الرئيسية > سياسة > ترجمة > الحدود الحرجة للتاريخ “الجديد” للرأسمالية: قراءة في كتاب “عصور الرأسمالية الأمريكية: تاريخ الولايات المتحدة”- القسم الثالث

الحدود الحرجة للتاريخ “الجديد” للرأسمالية: قراءة في كتاب “عصور الرأسمالية الأمريكية: تاريخ الولايات المتحدة”- القسم الثالث

ترجمة: محمود الصباغ

صدر كتاب جوناثان ليفي الجديد، الذي يزيد عن 700 صفحة، بعنوان “عصور الرأسمالية الأمريكية”، يضع فيه الكاتب معياراً تأويلاً شاملاً نسبياً  لتاريخ الرأسمالية الأمريكية في مؤلف واحد، ولعل الكتاب يمثل، على الأرجح، مقولة محددة عن التحول الفكري حول “التاريخ الجديد للرأسمالية” من خلال الجمع بين الرؤى المستمدة من انفجار الكتابات في فترة ما بعد الكساد الكبير حول تاريخ الرأسمالية الأمريكية. فيذكر الكاتب في مقدمة كتابه أن ما كان مفقوداً في المناقشات المتعلقة بالتاريخ الجديد للرأسمالية هو التعامل الصحيح مع الاقتصاد. للتعويض، ويكون هدفه، بالتالي، ذو شقين: تقديم صورة كاملة لتاريخ الرأسمالية الأمريكية، بطريقة تتعارض مع الاتجاه السائد في المجال الأكاديمي للاقتصاد (والذي غالباً ما يُترجم إلى الساحة السياسية) الذي يركز على الرياضيات والنماذج بدلاً من السياسة والحياة الاجتماعية، ودفع مؤرخي الرأسمالية للتعامل بشكل أكثر شمولاً مع تاريخ الاستثمار والتمويل والإنتاج. ويزعم المؤلف أن الهدف من كتابه هو “تصحيح السجل التاريخي” فيما يتعلق بتاريخ الرأسمالية الأمريكية، منذ أيامها الأولى، عبر فترة الكساد الكبير.

ينتظم الكتاب حول ثلاثة إحالات مركزية. أولاً، “رأس المال هو عملية\ سيرورة على وجه التحديد أكثر منه عامل مادي للإنتاج، رأس المال هو عملية على وجه التحديد، فرأس المال هو السيرورة التي يتم من خلالها استثمار أصل قانوني ذو قيمة مالية، في ضوء قدرته على تحقيق ربح نقدي في المستقبل”. بعبارة أخرى، يمكن أن يتخذ رأس المال أشكالاً عديدة (الصناعة، والتمويل، وما إلى ذلك) ويستند إلى أصل معين يتم إسناد قيمة كمية، وهذا ما يعكس   بعض أوجه فكرة [كارل] ماركس عن رأس المال كعملية تتدفق وتغير الأشكال بدلاً من كونها شيئاً (على الرغم من أنه ليس من الواضح إلى أي مدى تعريف ليفي مستقى ماركس)،.

ثانياً، يقول ليفي: “يتم تعريف رأس المال من خلال البحث عن ربح نقدي في المستقبل”، ومع ذلك فإن الرأسمالية ليست البحث اللامتناهي عن الربح هو وحده الذي يشكل الرأسمالية، بل ، بالأحرى، “لم يكن دافع الربح للرأسماليين كافياً لقيادة التاريخ الاقتصادي، ولا حتى لقيادة تاريخ الرأسمالية”. بمعنى، أن لدافع البشري، حتى في المجتمع الرأسمالي، أكبر بكثير من دافع الربح وحده. صحيح أن مالكي العبيد اهتموا بالأرباح، ولكن صحيح أنهم كانوا مهتمين أيضاً بنمط حياة معين قائم على الهيمنة العرقية. مثلما كان الصناعيون مدفوعين بالربح، ولكنـ أيضاً، بالرغبة في الإبداع.. وهلم جرا.

ثالثاً، “تاريخ الرأسمالية هو صراع لا ينتهي أبداً بين النزوع قصير المدى للادخار والحث والقدرة على المدى الطويل للاستثمار”. وبالنسبة إلى ليفي، تعد هذه سمة أساسية تفسر فيها تاريخ الرأسمالية. فـ “الخطوة الأولى”، على حد تعبيره، في المجتمع الرأسمالي، هي الاستثمار. وتوفر هذه الخطوة المنظار الذي يجده مفيداً للغاية لفهم تاريخ الرأسمالية: ليس، على سبيل المثال، علاقات الإنتاج أو الصراع الطبقي، ولكن الحافز للاستثمار، وتاريخ الطريقة التي قد يستخدمها المستثمرون للادخار أو للإنفاق، وكذلك الأصول التي يقررون الاستثمار فيها.

عصور الرأسمالية الأمريكية

يستمد باقي الكتاب من هذه الموضوعات لتحليل ما وصفه المؤلف بأربعة عصور للرأسمالية الأمريكية. الأول هو عصر التجارة، حوالي 1660-1860. والذي يبدأ مع توسع [ أراضي] الإمبراطورية البريطانية نحو نيو إنجلاند وفيرجينيا، وإنشاء إمبراطورية استعمارية قائمة على القضاء على الشعوب الأصلية واستيراد العبيد الأفارقة لاستغلالهم، ويتميز هذا العصر بما يناقشه المؤلف على أنه “نمو سميثي”[ نسبة للاقتصادي الإسكوتلندي آدم سميث- المترجم]. حيث كان التبادل هو العامل الرئيسي للرأسمالية الأمريكية في هذا العصر، في المقام الأول، وتوسيع حجم السوق، وخلق “مضاعف تجاري سميثي”. أما الفترة التالية، فيسميها ليفي عصر رأس المال (1860-1932)، وهي تمثل عصر التصنيع الأمريكي، الذي  أدى في نهاية المطاف إلى الفوردية، إلى جانب مجموعة متنوعة من الثورات ضد الرأسمالية الأمريكية الصاعدة، من تطور الحركات والإضرابات العمالية إلى الزراعة الشعبوية.  كان “مضاعف الاستثمار الصناعي”، في هذه الفترة، عاملاً رئيسياً، حيث ارتفع، على نحو متزايد، رأس المال المستثمر في الصناعة وارتفعت الإنتاجية. وثالثاً جاء عصر السيطرة (1932-1980). انطلاقاً من الصفقة الجديدة، مدعوماً بالحافز الاقتصادي للحرب العالمية الثانية، إلى جانب صعود الولايات المتحدة كقوة مهيمنة عالمية، تم بناء هذه الحقبة حول “المضاعف المالي الكينزي” الذي ستلعب فيه الدولة دوراً رئيسياً في تشجيع نمو الاقتصاد الكلي. وأخيراً، هناك عصر الفوضى (1980 – حتى اليوم). وكان الاختلاف الرئيسي، كما يجالد ليفي هنا، مع العصور السابقة هو التحول فيما يسميه، “الديناميكية الأساسية للرأسمالية: منطق الاستثمار، حيث يعمل من خلال الإنتاج والتبادل والاستهلاك”. حيث سعى رأس المال، في هذه الحقبة، وبشكل متزايد إلى تحقيق الربح من خلال زيادة الأصول والسيولة قصيرة الأجل، على عكس العصر الصناعي السابق، على سبيل المثال، حيث كان فيه قدر كبير من رأس المال مرتبطاً بالاستثمارات الثابتة. أي، أن الاتجاه كان بتفضيل المستثمرون وضع رؤوس أموالهم في أشكال سائلة مثل المشتقات المالية بدلاً من الاستثمارات الكبيرة في المصانع والعمالة، على سبيل المثال. اتخذت الصناعة نفسها، وفي الوقت المناسب تماماً، أشكالاً أكثر مرونة مع ظهور العولمة وسلاسل الإنتاج الدولية والإنتاج.

ويسلط ليفي الضور، من خلال تأريخ تاريخ الرأسمالية الأمريكية، على الطرق المعقدة التي حوَّل بها رأس المال أشكاله عبر التاريخ الأمريكي، كما يبرز دور الدولة في هذا التاريخ. علماً أنه لم يتم تحديد كل فترة من فترات ليفي من خلال القوى الاقتصادية وحدها، بل من خلال القوى، بما في ذلك سياسة الحكومة والقانون وعلم النفس الجماعي للاستثمار. كما أنه يبرز بعض الجوانب الجندرية والعرقية لهذا التاريخ، من محورية العلاقة بين العائل وربة المنزل في تاريخ الولايات المتحدة إلى العبودية العرقية وما بعدها. والأهم من ذلك أنه يوضح أهمية السياسة المالية والنقدية في تاريخ الرأسمالية الأمريكية. وبينما  يقدم الكتاب نظرة عامة مفيدة لتاريخ الاقتصاد الأمريكي، لعل أهها وأكثرها قوة تكمن في المناقشات التفصيلية لتاريخ الأزمات المالية، والتحولات في أنماط الاستثمار في رأس المال، والطريقة التي أعادت بها الحكومة تشكيل نفسها تاريخياً في تشكيل رأس المال، فثمة، هناك، أيضاً مجموعة متنوعة من الحدود وأوجه القصور تعتري توصيف ليفي.

 سوء فهم ماركس

وقد يكون بعضها ناتج عن التعامل الإشكالي مع ماركس. ففي قسم فرعي بعنوان “نظرية ماركس لرأس المال الصناعي”، يلخص، ليفي،  أجزاء من أفكار ماركس المقدمة في المجلد الأول من “رأس المال”*، فيقول أن كتاب “رأس المال” غني بالحجج المختلفة، لكن جوهر حجة ماركس الاقتصادية كان بسيطاً للغاية.” ثم يقدم تفسيراً إشكالياً لماركس الذي ربما يكون عمله ليس بهذه البساطة. وفي حين أن هذا القول يبدو بمنزلة مراوغات فنية، فإن الآثار المترتبة على الفشل في فهم عمل ماركس -وفهم النهج النقدي والماركسي للتاريخ المستمد من رؤى ماركس- لها آثار أكبر على تفسير تاريخ الرأسمالية.

يقول ليفي، على سبيل المثال، جادل ماركس “في ظل الرأسمالية، جادل ماركس، بأن هناك سلعة واحدة،” قوة العمل”، هي مصدر كل القيمة الاقتصادية -بما في ذلك فائض القيمة.” لكن ماركس لا يجادل، في الحقيقة، بأن كل القيمة الاقتصادية تأتي من قوة العمل بالضبط. إنه يدرك جيداً أن وسائل الإنتاج، مثل الآلات والأدوات والمصانع، تنقل القيمة إلى المنتجات. كما يجادل بأن الأرض ورأس المال الوهمي والمضارب يمكن، زعماً، أن يشاركوا بحصص من القيمة الإجمالية في الاقتصاد. إن قوة العمل هي بالطبع مصدر فائض القيمة بالنسبة لماركس. لكن هذا لا يعني أن جميع الأسعار أو “القيم الاقتصادية” بشكل عام هي ببساطة نتيجة قوة العمل. إن ارتفاع أسعار الماس والذهب، على سبيل المثال، تحدده قوى أخرى، بالإضافة إلى قوة العمل في حد ذاتها.

 ثم يكرر المؤلف منظوراً قديماً فاقدة للمصداقية (غالباً ما يُطلق عليه أطروحة الإفقار عند ماركس)  والتي تنص على أنه “بافتراض وجود سوق عمل تنافسي، فسوف يدفع الرأسماليون فقط تكلفة إعادة إنتاج العمالة، أو الحد الأدنى من احتياجات الكفاف للعمال”. وهذا تفسير خاطئ نموذجي للغاية فضلاُ عن كونه تفسير ليبرالي ومحافظ يغفل حقيقة أن ماركس كان ينظر إلى “احتياجات” الناس على أنها، في كثير من النواحي، متغيرة وعرضية تاريخياً. كما أنه تغاضى عن المدى الذي كان ينظر فيه إلى معدلات الأجور وساعات العمل على النحو الذي يحدده الصراع الطبقي وتنظيم العمال ضد رأس المال. لا يكتفي ليفي بهذا، بل سوف يستعرض، بعد صفحات قليلة، كيف أنه، وعلى عكس آدم سميث، “كانت ديناميكيات نظام ماركس الاقتصادي تعتمد على عنصر الزمن وحده”. وهذا أيضاً ادعاء غريب، لاسيما أن ماركس كان مهتماً جداً بالفضاء. ابتداءً من مناقشته في “البيان الشيوعي” للطريقة التي يعتبر بها رأس المال قوة عولمة، إلى مناقشاته حول “إبادة المكان بمرور الوقت” في “المخطوطات غير الكاملةGrundrisse، إلى الفصول حول الاستعمار في “رأس المال” ذاته، لا يفضل ماركس الزمن على الفضاء، بل يركز على التفاعلات بين الاثنين: من ميل الرأسماليين إلى تسريع الإنتاج لاستخراج المزيد من القيمة من العمال والمعارك على مدار يوم العمل إلى الاستعمار والعولمة. ثم يزعم ليفي/ بعد ذلك، أن كتاب راس المال لماركس كان كتاباً “فلسفياً ذو نزعة حتمية” رغم وجود استثناءات في كتاباته، مثل “الثامن عشر من يرومير The Eighteenth Brumaire، غير أنه، أي ليفي، لم يخبرنا قط، لسوء الحظ، بما يعنيه بهذا (أو، في هذا الصدد، أن يقدم استشهادات أو أدلة على قوله). ليس هذا فحسب، بل سوف تنشأ  لديه مشكلة رئيسية أخرى عندما يقول: “على النقيض من ذلك، فإن الديناميكيات العرضية لرأس المال -دورة الائتمان المتكررة، وتاريخ المال الحافل بالأحداث، والسيولة، والمضاربة، والذعر، والادخار -لم تكن موضوعاً لـ “رأس المال”، على الرغم من أن ماركس عاملهم، على نحو عديم الأهمية أحياناً، وأحياناً لا، في الكتابات التي نُشرت بعد الوفاة”. وهنا، نرى أن المؤلف يعترف بوجود كتابات لماركس حول المال والتمويل وما إلى ذلك، لكنه لا يشعر بالحاجة إلى التعامل معها بشكل كبير. وهذا غريب، بالنظر إلى أن  المجلد الأول من “رأس المال” يقدم، كما أوضح ماركس نفسه، صورة لنمط الإنتاج الرأسمالي عند مستوى معين من التجريد يتعامل مع الإنتاج، بينما يتناول المجلدان الثاني والثالث قضايا التداول والنظام على نطاق واسع: بما في ذلك مئات الصفحات في المجلد الثالث عن المال والائتمان والتمويل.

وفي حين أن هذه قد تبدو مثل مراوغات فنية، فإن الآثار المترتبة على الفشل في فهم عمل ماركس -وفهم النهج النقدي والماركسي للتاريخ المستمد من رؤى ماركس- تنطوي على آثار أكبر لجهة تفسير تاريخ الرأسمالية. ويأتي هذا في تأكيد ليفي على الرأسمالية  نظام مدفوع بالاستثمار ومقولته التعريفية، “الرأسمالية هي اقتصاد -وسيلة فعالة لإنتاج الأشياء للاستهلاك- موجه نحو تحقيق غاية وهدف رأس المال، أي المكسب المالي”. ويثير هذا المنظور، في كثير من النواحي، مشكلة الدجاجة أو البيضة التي لا يستطيع إطار عمل المؤلف حلها. وببساطة أكثر: إذا كانت الرأسمالية نظاماً يحركه الاستثمار، فما الذي خلق هذا؟ كيف حدث بناء شكل من أشكال المجتمع، أو نمط الإنتاج، حيث صار فيه إمكانية أن يكون النظام مدفوعاً بالاستثمار؟ من أين أتت الطبقة الرأسمالية المدفوعة بالربح؟. لنأخذ على سبيل المثال تحليل ليفي لعصر التجارة. من خلال الانخراط المحدود في الجدل الذي دام عقوداً حول صعود الرأسمالية في الشمال الأمريكي، يدرك المؤلف جيداً أن العديد من المزارعين مارسوا الزراعة “السلامة أولاً” أو الزراعة “المركبة” التي غالباً ما كان فيها الإنتاج لإعادة إنتاج عيش الأسرة الأبوية أكثر أهمية من الإنتاج للسوق. ويستشهد بالمؤرخ الاقتصادي ويليام باركر الذي جادل بأن المزارع الشمالي منقسم بين رغبات “الفلاحين” و”المقامر”. لقد فرض هذا على التاريخ الزراعي الشمالي دون أن يتساءل عما إذا كان يمكن اعتبار عائلة المزارع الأبوية الشمالية حقًا “فلاحين”، نظراً لعدم وجود مالكين للأرض” لوردات” يحكمونهم كما هو الحال في أوروبا الإقطاعية.

وسوف يناقش، عن كثب، الانتقال إلى الرأسمالية في أمريكا الشمالية، فيقول، “لم يكن هناك انتقال دفعة واحدة إلى الرأسمالية، بل كان الأمر عبارة عن سلسلة متتالية من” ثورات السوق “والثورات المضادة، من طبيعة خاصة تلائم المكان الجغرافي”. ولكن، مقيداً بمنظور يأتي فيه الاستثمار قبل التطور الاجتماعي في تاريخ الرأسمالية، وفي هذا الصدد، إطار محدود لفهم التحولات في أنماط الإنتاج، لا يستطيع المؤلف أبداً أن يخبرنا كيف نشأت الرأسمالية في أمريكا الشمالية، أو تحديد التاريخ غير المتكافئ لعلاقات الإنتاج الرأسمالية وغير الرأسمالية (أو ما هي العلاقات الأقل رأسمالية وما هي العلاقات  الأكثر رأسمالية)، وكيف تقاطعت هذه العلاقات مع مرور الوقت، وكيف سيطر رأس المال على العلاقات الاجتماعية.  ويصبح الأمر، في ظل خطر المبالغة في تقديري، بمنزلة تاريخ غزو رأس المال للناس دون شرح كيفية سيطرة الرأسمالية على الحياة الاجتماعية والسيطرة عليها.

ويقوم المؤلف، فيما يتعلق بالعبودية في الجنوب، بعمل جيد في الجمع بين الحجج ضمن التاريخ “الجديد” للرأسمالية والتي تظهر أن عبودية المزارع كانت شكلاً من أشكال الرأسمالية. ولكن كتحليل للنظام الاجتماعي الجنوبي ككل، يظل هذا الوصف محدوداً. لقد لاحظ ليفي، في مرحلة ما، “فشل اقتصاد المزارع، على سبيل المثال، في الدمج التجاري لمجموعة كبيرة من أسر المزارعين البيض في الريف، وكثير منهم موجه نحو اقتصاد الكفاف”. لكن بخلاف ذلك، يظل الوصف يركز على الرأسمالية الزراعي “تنوع الرأسمالية”. وهكذا، في الوقت الذي وصل فيه المؤلف إلى فترة الحرب الأهلية، يخبرنا أنها كانت، أي الحرب، متجذرة، في بعض النواحي، في نوعين مختلفين من الرأسمالية (شمالي وجنوبي)، ولكنها مرتبطة بشدة بالسياسات الخاصة للعصر. ومع ذلك، فهو لا يثير السؤال الذي أثاره مؤرخو التاريخ الاجتماعي للرأسمالية: إلى أي مدى، حتى في ستينيات القرن التاسع عشر، لم تكن فيه الولايات المتحدة مجتمعاً رأسمالياً بالكامل؟

تظهر قضايا مماثلة في تحليله لعصر الفوضى -وهو مصطلح يفضله على مصطلح “النيوليبرالية” الأكثر شيوعاً، حيث يبدو أنه يجد مشكلة في مفهوم النيوليبرالية. فأكثر ما يميز عصر الفوضى، بالنسبة للمؤلف، كان على الدوام “التحول في الديناميكية الأساسية للرأسمالية: أي منطق الاستثمار، حيث يعمل من خلال الإنتاج والتبادل والاستهلاك.” ويبدو هذا ليس خاطئاً من نواحٍ كثيرة، فهو محق في رؤية تحول رأس المال نحو وسائل أكثر سيولة: أسواق المشتقات، على سبيل المثال. كما أنه يقوم بعمل جيد في إظهار كيف أن جزءً من ذلك يشمل هجوماً واعياً من الطبقة الرأسمالية على العمال، كما أعادت طبقة رجال الأعمال الأمريكية تشكيل نفسها. لكن هذه الحجة كان يمكن أن تؤخذ إلى أبعد من ذلك. فعلى سبيل المثال، لا يعتبر الاستثمار قوة منفصلة عن الفاعلية البشرية، ولكنه يمر من خلالها. كان بإمكان ليفي، على سبيل المثال، الانخراط في الحجج التي تؤكد على استعادة سلطة الطبقة الرأسمالية في السبعينيات والثمانينيات، حيث لم تكن استراتيجيات الاستثمار، كممارسة طبقية، مجرد نتيجة لأشكال تغيير رأس المال بشروطها الخاصة، لكن الرأسماليين يغيرون استراتيجيات الاستثمار لتقوية وضعهم الطبقي. وثمة سؤال سببي هنا يتعلق بالطبقة الاجتماعية والمكانة والسلطة الطبقية التي سيكون من المثير للاهتمام أن نرى المؤلف يتعامل معها أكثر.

العرق والجندر في الرأسمالية الأمريكية

يقوم المؤلف، عند الحديث عن العرق والجندر، بدمجهما بشكل كبير في تاريخه، وإن كان ذلك ضمن حدود. أولاً، من اللافت للنظر أنه في تحليله الواسع لم ينخرط في أعمال وليام إدوارد بورغاردت دو بوا  W.E.B. Du Bois ، مثل “إعادة تشكيل السود في أمريكا Black Reconstruction in America وبشكل أكثر تحديداً  حجة دو بوا بأن “الإضراب العام للعبيد” لعب دوراً رئيسياً في إنهاء العبودية. وهذا، على نطاق أوسع، جزء من قضية التأثير. فلا تلعب مقاومة المستعبدين دوراً مهماً في وصفه، رغم مناقشته، على سبيل المثال، للحروب الاستعمارية بين المستوطنين البيض والسكان الأصليين. ولكن العيودية تشكلت على يد  كل من المستعبدين والرقيق. وهذا يعكس موضوعاً أوسع في الكتاب (مع استثناءات قليلة مثل مناقشاته للحركات العمالية في أواخر القرن التاسع عشر والحركة الشعبوية) حيث غالباً ما يتم التغاضي عن مقاومة رأس المال. على سبيل المثال، بينما يقدم المؤلف لمحة عن مجموعة متنوعة من الرأسماليين المشهورين، فإنه لا يناقش حياة يوجين ديبس وسياساته، ويعطينا، في بعض الأحيان، سرداً أحادي الجانب للتاريخ الأمريكي يركز على القمة أكثر من القاع. وعندما نصل إلى القرن الحادي والعشرين، فإن حركة “احتلوا وول ستريت” بالكاد تذكر. ويركز تحليله للجندر، في غضون ذلك، على العلاقة بين المعيل وربّة المنزل: من بدايات تأسيسها كعائلات ندر دخلاً واحداً إلى تراجعها. ويقدم بعض التحليلات المتناثرة هنا وهناك لما يعنيه تراجع هذا النموذج للذكورة في الولايات المتحدة. ولكن عند التركيز على العلاقة بين المعيل وربّة المنزل، لا يُدخل تحليله  الأوسع للجندر، وتحديداً للسكان الذين لا يتناسبون مع هذه العلاقة، في أي تفاصيل. فلا تُمنح، على سبيل المثال، عاملات المنازل السود في شمال أمريكا والمجموعات المهمشة ذات الصلة سوى مساحة صغيرة أو تكون تلك المساحة معدومة. أمّا فيما يتعلق بدور الإمبراطورية والاستعمار في التاريخ الأمريكي، فيبدو المؤلف محقاً في الإشارة إلى هذا الدور، خاصة في الأجزاء الأولى من الكتاب، بالقول أن الولايات المتحدة قد بنيت كإمبراطورية استعمارية منظمة حول تفوق البيض (على الرغم من أنه لا يقدم الكثير من التفاصيل. فيما يتعلق بما كان / يكون تفوق البيض وكيف تغير بمرور الوقت). وكتب، حين وصل فيه إلى حرب العراق بأن ذلك كان “أسلوب خصخصة غزو إمبراطوري”. كما يوضح، طوال الوقت، أن تقلبات الاقتصاد الأمريكي تتكامل بشكل كبير مع اندماج الولايات المتحدة في الاقتصاد السياسي العالمي. لكن هذه الإشارات تحظى باهتمام أقل بكثير من عمل التمويل الأمريكي، على سبيل المثال، الذي يخاطر بالتقليل من أهمية مركزية الإمبريالية كعملية مستمرة عبر تاريخ الولايات المتحدة.

ثمة بضع ملاحظات أخيرة: فبالإضافة إلى الانخراط الإشكالي مع ماركس، ينهمك المؤلف، في مرحلة ما، لفترة وجيزة، بأفكار أنطونيو غرامشي حول الفوردية. لينتهي به الأمر إلى القول إن الشيوعية والفاشية والرأسمالية، “اقترضت من بعضها البعض، لكنها أيضاً ستتقاتل مع بعضها البعض في صراع عالمي حتى الموت من أجل ما أسماه غرامشي” الهيمنة”. وهذا ادعاء غريب، حيث لا يقدّم المؤلف لنا -كما حصل مع القسم الخاص بماركس، اقتباسات محددة حتى يتمكن القارئ من التحقق من دقة التفسير. فمن المعروف أن فكرة غرامشي عن الهيمنة لم تكن تدور حول “الصراع حتى الموت” بين الأنظمة الاجتماعية المتنافسة تماماً، ولكنها أشارت إلى الطريقة التي تبني بها البرجوازية قبولاً مهيمناً لحكم الطبقة، وتحديداً في السياق الإيطالي، متسائلاً كيف يمكن للطبقة العاملة أن تنظم قيادة نفسها ضد هذا الهجوم. وتحدث مشكلات مماثلة في ادعاءات المؤلف المتكررة بأن بعض الأمثلة أو الأدلة هي “الأفضل”. في جميع مواد الكتاب، وخاصة فيما يتعلق بالأفلام والروايات التي يشير إليها ليفي كوسيلة لإظهار التأثير الثقافي للتغيرات الاقتصادية والسياسية، غالباً ما يقول إن مثالًا معيناً هو “الأفضل” دون مقارنته مع الآخرين. وهو يفعل ذلك أيضاً في مناقشته للثورة الصناعية، حيث يقول، “إن أفضل تعريف ممكن لـ “الثورة الصناعية” بشكل عام هو العملية التي يتحول من خلالها نمط الاستثمار بالتأكيد إلى سلع رأسمالية وسيطة، مما يؤدي إلى توليد عادات اقتصادية جديدة”. ومع ذلك، ليس من الواضح سبب كون هذا التعريف  هو “الأفضل” أو كيف يمكن أن يتنافس مع التعريفات الأخرى. علينا فقط أن نتبنى كلام المؤلف.

أخيراً، تبدو حلوله السياسية للقضايا في الرأسمالية الأمريكية متقطعة وغير واضحة. فيقول: “مطلوب سياسة ديمقراطية لرأس المال. من أجل إصلاح الرابط المقطوع بين الرأسمالية والديمقراطية، وما يجب على السياسة فعله هو الخروج أمام رأس المال في بداية العملية الاقتصادية، من أجل إعادة تشكيل هدفها”. وهنا سوف نتسائل لماذا لا يعتبر حقيقة أن الديمقراطية -حسب نوعها- قد لا تتوافق مع وجود رأس المال. ثم يقول،  أحد أعظم فضائل الرأسمالية المحتملة يتمثل “من الناحية الأخلاقية، على اعتمادها على توقعات المستقبل، لأنه يحثنا على تخيل إمكانية مستقبل مختلف نوعياً عن الماضي وأفضل منه -يتضمن مستقبل ما بعد الرأسمالية”. وهكذا فهو يقترح، أولاً، أننا بحاجة إلى سياسة ديمقراطية لرأس المال، أي نسخة أكثر عدلاً وديمقراطية من الرأسمالية. ثم يتلاعب بالأفكار القائلة بأن التفكير في تاريخ الرأسمالية قد يسمح لنا بالتفكير في مستقبل ما بعد الرأسمالية. ويقول، بعد ذلك: “ماذا يعني أن تتحرر الحياة الاقتصادية الأمريكية من أنماط عصر الفوضى، وأن تستثمر وتخطط لمستقبل اقتصادي مختلف وأفضل؟” ويبدو أنه يعود هنا مرة أخرى، من خلال استخدام كلمة “رسملة” إلى شكل من أشكال الرأسمالية لا يتم فيه القضاء على رأس المال كعملية اجتماعية.

وفي نهاية المطاف، ليس من الواضح بالضبط ما الذي يصفه المؤلف سياسياً. وقد ينبع هذا، مرة أخرى، من الارتباط الإشكالي مع ماركس، والنظريات النقدية والتفسيرات التاريخية للرأسمالية على نطاق أوسع.

يقدم كتاب “عصور الرأسمالية الأمريكية” لمحة عامة مفيدة عن التاريخ الاقتصادي الأمريكي، من صعود الشركة متعددة الجنسيات إلى تفاصيل السياسة النقدية إلى السياسة النقدية للقرن الحادي والعشرين والكساد الكبير. وتسلط الأقسام المتعلقة بالتمويل الضوء، بشكل خاص وأكثر، على صانعي السياسات الذين يتفاعلون باستمرار مع الظروف والأزمات الاقتصادية المتغيرة، حيث توضح نلك الأقسام، بشكل مقنع، الطرق التي كانت السياسات الاقتصادية عبر التاريخ تعتمد فيها بدرجة أقل على النظريات الاقتصادية الكبرى. لكن الكتاب يكرر أيضاً قضية مشتركة مع العديد من أعمال التاريخ الجديد للرأسمالية، أي الفشل في التعامل مع المادية التاريخية بطريقة دقيقة أو استكشاف الدروس بأي عمق قد يعلمنا نقد ماركس للاقتصاد السياسي والمنهجية التاريخية حول الولايات المتحدة. وتاريخ العالم.

يمكن، بشكل عام، قراءة الكتاب على أنه ملخص لنهايات “التاريخ الجديد للرأسمالية” باعتباره، أي الكتاب، تاريخ وصفي جيد، قائم على أسس تجريبية، لكنه يحتاج إلى مزيد من التطوير المفاهيمي، مع إشراك إشكالي في النظريات النقدية للرأسمالية، رغم أنه  ملتصق من الناحية السياسية في مكان ما يراوح بين الديمقراطية الاجتماعية والاشتراكية دون سياسة واضحة.

…..

ملاحظات المترجم:

* رأس المال (بالألمانية: Das Kapital, Kritik der politischen Ökonomie: رأس مال: نقد الاقتصاد السياسي)  من تأليف كارل ماركس ويمثل جوهر نظرية الاقتصاد السياسي والفلسفة المادية الماركسيتين، يشرح فيه ماركس الأنماط الاقتصادية التي يقوم عليها نمط الإنتاج الرأسمالي بشكل مختلف عن الاقتصاد السياسي الكلاسيكي الذي أتى به آدم سميث وجان بابتيست ساي وديفيد ريكاردو وجون ستيوارت ميل. يتألف من ثلاث مجلدات، أنجزه ماركس في العام 1867،  وكان زميل ماركس فريدريك إنغلز قد جمع وأتمّ  المجلدين الثاني الثالث منه بعد وفاة ماركس. ويُنظر إلى كتاب رأس المال على أنه من أهم الأعمال الفكرية التي صدرت في القرن التاسع عشر،  ويعد من المنجزات الفكرية الكبرى في ذلك العصر، رفقة  كتاب “روح القوانين” لمونتسكيو، و”نقد العقل المحض” لكانط، عدا عن أنه أهم كتاب تأسيسي للعلوم الاقتصادية بجانب كتاب آدم سميث “ثروة الأمم”.

** لم يستخدم ماركس أو إنغلز مصطلح  الإفقار أو “نظرية الفقر”. لقد صاغ ماركس قانوناً عاماً عن التراكم الرأسمالي الذي يؤدي إلى افقار البروليتاريا شيئاً فشيئاً، وه ما يفسر على أنه تنبؤ “ملموس” فتطور الرأسمالية سوف يؤدي بلا شك  إلى تفاقم في وضعية طبقة البروليتاريا، مما سوف خلق وعياً لدى تلك الطبقة وإرادة تجعلهم يثورون ضد من تسبب ببؤسهم، ولعل فكرة ماركس هذه هي التي أدت، فيما بعد، إلى تطور الأفكار التي تدور حول إفقار الطبقة العاملة

هوامش:

العنوان الأصلي: Critical Limits of the “New” History of Capitalism

المؤلف: JAMES PARISOT

المصدر: https://spectrejournal.com/critical-limits-of-the-new-history-of-capitalism/

عن محمود الصباغ

كاتب ومترجم من فلسطين

شاهد أيضاً

ثلاث قضايا أخلاقية حول عمليات زرع قلب الخنزير

ترجمة : وليد يوسف. المريض ديفيد بينيت، البالغ من العمر 57 عاماً، والذي يقول الأطباء …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *