الرئيسية > تاريخ > البنى الآثارية للاستيطان الإسرءيلي في العصر الحديدي الفلسطيني(1)
غلاف الكتاب

البنى الآثارية للاستيطان الإسرءيلي في العصر الحديدي الفلسطيني(1)

ترجمة: محمود الصباغ

الفصل الأول: مقدمة وتاريخ البحث

شهدت أحداث القرنين الثاني عشر والحادي عشر ق.م أحد أكثر الفصول إثارة للإلهام والجدل في تاريخ أرض إسرءيل، ونقصد بذلك توطن الإسرءيليين وتحولهم من مجتمع قبائل منعزلة إلى مملكة منظمة*،. وخاض الباحثون، فيما بينهم، صراعاً امتد لسنوات عدة بشأن هذه الفترة العاصفة(1) بتبنيهم وجهات نظر ومقاربات متنوعة ومختلفة مثل السردية الكتابية والجغرافيا التاريخية وعلم الآثار، دون أن يحول ذلك من بقاء الإشكالية المتعلقة بهذا الموضوع مستعصية على الفهم، بل وغامضة في بعض الأحيان. حتى أن بذور الخلاف البحثي نشأت قبل ظهور علم الآثار كأداة أساسية لدراسة العصور القديمة، حيث ركزت البحوث بالدرجة الأولى على مصدر الكتاب فقط. غير أن الموضوع استقطب المزيد من الإثارة و الاهتمام  الكبيرين بدءً من عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين، عندما بدأت تظهر نتائج أعمال الحفريات والتنقيب التي تم تأويلها في سياق الوصف الكتابي لغزو بلاد كنعان. و لكن، ولأسباب سوف يتم الإشارة إليها لاحقاً، لم تستطع هذه الاكتشافات، ولا تلك التأويلات حل هذه المشكلات ذات الأهمية الخاصة، بل أن مثل هذا الأمر ساهم في تكثيف حالة الجدل وتعميقها. كما ساهمت المضامين اللاهوتية لهذه القضية في إذكاء حدّة وحرارة الأجواء المشحونة عاطفياً المحيطة بهذه السجالات. وقد عبر [ وليم] أولبرايت- مؤسس أحد أهم “مدارس” البحث في تلك الفترة- عن هذا العصر بوضوح عندما أوجز، لأول مرة، مضامين اللقى الآثارية على ” تأريخ الغزو العبري لفلسطين”. ولم يكن يخلو الأمر من بعض المعضلات الضئيلة فيا يتعلق بعملية التأويل التاريخي للمعطيات الآثارية الفلسطينية التي بهرت الباحثين بقدر ما يعبر عنوان هذا الكتاب عن درجة الانبهار تلك. “وفي ذات الوقت بدت بعض هذه المعضلات كأنها صعبة المنال” (1935 : 10) ..

تكاد تفصل بيننا وبين هذه الجملة الأخيرة نحو خمسون عاماً**  اتسعت خلالها الأنشطة الأثرية، فباتت الآن من صميم البحث المتعلق بالتوطن الإسرءيلي ( للتعرف على استخدام مصطلح ” إسرءيلي” انظر الفصل الثاني من هذا الكتاب)، ومع كل هذا فقد بقيت معظم المعضلات التي حيّرت الباحثين منذ أكثر من جيل دون حل، على الرغم من القيام بأعمال التنقيب عن المواقع المركزية للرواية الكتابية المتعلقة بالغزو الإسرءيلي -مثل حاصور وعاي وبيتيل ولخيش وعراد- و لم تمكن نتائج هذه التنقيبات من تقديم إجابات واضحة عن العديد من الأسئلة البارزة المتعلقة بطبيعة عملة الاستيطان وتاريخها المحدد والعلاقات بين المستوطنين والسكان الكنعانيين ولا عن الأصول التي ينتمي لها أولئك المستوطنون القادمون الجدد.. إلخ

وكما هو معروف جيداً، تعددت وتضاربت تأويلات الروايات الكتابية المتعلقة بغز واستيطان أرض إسرءيل. وتخلى، مع مرور الوقت، الكثيرون عن الآمال التي تعلقوا بها لجهة إمكانية مساعدة الأدلة الآثارية في حل لغز هذه الفترة المحيرة. ولا يقتصر الأمر على قبول المعطيات والبيانات الأثرية المتراكمة أو رفضها من قبل كل ” مدرسة” وفقاً لأيديولوجيتها الأساسية، بل يتعدى الأمر  من ناحية أن هذه المعطيات والبيانات، بحد ذاتها، قد زادت من حجم التشويش وفقدان الأمل.

وبحلول الثلاثينيات، قامت اثتنيتن من المقاربات الثلاث السابقة، سالفة الذكر، بصياغة إعادة بناء عملية الاستيطان الإسرءيلي في بلاد كنعان. فقامت مدرسة أولبرايت، من خلال التتبع الوثيق للإصحاحات الأولى لسفر يشوع، بوضع تصور عن غزو عسكري موحّد أدى إلى تدمير المدن الكنعانية، و نُظر إلى  طبقات العصر البرونزي المتأخر المدمرة في مواقع مثل لخيش وبيتيل وحاصور  كدليل على صحة السيناريو الذي طرحته هذه المدرسة. بينما افترضت، من ناحية أخرى, مدرسة [ العالم الألماني ألبرخت ] آلت حدوث تسلل بطيء وسلمي لمجموعة بشرية شبه بدوية انساحت باتجاه مناطق غير مأهولة، واستقرت فيها، وتسبب هذا التسلل، لاحقاً، في مواجهات مع معاقل الكنعانيين في الوديان. وأظهر العديد من العلماء و الباحثين المهمين المرتبطين بهذه المدرسة التي اكتسبت زخماً منذ خمسينيات القرن الماضي, شكوكاً في إمكانية علم الآثار تسليط الضوء على هذه الفترة. ويعود ذلك إلى التصور الآخذ في التنامي، آنذاك، بأن النتائج التي أعلنتها مدرسة أولبرايت، كدليل قوي على صحة مزاعمها،  كانت في الواقع نتائج مبهمة وتحتمل أكثر من تأويل، وأدرك [الباحث الألماني مارتن] نوث المؤيد بشدّة لهذا الموقف أن الأمر بمثابة ” عقدة غوردية”*** فكان موقفه يتمثل في أن: دراسة التقاليد الكتابية تقوم على تفسير الاكتشافات الأثرية، وقُدّمت هذه بدورها لتقوم بشرح السرديات الكتابية (1960 : 278)، وينبغي لنا، وفقاً لمارتن نوت، أن ندرك الحقيقة التي ترى بأن ثمة مقدار ضئيل من يقين نرغب في الاعتراف به حول الأحداث التاريخية، حتى في ضوء البحث الأثري، وأن معنى الاكتشافات الأثرية، على خلفية التقاليد الكتابية هو أكثر تعقيداً مما يبدو لنا للوهلة الأولى.. ( 1938 : 22 , وأيضاً 1960 : 271-282).

قبل حوالي خمسة عشر عاماً، كان [مانفريد] فيبيرت، وهو باحث آخر من المدرسة الألمانية، على دراية بكيفية التقويم الصحيح للأدلة الأثرية الجديدة المتحصل عليها على ضوء التنقيبات في مناطق الهضاب، وبرغم ذلك كان رأيه بأن هذه الأدلة سلبية إلى حد كبير، أو غير مؤكدة في أحسن حالتها.. و” يبدو واضحاً لي أن ثمة وزن ضئيل للجانب الأثري للتوازن سواء في الحالات العامة أو الفردية على حد سواء، حيث العبء الأكبر للإثبات يقع بالكامل تقريباً على الأدبيات ( 1971 : 135-136). ويبدو لنا بصورة واضحة، في الواقع، إذا ما أخذنا في اعتبارنا طبيعة الأدلة التي قُدّمت في الماضي، أن هناك ما يبرر إنكار هؤلاء النقاد لصحة المساهمات الأثرية. وعملياً كان استكشاف الطبقات المدمرة في التلال الكنعانية وإسنادها إلى أنشطة القبائل الإسرءيلية الأولى هو السبيل الوحيد المتاح للبحث الآثاري عن فترة الاستيطان، علماً بأن معظم هذه التلال تقع في سهل شيفلة [ السهل السفلى] والسهل الساحلي والوديان الشمالية، وهي مناطق تقع في معظمها خارج حدود الاستيطان الإسراءيلي الأولي. علاوة على أنه من المستحيل، بالنسبة لنا، أن نقرر، على وجه اليقين، ما إذا كانت تلك المدن والحواضر قد دُمّرت جميعها في ذات الوقت. أما بالنسبة لعوامل التدمير فقد لاحظ النقاد- وهم محقون بذلك- أنه خلال فترة الاضطرابات في الفترة من منتصف القرن الثالث عشر ق.م حتى منتصف القرن الثاني عشر ق.م، كانت هناك مجموعات أخرى في المكان يمكنها أن تقوم بأعمال التوطن تلك. ولكن هذا السبيل السالف الذكر- التنقيب في التلال الكنعانية- لم يفشل فقط في تقديم النتائج المتوقعة منه، بل ركّز على مسائل قليلة الأهمية بدلاً من الأمور المهمة، الذي هو بطبيعة الحال التحقيق الأثري المباشر لفترة الاستيطان، أي تقصي المواقع في منطقة الهضاب الوسطى حيث جرت معظم هذه العملية التاريخية.

تمثّل المعْلم الأثري الأول في البحث الأثري المباشر لفترة الاستيطان الإسرءيلي، في تنقيبات أولبرايت، في تل الفول شمال القدس في العام 1922. حيث يمكن الحديث، لأول مرة، عن اكتشاف بقايا مستوطنة يمكن أن تعود إلى بداية العصر الحديدي، وحُدّد الفخار النموذجي لمواقع العصر الحديدي الأول في الهضاب، كما شهدت السنوات الخمسة عشر التالية نشاطاً آثارياً كثيفاً في الهضاب الوسطى والمناطق المتاخمة لها، فعُثر على موقع العصر الحديدي الأول في موقع تل النصبة ” مصفاة الكتابية” قرب رام الله ( على يد بادي 1926-1935) وموقع تل بيت مرسيم  في الجزء الجنوبي العلوي من شيفلة ( على يد أولبرايت  1926-1932) و شيلوه ( بواسطة شيار 1929) و بيت زور[ خربة برج الصور، قرب حلحول؟] بالقرب من الخليل ( على يد سيلرز 1931) وبيتيل ( من قبل أولبرايت 1934) وخربة التل ” المعروفة كتابياً باسم عاي” إلى الشرق من رام الله (عن طريق ماركيت-كراوس 1933-1935)، وفي غضون فترة زمنية قصيرة نسبياً جُمعت ذخيرة من المعلومات المتعلقة بالأنشطة المعمارية والفخارية لسكان العصر الحديدي الأول في الهضاب. وكان من الإنجازات الرئيسية اكتشاف جرار التخزين ضمن الطبقات المدمرة في شيلوه التي عزاها أولبرايت إلى الهجوم الفلستي على الموقع في أعقاب انتصارهم على إسرءيل، في منتصف القرن الحادي عشر ق.م، في الموقع الذي يشير له نص العهد القديم ابن ها زور [بالعبرية אבן העזר  بمعنى حجر المعونة، ويظهر اسم الموقع في سفر صموئيل الأول، الإصحاح السابع: “12، فَأَخَذَ صَمُوئِيلُ حَجَراً وَنَصَبَهُ بَيْنَ الْمِصْفَاةِ وَالسِّنِّ، وَدَعَا اسْمَهُ «حَجَرَ الْمَعُونَةِ”. ومازال موقع هذه المعركة موضع جدل بين الباحثين الكتابيين، فيشير البعض إلى  بيت إكسا كموقع محتمل له، ويشير البعض الآخر إلى موقع دير أبان. ( للمزيد انظر: C.R. Conder, “Notes from the Memoir”, Palestine Exploration Quarterly, vol. 18, London 1876, p. 149; Conder & Kitchener, The Survey of Western Palestine, vol. iii (Judaea), London 1883, p. 24). [المترجم ] ولكن بسبب غموض نتائج معظم الحفريات فقد طغت عليها لقى التلال الكنعانية الكبيرة. وجاء عقد الخمسينيات من القرن الماضي ليحمل معه التطورات الرئيسية في مجال البحث الميداني لفترة الاستيطان، وبعد عقدين من الزمن كان البحث الأثري خلالهما في ” أرض إسرائيل” في حده الأدنى واقتصر النشاط على حفريات [يغال] يادين في حاصور والمسح الذي قام به [يوحنان] أهاروني في الجليل الأعلى. وأمكن، لأول مرة، دمج أنواع مختلفة من المعلومات المتعلقة بكل من مواقع التلال الكنعانية الرئيسية وكذلك مجموعة المواقع  الصغيرة غير المحصنة التي تعود للعصر الحديدي الأول. وقد اكتشف يادين في حاصور أن المدينة التي تعود للعصر البرونزي الأخر تعرضت للدمار إثر حريق هائل، وسرعان ما أنشئت مستوطنة صغيرة في الموقع، بعد ذلك، تعكس ثقافتها المادية المتفرقة، حسب رأيه، ثقافة سكان المراحل الأولى من التوطن. وكان عمل أهاروني الرائد في الجليل الأعلى أول محاولة لفهم تاريخ وحدة جغرافية محددة عن طريق مسح شامل لمواقعها. ويرى أهاروني، في استنتاجه الرئيسي، أن التضاريس الوعرة والتلال غير المضيافة نسبياً في الجليل الأعلى لم تكن مأهولة تقريباً في العصر البرونزي المتأخر, بينما نشأت في العصر الحديدي الأول سلسلة من المستوطنات الصغيرة غير المحصنة. وتتفق هذه الصورة بشكل جيد مع فهم [مارتن] آلت للاستيطان الإسرءيلي. لذلك قدم يادين وأهاروني معلومات متضاربة لذات الأدلة الأثرية: ففي الوقت الذي كان فيه يادين يؤكد على أن الاحتلال الإسرءيلي لم يبدأ إلا بعد تدمير حاصور الكنعانية كما هو موصوف في نصوص العهد القديم، أصرّ أهاروني على أن الاحتلال الإسرءيلي للمنطقة الجبلية الوعرة بدأ قبل تدمير حاصور. وأشعل الجدل بينهما المواجهة من جديد بين “مدرسة” أولبرايت و ” مدرسة” آلت, وتحوّل الانتباه عن القضايا الرئيسية لفترة الاستيطان لأن منطقة الجليل الأعلى بعيدة عن المواقع الرئيسية للاستيطان الإسرءيلي في الهضاب الوسطى. علاوة على ذلك، ووفقاً لتفسيرنا الحالي للأدلة، لم يبدأ الاحتلال الإسرءيلي في الجليل الأعلى إلا في مرحلة لاحقة من تلك الفترة.

حدث الاختراق البحثي الرئيسي في أواخر الستينيات. ففي أعقاب حرب الأيام الستة، تمكن العلماء من الوصول إلى معقل الاستيطان الإسرءيلي في مناطق الهضاب الوسطى- المنطقة الواقعة بين بئر السبع وأودية يزرعيل-. في ذات الوقت كان هناك اعتراف متزايد بأن مشاكل فترة الاستيطان لا يمكن حلّها إلا عبر العمل الطويل والشاق المتمثل في حفر المواقع الفعلية لمناطق الاستيطان الإسرءيلي بالتزامن مع أعمال مسح واسعة من أجل التوصل إلى نظرة شاملة عن احتلال هذه المناطق. وأول هذه المساعي كانت التنقيب في خربة ردّانة الواقعة على الحافة الغربية من رام الله من قبل كولواي وكولي، واستمرت الحفريات في موقع عاي على يد كولواي، ومسح مناطق “يهوذا و السامرة” سنة 1968 بواسطة كل من كوشافي وكاللاي وغوفنا وبورات، وأعطت هذه المساعي جميعها دفعة قوية لمزيد من البحث. لم تتعرض مواقع العصر الحديدي المبكر في عاي وردانة إلى احتلالات لاحقة، مما جعل من الممكن الكشف عن مناطق واسعة بما يكفي لإعادة بناء مخططاتها الشاملة، وكشف مسح 1968 عن أكثر من 100 بؤرة شغلتها مواقع العصر الحديدي الأول. وهكذا بدأ يتضح حجم التوطن في مواقع العصر الحديدي المبكر في الهضاب الوسطى- على عكس المناطق الأخرى من البلاد. وعلى الرغم من أهمية مسح العام 1968 إلا أنه كان مسحاً انتقائياً، بحيث تم تمشيط مناطق معينة، بصورة تامة تقريباً، دون غيرها، كما لم تُعالج الجوانب البيئية والإيكولوجية. لقد أدت محاولات تأسيس فهم الاستيطان الإسرءيلي في الهضاب الوسطى، وفقاً لمسح العام 1968 ، إلى ظهور تقويمات غير مكتملة وغير صحيحة، والسبب في ذلك يعود إلى عدم إدراك أوجه القصور في آلية عملية المسح ذاتها.

 ومع بداية السبعينيات انتقل تركيز البحث عن المستوطنات الإسرءيلية مرة أخرى من مناطق الهضاب الوسطى إلى منطقة ثانوية- وإن كانت مهمة بحد ذاتها- تشمل مواقع وادي بئر السبع. وشملت الدراسة الجهوية الشاملة التي قام بها أهاروني, على جملة أمور، كالتنقيب في تل مصوص في قلب الوادي، من قبل كيمبينسكي وفريتز. وكشفت الحفريات عن موقع مزدهر وكبير يعود للعصر الحديدي الأول اعتُبر، من قبل المنقبين، موقع استيطان إسرءيلي. وجعلت هذه النتائج أهاروني يفترض أن تدفقاً بشرياً كثيفاً كان وراء الاستقرار في وادي بئر السبع في العصر الحديدي الأول، واعتبر هذا بمثابة دليل إضافي يدعم برأيه أن الاستيطان الإسرءيلي بدأ في المناطق الهامشية غير المأهولة خلال العصر البرونزي المتأخر. وطور كيمبينسكي و فريتز-كل على حدة- نظريات حول الاستيطان الإسرءيلي بناءً على لقى موقع تل مصوص. وفي فترة لاحقة شكك كوشافي وآخرون في اعتبار تل مصوص موقعاً إسرءيلياً، وقد قوضت هذه الاعتراضات نظريتي كيمبينسكي و فريتز تماماً.

وتسارعت الأبحاث الأثرية منذ أواخر السبعينيات بخصوص الاستيطان الإسرءيلي في الهضاب الوسطى، فقامت أعمال حفر في مواقع هامة في جيلو وجنوب جنين على يد [عميحاي] مزار، وفي جبل عيبال من قبل زرطال وعزبة صرطة على يد كوشافي، وقام مؤلف هذا الكتاب بالحفر في شيلوه، الموقع المقدس لسكان الهضاب الوسطى في تلك الفترة. قدّم موقع جيلو معطيات ذات فائدة في عملية الاستيطان في يهوذا، وكنت قادرين، في موقع عزبة صرطة، على دراسة ظاهرة الاستيطان الإسرءيلي عند الحواف الغربية للهضاب الوسطى المقابلة للسهل الساحلي الكنعاني-الفلستي، و تتبع تطور العمارة في العصر الحديدي الأول. وكان لموقع شيلو الغني باللقى فائدة في تسليط الضوء على  العديد من جوانب الثقافة المادية الإسرءيلية المبكرة وخصائص عملية الاستيطان. وفي الوقت ذاته، باتت الصورة العامة للتوطن في البلاد ككل خلال فترة العصر الحديدي الأول أكثر وضوحاً بفضل المسوحات الشاملة التي أجريت في المنطقة. ورُسمت خرائط لأكثر من 250 موقع من مواقع العصر الحديدي الأول بفضل المسوحات التي قام بها زرطال في [إقليم] منسّي و[إقليم] إفرايم بواسطة مؤلف الكتاب و[إقليم] يهوذا على يد عوفر، وفي الجليل الغربي من قبل فرانكل وفي الجليل الأدنى على يد غال. وأكدت هذه الدراسات على الظروف البيئية والإيكولوجية الضرورية لفهم التطور التاريخي لعمليات التوطن في كل منطقة من تلك المناطق والأقاليم****. وعلى الرغم من العقبات العديدة التي واجهها الباحثون في دراستهم لفترة الاستيطان الإسرءيلي, فقد شهدت العقود الستة التي تلت أعمال الحفر الأولى لأولبرايت في تل الفول تقدماً هائلاً، بالأحرى ثورة حقيقية، في مجال البحوث. ولم يعد من الممكن الدفاع عن النظرة القائلة بأن لا أهمية لعلم الآثار في فهم الاستيطان الإسرءيلي، وهو إرث جهود باحثين معينين من “مدرسة” التسلل السلمي، ومن المفارقات أن بعض مبادئ هذه المدرسة قد تعززت بشكل كبير بفضل  المسوحات الآثارية الجهوية التي تدمج الجوانب البيئية، ومن الواضح، عموماً، المحاولات الجدية، الحديثة نسبياً، لاختزال فترة الاستيطان بالأدلة الأثرية التقليدية فقط دون الأخذ بعين الاعتبار الدراسات الإقليمية الجديدة وعمليات التنقيب الأخيرة. و على الرغم من أن التحفظات المعبر عنها في الاقتباسات التالية لها ما يبررها جزئياً، إلا أن استنتاجاتها خاطئة بصورة أساسية.

أ) لولا الأدبيات الكتابية، لن يكون بمقدور علم الآثار أن يكون على دراية تامة بأية تغيرات إثنية هامة في نهاية العصر البرونزي المتأخر (فرانكن 1937: 337).

خلاف ذلك

ب) لا يوجد نمط واضح يمكن تمييزه في اللقى الأثرية المتاحة حالياً التي تعود لأوائل العصر الحديدي الأول والعصر البرونزي المتأخر، والتي يمكن تحديدها كمعطيات أثرية تعكس احتلال إسرءيلي محدد للأرض (ميللر a 1977: 262) .

ج) فشل علم الآثار حتى الآن في جعل الإسرءيليين “مرئيين”  كجماعة إثنية جديدة في مستوطنات الهضاب الوسطى ( دو جيو 1975: 70).

قام ييفين بجهد كبير عبر متابعته لكل ما كُتب عن أعمال التنقيب في التلال [الكنعانية] الكبيرة وتوصل إلى استنتاج مفاده أن هذه الأدبيات صحيحة تماماً لأن الأدلة تقدم حقائق مجردة غير ذات صلة بما يمكن الوصول إليه من استنتاجات تاريخية مأخوذة منها، سواء بقبول هذه الحقائق  أو رفضها (1971a: 68). ورغم هذه النتيجة التي توصل إليها، إلا أنه قام هو نفسه بكتابة “دقيقة” لعملية إعادة الاستيطان، بما في ذلك إعطاء تواريخ محددة(!).

 وتعد عملية إعادة تدوين عملية الاستيطان  هذه التي قام بها ييفين مثالاً نموذجياً على مدى شيوع التكهنات والخيال في دراسات الاستيطان. وسرعان ما أصبحت مثل هذه الأعمال مهملة، بحيث يمكن -بسهولة- الآن ملء الفراغ الذي خلفته وراءها بملخص حديث عن الأدلة الجديدة. ولايتوقف الأمر على جهود ييفين في إعادة بناء الاستيطان، فثمة هناك فشل إضافي لعدد لابأس به من العلماء الذين تعاملوا في السنوات الأخيرة مع أحداث العصر الحديدي الأول. ويتمثل هذا الفشل في معرفتهم السطحية الواضحة للمنطقة مما أثّر سلباً على أبحاثهم، لارتباط عملية الاستيطان ارتباطاً وثيقاً بطبيعة الأرض نفسها- المشهد المكاني والمناخ والإمكانات الاقتصادية. وتنتشر الأمثلة عن هذه المعرفة السطحية في العديد من المنشورات الحالية إلى حد ما، إلا أنها أشد ما تكون وضوحاً بصورة خاصة لدى مؤيدي” المدرسة الاجتماعية” لدراسة الاستيطان، لأنهم بحاجة أكثر من غيرهم إلى المعرفة المباشرة للمعطيات البيئية. فقد لجأ غوتوالد، على سبيل المثال، إلى أوجه التشابه البعيدة لدعم آرائه (1979: 445), متجاهلاً تماماً المجموعات السكانية ذات الصلة التي مازالت تعيش بطرق تقليدية في المنطقة قيد الدراسة. وعلى ذات المنوال، أصبحت النظريات التكنولوجية الزراعية الخاصة بالتوطن مثل النظرية التي تفترض أن استيطان الهضاب الوسطى ممكن بفضل زيادة استخدام المدرجات[ الزراعية] (انظر الفصل الثامن من هذا الكتاب) وهذا يعني فشل أصحاب تلك النظريات في معرفة الأرض التي يتحدثون عنها واللقى التي عثر عليها هناك. ومن غير الممكن البدء في التعامل مع حدث الاستيطان دون معرفة تامة على الأقل ولو لمنطقة واحدة من مناطق الهضاب الوسطى حيث مسرح الأحداث، وهذا يعني دراسة مكوناتها الأثرية والبيئية، وكذلك أنماط الاحتلال خلال الفترات التي سبقت وتلت مباشرة زمن الاستيطان الإسرءيلي.

ومن الأهمية بمكان، في رأينا، أن ندرس بعمق مجموعة المستوطنات التي تتوفر بشأنها بيانات كاملة، أي القرى الجبلية في هذه المنطقة في بداية القرن الحالي[ القرن العشرين]، وسوف يكون من المثير للجدل النظر إن كان ثمة مجال لاستخلاص استنتاجات معينة من نمط الاستيطان ومعيش السكان المحليين منذ بضعة أجيال فقط وتطبيقها على دراسة “أرض إسرءيل” خلال العصور القديمة. لم ينجح حتى التشكيك في صحة هذه المقاربة في القرن التاسع عشر. وكان يُنظر -لاحقاً- إلى هذا النوع من الاستنتاجات بنوع من الازدراء على أساس أن المنهج المتبع بها لم يكن “علمياً” بدرجة كافية. في حين تجددت، في السنوات الأخيرة، الاستعدادت لدراسة الجوانب الديموغرافية والاقتصادية والاجتماعية للحياة في “أرض إسرءيل” خلال أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين كوسيلة لفهم العصور القديمة،( لامكة 1985).

ونعلق، من جانبنا، أهمية كبيرة على مجالين من مجالات البحث الإثنوغرافي: تخطيط نمط الاستيطان للقرى العربية في أوائل القرن العشرين كمفتاح لتقدير الإمكانات الاقتصادية للمنطقة وكأساس لتوضيح التطورات الديموغرافية للمستوطنات في العصور القديمة، وفحص الظواهر الاجتماعية والاقتصادية للمجموعات المعاصرة في عملية التوطين، لاسيما البدو على الحواف الصحراوية الشرقية والجنوبية لـ” أرض إسرءيل”، وعلى الرغم من أن البحث التاريخي قد أكد مؤخراً على أهمية الجانب الاجتماعي، إلا أنه لم يتم إيلاء سوى القليل من الاهتمام للبيانات الخاصة بالعمليات الديموغرافية الفاعلة في منطقتنا في الأجيال الأخيرة، وهي عمليات تم توثيقها جيداً.

* * * * * * * * * * *

سوف نراجع، في الجزء الأول من هذا العمل، المعطيات الأثرية المتراكمة من عمليات الحفر والمسح والمتعلقة بمواقع الاستيطان الإسرءيلي. وسوف نستخدم هذه المعطيات في الفصول التالية. أما في الجزء الثاني فسوف نقوم بإعادة بناء نموذج شامل للاستيطان الإسرءيلي في منطقة [إفرايم] على ضوء المبادئ التوجيهية أعلاه. لقد  كانت تلال و هضاب [إفرايم] محوراً هاماً في عملية الاستيطان كما نراها بوضوح في الأدلة الأثرية وفي نصوص الكتاب، و لعبت هذه المنطقة دوراً رئيسياً في أحداث عصر القضاة، وكان موقع شيلوه، الذي يقع في قلب المنطقة، مركزاً لقبائل الهضاب في أوائل القرن الحادي عشر ق.م. وفي هذا السياق، سوف نقدم ملخصاً أولياً للمسح الشامل الذي أجريناه في المنطقة منذ العام 1980 وسوف نناقش المعطيات والبيانات البيئية الكامنة التي تقف وراء تطور الاستيطان الإسرءيلي. كما سنقوم أيضاً بوصف نتائج الفصول الأربعة للحفريات في شيلو، وهي أهم موقع في الهضاب الوسطى في ذلك الوقت. والجمع بين هذه المشروعين معاً مع أعمال النقيب في عزبة صرطة على الطرف الغربي للمنطقة، يجعل من إقليم [إفرايم] أكثر منطقة ملائمة لتقصي الاستيطان الإسرءيلي. أما في الجزء الثالث، من هذا العمل، فسوف نحاول تتبع بدايات الثقافة المادية الإسرءيلية، بينما سوف نستكشف في الجزء الرابع الجوانب التاريخية لعملية الاستيطان.

تهتم الدراسة الحالية بالآثار وتاريخ الاستيطان بصورة أساسية، و بالكاد سوف نتطرق إلى الأدلة الكتابية (باستثناء تحديد الموقع وما إلى ذلك) دون التقليل بأي حال من الأهمية الفريدة للكتاب لدراسة تاريخ إسرءيل، إذ لم تكلل بالنجاح المحاولات الرامية إلى إعادة بناء عملية الاستيطان الإسرءيلي عن طريق علم الآثار الكتابي التقليدي- من خلال البحث عن الصلات المباشرة بين اللقى التي عثر عليها في التنقيبات ونصوص الكتاب-. لقد كان هذا من بين جملة أمور منها حقيقة أن صياغة سفر يشوع، المصدر الأساسي للأحداث المعنية المذكورة في الكتاب، حدثت بعد عدة قرون من الفترة التي يصفها وهو يعكس، إلى حد كبير، الطريقة التي فُسّر بواسطتها الاستيطان  الإسرءيلي في القدس في نهاية الفترة الملكية (على سبيل المثال لامكة 1985 : 357-385), لذلك انقسم العلماء حول القضية الأساسية لفهم المصادر الكتابية أنفسهم.

نعتقد أنه ينبغي، في جيلنا الحالي، للأبحاث الآثارية أن تحاول أولاً إعادة بناء عملية الاستيطان على أساس عمل ميداني جديد، وبالتالي سيكون من الممكن لاحقاً العودة إلى السرد الكتابي في محاولة الحصول على فهم ناضج له، وبالتالي، وعلى الرغم من الإغراء الحالي للتعمق في تداعيات عملنا على الدراسات الكتابية، فإننا سوف نتطرق إلى هذه الأمور بشكل عرضي. وبالمثل لن يكون هناك نقاش حول الجغرافيا التاريخية لعملية الاستيطان الإسرءيلي في حالة دو فو ( 1978: 275-680) أو أهاروني ( 1979: 200-242) كما لن نقوم بإعادة صياغة لموضوعات عفى عليها الزمن مثل هوية الجماعات الاجتماعية و\ أو الإثنية التي كانت موجودة، حسب المصادر التاريخية في “أرض إسرءيل” في بداية الفترة قيد المناقشة هنا. أما بالنسبة للمواد الأثرية بحد ذاتها فسوف نتعامل معها بطريقة انتقائية. لقد عبّرنا بالفعل عن رأي مفاده أنه على الرغم من أن الكثير من الأدلة المتحصل عليها من التلال الكنعانية الكبيرة قد تساهم في فهم الظواهر المختلفة في نهاية العصر البرونزي المتأخر، إلا أنها لا تستطيع أن تقدم لنا الكثير للدفع في دراسة عمليات الاستيطان الإسرءيلي نحو الأمام، ولذلك سوف نولي اهتمامانا للأدلة المباشرة على الاستيطان الإسرءيلي. ولا يدعي هذا الكتاب أنه الكلمة الأخيرة في هذا الموضوع. وسوف تنتج، بلا شك، الدراسات الجهوية القائمة حالياً في أجزاء مختلفة من إسرائيل؛ في المستقبل القريب، أدلة جديدة لتوضيح لغز الاستيطان الإسرائيلي.

……ملاحظات:

العنوان الأصلي للكتاب :The Archaeology of The Israelite Settlement

الكاتب:Israel Finkelstein

الناشر و تاريخ النشر:Israel Exploration Society. Jerusalem .1988

…..

ملاحظات المترجم

*يقتضي بنا الحال بحكم موقفنا الشخصي من الاحتلال الصهيوني لفلسطين القول أننا لا نوافق المؤلف على عبارة ” أرض أسرءيل” التي نراها تنطلق من خلفية قومية\دينية معاصرة ومتعمده بطريقة توحي باستمرارية ما للاسم في المنطقة وتاريخها وآثارها، وتقتضي الأمانة الإبقاء على الكلمات التي اختارها المؤلف لبحثه دون تدخل، لذا من المفيد التذكير أنه في أي موضع في هذا الكتاب ترد فيه عبارة “أرض إسرءيل” فإن المقصود بها فلسطين.

**يقصد فنكلشتين بين طبعة كتاب أولبرايت سنة 1935 والطبعة الأولى لكتابه هذا سنة 1988.

***عقدة غورديون أو العقدة الغوردية: حكاية ذات طابع أسطوري تدل على مشكلة مستعصية أو صعبة الحل لا سبيل لحلها إلا باتخاذ قرار شجاع، ويقال حسب الأساطير الإغريقية أن الإسكندر  الكبير تمكن من حلها بقطع هذه العقدة بسيفه في معبد غورديون, وكان ثمة نبوءة تقول أن من يفكها يصبح سيد آسيا، وتقول الحكاية أن عرافة تنبأت للفريجيين، وكانوا حينها بلا ملك يحكمهم، أن أول من يفد عليهم بعربة يجرها ثور سيصبح ملكهم، وبعد حين دخل عليهم فلاح يدعى غوردياس بعربة يجرها ثور فنادى به الكهنة ملكاً، و أسس مدينة دعاها غورديوم. ورُبطت عربة الفلاح\الملك بعقدة محكمة صعبة الحل بأحد أعمدة  معبد غورديوم. وزعمت النبوءات أن من يحلها -بشرط إظهار طرفي الحبل- سوف يصبح سيد آسيا، ولم يستطع أحد فك أو حل عقدة غورديوم، حتى جاء الإسكندر فقرر ضبها بسيفه وإظهار طرفي الحبل فيما بات يعرف بالحل الإسكندري كرد على العقدة الغوردية.

**** يلاحظ أن فنكلشتين يستخدم بعض التعابير والتسميات التوراتية على المناطق الجغرافية الجهوية في فلسطين، وهذه تسميات -في رأينا – لا تعبر عن أي حقيقة سوى أنها وردت في نصوص العهد القديم.

هوامش

 1-  المفهوم التاريخي لمصطلح “فترة الاستيطان” أو “فترة الاستيطان والقضاة” مرادف لمصطلح “فترة إسرءيل المبكرة” ومع التعريفات الأثرية لمصطلحات  ” العصر الحديدي الأول” و” العصر الحديدي المبكر”. ومهما كانت التسمية، فهي فترة تمتد من نهاية العصر البرونزي المتأخر وحتى بداية الحكم الملكي الإسرءيلي. (حول المصطلحات والإطار الزمني، انظر أهاروني 1982: 153-158 ، كوشافي  1984: 21-22 ،و كيمبينسكي 1985) وهنا في هذا العمل يتم استخدام تعبير الاستيطان Settlement ” بالتشديد” لوصف عملية ظهور الإسرءيليين، في حين استخدام نفس المصطلح settlement بدون تشديد تؤدي المعنى العام الشائع للكلمة.[ نظراً لعدم توفر ميزة الحرف الكبير والحرف الصغير في اللغة العربية تم وضع خط أسفل كلمة استيطان  Settlement للتمييز. المترجم]

عن محمود الصباغ

كاتب ومترجم من فلسطين

شاهد أيضاً

استراتيجية عمل الصهيونية المسيحية الداعمة لإسرائيل 5

ترجمة: محمود الصباغ الفصل الخامس: الهجرة الداعمة، مفتاح عودة اليهود إلى الوطن “عندما ننظر، الآن، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *