الرئيسية > أدب > البوتقةThe Crucible : حين يحكم الرعب
ملصق الفيلم

البوتقةThe Crucible : حين يحكم الرعب

قراءة في الفيلم والمسرحية

البوتقة: “أنت مجرم حتى تثبت إدانتك”

يستند الفيلم(1) على مسرحية” البوتقة” للكاتب الأمريكي آرثر ميللر, ومن الثابت أن ميللر كتب مسرحيته (1953) بتأثير مباشر من موجة ” المكارثية” التي عصفت بالولايات المتحدة على خلفية الحرب الباردة, هذا ربما كان الإيحاء, غير أن الدافع كان موقف صديقه المخرج السينمائي إيليا كازان(2) الذي اضطر للوشاية أمام ” لجنة الممارسات غير الأمريكية” في مجلس النواب بأسماء بعض زملائه الشيوعيين (بلغ عددهم ثمانية من “جماعة المسرح”) بحجة حماية نفسه من وضعه على القائمة السوداء في هوليوود, مما دفع ميللر لقطع علاقته به. ومن ثم بدأ العمل على المسرحية استناداً للوقائع المعروفة عن محاكمة الساحرات في بلدة سالم سنة 1692.

وقد أراد ميللر من مسرحيه فضح السلوك المتهور للسيناتور جوزيف مكارثي وحملته الزائفة ضد الشيوعيين عن طريق المقابلة غير المباشرة(3) بين الحالتين( حيثيات محاكمة ساحرات سالم, وعمل لجنة مكارثي) , وسوف يوضح الفيلم لاحقاً هذه النقطة من خلال التركيز على مخاطر مثل هذا التطرف والتهور المترافق مع التعصب الديني والسياسي.

إن أي عمل أدبي- مسرحي أو روائي أو شعري أو فني- سواء كان جيداً أم تافهاً لابد أن يتمتع بمرجعية أخلاقية تحدد معناه.

فماهي النقطة المرجعية للبوتقة؟

يقرُّ ميللر بأن سلوك وأسلوب عمل المكارثية كانت مصدر إلهامه وهما ما دفعاه لمقابلتها بواقعة صيد الساحرات في بلدة سالم, فتتحدث ” البوتقة” عن الكذب, الكذب القاتل, وفائض التعصب الهستيري الذي سوف تسلكه  أيضاً المكارثية بعد نحو قرنين في إثارة المخاوف من الشيوعية بسبب تنامي قوة الاتحاد السوفيتي آنذاك وظهور الصين الشعبية بعد استيلاء ماو تسي تونغ على السلطة والخشية من تحول أوروبا إلى ” قلعة حمراء” لاسيما في إيطاليا حيث كان الحزب الشيوعي فيها هو الأكبر خارج روسيا السوفييتية. لقد دافع الكثير من الشيوعيين ” غير السوفييت” عن الاتحاد السوفييتي, ولم يعد لتلك الكلمة الفرنسية الشهيرة إني أتهم “J’accuse” معنىً حين لم تعد توجه ضد الشخص المناسب.

لقد أدت الحرب إلى تآكل الواقع السياسي والأخلاقي القديمين وذابا مثلما تذوب ساعة سلفادور دالي في لوحته الشهيرة: “ثبات الذاكرة”. كان من الواضح أن النزعة المكارثية “سبّوبة” للتخلص من الأعداء والحفاظ على “نقاء” و”تجانس” المجتمع بطريقة واقعية تجعل من الإحساس بالخطر وعدم الأمان استراتيجية أوليّة للمواطنين بحيث يقبلون بالتضحية بجزء من حريتهم مقابل الإحساس بالأمن, وعلى المستوى الدرامي تصبح المكارثية مجرد سلوك مزيف ضيق الأفق يخدم غرض سياسي محدود.

محاكمة ساحرات سالم: حين يكمن الشيطان في التفاصيل

ماذا يمكن أن يحدث لفتاة مراهقة عندما تكتشف أن ما تقوله من أكاذيب, عن سابق إصرار وترصد ومن باب العناد ودون أي سند واقعي حقيقي, يمكن أن يصدّقه الآخرون؟ وما هو تأثير هستيريا التعصب على مجتمع غير متعلم؟ وكيف يمكن للرعب أن يمحو الفوارق بين الكذب والبراءة والذنب والخوف والخبث, بحيث يمكن للسلطة أن تقوم بتلفيق روايات تخدم استمرارية سيطرتها على ” الغوغاء” ؟.

بدايةً, لا يحتوي الفيلم أحداثاً سابقة لما قبل العرض فكل الأحداث تخلق وتتطور في سياقها باستثناء حدث واحد ذو أهمية خاصة وهو علاقة الفتاة المراهقة أبيغال ويليامز(4) بجون بروكتور أحد رجال سالم “المحترمين”, وسوف نعرف أن جون هذا  لا يسكن في البلدة بل في مزرعة قربها مع زوجته وولديه اليافعين, وسنعرف أن أبيغال الفتاة اليتيمة والفقيرة كانت تعمل لدى عائلة بروكتور كخادمة لديه وهناك تطورت العلاقة بينها وبينه (يبدو أن جون هو من قام بغوايتها). سوف تكون هذه الحكاية بسيطة ومتواضعة وتشبه أي قصة تاريخية أخرى تعود لفترة ما قبل الرأسمالية الصناعية الحديثة في العالم الغربي حيث كانت الكنيسة تسيطر على المجتمع بصورة شبه مطلقة وحيث قصص ورموز وشخصيات وأحداث الكتاب المقدس تسير بين الناس في حياهم اليومية أكثر من أي شيء آخر.

يبدأ الفيلم من نهاية القرن السابع عشر( 1692) في فجر أحد الأيام وفي الغابة القريبة من مدينة سالم حيث تجتمع عدة فتيات في سن المراهقة, منهن أبيغال ويليامز وابنة خالها بيتي باريس وروث بوتنام, فيمارسن هناك طقوساً غريبة, وتذكر كل فتاة اسم الشاب الذي ترغب به وترغب في أن يحبها ثم يبدأن في التجرد من ثيابهن ويرقصن بطريقة هستيرية حول قدر فيه “مشروب سحري” يغلي, ثم تقوم أبيغال (والتي تبدو أكبرهن) بقتل دجاجة وشرب دمها  كتعويذة سحرية وتطلب من تيتوبا “الخادمة الزنجية” القضاء على إليزابيث زوجة جون بروكتور الرجل الذي تحبه, وأثناء رقصهن الصاخب يتصادف مرور القس صموئيل باريس, وحالما تراه بيتي تقع مغشياً عليها من شدة الخوف. ثم تظهر ممددة في سريرها بلا حراك وتحاول أبيغال والفتيات الأخريات إيقاظها دون جدوى. يحضر القس ويدور حوار بينه وبين أبيغال يستفسر منها  لمعرفة حقيقة ما حدث في الغابة ويخبرها أن ثمة أحاديث تدور عن علاقتها بجون بروكتور وأن هذا كان السبب وراء قيام إليزابيث بطردها من العمل, تعترف أبيغال بأنها كانت ترقص مع الفتيات لكنها تنفي علاقتها بجون بروكتور وتقول أن زوجته طردتها لأنها رفضت أن تكون عبدة لها, كما تنكر أي علاقة لها بالسحر وتقول أن بيتي أغمي عليها بسبب رؤيتها لأبيها, ويعلن القس أنه سوف يستدعي الكاهن جون هيل الخبير بعلاج الساحرات (في الحقيقة بسبب خشيته من أن يستغل خصومه فضيحة ما حصل لابنته في الغابة ويطردوه من منصبه). تستغل أبيغال اللغط بين سكان سالم لتخرج وتلحق بجون بروكتور ويدور بينهما حديث سوف يحدد مصير البلدة حين يصدها ويقول لها أن علاقته بها انتهت منذ أن طردتها زوجته ويطلب منها أن تتوقف عن تلك السخافات التي تقوم بها مع فتيات البلدة, فتنكر ذلك وتقول له لكنك تحبني, غير أنه لا يستمع لها, بل يتركها ويمضي, وهنا تقرر أبيغال الانتقام من زوجته فتعود إلى بيت خالها وتحاول أن توقظ بيتي, ويحضر أيضاً العجوز المشاكس جايلز ونرى السيدة بوتنام تنتحب على ابنتها روث لأنها تخشى عليها من الموت مثل إخوتها السبعة من قبلها, ويحضر أيضاً زوجها توماس بوتنام حيث يدور بينه وبين جايلز حوار حول صكوك ملكية الأراضي بسبب إلغاء المرسوم الملكي المتعلق بسندات ملكية الأراضي مما تسبب بحالة من الفوضى وخلق أزمة في ملكية الأراضي فانعدمت الثقة بين أصحاب الأراضي المتجاورة ودب الخلاف بينهم على الحدود(5)

يبدأ القس هيل فور حضوره في التحقيق مع الفتيات اللاتي يرددن بصورة شبه جماعية أسماء نساء يزعمن أنهن يتواصلن مع الشيطان. ويبدأ مجتمع سالم في التصدع حين يعلم هيل أن الفتيات كن يرقصن بالغابة برفقة تيتوبا التي يُعتقد أنها تتواصل مع الشيطان وتقوم بتحضير الأرواح فيستدعيها القس هيل للتحقيق, وتدّعي أبيغال أن تيتوبا تعمل مع الشيطان فيتم جلدها فتعترف بأنها ساحرة لتنقذ نفسها من الشنق الذي هو مصير الساحرات اللواتي يبعن أرواحهن للشيطان, ثم تبدأ بشكل هستيري بتعداد أسماء نساء البلدة باعتبارهن شريكات معها, ثم فجأة تصرخ أبيغال وتقول أنها رأت الشيطان يتآمر مع ساحرات سالم ثم تنضم إليها بيتي وتبدأ في الصراخ أيضاً وتبدأ في تعداد أسماء الساحرات, ويظهر للجميع أن بيتي وروث قد تلبسهما الشيطان. ويقرر القس صموئيل باريس استدعاء القاضي دانفورث  للتحقيق في الأمر.

في مكان آخر, في منزل جون بروكتور يبدأ حوار مكاشفة مع زوجته على أمل تصحيح العلاقة بينهما, ويدور الحديث حول سير عمل المحكمة وازدياد عدد المتهمات في السحر, وهنا تحثه إليزابيث على التنديد بأبيغال التي تصفها بالمحتالة؛ فيرفض، وتشعر بالغيرة، وتتهمه بأنه مازال يكن لها بعضاً من مشاعره. في تلك الأثناء تعود خادمتهما ماري وارين من سالم (وهي أيضاً إحدى الفتيات اللواتي شاركن في حفلة الغابة) لتخبرهما عن اتهام إليزابيث بالسحر, ثم يحضر القس هيل وجايلز وفرانسيس نيرس ليخبروا الجميع أنه تم القبض عل زوجتيهما بتهمة السحر, ثم يصل رجال من المحكمة ليعتقلوا إليزابيث. فيذهب جون إلى ماري ويطلب منها العودة إلى سالم والشهادة أمام القاضي دانفورث بأن أبيغال و الأخريات يكذبن ويحتلن على المحكمة. وفي اليوم التالي يمضي جون وماري للمحكمة فيخبر القاضي بأن ماري سوف تشهد على كذب واحتيال الفتيات, لكن القاضي يشكك في دافع جون ويخبره أن زوجته حامل وسوف لن يتم إعدامها, إن ثبت تهمتها, طالما هي حامل, فيطلب جون من القاضي الاستماع لشهادة ماري التي برغم خوفها من أبيغال تخبر القاضي بكذب الفتيات وتظاهرهن برؤيتهن للشيطان, وتقدم المحكمة قائمة بأسماء المتهمين فيأمر القاضي باعتقالهم وتقديمهم للاستجواب. ويصر جايلز كوري على أنه عندما اتهمت روث بوتنام ريبيكا نيرس، سمع السيد بوتنام يخبر ابنته أنها حظيت بـ “هدية رائعة من الأرض”. ويرفض جايلز الإفصاح عن اسم الشخص الذي نقل له الخبر, فيأمر القاضي بحجزه حتى يعترف. (سوف يأمر القاضي بقتل جايلز في نهاية الفيلم بسبب رفضه الإفصاح عن الاسم)

في هذه الأثناء، تصر ماري وارن على أقوالها، وعندما تحضر الفتيات, تنتبه أبيغال إلى ما يمكن أن تسببه ماري من متاعب فتتهمها بأنها تتواصل مع الشيطان, هنا يغضب جون ويعترف -على أمل إنقاذ ماري- بعلاقته مع أبيغال وأن أفعالها هذه إنما تقوم بها بدافع الغيرة من زوجته ويخبر القاضي أنه كفّر عن ذنبه بمصارحة زوجته بعلاقته وأنه قام بقطع علاقته بأبيغال, فتنفي هذه الأخيرة التهمة, فيأمر القاضي بإحضار إليزابيث للاستماع إلى شهادتها وحين تحضر يأمر القاضي بأن يستدير جون وأبيغال, بحيث لا تستطيع إليزابيث أن ترى وجهيهما, فيسألها القاضي ما إذا كان جون بروكتور مخلص لها كزوج, وعلى الرغم من صدقها التلقائي طوال الفيلم, غير أنها هنا تكذب لاعتقادها أنها تحمي بذلك سمعة وشرف زوجها دون أن تعلم باعتراف زوجها قبل قليل أمام القاضي, وهنا يتهم القاضي بروكتور بالكذب, في تلك الأثناء تزعم أبيغال أن ماري تسحرهن فتنتفض ماري وتحاول التخلص من هذه التهمة بأن تتهم بروكتور بأنه هو من سحرها وأنه حضر إلى سريرها وهي نائمة وطلب منها أن تشهد ضد أبيغال فينفعل ويثور ضدها وضد المحكمة وعندما يطلب منه القاضي العودة إلى “ملكوت الرب” يصرخ جون يائساً بأن الرب قد مات، فيأمر القاضي بالقبض عليه بتهمة السحر فيعلن القس هيل انسحابه من المحكمة، وتبدأ ماري بالصراخ والزعم أن ثمة طائر أصفر يهاجمها وتبدأ الفتيات بالصراخ ويرددن ما تقوله ماري. وعلى الرغم من أن جون مقتنع بأن الفتيات يتظاهرن بما يقمن به فمازلن يخلقن ضجة من حولهن في المحكمة ويؤكدن أن ثمة طير قرب البحيرة القريبة، بما يخلق جواً من التوتر والهلع يدفع أعضاء المحكمة للاعتقاد بصدق الفتيات.

ومع مرور الوقت تكثر المحاكمات ويكثر عدد المتهمين فيتسبب ذلك باضطرابات في سالم والبلدات المجاورة مما يثير قلق دانفورث, كما تحاول أبيغال اتهام زوجة القس هيل بالسحر (لأنه كان الوحيد الذي شكك في مزاعمها) غير أن القضاة ينكرون هذه التهمة, تقوم أبيغال بسرقة أموالها خالها وتخطط للهرب فتأتي لزيارة جون في سجنه وتحاول أن تقنعه بالهرب معها لكنه يرفض بشدة, فتتركه وتمضي, ويحاول القس هيل الطلب من المتهمين الاعتراف زوراً بالتواصل مع الشيطان لتجنب شنقهم لكنهم يرفضون, وخشية من أن يؤدي شنق جون إلى اضطرابات وأعمال شغب يطلب القاضي من إليزابيث أن تتحدث مع زوجها لعلها تقنعه بالاعتراف فتوافق وتلتقي به وتبدأ لحظة المكاشفة الثانية بينهما فتعترف له بأنه تحبه وتحت تأثير عواطفها يوافق جون على الاعتراف فتصرخ بهم أنه يريد أن يعيش، فيهلل أعضاء المحكمة ويطلب دانفورث من جون تسجيل اعترافه خطياً والتوقيع عليه فيقبل، لكنه يرفض تجريم أي أحد غيره، وحين يخبره دانفورث أنه يريد أن يجعل من اعترافه علنياً ويعلقه على باب الكنيسة لإثبات إدانته وإقناع الآخرين بالاعتراف، يغضب بروكتور ويمزق الورقة ويتراجع عن اعترافه على الرغم من توسلات هيل اليائسة، لكن جون يصرخ في وجه القاضي بغضب “اترك لي اسمي!” و تبقى إليزابيث صامتة هادئة مؤمنة، فما يقوم به جون إنما يقوم به من إيمانها وصلاحه، بعد ذلك يتم إعدام جون رفقة ريبيكا ومارثا وهم يرددون صلاة الشكر, وبذلك يسدل الستار عن محكمة ساحرات سالم.

جون بروكتور: أزمة الضمير

جون بروكتور هو الشخصية الرئيسية في الفيلم الذي يظهر بصفاته المتمردة ولا يقبل التنازل عن حريته، (يصفه ميللر بأنه “رجل مهيب ومحترم” يدافع عن قناعاته، ولا يثق برجال الدين والكهنة وهو قليل التردد على الكنيسة، كما أنه لا يؤمن بالسحر (حتى حين اعترف بتواصله مع الشيطان فقد كان من أجل الدفاع عن الأبرياء، ومن ثم  قبل بالموت دفاعاً عن “سمعته”، ولعل أهم مشهد يكشف عن طبيعة جون حين يقف معلناً “أن الرب قد مات”.

وفي الحقيقة هذا لايعني أن جون بروكتور شخصاً  ملحداً أو مثالياً أو نقياً، بل هو يعاني من أزمة ضمير حقيقية، فهو كان قد خان زوجته مع فتاة صغيرة سلبها طهارتها، ثم تخلى عنها، وحين قرر العودة إلى زوجته لم يستطع أن يقنعها بتوبته حين لم يستطع أن يعدد الوصايا العشرة (لاسيما الوصية التي تقول لا تزنِ)، وقد وُضعَ في نهاية المطاف أمام خيارين، إما الموت أو ينقذ نفسه على حساب الآخرين: الاعتراف بجريمة لم يرتكبها (التواصل مع الشيطان) أو يحفظ كرامته ويمضي إلى حبل المشنقة بكبرياء. في الحقيقة يحمل كلا الخيارين معاني الخسار والانكسار، وبعكس الحكمة القديمة التي تقول “عند المشكلة ابحث عن حل ثالث”، من الواضح أن جون ليس أمامه، بالأحرى لا يمتلك، حل ثالث. ولم يستطع أن يقنعنا بأنه لم يكن يحب أبيغال، فها هي تذكّره كيف كان يتصبب عرقاً مثل حصان كلما اقترب منها. وحتى عندما يتساءل البعض: حسنٌ ولكن ماذا عن النهاية؟ فسوف يأتي الجواب واضحاً أن أكثر لحظات الفيلم إقناعاً كانت عندما التف حبل الشنقة حول رقبة جون بروكتور مما يجبرنا على مراجعة موقفه الأخلاقي برمته.

كان هدف ميللر التشديد على الطابع الأخلاقي الذي عاشه قبل أربعين سنة من عرض الفيلم. من خلال المطاردة المكارثية لسحرة الحرب الباردة، أي الشيوعين، لذلك لم يركز كثيراً على علاقة الحب بين جون وأبيغال بقدر ما كان تركيزه على آثار ونتائج هذه العلاقة فلم يظهر جون كعاشق حقيقي، ولم تبد أبيغال سوى القليل من مظاهر “الشهوة” (وهي هنا أكثر شجاعة منه في التعبير عن حبها)، ومن المفارقة في مجتمع بيوريتاني ذكوري أن تقوم فتاة مراهقة بقيادة علاقة جنسية وأن تكون هي “الذكر” فيها، ولعل هذه المفارقة ناجمة عن انهماك ميللر في إظهار رسالته الأساسية على حساب التقنية السينمائية (أي التأكيد على أهمية الوقوف بجانب الحقيقة وعدم خيانة الأصدقاء على حساب السردية البصرية التي كان يمكن لها أن تغني المشهد السينمائي أكثر لو تم التعامل معها بسوية مختلفة. ولذلك يفشل الفيلم في التعمق أكثر في العلاقات الجنسية بحيث لا نصل إلى يقين عن طبيعة العلاقة بين جون وأبيغال).

سوف يتعاطف البعض مع جون بروكتور بوصفه ضحيه خداع وكذب أبيغال لكن هذا لا ينفي أن بروكتور  بدوره نموذجاً للرجل الذكر المخادع والانتهازي, ليس فقط مع أبيغال فحسب، بل أيضاً مع إليزابيث، ويظهر ضعيفاً وانتهازياً ومهزوزاً حين يعتقد أنه ملعون وغير قادر على استعادة ثقة وحب واحترام زوجته ناهيك عن استعادة احترامه لنفسه واستقامته الأخلاقية. (يتدارك الأمر في النهاية حين يصرخ مطالباً الحفاظ على اسمه “اقرأها سمعته” بعد موته). وإذن ينطبق عنوان العمل على جون بروكتور أكثر من أي شخص آخر فهو من سوف يتعرض لـ “محنة” حقيقية حين يجد نفسه مضغوطاً في “بوتقة” المحكمة للدفاع عن زوجته ومحاولة إنقاذها، إذ ينبغي له أن يعلن صراحة عن خطيئته وبالتالي يخسر “اسمه”، أي سمعته وفي الحقيقية نحن نرى جون بروكتور طوال الفيلم يحاول تبرير أفعاله السابقة التي سببت له تلك ” المحنة\ الاختبار” ويبدو أن مجتمع سالم ككل يمر بذات الشيء حين يرضخ لتأثير دانفورث المتعالي ونظراته السقيمة الزجاجية, فيقبل أن يقال عنه مجتمع جشع وشهواني وحسود  ويعيش أوهام الرغبة المنافية لحكمة الرب في ظهارة الجسد (رغم أن هذه الأمور في واقع الأمر جزء من أي مجتمع ولا تخص بلدة سالم وحدها).

السمعة مهمة للغاية في مجتمع سالم الثيوقراطي، حيث الأخلاق العامة والخاصة واحدة. وتلعب السمعة دوراً هاماً في بيئة يشكل فيها الخوف من الشعور بالذنب الناجم عن الارتباط خارج أطر العلاقات المسموح بها أفدح الأضرار والمخاطر. وعلى سكان البلدة أن يحاذروا من تلوث أسماءهم بذنوب الآخرين فيسعون للحفاظ على السمعة العامة من أن يشوبها أي عارض سلبي فاسد، فالعديد يمارسون أفعالهم استناداً إلى الرغبة في حماية سمعتهم.

في بداية الفيلم، يخشى باريس من أن يؤثر سلوك أبيغال والتلميحات بشأن صلة ابنته بالشيطان على مصالحه ويخسر وظيفته ومركزه. كما يسعى جون بروكتور للحفاظ على اسمه خالياً من أي شائبة حين يتخلى عن أبيغال وحين يحاول أن يفند مزاعم الفتيات فيتهمهن بالكذب والاحتيال، غير أن رغبته القوية في الحفاظ على سمعته وعدم الانغماس بما يدور تمنعه في البداية من الشهادة ضد أبيغال, وهي ذات الرغبة التي تدفعه قرب نهاية الفيلم إلى اتخاذ الخيار البطولي بعدم الإدلاء باعتراف كاذب والقبول بموته حين يرفض أن يضع “اسمه” على الاعتراف ويصرخ في القاضي دانفورث “لقد أعطيتكم روحي. فاتركوا لي اسمي”، وهذا يعني أنه لو قبل الاعتراف  فسوق يلطخ هذا ليس اسمه وسمعته ومكانته فحسب، بل روحه أيضاً.

إن رفضه تقديم اعتراف كاذب هو موقف ديني وشخصي حقيقي. لأن مثل هذا الاعتراف سوف يخدع زملائه السجناء الذين ارتضوا أن يموتوا بشجاعة كدليل على تمسكهم بالحقيقة. ولذلك حين يضحّي بسلامته الشخصية كفرد فهو يعلن ضمناً عن قناعته بأن نزاهته هذه سوف لن تقوده إلى الجحيم فيمضي بثبات نحو حبل المشنقةـ أي إلى المعادل الموضوعي لخطاياه, كما سوف تقول إليزابيث في الخاتمة: “هذا صلاحه الآن، لن يسمح الرب لأحد أن يسلبه إياه”، رداً على استعطاف هيل لها بأنه تقنعه بالاعتراف.

أبيغال ويليامز: حين يقول الحب كلمته

تسمح لنا الممرات التفسيرية للفيلم التركيز على بعض الشخصيات دون غيرها، ويمكن القول أن أبيغال ويليامز أهمها، فهي في الحقيقة تمثل مسار التوتر والتصعيد الذي قامت عليه حبكة السردية الرئيسية سواء في المسرحية أم في الفيلم، وحتى التوتر القائم بين توماس بوتنام وعدة شخصيات أخرى لاسيما فرانسيس نير وجايلز لا يمكن مقارنته بتأثير أبيغال ويليامز على مجتمع سالم. قام ميللر بتقليص فارق السنوات بين جون بروكتور وأبيغال ويليامز حين جعل عمر جون 35 بدلاً من 60 وأبيغال 17 بدلاً من 11  لجعل العلاقة الغرامية بينهما أكثر واقعية ومنطقية. وتظهر أبيغال كشخصية واضحة غير معقدة بل ربما هي الأقل تعقيداً بين الشخصيات, لكنها متسلطة ذات أجندة واضحة تمثل الشر الصريح: الحصول على بروكتور حتى لو كلّفها هذا قتل زوجته إليزابيث وتوريط البلدة بأكملها فتتهم كذباً العديد من سكان سالم بتواصلهم مع الشيطان مما سيتسبب في شنق 19 شخصاً بريئاً. وهي بعكس إليزابيث (النموذج البسيط السطحي المتدين) ذات مستويات نفسية عميقة، تحركها في جزء منها حبها ورغبتها الجنسية، وهذا ما منحها غطاء غير “إنساني” حسب قانون بلدة سالم حين بدأت تبحث عن حل لمشكلتها خارج المنظومة الأخلاقية التي تربت عليها.

ومن خلال أبيغال يحاول ميللر استكشاف الدوافع والرغبات المتناقضة في السلوك البشري إلى حد تبرير القتل، وهنا يخلق أجواء تعود بنا إلى الفترة التاريخية لأفراد المجتمع البيوريتاني الذين كانوا قد غادروا بريطانيا بسبب الاضطهاد الديني نحو العالم الجديد فأسسوا مستعمراتهم هناك على قاعدة التعصب ضمن أطر مختلفة من الأمانة والنزاهة والجهد البدني الصارم والالتزام المتزمت بالعقيدة، فاعتبرت الرغبات واحتياجات الجسد المادية- لاسيما الرغبات الجنسية- رجس من عمل الشيطان عليهم اجتنابه والامتناع عنه لأنها تشكل تهديداً لمجتمعهم، ولذلك كان من السهل على أي رجل دين، بمساعدة النصوص المقدسة طبعاً، تحديد ما هو مقبول كسلوك اجتماعي ملزم للجميع، ولابد أن يظهر في هذه الحالة من يرفض هذا مقابل المتشددين، وهم الأكثر، الذين لن يقبلوا بما يخالف تعاليمهم الدينية مهما صغر باعتباره سلوكاً غير لائق أو غير مقبول ويستوجب العقاب الشديد.

يلتقط ميللر هذه  الجزئية، “التعصب”، ليبني عليها المعمار الدرامي للمسرحية وللفيلم.

القاضي دانفورث: كيف تتخلص من المعارضة السياسية؟

يقول آرثر ميللر عن البوتقة أنها غالباً ما يتصادف عرضها حيث يكون هناك انقلاب سياسي وشيك أو أن نظاماً ديكتاتورياً قد سقط للتو، ويستشهد على ذلك بما قالته له الكاتبة الصينية نيان تشينغ  Nien Cheng (مؤلفة كتاب الحياة والموت في شنغهاي)” من الصعب تصديق أن شخصاً غير صيني -لم يختبر الثورة الثقافية- يمكن أن يكتب مثل هذه المسرحية”.

قد لا يكون الشيطان مجسد حقيقي في مجتمع مليء بالضغائن الشخصية مثل مجتمع سالم حيث تتماهى الكنيسة والدولة في كيان واحد وفي نمط تفكير جماعي واحد، لكنه بكل تأكيد كان يعيش في عقول أولئك المراهقات اللواتي حاولن استحضاره في مجتمع مكبوت صارم غارق في البارانويا والإنكار وعدم الثقة، وهو ذاته الشيطان الذي جعل أبيغال تدخل في علاقة غير شرعية مع جون الذي يخون السيدة الأكثر نقاءً في البلدة. وهو ذاته الشيطان الذي يقول على لسان دانفورث “هيا، اعترف (أي كن معنا)، وستكون حراً”، سوف تكون حراً باسم الدين -النسخة الصارمة منه، أي البروتستانتية- وبسبب هذه الطبيعة الثيوقراطية للمجتمع فسوف تتشابه أو تتداخل القوانين الأخلاقية مع قوانين الدولة، فالخطيئة تهمة ينظر لها الجمهور باهتمام، إذ من غير المسموح الانحراف عن الأعراف الاجتماعية، لأن أي فرد لا تتوافق حياته الخاصة مع القوانين الأخلاقية المعمول بها، يمثل تهديداً ليس فقط للصالح العام ولكن أيضاً لحكم الرب والدين الحقيقي.

في سالم، وفي أي مجتمع يشبهه، تكون الخيارات أمام الفرد محددة، إما أن تكون مع الرب أو مع الشيطان أو كما يقول دانفورث -مخاطباً بروكتور- “ينبغي لك أن تعي يا سيدي أن الشخص هنا يجب أن يكون مع هذه المحكمة أو سوف يُنظر له على أنه ضدها. لا طريق ثالث بينهما، فنحن نعيش في عصر جديد وفي زمن عسير ودقيق، والآن وبفضل من الرب ونعمته سوف ينفصل الأخيار عن الشر وأتمنى أن تجد مكانك بينهم”، وحتى يستطيع المرء أن يجد له مكان بين الصالحين ينبغي تنظيم مصفوفة أخلاق المواطنين في أطر محددة ومراقبتها بصرامة وعلى المواطنين تقديم تقارير عن أنشطتهم المتنوعة فحرية التعبير، في مثل هذه الظروف الاستثنائية، ليست حقاً يمكن حمايته أو الدفاع عنه أو حتى المطالبة به، وعلى المسؤولين تذكير المواطنين دائماً أن الاختلاف مع الدولة يعني الاختلاف مع إرادة الرب. وبالتالي لاتعد المعارضة غير قانونية\ غير شرعية فحسب، بل هي مؤامرة شيطانية. ومن أجل الوصول إلى ” المجتمع المنسجم” على دانفورث بصفته من يُوكلُ له تحديد المذنب من البريء البحث عن “متهم” حتى لو كانت رغبته عكس ذلك، وبالتالي، ورغم أهميته و أهمية منصبه، فهو ليس سوى أداة للسلطة السياسية التي ترغب في فرض هيبتها وأهميتها، وإذن لابد من متهم “وكيل الشيطان”. ورغم صعوبة الحصول على أدلة ثابتة، لكن لابد من وجود حليف للشيطان لتبرير التصرفات المختلفة للأفراد الذين تحركهم مصالحهم الشخصية وعواقب تصرفاتهم وأعمالهم.

وبهذا تتحول البوتقة إلى ميلودراما تحفل بأشخاص من طبيعة رمزية مستجدة في كل وقت وفي كل مكان وهي تقع بين فكي كماشة, الكنيسة والسلطة. وسوف تسمح تصرفات الأفراد هذه وخياراتهم للقاضي دانفورث المضي بقوة في محاكمة ساحرات سالم وأولئك الذين باعوا روحهم للشيطان. فالمحاكمة هنا هي التعبير النهائي عن التعصب كوسيلة لاستعادة نقاء المجتمع من أجل التخلص من الانحرافات التي تشوهه. وإذن، بينما كان دانفورث يتابع محكمته بهدف استئصال الشيطان كانت أشد أفكاره يمينيةً ورجعيةً تتكشف في رسالته الأصولية بطريقة تشبه ما قام به النيوليبرالي جورج بوش الأب في حديثه عن النظام العالمي الجديد في أعقاب حرب الخليج واستحضار المحافظون الجدد لسرديات سفر الرؤيا  عن “المسيج الدجال” و”العدو المخفي” و”الحكومة العالمية” (مثلما هو حال نظريات المؤامرة التي تروج لسرديات القوى التي لا يمكن للمرء فهمها أو التعرف عليها، ومثلما يزعم القاضي دانفورث بأن “هناك مؤامرة تحاك للإطاحة بالمسيح في هذه البلاد”), ومثلما فعل مارتن لوثر(1483 -1546) -مؤسس البروتستانتية- عندما أدان جميع من خالف عقيدته من المسيحين الذين ظلوا موالين للكنيسة الكاثوليكية واعتبرهم أتباع وعملاء الشيطان -مثلهم مثل اليهود الذين رفضوا الاعتراف بيسوع كمسيح أو أولئك الذين يقفون في وجه ملكية الارستقراطيين من خلال المشاركة في حروب الفلاحين.. وفي النهاية إدانته لجميع من لا يتبعه. وبالتالي يتحول الأمر إلى البحث عن مخرج لحل أخلاقي بدل من العثور عن حل سياسي، أي إظهار المعارضة بالصورة النمطية البدائية لتاريخنا البشري “التواصل مع الشيطان”.

فلا عذر للفوضى والتمرد ضد الحاكم حتى لو كان هذا الأخير فاسداً وظالماً باعتبار أن نظام الحكم المدني تأسس بمعيّة العناية الإلهية للحفاظ على الحق والنظام في المجتمع وأي عصيان ضده يعدُّ خروجاً على طاعة الرب ومن حق الدولة والحاكم أن يستخدما “العنف” لوضع حد لهذا التمرد الذي يقوده الشيطان والذي غادر الجحيم ليستقر في عقول الفلاحين. فالثورة في اعتقاده أمر لا يُحتمل(6).

والشيطان هنا قد يكون رمز أو أداة أو دلالة أو مجرد مطية للقضاء على المعارضة.

إن هاجس دانفورث الحقيقي ليس الشيطان، بل قوته الخاصة، وهذا أمر يمكن فهمه باعتبار أن دانفورث يهتم بعظمة القانون وهيبته أكثر من اهتمامه بتحقيق العدالة.

رغم بعض الملاحظات النقدية على عمل ميللر لاسيما في المبالغة في تبسيط الأمور- حيث أنه لم تكن هناك، على حد علمنا، ساحرات في سالم، بينما كانت المكارثية حقيقة قائمة في الخمسينيات-، إلا أن هذا لايعني أن الطرح الأساسي لميللر هو عقد المقارنة بين محاكمة ساحرات سالم ولجنة مكارثي، بل ما كان يشغل ميللر، آنذاك، القلق التي انتابه بعد استماعه لاعترافات صديقه إيليا كازان، حيث يُظهر المناخ العام عدم رغبة السياسيين الاعتراف بأنهم أخطأوا عندما سمحوا لشخصية كئيبة مثل مكارثي (ونائبه ريتشارد نيكسون) أن يقوم بتجاوزات كارثية على الصعيدين السياسي والاجتماعي من خلال تشجيع البعض على الاعتراف بـ “جريمتهم” و”الوشاية” برفاقهم بطريقة تشبه سلوك ساحرات سالم. ولئن كانت تفسيرات القرن السابع عشر للأحداث في سالم تبدو ملتوية ومتناقضة وملتبسة بانشغالات العصر، فلم يتغير شيء يذكر على صعيد التفسيرات اللاحقة، المتعددة، فالبوتقة كما يصفها ميللر “استجابة سياسية “رجعية “للمتغيرات الأمريكية، في وقت كان يسير فيه المجتمع نحو المزيد من الحرية الفردية”.

وفي الحقيقة كان موقف ميللر مشرفاً في تصديه للمكارثية فهو لم يكتف بالإدانة، بل مارس دوراً مشتبكاً بأن أنتج عملاً يتحدى التزييف الفظ للواقع الأمريكي الذي كانت تروج له المكارثية في سعيها لتضليل الناس حول مخاطر تنبع من الغرائز وليس من العقل عبر شعارات شعبوية بسيطة تجذب أشد فئات المجتمع ضحالة، والحقيقة أن مقابلة محاكمة ساحرات سالم بالمكارثية فرض نفسه على كل من درس المسرحية أو شاهدها أو حضر الفيلم، ولا يمكن أن نفهم العمل الفني دون هذه المقابلة، فمعظم من تحدّث عن المكارثية شبّه أفعالها بـ “مطاردة الساحرات” كعودة غير مستحبة للماضي الأمريكي الكئيب من أجل فهم ما يحصل في عصر ميللر. وهذا أمر بديهي.

ومثلما انتهت المحاكمة، فكذلك انتهت المكارثية، وبات ينظر لها كحدث عرضي لا يمثل الجوهر الأمريكي. ومن هنا كان يبدو حرص ميللر على الرجوع إلى الوقائع التاريخية المدونة واستعارة شخصيات واقعية موجودة تاريخياً من تلك الحقبة.

…………………

هوامش

1- البوتقة The Crucible دراما تاريخية من إخراج نيكولاس هيتنر1996 ومن بطولة دانييل داي لويس (جون بروكتور) و وينونا رايدر(أبيغال ويليامز) وبول سكوفيلد (القاضي توماس دانفورث) بالإضافة إلى بروس دافيسون بدور صموئيل باريس وجوان ألين بدور إليزابيث بروكتور.(فيما يلي رابط الفيلم  https://www.g7a.com/watch.php?vid=b0ca0f31b ) والعنوان البوتقة،The Crucible اسم يعني الوعاء المصنوع من مادة مقاومة للحرارة العالية تستخدم في صهر المعادن، كما تؤدي الكلمة باللغة الإنكليزية معنى التجربة بوصفها محنة واختبار، وسوف نكتشف في سياق الفيلم مدى تماهي هذين المعنيين، بل أن المجاز لا يتوقف عند الصهر أو الاختبار فقط، إنما يتعداهما لمعنى المحنة التي ستؤدي إلى الكشف عن الصورة الحقيقية لشخصية الفرد، فتكون البوتقة تورية تمزق الغلالة التي تختفي خلفها الشخصيات لتكشف عن نواياهم الحقيقية وجوهرهم بحيث لا نتمكن من تحديد الدوافع لكل شخصية فحسب، بل يمكن إعادة تقويم هذه الشخصية من خلال أفعالها. بكلام آخر، سنعيش لحظة “المحنة والاختبار” تلك وسوف نحدد ما إذا كنا نستطيع اجتياز تلك التجربة.

2- يذكر آرثر ميللر في مذكراته “منعطفات زمن  Timebends “عن حادثة حصلت معه قبل كتابة المسرحية بزمن، حين كان يتنزه برفقة صديقه إيليا كازان ودخلا في نقاش فيما يتصل بالمضايقات التي يتعرض لها كازان، ورغم عدم تقبّله بأن يكون كازان مخبراً إلا أنه يستشهد ببعض العبارات على لسان كازان التي تشير إلى عدم ثقته بالشيوعيين. ويتابع ميللر القول أنه بعد أن أنهى جولته مع صديقته وبينما  كان يهمُّ في ركوب سيارته “خرجت مولي [يقصد زوجة كازان] وسألتني إن كنت سأبقى في البيت لبضع الوقت فأخبرتها إنني في طريق إلى “سالم”، فأدركتْ على الفور ما أعني فتملكها خوف مفاجئ ظهر من خلال اتساع عينيها وقالت بغضب: ” لن تساوي ما يحدث الآن بما حدث لساحرات سالم!”. وكان إيليا كازان قد قال، لاحقاً، في مذكراته الخاصة بعنوان “حياة Alife ” : “قالت [مولي] ما يجري الآن وهنا لا يمكن مقارنته بمحاكمات الساحرات حينها..” لا وجود للساحرات، أما الشيوعيون فهم موجودون. هنا وفي كل مكان في العالم. لا يمكنك مقارنة صيد الشيوعيين بصيد الساحرات، فهذا سوف يعطي إيحاء بعدم وجود شيوعيين في الحكومة أوفي الوسط الفني”.

3- يرى البعض أن لا معنى لتلك التماثلات التي يطرحها ميللر، فما جرى في سالم لا يماثل ما قامت به المكارثية، (مثلما قالت مولي زوجة إيليا كازان)، فحقيقة الأمر أنه لا وجود للساحرات في سالم في حين أن الشيوعين كانوا يملؤون أمريكا آنذاك بل في كل مكان في العالم، وبالتالي فهي  تماثلات غير دقيقة، رغم كل ما يقال عن مساهمة المكارثية في تشويه كلمة “شيوعي” في أمريكا بسبب مطابقتها لعبارة “صيد الساحرات” ووقعها الشعبي. ورغم وشاية كازان، فهو بكل تأكيد لم يكن جزء من أي مؤامرة أو عميلاً لأي جهة تسعى للإطاحة بالحكومة، وكذلك ميللر وغيرهما بل كانوا مجموعة مثقفين ترى في الأفكار والعناصر الشيوعية وسيلة ممكنة لمحاربة العنصرية والفاشية ومعالجة الخلل الاقتصادي

4- يحيل الاسم أبيغال في التقليد الكتابي إلى زوجة نابال الكرملي الذي يوصف بأنه لم يكن صالحاً. تزوجت أبيغال من داود بعد موت نابال زوجها (انظر سفر صموئيل الأول 25) وأنجبت له ولداً يدعى كيلاب (صموئيل الثاني 3 : 3) أو دانيئيل حسب سفر الأخبار الأول 3 :1.  وتظهر أبيغال- بعكس الصورة النمطية الكتابية عن النساء- بأنها امرأة جميلة ومتعلمة وذكية تستطيع أن تدفع عن زوجها نابال غضب داود حين رفض الزوج أن يمد داود ورجاله بالطعام بعد أن نفذت مؤونتهم، ولا يبدو أن ميللر اختار الاسم بسبب هذه الإشارات الكتابية، إنما يعود ذلك على الأرجح لشيوع هذا الاسم بين أفراد الطائفة البروتستانتية في تلك الفترة.

5- يبدو أن هذا كان محور الاقتباس الذي قام به جان بول سارتر لمسرحية ميللر, عند كتابة سيناريو الفيلم الفرنسي ساحرات سالم  Les Sorcières de Salem في العام 1957 (إخراج ريمون رولو و بطولة  إيف مونتان و ميلين ديمونجو وسيمون سينوريه) عندما وضع اللوم على عاتق ملاك الأراضي والأغنياء الذين يتآمرون على الفلاحين الفقراء “في الحقيقة تشير ملفات محاكمة ساحرات سالم أن النسبة الكبيرة ممن تم إعدامهم هم من الفلاحين الذين لا يملكون أرضاً، في حين تم إدانة ثلاثة من ملاكي الأراضي من أصل تسعة عشر رجل وامرأة). ويمثل بوتنام مالك الأرض الجشع ويظهر-مثله مثل أبيغال- كصاحب أجندة خفية لا يمنعه شيء في سبيل تحقيق رغباته وسعيه لامتلاك الأرض حتى لو اضطر إلى قتل جيرانه أو اتهامهم زوراً بممارسة السحر والتواصل مع الشيطان، مما يسمح له بالاستيلاء على أرضهم بعد إعدامهم حتى أنه يتهم جون بروكتور بسرقة خشب من أرض ليست له، رغم زعم بروكتور أنه اشترى الأرض من فرانسيس نيرس قبل عدة أشهر، لكن بوتنام يصرّ أن هذه الأرض ليست من حق فرانسيس، وبالتالي ليس من حقه أن يبيعها. من ناحية أخرى هناك الكثير من الأسباب التي تجعل من بوتنام شخصية حاقدة على كل سكان سالم، فهو يعتبر نفسه الأفضل لأنه الأكثر ثروة بينهم ومع ذلك فهو ليس لديه وريث إذ مات جميع أطفاله ولم يبق لديه سوى روث التي تلبسها الشيطان الآن، كما أن زوجته تشاركه نوعاً ما بشعور الظلم، وهي لا تمانع من إلقاء اللوم على سكان سالم لوفاة أطفالها وتسعى للانتقام من أعمالهم الخبيثة تلك.

6-حرب الفلاحين الألمانية  der Deutsche Bauernkriegأو ثورة الفلاحين العظمى (1524 – 1525), ظهرت كتمرد ضد الأوضاع المعيشية السيئة التي كانت سائدة في الإمبراطورية الرومانية المقدسة. وقد أصدر مارتن لوثر سنة 1525 كتيباً بعنوان “ضد جموع الفلاحين التي تقوم بالسلب و النهب”، أعلن فيه انحيازه إلى جانب “السادة” الحكام وتأييدهم في قمع الانتفاضة، ويذكر فيها كيف تناسى هؤلاء الفلاحين تعاليمه فقاموا “بالسلب والنهب وأسلموا قيادهم إلى الهياج و تصرفوا كالكلاب المسعورة”، زاعماً أن أفعالهم وحي من الشيطان، فالشغب والانتفاضة ضد الحاكم يعدُّ خروجاً على سنن الرب وقانون الإمبراطورية ويستوجب قتل فاعلها، فالثورة تربة خصبة، على حد قوله، للقتل وسفك لدماء وترمل النساء وتيتم الأطفال .. إنها باختصار سوف تقلب كل شيء رأساً على عقب. وفي رسالة إلى نيكولاس أمسدورف (30 أيار\مايو 1525) يقول: “من الخير، في رأيي، لو يُقتل الفلاحون جميعهم عوضٌ أن يهلك الأمراء والحكام، لأن أهل الريف ثاروا بدون أي توجيه إلهي”.  كما نشر خطاباً في تموز\ يوليو من العام ذاته يشير فيه على الحكام بالتضييق على “هؤلاء الناس” وإجبارهم على الانصياع وإمساك ألسنتهم فلو انتصر هؤلاء لن يكون أحد بمأمن.

عن محمود الصباغ

كاتب ومترجم من فلسطين

شاهد أيضاً

جدلية التجسيد والتجريد في الاقتران الإنساني-الرقمي، فيلم Her مثالاً

من بين الكثير من الاقتباسات المتناثرة في هذا الفضاء الرقمي، هناك واحدة للفيزيائي الشهير ألبرت …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *