافقها إلى سان فرانسيسكو هرباً من بطش بيل، ولكن بيل يرفض، فهو عاد أصلاً  إلى فايف بوينتس للانتقام وليس للهرب، فيقوم بالإعلان العلني عن عودته تلك عبر شنق أرنب ميت في ساحة الحي “بارادايس سكوير”،  يرسل بيل الشرطي الإيرلندي الفاسد مولراني للتحقيق، لكن أمستردام يقتله ويعلق جثته في الساحة أيضاً. ورداً على ذلك، يقوم بيل بضرب جوني ويعاجله بطعنة سريعة من رمحه دون أن يقتله، تاركاً الأمر لأمستردام لإنهاء معاناته. وعندما تتغلب عصابة أمستردام على ماكغلوين، يقوم بيل و عصابته بمسيرة إلى الكنيسة وهناك يلتقون بأمستردام وعصابته التي عادت للحياة من جديد. تنتهي جولة المواجهة عند الكنيسة دون أعمال عنف، لكن بيل يعد بالعودة قريباً. يقرر أمستردام، بهدف هزيمة بيل، دعم ترشيح ماكغين لمنصب العمدة، من خلال حشد أصوات الإيرلنديين لصالحه، فيحقق ماكغين انتصاراً ساحقاً، لكن بيل يقتله بوحشية، مما يتسبب في غضب أمستردام، ويعلن تحدي بيل في الساحة العامة، فيقبل بيل التحدي. وتندلع أعمال الشغب والاضطرابات، في الوقت الذي تستعد فيه العصابات للقتال، ويتم نشر جنود الجيش الفيدرالي للسيطرة على المشاغبين. بينما تقاتل العصابات المتنافسة، ويتم توجيه نيران المدافع من السفن إلى بارادايس سكوير في فايف بوينتس، مما يؤدي إلى توقف قتال العصابات، ويسقط عدد من أفراد العصابات بنيران البحرية، أو الجنود، أو مثيري الشغب. يواجه بيل وأمستردام بعضهما البعض ويصاب بيل بشظية. ثم يقوم أمستردام بطعن بيل بسكين والده فيقتله، فيحمله أمستردام إلى مقبرة في بروكلين ليدفنه بجوار والده ثم يغادر برفقة جيني. ويظهر في الأفق مباني مدينة  نيويورك الحديثة  التي ستقوم بعد قرن تقريباً من معركة فايف بوينتس الأخيرة ، ويظهر المشهد البانورامي ممتداً من جسر بروكلين إلى مركز التجارة العالمي، وتظهر المقبرة ضخمة وشبه مهملة.

الانطباع الأول الذي نخرج به عن الفيلم، يشكل مزيجاً من الدهشة و الذهول من نسخة سكورسيزي عن نيويورك و تاريخها الدموي، لا سيما الكم الهائل من المشاهد الملحمية لسراديب مانهاتن/ نيويورك. عوالم بشرية و مكانية يخلقها سكورسيزي بما يشبه عوالم لندن تشارلز ديكنز وباريس فيكتور هوغو وقاهرة نجيب محفوظ، ومن قلب هذه العوالم يظهر شخص -مثل القس فالون- وهو  يستعد لخوض معركته الأخيرة، رغم ملامح الهزيمة البادية عليه قبل بدء معركة السيطرة على الحي ضد وليم كاتينغ المتميز بلكنته الغريبة المخنوقة والذي يجمع في شخصيته بين القوة والتفلسف ويحمل لقباً لا تُخفى دلالته: بيلي ذا بتشر (أي: الجزار).

لقد استغرقت فكرة الفيلم** عند سكورسيزي حوالي ثلاثين عاماً قبل أن يقرر إخراجه، (يقول سكورسيزي أن فكرة الفيلم لمعت في ذهنه في بداية السبعينيات عندما قرأ كتاب هربرت أسبيري عن عصابات نيويورك) وكانت النتيجة ملحمة مجبولة بالدم، بطريقة لا توصف، حول التاريخ الخفي  لمدينة نيويورك والعالم السفلي والصراع المدني و أعمال الشغب بين مجموعات المهاجرين من أربعينيات القرن التاسع عشر إلى حقبة الحرب الأهلية. وعن هذه الأخيرة عمل مارتن سكورسيزي فيلمه وأعطاه نفس اسم  كتاب أسبيري (يبدو سيناريو الفيلم للعديد من أهل الاختصاص فضفاضاً جداً لدرجة أنه تم ترشيحه لـ “أفضل سيناريو أصلي” بدلاً من سيناريو مقتبس من عمل آخر). وسوف نكتشف منذ البداية طموح سكورسيزي بصناعة فيلم يحمل كل هذا الزخم البصري بمزيج أنثروبولوجي ودرامي رومنسي فاتن مختلط بأسرار الإرث الإثني/المذهبي واللغوي لنيويورك، عبر رموز وروافع متنوعة مثل الشرف والدعارة والثواب والعقاب والحدود التي تعيّن النظام الاجتماعي السائد الزاخر بمفاهيم حدّية كالولاء والانتقام، والمجاملة والعنف، وسواها. ويكاد يكون الفيلم ملحمة تاريخية مستوفية عناصرها، بما في ذلك انحراف بعض الحقائق والوقائع والأحداث، أو حتى تلفيقها للوصول للعظة النهائية التي تقول: لكي ترتكب الخطيئة عليك أن تكون أحد مكوناتها. ولعل حسن الحظ وقف إلى جانب سكورسيزي بعثوره على نص يلبي رغبته وحلمه، فسردية الفيلم تستند، من حيث المبدأ، على وقائع الحرب الأهلية الأمريكية، وتمرد الفقراء والمظاهرات التي عمّت نيويورك في العام 1863، على خلفية قرارات الكونغرس بفرض التجنيد الإلزامي بسبب ظروف الحرب السائدة آنذاك، وبسبب تلك المظاهرات أمر  الرئيس أبراهام لنكولن بإرسال قوات ضخمة من الجيش لقمع الرافضين لتلك القرارات. ويقر سكورسيزي، وهو الأمريكي من أصول إيطالية كيف أدرك تدريجياً أن الإيطاليين “لم يكونوا أول القاطنين هنا [يقصد نيويورك طبعاً]، بل كان هناك آخرون يتواجدون وقتها دون أن يلفتوا اتباهنا، وعندما بدأت أفهم هذا، شعرت بالغبطة، وتساءلت -حينها- كيف كانت تبدو المدينة؟ كيف كان الناس؟ كيف يمشون؟ كيف يأكلون ويعملون ؟ وما الملابس التي كانوا يرتدونها؟”

ينتفض سكورسيزي، إذن، ليقدم ملحمة بصرية تؤرخ لتاريخ المدينة العمراني والحضري والبشري الإثنوغرافي***، فيزيل غبار النسيان عن كتاب أسبيري لنجد أنفسنا وسط أفواج مهاجرين يقتتلون بالحراب والفؤوس، ليشقوا، لأنفسهم، مكاناً في تاريخ وشوارع المدينة المتهالكة. وعلى الرغم من أن الفيلم يعاني في جزء من مراحله من قلة التركيز، بسبب فرط العنف، إلا أنه عوّض ذلك بأداء دانييل داي لويس المذهل الذي يظهر كجزار حقيقي، يغطي الدم حتى كلماته التي ينطقها بلكنة خاصة، ويتقمص فيها المعنى الحقيقي للشر الخالص، وهذا أمر متوقع نظراً لأن الفيلم يؤسس لتاريخ العنف الأمريكي الطويل والمستمر، حيث لا يعترف المجتمع بقيمة الفرد ما لم يستثمر طاقات عنفه وتسلطه وتجاوز منطق الأخلاق والحس العام. وهنا يبتعد سكورسيزي عن الصورة النمطية المعروفة لمدينة مثل نيويورك ليغوص بنا عميقاً في جذور العنف الذي شكّل الواقع الأمريكي، فهناك الكثير مما هو خفي وراء أبواب بيوت المدينة وجاداتها ومسارحها ومطاعمها. ثمة نشاط متوتر جامح وشبكة علاقات إجرامية ومافيات وجنس و مخدرات ومال فاسد طوّر تاريخ المدينة العنيف والدموي دون قيود أخلاقية، ويحرك مثل هذا النشاط نهم وجشع شديدين للسيطرة والاستحواذ على الثروة بأي ثمن تقوده كل النوازع الشريرة. وليس من مكان مثالي سوى “فايف بوينتس” للوصول إلى تلك الصورة، فهذه المنطقة كانت من أقذر مناطق نيويورك، وبداية هذا الحي كانت بركة قذرة لتجميع فضلات المصانع والجزارين، ولما قام حاكم الولاية بردمها سرعان ما تحولت إلى “فايف بوينتس” وغصت بالمهاجرين الفقراء حتى صارت من أقذر أوكار المدينة. وقام أصحاب المباني بتقسيمها إلى شقق أصغر فأصغر لتستوعب الأعداد المتزايدة من المهاجرين الذين كان عليهم أن يجدوا منفذاً للعيش، وهكذا كان الحي يعوم فوق بركة من المجاري والسرقة والدعارة كأحد سبل البقاء. وهذا أكثر من تحديد أنثروبولوجي للمدينة، وسوف نتعرف على ما يدور في أقبية بيوت المهاجرين الجدد حيث الجماجم في الزوايا، وحيث يلتحف السكان خرقاً بالية أشبه بالملابس؛ إنهم نيويوركيون، أشخاص حقيقيون، مثلنا تماماً، فيهم الموظف وعامل البناء والمصرفي والجزار والخياط والإسكافي والقواد والبقال ورجل الدين والسياسي وتاجر الخمور والبقال والمومس.. إلخ، مشهد إثنوغرافي عظيم لبشر، مثل كل البشر على مر العصور، يتزوجون وينجبون ويفكرون في مستقبل أولادهم؛ يحبون و يكرهون ويحلمون بقضاء إجازة في مكان هادئ بعيداً عن صخب وقذارة المدينة. لاشك إنها صورة صاعقة، وتكاد تبدو من شدة نمطيتها، وواقعيتها وتقاربها مع الحقيقة العارية المجردة، كأنها غير حقيقية.

وبهذا قُدّم لنا فيلم عصابات نيويورك كلحظة بصرية تتحدث عن ناس نيويورك الذين، مثلهم مثل كل الناس، لا يمثلون نوازع الشر بالمطلق، ولا يحركهم النهم لرؤية الدم للقتل بالمطلق أيضاً، بل هم خليط من فهم أقليات مذهبية و إثنية وعرقية ذات مصالح متوافقة حيناً ومتباينة أحياناً أخرى. ولا يفوت الفيلم أن يستعرض فساد السياسيين وارتباطهم بالعصابات و الخارجين عن القانون. ولشدة خصوصية الفيلم فهو أشبه بسرد ذاتي لأبطال تتجلى فيهم المقولات الوجودية الكبرى. هم ليسوا أبطالاً بالفطرة أو بالوراثة كما هو التفسير الأسطوري للبطولة؛ بل هم أشخاص عاديون يبحثون عن تاريخهم الخاص فيخوضون معاركهم الفردية بعيداً عن أي طموح سياسي أو مكانة اجتماعية. فأفراد عصابات نيويورك لم تخلقهم الآلهة ليقوموا على خدمتها، بل انبثقوا من رحم القسوة التي كانت تسيطر على المدينة، ولننظر إلى تلك الصرخة “وايوو” التي يزعق بها أفراد أحد أخطر العصابات التي تسيطر على الحي، فقد نشرت هذه العصابة -التي اتخذت اسمها من تلك الصرخة “وايوو” – إعلاناً تعرض فيها خدماتها : ثمن ضرب شخص واحد دولارين أما قتله فلن يكلف سوى مائة دولار لا أكثر.. “وايو” اسم عصابة مثل عصابة “الأرانب الميتة” التي كان أفرادها يرتدون القمصان الحمراء؛ وعصابة ” القبعات القبيحة ” الذين يعتمرون قبعات عريضة مضحكة، أما عصابة “حرس الصراصير” فكان لباسهم سراويل مقلمة بالأزرق. فضلاً عن عصابات أخرى يعج بها الحي مثل  عصابة “الأربعين حرامي ” وعصابة “ذيول القمصان” وغيرها. ولا مفر أمام اللاجئين الجدد إلا الانضمام لإحداها. لا مكان للحياد هنا، لا حياد في فايف بوينتس، فقد كان ” كل بيت بمثابة بيت دعارة، وكل بيت دعارة بمثابة الجحيم بعينه”، على حد قول القس لويس بيز لمراسل “نيويورك تريبيون” جورج فوستر في العام 1850، فلم يكن مستغرباً  “أن تمتهن الأم و بناتها الدعارة، وأن تلتقي كل واحدة منهن بـ “رجلها” في ذات الوقت، وفي ذات الغرفة”؛ على حد قول القس بيز. وتكشف سجلات الشرطة في الفترة ما بين 1840 و 1850، عن احتواء المجمعات السكنية المتفرعة من فايف بوينتس على “بيت دعارة في كل مبنى تقريباً”. وسمعة فايف بوينتس هذه هي التي دفعت بكاتب مثل تشارلز ديكنز لزيارته ليتعرف على “مدى البؤس البشري”. كما زاره هيرمان ملفيل (مؤلف رواية “موبي ديك”)، ربما ليزيد قتامة على سوداويته الأصيلة.

هذه هي نيويورك في منتصف القرن التاسع عشر، فلا وجود -عملياً- للسلطة والقانون، ويترافق هذا مع الزيادة المطردة في أعداد المهاجرين، لاسيما الإيرلنديين منهم،  الذين يصورهم الفيلم، على أنهم يعانون من تمييز وظيفي مهين. وقد تم التعبير عن ذلك من خلال شعار “لا حاجة إلى إيرلندي” No Irish Need Apply **** الذي كان قبل ذلك  أكثر شيوعاً في إنجلترا ، وخاصة لندن ، حيث تحول إلى أغنية. وصلت في النهاية إلى أمريكا وتم تعديلها لتعبر عن معاناة الإيرلنديين من التمييز “المذهبي والإثني” وقد حققت الأغنية انتشاراً واسعاً ، ويعتبرها البعض كمصدر لأسطورة اضطهاد الإيرلنديين في معرض دفاعهم عن الموقف الرسمي “البروتستانتي”، وقد نظر إلى الإيرلنديين كمصدر خطر ليس بسبب قدرتهم على المنافسة في الوظائف وسوق العمل ، إنما بسبب انتمائهم  المذهبي وخضوعهم لـ” آلة الحزب الديمقراطي الفاسدة”. بحلول الحرب الأهلية، ومن أبرز أمثلة التمييز الوظيفي الذي عانى منه المهاجرون الإيرلنديون في منتصف القرن التاسع عشر، ظهور العبارة السابقة في إعلان مبوب على صفحات جريدة التايمز في 10 تشرين الثاني/ نوفمبر 1854

وما يشير إلى تحول هذا الإعلان إلى سردية متكاملة عن طريقة معاملة  المهاجرين في أمركا وأن الموضوع ليس مجرد تأمل تاريخي وتفيقه أكاديمي، أن ظهر تباعاً مستخدماً ذات الكليشة الدعائية، وأحيانا بتنويعات مختلفة ولكن تحمل ذات المعنى، وكان هذا يعني، بلا شك، أن يكون المتقدمين للوظائف هم بروتستانت، أو أمريكيون، مما يستبعد فعلياً المهاجرين الأيرلنديين الكاثوليك.  كما هو في الإعلانات التالية التي تعود إلى الفاتح من أيار/ مايو 1855.

وتظهر بعض الإحصائيات أن حوالي 50 شركة نشرت إعلانات توظيف بين عامي 1842 و1903 تضنت الموتيفة الدعائية ذاتهاـ لاسيما في مدينة نيويورك (حوالي 15 شركة في تلك الفترة وحدها، و7 شركات بعد ذلك) ، ومن الجدير ذكره أن آخر إعلان، في الولايات المتحدة، استخدم هذا الشعار الدعائي التمييزي ظهر في ولاية مونتانا في العام 1909. ومن الواضح، بصورة عامة، أت هذه الإحصائيات لا تغطي جميع  الصحف التي صدرت خلال هذه الفترة. لكن من الصعب معرفة كيفية استقراء ذلك. إذ   تخلو- أو تكاد- قاعدة بيانات مكتبة الكونجرس،  من العديد من أعداد الصحف التي ظهرت فيها هذه الإعلانات، علماً أن لا فتات وشعارات مشابهة ظهرت في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية مباشرة تقول ” لا إيرلنديون، لا سود، لا كلاب” ومثل ذلك في بريطانيا حين ظهرت، أو ازدادت، في أعقاب الحرب، المشاعر المعادية للإيرلنديين. ويبرر البعض انتشار هذا النوع من التمييز في أمريكا بقولهم، أن كل مجموعة مهاجرة جديدة قادمة إلى البلاد لابد أن تكون قد واجهت، في مرحلة ما من تطورها واندماجها،    تمييزًا من السكان الأصليين (يقصد بهم هنا المهاجرون البروتستانت الأوائل). لكن بمرور الوقت، قاتلت مجموعات المهاجرين ضد التمييز وانتصرت، واندمجت في المجتمع الأمريكي الأوسع – لدرجة أنه أصبح ن الصعب تخيل أنهم كانوا سيواجهون الاضطهاد في بداية هجرتهم، وهذا ما حصل مع الإيرلنديين، في القرن التاسع عشر. ويحلو لهذا البعض اليوم، الزعم أن الأمر نفسه سينطبق على المهاجرين اللاتينيين والآسيويين وأولئك القادمين من الشرق الأوسط اليوم. لكن هذا الزعم لايصمد أمام الحقيقة التي تقول أيضاً بأن شعار “لا حاجة إلى إيرلندي” صار جزءً من الذاكرة الجمعية للأمريكيين من أصول إيرلندية، مما يعني ضرورة البحث عن الأسباب وعدم الاكتفاء بالتفسير الشائع حول سرعة انتشار  الشعار والأغنية. فهل كان الأمريكيون الأيرلنديون عالقين فيما يوصف بـ “ثقافة الضحية”؟

لكي يكتمل الوصف والحكاية، لابد أن تتوج بأسطورة مؤسسة ينبني عليها الحدث، فالأسطورة، كما يقال،  لها “أرجل”. وما انفك الناس يتناقلونها ويصدقونها، ولكن لا يكفي أن يكون للأسطورة أرجل حتى تستطيع السير، إذ لابد أن تتعلم المشي، وهل هناك أسهل من التأويل، والتأويل المضاد، كطريقة لتعلم المشي؟

وإذن ليس صعباً التعمق في الاعتقاد الراسخ لدى المجتمع الإيرلندي  الأمريكي الذي يعتبر نفسه أنه كان ضحية تمييز وظيفي منهجي في أمريكا، وأن هذا التمييز  حصل بصورة علنية، بل ومذلة في بعض الأحيان، ليس أقلها ما ذكر أعلاه  كتعبير فعلي ومجازي عن المشاكل التي يواجهونها*****.

هناك الكثير من الأدلة على أن “الأمريكيين الأصليين- اقرأها البروتستانت” يعتبرون الإيرلنديين الكاثوليك أقل شأناً. (من المقبول القول أن الإيرلنديين  البروتستانت لم يعانوا من  “ثقافة/ اضطهاد الضحية” مثل أقرانهم الكاثوليك، بل أن معظمهم انتظم في صفوف حزب “لانعرف شيئاً” Know-Nothing Party في ثلاثينيات القرن التاسع عشر، للاحتجاج على وصول نظرائهم الكاثوليك، وهو الحزب الذي كان بيلي يعمل في صفوفه حسب ما يظهر في الفيلم.  إن تحميل ما حصل في تلك الفترة بسبب “ثقافة الضحية” إنما يشكل جزءً من بروباغاندة “محافظة” لتبرير ما يواجهه “غير البيض” في الولايات المتحدة، وسوف تبرر هذه البروباغاندة ظاهرة التنمر ضد الغرباء والمهاجرون والأقليات على اختلافها، وفي الحديث عن المهاجرين الإيرلنديين بالذات، سيظهر  أن المهاجرين الكاثوليك سوف يتحولون إلى “بيض” بمجدر اندماجهم بالمجتمع الأمريكي ( لكن هذا لن ينطبق على من هم من أصول افريقية، فالمسألة العرقية هنا أوضح من أن تخفى أو يتم التلاعب بها)، ويقدم هذا التفسير الذي ينضح بالتنافر المعرفي cognitive dissonance تداعيات هذه المرحلة الانتقالية، أي تحول المهاجرين  إلى “بيض”، المتمثلة بعجز الإيرلنديين، وسواهم من المهاجرين، في مواجهة القوى التاريخية، في موطنهم الأصلي وفي أمريكا فيما يعرف بفرضية “المنفى”، ومما فاقم من شيوع هذه الفرضية الأعداد المتزايدة من المهاجرين الإيرلنديين في القرن الماضي ، وقد كان لرد الفعل على وجودهم أوضح الأثر في تكريس فرضيات المنفى وثقافة الضحية وتعميمهاـ فضلاً  عن استمرارها في ذاكرة الإيرلنديين الجمعية وفي وعيهم كضحايا.

كانت كل جماعة مهاجرة تعيش منفصلة ومستقلة عن غيرها، وبتسميات مختلفة؛ أي على شكل عصابات كان الجميع فيها يحمل السلاح ويذهب للقتال ويستقبل الموت بحيادية مدهشة كما لو أن القتال نزهة عطلة نهاية الأسبوع . هذا التصوير للحثالة التي ستبني الأمة، وتلك القدرة على نبش خبايا المجتمع الأمريكي، هي ما يُجمع النقاد على تسميتها عبقرية سكورسيزي، حين يقدم لنا صورة داخلية عميقة للعقلية الاميركية من خلال إسقاطات واضحة سواء في السيناريو الذي عادة ما يشارك في صياغته أو في الاختيار البارع للممثلين. فلا يحيد الفيلم عن هدفه في تأريخه لمدينة “وُلدت من الدم و الفتن”. والبطل هنا فرد؛ أو أفراد بصرف النظر عن موقعهم الطبقي، ويحاول سكورسيزي بهم ومعهم، وبمعونة التفكير الأسطوري، القائم على مقولات التأسيس والتأصيل، أن يقول ما لا يمكن للتاريخ “الرسمي” أن يقوله، ليس ذلك التاريخ الذي يحكي عن القصص المعتادة كالنصر والتقدم الاخلاقي والتنوير. وليس مصادفة أن يكتب على ملصق الفيلم “أميركا ولدت في الشارع”. وهي ذات الجملة التي يقولها أمستردام في أعقاب أعمال العنف التي طغت على أجواء المدينة في تلك الحقبة من الزمن. وثمة قلائل من يبرعون في تصوير وتجسيد مثل هذا المجاز عن الماضي، أحدهم، على الأقل، مارتن سكورسيزي، حين ينقلنا نحو غموض و تعقيد الماضي بفنتازيا مثيرة -عن تاريخ نيويورك القاتم- يلتئم فيها طقس متعدد الوجوه، وتفاصيل حياة يومية بائسة لكنها تعج بالحياة، فنغرق دون انتباه في صور الفقر والعنف لحقبة مضطربة من حياة المدينة، يسيطر عليها عصابات إجرامية وأفراد غريبي الأطوار بأسماء مثيرة ومضحكة مثل “داندي جون دالون… “وليم كاتينغ “…” بيل ذا باتشر” و ” هيل كات-ماغي”، ولاننسى البغاء والقوادين والنشالين واللصوص والقتلة.. جميعهم كانوا هناك، أوروبيون بيض، آسيويون، أفارقة******.. جميعهم ساهموا في إشعال جذوة الصراع، وجميعهم انتموا لتلك “الحثالة” التي ستشيّد تاريخ المدينة الحقيقي، وجميعهم يرون في العنف حق وواجب في صورة مشروع حلم أمريكي، يؤطره صراع عصابات نيويورك كاستعارة عن أمريكا، وفي صورة صراع فردي في قلب الحدث مع كل حركة أو التفاتة أو حوار، لترسم الظروف التاريخية المتعاقبة التي جعلت من المدينة مخبراً للأقليات، وكناية عن أميركا ذاتها.

قصة الفيلم وقصة نيويورك هي، باختصار، قصة حرب وموت، وهي تعكس أيضاً نوعية الأشخاص الذين يلعبون أدوارهم على مسرح تاريخ المدينة. لقد كان الإيرلنديون “الكاثوليك” يشكلون الجالية الأكبر في المدينة، منذ بدء هجرتهم، أوائل القرن التاسع عشر، على إثر ما يعرف بـ “مجاعة البطاطا” في وطنهم الأم، والتي دفعت أسراً كثيرة للنزوح إلى أمريكا، حيث استقبلتهم المدن المختلفة -ومنها نيويورك- بعنصرية بالغة، وكره شديد، من قبل السكان الذين يطلقون على أنفسهم “السكان الأصليون” أو حزب “لا أعرف شيئاً” الذي كان ضد المهاجرين وضد الكاثوليك، بآن معاً، وكان هؤلاء بمعظمهم، بطبيعة الحال، من البروتستانت الإنكليز المولودين في أمريكا أو القادمين إليها من إنجلترة، و مما زاد الخلافات تعقيداً أن هؤلاء “السكان الأصليين” كانوا يعتبرون أنفسهم أحق من غيرهم بالبلاد.  وكما يقول سكورسيزي: ” كانت البلاد جاهزة للاستيلاء ، وكانت نيويورك برميل بارود. أمريكا هذه [ وليس الغرب] لم تكن هي  أمريكا بمساحاتها الواسعة المفتوحة، بل كانت أمريكا المشبعة بفوبيا  الأماكن المغلقة، حيث تم سحق الجميع  بآن معاً. فمن ناحية ، هناك أول موجة كبيرة من الهجرة ، الإيرلنديون الكاثوليك الذين يتحدثون الغالية، ويدينون بالولاء للفاتيكان. ومن ناحية أخرى، هناك السكان الأصليون (البروتستانت) ، الذين شعروا أنهم هم الذين قاتلوا ونزفوا وماتوا من أجل الأمة. نظروا إلى الإيرلنديين القادمين من القوارب وقالوا ، “ماذا تفعلون هنا؟” لقد كانت فوضى عارمة، فوضى قبلية.  وتدريجياً ، بدأت تظهر الشوارع، شارع إثر شارع وحي  سكني إثر آخر ، والكل  يعمل على أساس الديمقراطية حيث تعلم الناس بطريقة ما العيش معاً. فإن لم تحدث الديمقراطية في نيويورك ، فهي لن تحدث في أي مكان آخر” *******.

لم يكن النيويوركي، حينها، يرى نفسه أمريكياً، بل كاثوليكياً أو بروتستانتياً، إيرلندياً أو ألمانياً أو إيطالياً. وهكذا قُسمت المدينة إلى كيانات -أحياء متصارعة دموية في جزء كبير منها، لقد كان شائعاً، مثلاً، أن تكتب صحف نيويورك في أيام الانتخابات خبراً يقول “كان يوماً انتخابياً هادئاً، قتل فيه اثنين فقط”. لاشك أن العنف السياسي كان هو الأكثر شيوعاً. ولكن هل كانت نيويورك هكذا حقا؟

هناك من يقول أن عصابات القرن التاسع عشر النيويوركية لم تكن تتقاتل كل يوم، ولا حتى كل شهر، وغالباً ليس كل عام. فمشاهد العراك والشجار والقتل والدم، التي صورها الفيلم، كانت أحداث نادرة جداً، فهذا المرجل الدموي، الذي يصوره سكورسيزي في الفيلم، لم يحصل في فايف بوينتس، حيث تدور الأحداث، وربما ليس في أي مكان آخر في نيويورك.

وإذن! هل نحن أمام تاريخ تحريفي يحاول أن يربط بين الجريمة الأمريكية و الديمقراطية لما سيصبح واحداً من أهم موتيفات/ ثيمات الحياة الأمريكية؛ “نمط العيش الأمريكي” و “الثقافة الأمريكية” والمجتمع الاستهلاكي النفعي وثقافة “لماذا يكرهوننا”.؟

كيف يرى سكورسيزي التاريخ إذن؟ وهل يفرّق بين التاريخ الشخصي الخاص، الذي يتحدد بإرادة الأفراد، والتاريخ العام الذي تحدده إرادة المجتمعات،؟

في اعتقادي، على الأغلب لا هذا ولا ذاك، فما يشغل بال سكورسيزي، بل ما يريد التأكيد عليه هو قدرة السينما، باعتبارها مدونة الإنسان المعاصر، في أن تكون بديلاً للرواية الرسمية التاريخية للمجتمع، ومنبعاً نشطاً لذاكرته؛ وقراءة يراد لها أن تكون جمالية دون إغفال القراءات الاجتماعية أو السياسية، أو أية قراءة أخرى، كما يقول ثيودور أدورنو “إنّ الفنَّ بأشكاله كافة، بات يعكسُ تاريخ الإنسانِ بطريقة صادقة ربما أكثر مِن الوثائِق ذاتها”. وبهذا المعنى سوف يتحمل الأشخاص مسؤولية تقديمهم قراءة حقيقية أو مزيفة، ولا يستثنى من يُعتبرون “مبدعين” وفنانين من مزاعم تشويه التاريخ، فالتعمق السوريالي المبالغ فيه لن ينتج تاريخاً يمكن الوثوق بسرديته أو حتى مادة ذات قيمة تاريخية********. فإذا كان الأمر كذلك، فلماذا قرأ سكورسيزي التاريخ على تلك الشاكلة؟ أهو نمط من تفكير مرغوب فيه، أم نمط من قراءة ذاتية تسمح له بإعادة تركيب الصور التاريخية كما يظن الأفراد أنهم عاشوها ويعيشوها و ليس كما هي كحقائق موضوعية فاعلة في الزمان و المكان؟

تلاعب سكورسيزي بالحقائق التاريخية ليروي لنا سردية سينمائية أفضل، لقد بالغ ، بلا شك، في تصوير حجم إراقة الدماء والموت الذي كان يمكن أن يحدث في أعمال الشغب في فترة ما قبل الحرب الأهلية الأمريكية، فالمشاهد الأخيرة من الفيلم التي تتحدث عن واقعة تاريخية “موثقة”، أي أحداث التمرد والشغب التي شهدتها المدينة، وإظهار موقف النيويوركيين المتناقض من الحرب بين مؤيد لها ومعارض بصرف النظر عن نتائجها إن لجهة فرض الاتحاد الفيدرالي بين الولايات أو لجهة تحرير العبيد، ويبدو من التاريخ أن سكان نيويورك لم يكونوا متحمسين حقاً للقتال من أجل حرية الأمريكيين من أصول افريقية، وقد أظهر سكورسيزي براعةً في إظهار غضب العامّة، غضبهم من أنه يمكن لفرد أن يقدم رشوة لا تتعدى 300 دولار حتى يعفى من التجنيد، عدائهم للأمريكيين من أصول افريقية وانتقامهم من سكان المدينة السود.

بناء على هذا يمكن القول أن سكورسيزي يقدم لنا “نصف حقيقة” مثقلة بالسرد الحكائي والبصري عن سراديب الموتى تحت شوارع فايف بوينتس من خلال شخصيات منخرطة في الجريمة والفساد السياسي  في سياق الأحداث التاريخية، غير أنه ليس ثمة شك في أن  الفيلم يقدم  بعضاً من الصور “التاريخية” المذهلة، والمشاهد القاتمة، وذلك حين نرى عائلات مكدسة فوق بعضها البعض في غرف، مثل الرفوف، وحتى حين تنتقل الكاميرة للشارع فإنها تصور الشراسة المفرطة في أعمال الشغب، و الهيجان الذي لا هدف له سوى تدمير كل ما هو حي، في صراع مشبع بمقولات الداروينية الجديدة، لا تقل دموية عن صراع الجماعات المهاجرة المختلفة إثنياً و مذهبياً. ويصف أمستردام نيويورك بأنها “مدينة قبائل و زعماء الحرب”.

إن أمستردام وبيل، مجرد حلقة في سلسلة عناصر مدينة من هنود، وأفارقة، وأوروبيين، وآسيويين، يساهمون في حدود هذا الصراع الذي يمثل المجتمع الأمريكي ككل. كل هؤلاء يحاولون صنع الحلم الأمريكي من وجهة نظره. ويظهر المجتمع النيويوركي المتخم بالمهاجرين والمقيمين والإثنيات المختلفة بسمات بالغة التعقيد وسنكتشف في نهاية الفيلم أن الإنسان هو أسهل ما يمكن التخلص منه والقضاء عليه. ففي فايف بوينتس لا بطل سوى المكان أما الباقي فإلى زوال. ولكن هذا لن يستمر طويلا ً فالحي نفسه سوف يختفي، حين يقبع، الآن، تحت مبنى المحكمة الفيدرالية الحالية و كولومبس بارك و الحي الصيني، حيث يرتاح أيضاً ماضي نيويورك الدموي. الماضي العاري لمدينة “ولدت من وفي الدم والفتن والشغب “. فمن قلب هذا المرجل ينبثق صراع يعيد طرح الاسئلة عن الطغيان والخداع والنفاق السياسي. لكنه، في أحد جوانبه، صراع غير معني بطرح الأسئلة بقدر ما هو معني بالبحث عن الإجابات، وبكل تأكيد ليست الطبقة الارستقراطية من يمتلك الإجابة؛ بل الشارع، حيث ولدت أمريكا. فالصراع القديم في نيويورك، وتكوينها وفسادها السياسي وعصاباتها وأقلياتها كل ذلك لم ينته، وهو ليس من الماضي فقط؛ بل حاضر نيويورك أيضاً. وفضلاً عن المكان (فايف بوينتس)، يقوم المعمار الدرامي- البصري والحواري والزمني والمشهدي- للفيلم على ثلاثة بنى أساسية: أمستردام فالون وجيني إفردين وبيل “الجزار”، فهؤلاء يعبرون عن الزمن “الحقيقي” لسردية الفيلم، بطريقة أو بأخرى، سواء من خلال المواجهة بينهم، والتي تتحول إلى عنف قاتل، أم من خلال مظهر الحب، كأحد تجليات الذات الإنسانية في أشد حالاتها قتامةً و بؤساً.. علاقة قاتلة بين بيل وأمستردام حتى لو تلطّت وراء علاقة أبوية لا تخفي طابعها الأوديبي التحريفي، ومن جهة أخرى هناك العلاقة بين جيني وبيل وبين أمستردام و جيني.

سيقول لنا سكورسيزي أنه حتى هذا الزمن المجازي يتضمن المستقبل، سيختفي أمستردام وجيني، كهويات فردية، من التاريخ، سوف يغيبهما نمو بيل الجزار وتكاثره لصالح بناء الأمة، سيصبح بيل هو أمريكا “صانعة التاريخ”، فأمستردام، بما يمثله من اضطهاد، سيحمل ذاكرته الجريحة التي ستظل على الدوام تنخزه، كنصل سكين مسموم، وصورة أبيه لا تفارقه، سيحمل أمستردام إرث كل المضطهدين الضعفاء. وحتى حين يعود لينتقم ويثأر من قاتل أبيه، فهو يستشعر المعركة على أنها معركته الفردية ولذلك كان عليه أن ينخرط في الجريمة ليصل إلى ثأره. وهكذا يدور فينا سكورسيزي حول بيل الذي سيتحول من قاتل إلى أب، ومن أب إلى “ضحية”. وإذ ينتصر أمستردام في نهاية المطاف في معركته الفردية فإنما يعبر، بنصره هذا، عن أمل يراود سكورسيزي بانتهاء حقبة العنف. لكن هذا النصر يؤسس للولادة الكارثية لأمريكا المعاصرة، وكما انتهى “النظام القديم” بظهور الثورة الفرنسية، حيث لم يعد بإمكان البنى الاجتماعية/ السياسية السائدة أن تستمر في الحكم لأسباب ذاتية، وغير ذاتية، عديدة بخلاف الثورة، لعل أهمها القصور الذاتي للطبقة الحاكمة في فهم الآليات التي ينمو ويتطور فيها المجتمع (مثلما هو حال السلوك الحالي القائم على التشبيح الدموي للأنظمة العربية بعد الربيع العربي، فأي محاولة لضخ الحياة في نسغ هذه الأنظمة هو أشبه بضرب الميت). ولكن حتى هذا المجتمع الجديد الذي تحاول الثورة تكريسه قد ولد من رحم القديم، وهو يحمل بذور الصراع ذاتها، وإن كان بتعابير مختلفة لا تبتعد عن دائرة الصراع الطبقي والنفاق والاستزلام والفساد السياسي والتغول المالي، وهذه المظاهر لا تغير سوى شكلها ولونها الخارجي، عبر جميع مراحل التاريخ، لكنها تحتفظ بجوهر الصراع ذاته. ولست أدري إن كان سكورسيزي قد قرأ كارل ماركس مرة أو أكثر، لكن ما نشاهده في الفيلم هو أصدق تعبير عمّا وصفه ماركس بدور المجرم في التاريخ السياسي والاجتماعي في المجتمعات البشرية، بمعنى أن الأمر ليس فقط مجرد قول أن الشر أو العنف جزء أصيل من الطبيعة البشرية (كما سوف يصنفه سيغموند فرويد، لاحقاً، على أنه غريزة) وأن هكذا هو السلوك البشري، لأن مثل هذا القول المعزول عن الحقائق الأخرى سوف يجعلنا نقع في شرك مادية مبتذلة تعلي من شأن “العلم الأجوف” على حساب الحقيقة الموضوعية ذات الصفة “المطلقة” نوعا ما، فثمة فرق بين “الحيوانية” و”الإنسانية” واشتراطات وجودهما، فكل ما يستطيع أن يكونه الحيوان -كما يرى كانط- هو أن يكون حيوان، والتربية -وحدها- هي التي تحوّل الحيوانية إلى إنسانية، والرغبة في تجاوز الرتابة والحاجة إلى الإبداع والخلق هي التي جعلت الإنسان أن يكون مبدعاً، وهي التي جعلت الحيوان حيواناً -لعدم امتلاكه لهذه الرغبة الواعية-.

يوظف الفيلم، من أجل ذلك، السرديات المتاحة والممكنة للوصول إلى واقع معطى قابل للتعريف كخلفية لتشكيل الأمة ولمعاناة الفرد إزاء ما يوصف بالبحث عن معنى الحياة، وقد تم استيعاب مفهوم العنف لاستحضار سردية الفيلم للوصول إلى حدود معيارية مقبولة منطقياً للتعبير عن رؤية المخرج والدلالات الرمزية للفيلم من خلال خبرته الجمالية. ولحسن الحظ استطاع سكورسيزي صوغ مثل هذه الحدود، فالمُشاهد يأمل أن يكون قد وقف على الطريق الصحيح لفهم مقاصد الفيلم، وبأنه أصبح جزء من العالم ” الافتراضي” للشخصيات، طالما هو يحترم المساحة المكانية/الزمانية لواقع الفيلم، أي للبنية والحركة اللتان تسمحان في التفاعل مع سياق رسم الشخصيات الرئيسية الثلاث ودورها في التصعيد البصري وصولاً إلى النهاية. ويبرز، ضمن هذه “السرديات القاتلة” المعنى الحقيقي لهوية الجغرافيا والوعي بها حين يقترب، هذا الوعي، حتى يكاد يلتصق بحدود المشهد المكاني، ويجاور في حدوده هذه- معاني “الذات” و”الأنا” و”النحن” استناداً للإيديولوجية المنتصرة على ركام الإيديولوجيات المنافسة لها والمهزومة، حين تؤسس بانتصارها، أساطيرها السياسية بمعزل عن سواها. وبهذا يتحول الحدث المحوري في الفيلم -أي مكافحة الشغب الذي هز مدينة نيويورك في منتصف القرن التاسع عشر- إلى ردة فعل معاكسة، حين يظهر الفيلم تعاطفاً مع التمرد، وحين يبرز المهاجرين -بوصفهم المدماك الأساسي في التاريخ الأمريكي- في تمردهم ضد السلطات المحلية والفيدرالية التي تنظر إليهم كمشاغبين وخارجين عن القانون وعصابات تم استغلالها بدوافع خفية. فرغم الاعتراف بحقوقهم، إلا أنهم -في نظر السلطة- أبعد ما يكونوا أبطالاً، فالولادة الدموية للدولة، كمؤسسة, لا تعطي حيزاً لمثل هذه البطولة “الفارغة” ولا تلقي بالاً للمظلومية التاريخية لمن يضعون أنفسهم ، بالأحرى لمن يضعهم التاريخ الرسمي للدولة والمجتمع، في موضع الأقلية، فهؤلاء ليسوا سوى وقود حرب وضحايا انتخابات قائمة على تحالفات غير نظيفة ونفوذ العصابات. إن منظر الموانىء التي تعج بالمهاجرين والمجندين والقتلى الذين تحملهم السفن تبين جانباً من عقلية العنف المسيطر الذي لا يرتوي من الدماء والقتل والخراب.

لابد، قبل أن نختم،  أن نقول شيئاً عن دانييل داي لويس وحضوره الطاغي، فيكاد المشاهد يراه حتى في اللقطات التي لا يظهر فيها، لقد كان تجسيده لشخصية الجزار أكثر من رائع و أبلغ من أن يوصف، وهو أداء يعتبر بحق مدرسي تدريسي تمت تأديته باحترافية عالية تنم عن عبقرية مميزة، فرغم صعوبة الشخصية الأصلية، كان الأداء من داي لويس سهلاً وتلقائياً بطريقة غير متوقعة. فشخصية وليم كاتينغ ليست عادية، بل تتطلب فهماً عميقاً لتركيبتها المعقدة من جوانبها كافة، فوليم وإن كان يجسد الشر في الفيلم، فهو ليس شريراً بالمطلق و لا هو بالرجل الطيب أيضاً، ليس شريراً بذلك القدر من النمطية المعروفة، وهو على كل حال ليس غبياً و لا ضيق أفق. وهو ليس نذلاً  كما يمكن للبعض أن يتصوره و لا هو من ذلك النوع من الأوغاد الذين يمنعون كلب من التبول في الشارع، أو ينهر دجاجة تقفز بين قدميه مثلاً. واستطاع سكورسيزي أن يمنح المشاهد فرصة مدهشة ليكون علاقة مع بيل فتظهر في ملامحه الرئيسية عينه الزجاجية وقدرته الهائلة في اللعب والطعن بالسكاكين، وحين تقترب الكاميرة من وجهه نرى عينه الزجاجية كأنما نقش عليها النسر الأمريكي، الرمز القومي لأمريكا  الذي يظهر على النقود وعلى الكثير من الشعارات الرسمية لمؤسسات الدولة، وكأن سكورسيزي يغمز من قناة أمريكا حين يحيل رمزها القومي إلى كل ما هو فاسد ولا أخلاقي، فهل بيل الجزار هكذا حقاً؟  هو شرير طيب؟.

في الحقيقة لست أدري. نعم هو يقتل ببرودة، بل ببساطة ولكن باحترافية فهو يحترم خصمه وضحيته لذلك نراه يعلق صورة خصومه على الجدران، كما أن ضحكته ولكنته والحوارات القصيرة المميزة و العميقة تقدم لنا الكثير من المداخل لفهمه، ويمكن القول أن داي لويس، وليس سكورسيزي وحده فقط، هو من يضخ الحيوية في وليم كاتينغ حين استطاع أن يعبر عن “حنانه” و “عاطفته” وبذات الوقت عن شراسته وطابعه الشرير، بوصفه رئيس عصابة كان فيها بمثابة الأب لأفرادها فهو لا يتأخر عن تقديم النصح و المساعدة لمن هم يدينون له بالولاء و الطاعة، وهو بوصفه زعيم له طموح سياسي تظهر الكثير من ملامح عجرفته و تعامله الهادئ مع الأحداث الخطيرة مما يوحي بعقل بارد يمتلكه و تفكير شبه متزن “على الصعيد السياسي النفعي بطبيعة الحال” و يتناقض هذا مع مأزقه النفسي كقاتل ومع جملة الأحاسيس اللاشعورية التي تنتابه فينفجر غضباً للحظة، ويكز على أسنانه وتخرج الكلمات من فمه كأنه يعلكها. يلوك كلماته بدل أن ينطقها، يسلخها من دلالتها مثلما يسلخ جلد ضحاياه، فيثير كلامه الرعب في نفوس خصومه، لاسيما حين يلوح بسكينه الحادة، وأكاد لا أضيف الكثير حين أقول أن أداء داي لويس هو الذي منح الفيلم قيمة عالية، دون أن ننكر مأثرة سكورسيزي في إضاءة الجانب المظلم من تاريخ نشوء الأمة الأمريكية بحس إثنوغرافي طَموح.

لم يشأ سكورسيزي سرد تفاصيل الماضي فقط بطريقة مستوية إقليدية بل انطلق من مروية المكان والزمان لتغيير معمار السرد التاريخي للمدينة، وهو يقر أن النيويوركيين لا يضيرهم أن يكون هكذا تاريخ مدينتهم، المتمثل في إراقة الدماء و الفساد الصريح المعلن، ثم إن هذا الأمر، أي النظام القديم، لم يعد قادر ببساطة، مثلما يرى النيويوركيين و سكورسيزي، على أن يحكمهم لذلك لابد أن يخلي مكانه لنظام جديد قوامه الرأسمالية المعاصرة (بكل ما فيها من حلم قد يبدو جماله موازياً، بمعنى مماثلاً، لبشاعتها)، يقوم بيل ذا بتشر بنشر رسالته التبشيرية التي ترى أن “الحضارة في طريقها للانحدار” وأن على أمة جديدة أن تنهض لقيادة العالم، وهو حين يلقي خطبه بثيابه المتأنقة أو حين يلف جسده العاري بالعلم الأمريكي “رمز السطوة الحديثة للأمة الوليدة” إنما يعبر بدهاء عن رسالة الوحش القادم.

ربما يرى الكثير أن الفيلم مجرد قصة بسيطة، ومألوفة أينما نظرنا، ولا تستحق كل هذا العناء من البحث والتحليل والتنقيب، ولكن حتى لو كان الأمر كذلك، فمن المهم أن لا نقف عند حدود هذه البساطة والتسطيح الهندسي؛ فثمة العديد من الإيحاءات التي يراد لنا أن نلمحها، مثل المشاهد الدموية الرهيبة والحوارات المليئة بالانتقام والتشفي والعلاقات اللا إنسانية السقيمة التي يعج فبها الفيلم، والتي سوف تعكس جميعها الأسلوب الذي تشكلت به المدينة، ومن خلفها العقلية الاميركية وآلية تفكيرها، فضلاً عن ديناميكيات إدارة أجهزة الدولة بين من يحكم الدولة ومن يحكم الشارع، كما قال القديس أوغسطين في (مدينة الرب) : ” إذا كان انتماء رجل بائس الى اللصوصية [وامتهانه لها]، وكان مثل هذا الانتماء يحمّله أعباء تأسيس و توطيد العمران والاعتناء بالأرض، ويجعله يستولي على دول ويخضع شعوباً، فإنه يفترض بنا أن نقول أنه يؤسس مملكة”.

فما كان سائداً من علاقات تربط زعيم العصابة بسلطات المدينة والأسلوب التي كانت تدار فيه الحملات الانتخابية، استمر في الصعود وصولاً للمشهدية الهوليوودية للانتخابات الرئاسية الأمريكية المعاصرة. وكمال يقال ليست الانتخابات بحد ذاتها هي ما يهمنا،  بل  الأمر الأكثر أهمية  لنا هو “إحصاء الأصوات”. وهذا يعني، بطريقة ما وعلى لسان بيل ذا بتشر ربما، أن الديمقراطية لا تكمن في “الانتخاب” بحد ذاته، بل في قرع كؤوس النصر الذي يليها. ‏فأحد سمات العنف الداخلي للصراع على حيازة السلطة تكمن في تحوله إلى شكل من أشكال الحروب الأهلية.

“عصابات نيويورك”، فيلم بنكهة بصرية عنيفة: دم و قتل وحب، وطموحات وعلاقات انتهازية لا يقف شيء في طريقها، وأخيراً الجنون المجازي، حتى بالمعنى المرئي حين يتدفق بحيوية على ملامح الشخصيات حتى كأنها تكاد تهرب من الشاشة لترتمي بين أحضاننا؛ ولذلك من المهم أن نلتفت لإيحاءات سكورسيزي حين يصور الحماس الذي يدفع الناس للقتال من كل الأطراف، باعتباره سيجلب لهم الأمن بحسب زعمهم، وهنا تتجلى الرغبة العميقة و الشريرة بآن لإنهاء الصراع، من خلال القضاء على الخصم تماماً وسلب إرادته في محصلة تستهدف إلغاء وجوده وتدميره وما ينتج عن ذلك من القضاء على المشترك الجمعي، وانكفاء المنتصر ذاتيا والتقوقع في شرنقته محكوماً بقانون عدم الثقة، مما يجعله عاجزاً عن تعريف نفسه بمعزل عن الآخر “المذل والمهان”. فحين تسعى السلطة للقضاء على الشغب فإنها تمضي بذلك وهي تحمل تصوراً ما يجعلها ترى في نفسها الجهة الوحيدة المخولة باستخدام العنف ضد الأعداء “الداخليين” و”الخارجيين” على حد سواء، ولذلك سيكون لهيب مخلفات الحرب أشد خطراً بعد انتهائها و سينتج عن هذا اللهيب رمادٌ يتناثر في أي فرصة سانحة في المستقبل ليخلق سحابة جديدة من الكراهية و العنف المتبادل قد يكون أشد ضراوة مما سبق.

ترشح الفيلم، في العام 2003 لعشر جوائز أوسكار، لكنه لم يفز بأي واحدة منها  (كان متوقعاُ أن يفوز بثلاث منها على الأقل: الإخراج والسيناريو وأحسن ممثل)..

لعلنا بعد قراءتنا هذه لأنساق الفيلم المختلفة، صرنا ندرك لماذا لم يفز سكورسيزي باي أوسكار، ولماذا لم يفهم  هو نفسه، بدقة عبارة “ديلا فرانشيسكا” (هذا إن قرأها أو عرفها أصلاً).، ها قد بتنا ندرك ذلك الآن. أو لعل الأمر أن  سكورسيزي عمل بعكس الحكمة القديمة المذكورة حين “قضم من التفاحة أكثر مما يستطيع أن يمضغ” أو لعل التاريخ أبسط من ذلك بكثير  إذ ربما هو  أقرب ما يكون إلى ما قاله الشاعر السويدي “ليف نوهينفيلت Leif Nahenfeldt “

“ثمة مقعد كان هنا

وها هو قد اختفي

ثمة رجل كان هنا

وها هو قد رحل”*********

……

*ارتبط لفظ “البنية” في الفكر الغربي بالعمارة، ثم مع تطور العلوم الأحيائية، منذ القرن السابع عشرـ، وصار يستعمل بكثرة في أطر المعرفة بالمرتبطة بالعلوم البيولوجيةـ إلا أن قام هربرت سبنسر بنقله إلى العلوم الاجتماعية في أواخر القرن التاسع عشر, ولكن دون أن يتعدى ذلك حدود اللغة والأدب والفلسفة، من ناحية أخرى استخدم ماركس ودوركايم وفيبر البنية من أجل تعيين السمات الاجتماعية، ومع بداية الفرن العشرين ترسخ وتكرس اللفظ كمفهوم ملازم للدراسات الاجتماعية، وصار من الممكن رؤيتها على أنها باراديم ثابت أثناء قيامنا بتحليل العلاقات والمؤسسات الاجتماعية، أو أثناء تأملنا في الأحداث الاجتماعية بوصفها أنساق متعاقبة ومترابطة فيما بينها، وبالتالي صار من البديهي أن نطلق على هذا التصور لتلك الأحداث على أنه “بنية”، غير أن النقلة النوعية في إثراء تعريفنا ورؤيتنا لمفهوم البنية  ارتبط أكثر بأعمال ألتوسير وفوكو ولاكان وبارت وليفي شتراوس حيث اتخذ تطور لفظ البنية و “البنيوية” مسارات متعددة في الوسط الأكاديمي، حتى بات هناك مدارس وتيارات ومذاهب “بنيوية”  ارتبطت باللغة والألسنية والنقد الأدبي وبات التحليل البنيوي يركز على الملمح “التزامني” وليس على الملمح “التعاقبي” أي التاريخي أو التطوري من خلال جدلية القطيعة المعرفية واللااستمرارية، إذ اعتبرت التحولات التاريخية “بنى” تعكس نماذج من هذه القطيعة المعرفية واللااستمرارية، فصارت كل مرحلة أو حقبة زمنية،  تعكس “معرفتها” أي اهتماماتها المركزية، والتي سوغ تنعكس في “بنى” تاريخية سواء كانت نصية أم أثرية تكسبها اسمها وتعيينها، ومن هذا المنطلق، ليس ثمة “مكانة” خاصة للإنسان في سياق العالم الاجتماعي ، فهو ليس “شيء” كما أنه لا معنى له خارج نطاق البنية والتفاعل البنيوي.

**  الفيلم اقتباس من كتاب The Gangs of New York للكاتب والصحفي الأمريكي  هربرت أسبيري (1889-1963)  الذي اشتهر بكتبه التي تتناول تفاصيل الجريمة خلال القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين ، مثل جوهرة البراري: تاريخ غير رسمي لعالم شيكاغو السفلي Gem of the Prairie: An Informal History of the Chicago Underworld ، الساحل البربري: تاريخ غير رسمي لعالم سان فرانسيسكو السفلي The Barbary Coast: An Informal History of the San Francisco Underworld ، تقدم المصاص: تاريخ غير رسمي للمقامرة في أمريكا Sucker’s Progress: An Informal History of Gambling in America

*** لا يقدم  المنتج النهائي للفيلم نفسه على أنه سردية يحركها الطابع الشخصي أو الأسري، وحتى رغبة الانتقام  أو معنى أن تكون أمريكياً ليست من بين المهام الأولى لتي يستعرضها الفيلم، إذ تركز سردية الفيلم البصرية والحوارية على “أفعال” الناس “البيض” في القرن التاسع عشر في نيويورك، ولعل هذا يعبر عن التزام عميق من المخرج لفحوى كتاب أسبيري كما يرى العديد من النقاد، فإشراك الإثنيات المختلفة و “الأعراق” والفئات الاجتماعية المختلفة في صراع العصابات في فايف بوينتس  ليس له علاقة بآليات الصراع الطبقي والعنصرية ذات الطابع المؤسساتي، كما قد يذهب البعض في التحليل الأخير. ولعل الصورة الأقرب هي أن نتخيل سكورسيزي  يحدق ، طوال ثلاثين عاماً، في صندوق زجاجي وضعت بداخله مدينة نيويورك منتصف القرن التاسع عشر، ولنا أن نستنتج ما يمكن أن تتفتق عليه عبقريته الإخراجية بعد هذه المدة الطويلة. سوف تشكل رؤية سكورسيزي “الإمبريقية” هذه خطوة مركزية في اكتشاف البنى والمساحات الشعورية للمظاهر الاجتماعية للمدينة،  ومن ثم السعي نحو تفسيرها أو تأويلها وفقاً للأنساق المضمرة لتلك المظاهر والتي تتجلى على هيئة علاقات تنتظم فيما بيتها بعلاقات السيطرة والقوة والهيمنة دون حصرها في التفسير الماركسي القائم على أولوية العامل الاقتصادي، أو حتى تفسير فيبر الذي يحاول التعمق في تعيين المعايير الطبقية. وقد يكون التفسير باستخدام مفهوم “الهابتوس” الذي أتى به بورديو هو الأقرب هنا باعتبار الهابتوس مقاربة تتضمن محتوى ثقافي يعمل على إعادة إنتاج الصراع الطبقي، بالأحرى تكريسه من خلال هذا المحتوى الثقافي. فليس بالضرورة أن يقع التمايز الاجتماعي في أطر الرأسمال الاقتصادي بل يمكن أن يوجد ضمن نطاق ما يدعوه بورديو “الرأسمال الثقافي” أي الهابتوس  حيث يظهر التمايز وإعادة إنتاج الطبقات لا شعورياً،  وبالتالي سوف يأخذ العنف، هنا، سمته الرمزية المقابلة للعنف المادي الذي هو سمة الرأسمال الاقتصادي. تلك هي الأداة المنهجية التي يعتمدها بورديو في تفسيره للهابتوس، الذي يعرفه بأنه “نسق من الاستعدادات المكتسبة وتصورات الإدراك والتقويم والفعل التي طبعها المحيط في لحظة محددة وموقع خاص”، بحيث يمكن لأي فرد منا أن يسقطها على نفسه ليتعرف على مكانته الطبقة والاجتماعية بصورة عامة. ونظراً لأن المنتج التاريخي لا يعني بالضرورة أن يكون هو ذاته المنتج الفني، فليس من المحتم أن كل ما سبق قد دار في ذهن سكورسيزي أثناء إعداد الفيلم، لكن ما نشاهده يمنحنا فرصة  طويلة للتأمل أكثر مما هو متاح للمخرج أثناء العمل؟

**** ظهر شعار No Irish Need Apply  (ويعرف اختصاراً بالرمز NINA) في إنجلترا، في وقت ما تلى التمرد الإيرلندي في العام 1798. واستخدمه الإنكليز بغزارة في القرنين التاسع عشر والعشرين، للإشارة إلى الشعور الإنكليزي العام بعدم ثقتهم في الإيرلنديين، الكاثوليك والبروتستانت على حد سواء. وليس من المستغرب، في تلك الفترة، أن يستخدم أسقف لندن الأنغليكاني العبارة بقوله أنه لا يرغب ولا يريد رؤية  أي” قسيس أنغليكاني إيرلندي في أبرشيته”. وبحلول عشرينيات القرن التاسع عشر، انتشرت هذه العبارة بين سيدات الطبقتين الوسطى والعليا في لندن للتعبير عن رفضهن توظيف إيرلنديين/ إيرلنديات، وقد ذهب الأمر بالبعض أن وضعها على نوافذ البيوت (قبل أن تظهر على شكل إعلانات مبوبة في الصحف)، وتكرس هذا الشعار  كتعبير عن حالة العداء المستفحل بين الإنكليز والإيرلنديين الذي انتقل بذات الزخم إلى مستعمرات العالم الجديد، وتحديداً الولايات المتحدة، واستمر يقتات على تدافع  آلاف المهاجرين الإنكليز ” الأنغليكان” والإيرلنديين “الكاثوليك. وظهر في بريطانيا أغنية تحمل عنوان  “No Irish Need Apply” في العام 1851 من كلمات وأداء  فنانة وكاتبه كلمات تدعى السيدة ف. ر. فيليبس Mrs. F. R. Phillips (1830-1899)، أشارت نسخة السيدة فيليبس إلى الحظر المفروض على الرجال الإيرلنديين الذين يعملون في المعرض الكبير أو معرض كريستال بالاس في العام 1851 في هايد بارك/ لندن. اشتملت إحدى نسخ كلمات السيدة فيليبس على الكلمات التالية:

You talk about your soldiers, now tell me if you can,

If the bravest of them all are not Irish men,

In Russia, and in China too, and India by the by,

You never say when you want men, no Irish need apply,

For if you want good soldiers, listen to me by the by,

Would you ever have a Wellington if no Irish need apply.

Of generals and statesmen, old Ireland can boast,

Her poets too, ’tis well known to you, are universal toasts,

There’s Campbell, Moore and Lover, and Goldsmith by the by,

You would not get their equals if no Irish need apply,

You talk about your country, but you know tis all my eye,

For the best feather in your cap is when Irish do apply.

وانتشرت الأغنية في أمريكا في الوقت عينه تقريباً مع بعض التعديل في الكلمات بما يناسب حالة التمييز التي يعيشها الإيرلنديون هناك، فظهرت نسخة أمريكية تعود للعام 1862، تؤكد على ضرورة مقاومة التمييز ضد الإيرلنديين وتحثهم على تأكيد “رجولتهم” ضد أعدائهم الجبناء. سرعان ما انتشرت الأغنية بين أفراد الجالية الإيرلنديةـ لاسيما في فترة الشغب في الحرب الأهلية في  نيويورك وبوسطن وغيرها من أماكن تواجد الإيرلنديين، وشكلت حافزاً لهم للمضي في التمرد لتحقيق مطالبهم.

*****ثمة عديد من الدراسات تؤكد على ذلك. انظر على سبيل المثال Kerby Miller, Emigrants and Exiles 1985.  وكذلك Kevin Kenny, The American Irish: A History 2000

******يغيب عن الصورة، بصورة مريبة حقاً، المشهد النيويوركي ما قبل الأوروبي، فمثلاً تخبرنا الحكاية كيف تم شراء جزيرة مانهاتن من قبيلة لينابي مقابل أجر زهيد، فقد رست سفينة القبطان بيتر مينويت في نيسان /أبريل 1626 فيما يعرف الآن خليج نيويورك، وقبل أن يستقروا في المكان أتاهم وفد من السكان الأصليين  متسائلين فيما إذا كان مينويت ينوي الاستيلاء على الأرض بالقوة أو أنه سيدفع ثمنها.  فعقدت جلسة بين الحاكم الهولندي مينويت  والزعيم المحلي  “ساجيس غورا”، أحد زعماء قبيلة لينابي، محاطاً بمحاربيه، ولم ينطق الزعيم الهندي ولو بكلمة واحدة وظل صامتا فترة طويلة لينتهي الأمر بأحد رجاله بتسليمه أنبوبا طويلا وضعه في فمه بشكل مهيب، فسحب نفساً طويلاً ثم أخرجه من فمه ومن منخاريه دخاناً رمادياً كثيفاً في نفثات صغيرة، برائحة زكية تزكم الأنوف، ثم يقوم غورا بتمرير هذا الأنبوب  إلى هذا الشخص الغريب الجالس قابلته الغريب بإيماءة طوعية تجعله يفهم أنه لا يستطيع الهروب. وضع حاكم المستعمرة الهولندية الصغيرة  الأنبوب في فمه وقرر أنه سيفعل ما فعاه الزعيم المحلي حتى لو استلزم الأمر حرق رئتيه، وتمكن، بعد جهد، من بصق الدخان من دون أن يسعل. بعد هذا لم يمانع غورا من بيع جزيرة مانهاتن بحوالي 200 غيلدر، ولكن مينويت لم يكن يملك مثل هذا المبلغ، فدخل في مساومات مضنية مع الزعيم غورا الذي اقتنع، في نهاية المطاف، بالتنازل عن الجزيرة مقابل حفنة من العملات الذهبية الإسبانية  وبعض معاول الحفر، ومخارز، وفؤوس، وخرز وأقمشة وحتى قيثارات موسيقية، وكانت كلها بقيمة 60 غيلدر تقريباً،  وهو مبلغ يعدّ زهيداً جداً لا يشتري بضعة أرغفة خبز ( لم يكن مينويت يعلم أن غورا باعه أرضاً ليست أهله، ففي الحقيقة لم تكن جزيرة مانهاتن من ضمن ممتلكات قبيلة غورا). وهكذا تم التوقيع على صك البيع في الرابع والعشرين من أيار/ مايو   1626 ( تذكر بعص المصادر أن البيع حصل في شهر تموز/ يوليو ). هكذا هي الرواية بأبسط تعابيرها، غير أن الرواة أضافوا من عندياتهم بعض التفاصيل الأخرى، على مر العصور. و الوثيقة الأصلية الوحيدة  لهذه الصفقة هي رسالة تعود لتاريخ الخامس من تشرين الثاني/ نوفمبر 1626 موجهة من التاجر “بيتر شاغن” إلى شركة الهند الغربية الهولندية قائلا “لقد اشتروا جزيرة مانهاتن من الهنود مقابل مبلغ 60 فلورينا. عند العبور؛ يشار إلى أن السفينة جلبت نحو 7246 جلداً من جلود السمور و678 من جلود القضاعة و48 جلد منك… بالإضافة إلى خشب البلوط وخشب الجوز الأميركي”. ( للمزيد انظر، https://www.lepoint.fr/c-est-arrive-aujourd-hui/24-mai-1626-le-jour-ou-le-neerlandais-peter-minnewit-achete-manhattan-aux-indiens-24-05-2019-2314760_494.php)

******* للمزيد، انظر، Bordewich, Fergus M. (December 2002). “Manhattan Mayhem”. Smithsonian. Retrieved July 15, 2010.

*****‏***يصدر ميلان كونديرا في رواية الأولى التي كتبها في المنفى بعنوان “كتاب الضحك والنسيان” الحادثة التالية: ” في شهر شباط/فبراير 1948 وقف الزعيم الشيوعي كليمان غوتفالد على شرفة أحد قصور براغ ليخطب في المواطنين المتجمهرين في ساحة المدينة القديمة. وكان يقف بجانبه “كليمنس”، وأثناء ذلك بدأ الثلج يسقط، والجو يزداد برودة، وكان غوتفالد عاري الرأس، فنزع كليمنس قبعة الفرو التي يرتديها ووضعها بعناية على رأس غوتفالد. فيما بعد قامت شعبة الدعاية والإعلام الحزبي بنسخ مئات الآلاف من صورة غوتفالد المحاط برفاقه، وهو يعتمر قبعة كليمنس، وكان يُنظر على تلك اللحظة بأننا بداية “التاريخ” الشيوعي في البلاد. بعد هذه الحادثة بأربع سنوات اتُّهم كليمنس بالخيانة وشُنق، فقامت شُعبة الدعاية بمحو أثره من التاريخ، وبطبيعة الحال من كل الصور الفوتوغرافية. ومنذ ذلك الحين صار غوتفالد يظهر وحيدا على الشُرفة، وبدل من كلمينس شغل حيزه حائط القصر الفارغ، ولم يبقَ من كليمنس سوى قبعته التي على رأس غوتفالد. ‏هكذا يروي كونديرا قصته الأدبية/التاريخية، لكن ثمة هناك من يرى-مثل بييرو ديلا فرانشيسكا- أن المنقار لم يخلق( لا مجازاً و لا فعلاً) للإوزة وحدها، فتقول الباحثة في الأدب التشيكي حنّة بيتشوفا أن هذه الواقعة هي من محض خيال كونديرا، فالصورة الأصلية السابقة لمحو كليمنس يظهر فيها الرجلان يعتمران قبعتين، ولا يبدو أن أحدهما أعطى قبعته للآخر.

******** يقول النص الأصلي:

 Här stod en bänk
Den är borta
Här låg en man
Han ar borta

عن محمود الصباغ

كاتب ومترجم من فلسطين

شاهد أيضاً

جدلية التجسيد والتجريد في الاقتران الإنساني-الرقمي، فيلم Her مثالاً

من بين الكثير من الاقتباسات المتناثرة في هذا الفضاء الرقمي، هناك واحدة للفيزيائي الشهير ألبرت …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *