البحث عن إسرءيل: مناظرات حول علم الآثار وتاريخ إسرءيل الكتابية (1-2)

ترجمة: محمود الصباغ

استهلال
يستعرض عميحاي مزار “التاريخ المعاصر” لعلم الآثار في إسرائيل، بالإضافة إلى بعض المتغيرات الرئيسية والاتجاهات الجديدة التي مربها علم الآثار الكتابي وعلاقته بالكتاب المقدس من حيث المنهج والأساليب والأهداف والقدرة على إعادة بناء تاريخ إسرءيل القديمة. ويدافع مزار عن مصطلح “علم الآثار الكتابي” بصفته يشير إلى النشاط الأثري المتعلق بـ “عالم الكتاب المقدس” باعتباره يؤيد ما يعتبره العلاقة الأساسية بين اللقى الأثرية والنص، ويتحول بعد ذلك إلى التصدي لمسألة الأهمية التاريخية للنص الكتابي في إعادة بناء التاريخ المبكر لإسرءيل، التي تقع، بحسب رأيه، في قلب السجال الدائر في البحوث في ما يتعلق بإسرءيل التاريخية، وهناك وسيلة واحدة لمتابعة مثمرة لهذا السؤال وهي توظيف النتائج التي توصل إليها علم الآثار كشاهد مستقل إن لم يكن أساسيا على الحقيقة التاريخية القديمة واعتبارها أيضا بمثابة اختبار لتقويم مدى أهمية أي نص كتابي معطى( مفترض). وطبقا لمزار، لا يزال يشكل علم الآثار قيمة بالغة الأهمية على الرغم مما يشوبه من جوانب ذاتية. ويستنتج، عند الحديث عن الأهمية التاريخية للنصوص الكتابية، وجود أهمية تاريخية (ربما تحتفظ بذكريات محلية ما قبل إسرءيلية) لمجموع المواد الكتابية، على الرغم من التلاعب الأدبي والانحياز الإيديولوجي للمؤلفين، فضلاً عن حضور تعقيدات نصية ناتجة عن تأثيرات وسطية أخرى. ومن أجل تأكيد وجهة نظره هذه، يقدم عدة أمثلة عن ما يراه مواد مبكرة ومصدر لما يلي” محفوظات(أرشيف) مكتبة الهيكل في أورشليم (مكتبة هيكل أورشليم)،أرشيف القصر، النقوش التذكارية العامة (بالقياس المقحم في نقش ميشع ونقش تل دان)، الانتقال المتوتر الشفوي للشعر القديم (على سبيل المثال : تكوين 49، تثنية 32، قضاة 5)، والقصص الفلكلورية والسببية التي تضرب بجذورها عميقا في الماضي البعيد (مثل، مقاطع من مرويات الخروج والغزو، ومآثر القضاة، ومعلومات السير الذاتية لشاؤول وداود وسليمان)، وكذلك الكتابات التاريخية المذكورة صراحة لدى المؤلفين الكتابيين (أسفار أخبار الأيام وملوك إسرائيل). ويتيح لنا قبول المناهج التاريخية والمصادر المدونة الخارجية واللقى الأثرية، كما يرى مزار، من استخلاص معلومات تاريخية موثوقة تتجسد في أنه يمكن لعلم الآثار مع النصوص الكتابية أن يعملا كأداة رقابة تقدم المزيد من الموضوعية. ويذكر مثال على هذا التقارب للمعطيات التاريخية من النقوش الملكية الآشورية، ونقش ميشع، ونقش تل دان، والنص الكتابي . كما يلاحظ أن إقامة علاقة بين المكتشفات والنصوص تعد من أصعب المهام التي يواجهها الباحث الآثاري والمؤرخ على حد سواء، ويرى أن علم الآثار يمكن أن يوفر بيانات “موضوعية مفترضة” عن الواقع المتعلق بالقضايا التاريخية قيد الدراسة وأنه “لديه القدرة على توفير حكم مستقل للمصادر الكتابية من خلال السماح لنا بفحص موثوقيتها التاريخية في حالات معينة”.
يخلص مزار إلى أنه عندما تؤخذ هذه المصادر المكتوبة معاً، فهي تؤكد بأن الإطار العام التاريخي للتاريخ التثنوي الذي يعود للقرن التاسع ق.م، قد بني على أساس معرفة موثوقة لتلك الحقبة من الزمن، ومع ذلك يبقى متشككا في المشروع الحديث لكتابة تاريخ دقيق لإسرءيل المبكرة، لاسيما عندما يتعلق الامر بالمراحل المبكرة لماضيها. وهو يتصور بأن المشهد التاريخي المحفوظ في الكتاب يعمل بمثابة تيليسكوب يعود إلى الوراء في الزمن. العودة الأكثر بعدا في الزمن تمضي كما يراها مزار كمرحلة محورية في تأليف الكتاب، أي القرنين الثامن و السابع حيث يصبح الماضي أكثر تخيلاً ورمزية وأكثر تشويهاً وضبابيةً، بالإضافة إلى ذلك ينبغي على المرء أن يأخذ في الحسبان الأثر الذي قد تتركه عوالم معينة: مثل التشويه الانتقائي وضياع الذاكرة والرقابة والإيديولوجيا والانحياز الشخصي على تأليف الكتاب. وعند هذا المنعطف، يناقش مزار مصطلح “علم الآثار التوراتي” ويدافع عن قابلية تطبيقه، ويعرفه، بمقاربة أولبرايتية واضحة، على أنه يشمل “جميع جوانب البحث الأثري المتعلقة بعالم الكتاب المقدس” بما يشمل الشرق الأوسط بأكمله وشرق البحر الأبيض المتوسط، حيث تساهم كل منطقة من هذه المناطق في “فهمنا للعالم التوراتي” على حد قوله. وبناء على ذبك لا ينظر مزار إلى علم الآثار الكتابي بوصفه حقلاً تخصصياً مستقلاً بل يراه مثل “عربة تسوق” تحمل على متنها مختلف فروع علم آثار الشرق الأدنى والاستفادة من هذه الفروع في دراسة الكتاب المقدس وعالمه.
……
ملاحظة: أينما ترد كلمة “إسرءيل” بهذا الشكل، فإن القصد منها المملكة القديمة التي يصفها العهد القديم، ويرى أنها كانت قائمة في فلسطين في وقت ما من القرن العاشر ق.م، وتم اختيار هذا الرسم في كتابتها لتجنب الخلط” المقصود من قبل البعض” بينها وبين الكيان السياسي القائم حالياً في فلسطين، الذي يسمي نفسه إسرائيل. ويعود للباحث الفلسطيني الراحل د. زياد منى الفضل في وضع هذا التمييز في اللغة العربية “على غرار التمييز الموجود في اللغات الأوروبية المعاصرة”.
الفصل الأول: إسرءيل التاريخية بين علم الآثار والكتاب العبري.
القسم الثاني: بصدد علم الآثار، والتاريخ وعلم الآثار الكتابيين/ عميحاي مزار
تهدف مقالات هذا الكتاب إلى دراسة بعض المنظورات الحالية ذات الصلة التي تبحث في العلاقة بين الكتاب العبري وعلم الآثار، ومحاولات إعادة البناء التاريخي لتاريخ إسرءيل القديمة. فإلى أي مدى، على سبيل المثال، يمكن أن تستخدم المرويات الكتابية عن تاريخ إسرءيل المبكر في كتابة تاريخ إسرءيل القديمة؟ وهل لهذه المرويات موثوقية تاريخية؟ أم هي مجرد ملاحم قومية خلقت بقليل، أو بدون، أساس تاريخي بعد عدة قرون من الزمن التاريخي المفترض للأحداث التي تصفها؟ وكان العديد من أهل الاختصاص قد طرحوا مثل هذه الأسئلة بخصوص السرديات الكتابية كافة: من قصص الآباء البطاركة إلى عبودية إسرءيل في مصر، والخروج، والغزو، وفترة عصر القضاة، إلى الفترات الأحدث لعهد الملوك الثلاثة الأوائل: شاؤول وداود وسليمان. ولم تسلم حقبة المملكة المنقسمة من هذا السجال أيضاً، من قبيل متى ظهرت إسرءيل ويهوذا كدول؟ كيف تبدو التطورات الثقافية والتاريخية لهذه الدول؟ كما أثيرت أيضا أسئلة بشأن التاريخ الديني لإسرءيل، متى ابتدأ بني إسرءيل الإيمان بيهوه كإله واحد؟ وهل الإيمان بمثل هذا الإله الخاص متطابق مع ظهور التوحيد؟. شكلت هذه المواضيع، ومواضيع أخرى عديدة، وثيقة الصلة بالقضية، نقاط انعطاف مركزية في البحوث الكتابية التاريخية، فضلاً عن المواضيع التي تهم الجمهور العام لأكثر من قرن ونصف قرن. وشهدنا على مدى جيل كامل موجة جديدة من الجدل بين العلماء في أنحاء العالم في ما يتعلق بهذه القضايا. أعقب ذلك الاهتمام المتزايد من جانب الجمهور ووسائل الإعلام. ولعب علم الآثار في المراحل الحديثة من هذا النقاش دوراً متزايداً [في هذا الجدل]، واغتنام الفرصة لعرض هذه المقالات ليس سوى تعبير آخر عن مثل هذا الاهتمام المتزايد في هذه المواضيع التي تتضمن معالجة السؤال الرئيسي ألا وهو إلى أي مدى يمكن أن يسهم علم الآثار في حل القضايا المطروحة. وقد تمت صياغة فرع علم الآثار الذي يتصل بالكتاب العبري تقليديا باسم” علم الآثار الكتابي”. بيد أن هذا المصطلح إشكالي بطريقة ملفتة للنظر. فهل مثل هذه التسمية مشروعة؟ أم -وكما سبق للبعض أن طرح السؤال- هل الهدف من علم الآثار “الحفر في الكتاب”؟ هل يمكن تعريف هذا الجانب من علم الآثار بصورة أفضل على أنه فرع مستقل من فروع البحوث الأكاديمية؟ وإذا ما قيض لنا الاستمرار في استخدام هذا المصطلح؟ فكيف ينبغي تأهيله.
دعونا نتفحص أولاً، وبإيجاز شديد، مكوني هذا المصطلح، أي “علم الآثار” و”الكتاب”.
علم الآثار
علم الآثار هو أحد التخصصات البحثية التي ظهرت خلال القرن التاسع عشر، وتطور خلال القرن العشرين إلى علم آثار ناضج وميدان عمل علمي اجتماعي مستحوذاً على مقارباته وأطره النظرية الخاصة. ويهدف علم الآثار الحديث إلى دراسة الجوانب المختلفة للمجتمعات القديمة من خلال إعادة بناء التغيرات الاجتماعية المكانية والزمانية، فضلاً عن مجموعة واسعة من الظواهر الإقتصادية والتكنولوجية والسياسية والدينية. ويجري البحث الآثاري عالمياً باستخدام مجموعة متنوعة من المناهج المطورة للعمل الميداني والمعالجة الدقيقة لتأويل وتفسير البيانات المكتشفة. ويأخذ نطاق البحث الآثاري على عاتقه استخدام كل ما يتصل بجوانب النشاط البشري التي يمكن كشفها بالمعول. وتكون الأسئلة المطروحة والإجابات المعطاة في بعض الأحيان معقدة، وغالباً ما تكون هناك تأويلات مختلفة للكتلة عينها من الظاهرة الآثارية، الأمر الذي يجعل مثل هذه التأويلات تتحول -بالتالي- إلى موضوعات سجالية مطروحة للنقاش في الوسط الأكاديمي دون أن يغيب عن بالنا أن المهمة الأولى لعالم الآثار هي تحديد المواقع الاستيطانية القديمة. كما أنه من الضرورة بمكان دراسة التوزيع المكاني للمواقع مع مرور الوقت لإعادة تركيب التحولات في أنماط التوطن، ولتأسيس علاقات تراتبية بين أنواع المستوطنات، وهي ضرورية لتقويم مناطق التوطن في فترات مختلفة، وتقدير التغييرات الديموغرافية الناتجة عبر الزمن. ويتحقق ذلك باستخدام عمليات المسح الميداني إلى جانب دراسة العوامل الجغرافية والإيكولوجية والبيئية القديمة. إن أدوات البحث الحديثة كنظام المعلومات الجغرافي المحوسب GIS تساعد في تحليل خارطة التوطن على صعيد التضاريس والجيولوجيا، وأنواع التربة واستخدامات الأراضي والموارد المائية، والطرق القديمة، وهلم جرا. ويمكن للآثاري القيام بإعادة بناء صورة متكاملة لنظام التوطن القديم عندما يتم الجمع بين هذه الدراسات مع النتائج المتحصل عليها من التنقيب في مواقع مختلفة، كما تمكن تفاصيل خرائط مواقع التوطن والجداول والرسوم البيانية من متابعة المتغيرات التوطنية والسكانية عبر الزمن في منطقة معينة، وجمع المعلومات حول مواضيع معينة مثل استجابة المجتمعات البشرية للتحديات البيئية. وكما سوف نرى، فإن هذا الجانب من المسعى الآثاري هو أمر ضروري وأساس لدراسة ظهور أو أصل إسرءيل القديمة. ويرتبط جانب التوطن القديم هذا في [أرض إسرائيل] ارتباطاً وثيقاً مع مجال البحث المعروف باسم الجغرافيا التاريخية للكتاب [المقدس]، وهو جانب مستقل من البحث يمكن تعريفه بأنه جزء من المجال الأوسع لحقل علم الآثار الكتابي. ويهدف إلى استكشاف المعطيات الجغرافية الواسعة في الكتاب وغيره من المصادر القديمة المكتوبة مثل النصوص المصرية والآشورية، ووثائق كتابية من جنوبي بلاد الشام [فلسطين وما حولها]. ومثلت مطابقة أسماء الأماكن المحفوظة في المصادر المكتوبة مع المواقع الأثرية الفعلية كأول إنجاز كبير في هذا الميدان، بعد استكشاف الأراضي المقدسة من قبل رواد مختلفون. ويدور في ذهني من الشخصيات البارزة مثل يوسابيوس، رئيس الكنيسة المسيحية في قيسارية خلال القرن الرابع الميلادي، وأشتوري هابارخي الباحث اليهودي الذي عاش في بيسان في القرن الرابع عشر، وعلماء القرن التاسع عشر، مثل الأمريكي إدوارد روبنسون الذي قام بأول بعثة استكشاف رائدة واسعة من البلاد في العصر الحديث في العامين 1838 و 1852. لقد أدرك جميع أولئك العلماء والباحثين قيمة احتفاظ أسماء الأماكن في عصورهم للأسماء الكتابية القديمة المميزة، وللأسماء العربية على وجه الخصوص، المستخدمة في أنحاء المنطقة. وتشمل بعض الأمثلة بيت شان (بيسان)، بيتئيل (بيتين)، شيلوه (سيلون)، جبعون (الجب).. وهكذا دواليك.
وتتعامل الجغرافيا التاريخية أيضاً مع العديد من جوانب الجغرافيا القديمة، مثل القوائم الكتابية للحدود القبلية، والتقسيمات الإدارية كتلك التي نجدها في مملكة سليمان، والحدود السياسية والثقافية، وشبكات الطرق، وغيرها. وهكذا، فإن تضافر جهود عمليات المسح الميداني والجغرافيا التاريخية التحليلية تمكن الآثاري من استخلاص استنتاجات مهمة بشأن أنظمة التوطن القديمة والديموغرافيا في الأراضي المقدسة والنصوص القديمة، كما تمكنه أيضاً من ربط تلك النصوص المختلفة بالواقع الجغرافي والآثاري المتاح. وتقوم التنقيبات الآثارية على استكشاف البنى الداخلية وتطورات أنواع التوطنات المختلفة عبر الزمن- من القرى الصغيرة لسكان الصحراء إلى المدن المحصنة ذات التخطيط [العمراني] الجيد. علماً أن الجزء الأكبر من مواقع الشرق الأدنى القديم دفن تحت التلال القديمة، وتتوضع هذه المواقع في أكثر الأماكن ملائمة لسكن الإنسان الذي استوطنها وأعاد استيطانها لمئات أو حتى لآلاف السنين، وبالتالي فهي تحافظ، في كثير من الأحيان، على مستويات عديدة من التوطن السكاني، التي يشير لها علماء الآثار باسم “السويات الآثارية strata “، وقد يتطلب استكشاف تل واحد مشاريع ذات تخطيط واسع وبعيدة المدى تمتد لعدة سنوات قبل الانتهاء منها. ويمكن التنقيب في مناطق صغيرة مختارة عشوائياً. كما يمكن بسهولة تناول مستويات التوطن العلوية فقط في حالات كثيرة، في حين أنه لا يمكن سبر المستويات الأعمق إلا من خلال عمل خنادق على سفوح التل أو القيام بتحريات أكثر عمقاً، ولذلك تبقى هذه المستويات الأعمق مجهولة إلى حد كبير. فضلاً عن ذلك يتوجب على كل منقب أو منقبة أن يعالج أو تعالج ما قد يبدو له أو لها على أنه عدد لا متناهي من الأسئلة كل حسب موقعه، من قبيل: ماذا كانت عليه الموارد البيئية في الموقع مثل المياه والأراضي المتوفرة لهذا الموقع؟ متى تم استيطان الموقع بالضبط؟ هل كان عدد السكان في الموقع مستقراً، أم كان هناك تغيرات أو تقلبات سكانية؟ وكيف قامت مراحل التوطن بأداء دورها في انعكاس “السويات” المختلفة، وكيف يمكننا تحديد الفجوات في عمليات التوطن؟ وأي جزء من الموقع استوطن في كل فترة ؟ وما هي الأسباب التي أدت إلى وضع حد لكل طور توطني؟ كيف كان مخطط البلدة في كل فترة من فترات التوطن تلك؟ ما هي المواد والتقنيات المستخدمة في البناء؟ أي نوع من استراتيجية الاكتفاء استخدمت في كل مرحلة من مراحل التوطن؟ وإذا ما كان هناك دمار عنيف فمن تسبب به وما السبب؟ وهل يمكن ربط مثل هذا الدمار بأحداث تاريخية من مصادر أخرى؟ ويمكن تحقيق إجابات موثقة على هذه الأسئلة عبر تبني أساليب تنقيب منهجية ومراقبة جيدة فقط، ومن خلال فهم دقيق لكثير من الظواهر والخصائص الموجودة لكل عملية تنقيب. وتشكل عملية فك الرموز لمراحل الترسبات وطبقات الموقع أكثر المهام تحدياً لعالم الآثار الميداني. فعمليات الترسيب هذه ناتجة، كما هو معلوم، عن قرارات الإنسان المتنوعة وغير المتوقعة في بعض الأحيان، كما أن لها علاقة بأنشطة تعود للماضي البعيد. وكانت الصفة المشتركة لصورة التل [الأثري] في المراحل الأولى من البحث على أنه كعكة مؤلفة من طبقات أفقية “أو سويات” يمكن للآثاري أن يقشرها واحدة تلو الأخرى، غير أن الواقع أثبت أنه أكثر تعقيداً من ذلك بكثير. ويلعب الفهم الصحيح وتوثيق المواقع المشار إليها في الكتاب والمختبرة آثارياً، مثل حاصور ولخيش وبيت شان ومجدّو، فضلاً عن كثير غيرها، دوراً حاسماً للغاية لتقديم تفسير دقيق لتاريخ إسرءيل المبكر. وثمة أنواع أخرى عديدة من مواقع تعكس النشاط البشري، وإن بدرجة أقل تعقيداً، لكن ليس بأقل مستوى من المعلومات كالمزارع المنعزلة، والقرى الصغيرة والقلاع والمنشآت الزراعية والصناعية، والمقابر، والطرق القديمة، والموانئ. وتم الكشف عن العديد من هذه المواقع عن طريق الصدفة أثناء عمليات إنقاذ متعلقة بالتنمية المكثفة في العصر الحديث، في حين كان لمشاريع الأبحاث المتزايدة ذات الطابع الرسمي دور في استكشاف مواقع أخرى.
وتساهم الفروع التخصصية للاستقصاء الأثري مثل آثاريات الصحراء وآثاريات المياه العميقة بتقديم أطر فريدة من البيانات للمشروع الآثاري. فالمواقع الدينية في صحراء سيناء والنقب على سبيل المثال، تبين لنا بصورة ملفتة للنظر الأصول الكتابية للحجارة المنتصبة [المصاطب] masseboth. كما قدم لنا اكتشاف حطام السفن التجارية الفينيقية على أعماق كبيرة تحت سطح البحر الأبيض المتوسط منذ سنوات قليلة مضت، المعلومات الأثرية الأولى للمقارنة مع سفينة فينيقية معاصرة ربما تشبه السفينة الفينيقية من صور الموصوفة في سفر حزقيال. وتوفر الأدلة المجتمعة من المواقع المتنوعة للآثاريين رؤية بانورامية “شاملة” لوسائل الحياة البشرية المختلفة. وقمت أنا شخصيا على مدى الثلاثين عاما الماضية من حياتي المهنية، بتنقيب موقعين من المدن صغيرة الحجم والمتعددة الطبقات (تل قصيلة وتل بطاش “تمنة”)، واثنتين من المدن الكبرى متعددة الطبقات (بيت شان، وتل رحوف)، فضلاً عن سلسلة من المواقع الأصغر ذات الحقبة الواحدة، مثل قرى توطنية إسرءيلية مبكرة، أو قلعة، أو برج مراقبة، أو موقع ديني، أو مزرعة صحراوية أو محطة طريق. وأظهر كل موقع من هذه المواقع قصة مختلفة ليخبرنا بها عن الثقافة المادية وعن المجتمع وكذلك عن سبل الحياة لإسرءيل القديمة. وبالعودة إلى عملية التنقيب في حد ذاتها، تشمل اللقى التي يستخرجها الآثاريون عادة -من بين ما تشمل- : الأواني الفخارية، والمصنوعات المختلفة المصنعة من المعدن والحجر والعظام وغيرها من المواد، والأختام، والنقوش، والتحف الفنية، ومواضيع العبادة من مختلف الأنواع، وبقايا الأجسام المدفونة (الرفاة) والمواد الجنائزية، وفي حالات نادرة، قد نجد أيضاً مواد عضوية مثل الأخشاب ومواد نسيجية.
ويعد أمراً اساسياً القيام بدراسة تفصيلية لهذه المواضيع لتحديد التغيرات الزمانية والمكانية في الثقافة المادية. ويمكننا تعريف الثقافات الإقليمية وكذلك دراسة الأصول وانتشار الميزات الثقافية والكشف عن التأثيرات الخارجية، وشبكات التجارة المحلية والدولية وعمليات الاستيطان، والهجرة. ويوفر مثل هذا البحث التفصيلي الأساس ليس فقط للتأريخ النسبي فحسب، بل يساعد أيضاً في التأريخ الدقيق لهذه المواضيع، من أجل التأريخ المطلق والكرونولوجيا. وهناك العديد من الأمثلة على النتائج الناجحة عن الدراسات الدقيقة لمثل هذا النوع من دراسات علم الآثار الكتابي. فقد غدا من الممكن، على سبيل المثال، دراسة الثقافة الفلستية باعتبارها ثقافة الشعوب المهاجرة بفضل التحليل الدقيق للفخار والمصنوعات الأخرى والدراسة المقارنة مع المصنوعات من اليونان وقبرص. كما أصبح من الممكن تحديد ما يعتقد أنه الثقافة المادية الإسرءيلية في فترة عصر القضاة من خلال مقارنة دقيقة لتلك المعطيات الثقافية الكنعانية المعروفة من منطقة الأراضي المنخفضة. وثمة جانب آخر هام في علم الآثار الحديث ألا وهو التعاون الواسع مع باحثين آخرين من تخصصات مختلفة مثل علم النبات، علم الحيوان، الأنثروبولوجيا الطبيعية، الجيولوجيا، الجيومورفولوجيا، الكيمياء، الفيزياء، الجغرافيا، علم المعادن، الحاسوب، العلوم الإحصائية، الاستشعار عن بعد، وغيرها. وقد فتح هذا النوع من التعاون آفاق عدة جديدة من البحث كما يتضح من الدراسات التي نشرت مؤخراً. فقد قمنا في صيف العام 2005 في رحوف قرب تل أبيب بكشف بقايا ما تبقى من خلايا النحل تعود للقرن العاشر ق.م، والتي تعتبر الوحيدة التي تم كشفها في منطقتنا حتى الآن. وبعد أن اقترحنا تحديد الخلايا، قام علماء من معهد وايزمان بتحليل الجدران الطينية، حيث تم تحديد البقايا باعتبارها، في الواقع، بقايا شمع العسل.
كما أصبح استخدام التأريخ الإشعاعي، أي قياس نظير الكربون المشع 14C في المواد العضوية، وخاصة في البذور، أداة هامة جداً لتحديد التأريخ. وتمكنا بفضل استخدام هذه التقنية من الحصول على سلسة دقيقة من التواريخ تغطي الفترة بين القرنين الثاني عشر حتى القرن التاسع ق.م في تل رحوف، حيث أمست هذه التواريخ عاملاً مهماً في النقاش الدائر حالياً حول التحقيب الزمني للعصر الحديدي. وتتطلب المشاريع الآثارية الكثير من العمل التقني، بما في ذلك صياغة ورسم المخططات المعمارية والفنية، والتصوير الفوتوغرافي الشامل وترميم وحفظ الأشياء والمباني. والحاجة الماسة لاستخدام البرامج الحاسوبية للتعامل مع قواعد البيانات المتنامية، لإجراء التحاليل الكمية للأنواع المختلفة، للمساعدة في خلق مصورات تأريخ نسبي seriations، وصوراً ثلاثية الأبعاد. وهذه فقط إشارات لغيض من فيض عن نوع التطبيقات المستخدمة حالياً في مجال علم الآثار. ولا يبدو جمع ومعالجة وتكامل، وتأويل، ونشر مثل هذا العدد الهائل من البيانات بالمهمة البسيطة، ويمكن مقارنة تكامل ودمج هذه اللقى من المواقع الفردية المتنوعة في صورة إقليمية شاملة بتجميع أجزاء أحجية هائلة. أنه مشروع معقد وباهظ التكلفة. وبصفتي مديراً لمشروع التنقيب، أتخيل نفسي واقفاً في بعض الأحيان وسط تقاطع طرق ضخمة، محاطاً بفروع متشعبة من الدراسة والبحث. وبرغم ما يمتلك العمل الميداني الآثاري من بريق ومن لحظات عظيمة من الكشف، إلا أن العمل اليومي الروتيني يتطلب مراحل عمل طويلة وشاقة من التوثيق ومعالجة اللقى ومكاملة النتائج، وتحضير المواد النهائية للنشر.
ويتجاوز العمل الفعلي لعالم الآثار الصورة الشعبية لصائد الجوائز “إنديانا جونز”. حيث يكون المستوى الأعلى للمشروع الآثاري هو المستوى القائم على التأويل والتركيب والتفسير. وتتعامل المرحلة التي تدعى السند الأساس لعلم الآثار مع إعادة بناء جوانب أوسع من التغيرات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والإثنية في منطقة معينة أو بلد معين. وتشمل مواضيع البحث والتأويل جميع جوانب الحياة، ويتضمن العديد مما أشرت إليه أعلاه: استجابة الإنسان لعوامل البيئة والتقنيات الزراعية والصناعية؛ والديموغرافيا، والدراسات المقارنة للعمارة والفنون المحلية؛ والحرب؛ والحياة اليومية، بما في ذلك النظام الغذائي، والطبخ، والخبز، والغزل، والنسيج، فضلاً عن المعادن، والممارسات والمعتقدات الدينية، وعادات الدفن، والفن، والتجارة، والنقل، وعلم الكتابات القديمة الأيقونية والرمزية. وهذه ليست سوى قائمة جزئية من العديد من المواضيع التي تشكل النشاط البشري. والهدف هو إعادة رسم صورة كاملة للمجتمع القديم بأكبر قدر ممكن، من حياة أفقر فلاح إلى حياة الملك أو الكاهن، وتظهر مثل هذه الأسئلة المختلفة وكأنها وسائل للحياة داخل المجتمع المستكشف. سواء كان السكان بدواً أو شبه بدو أو مجموعات مستقرة. كيف كانوا يتعاملون مع المرتبة و المساواة؟ هل كانوا مجتمع قبلي يرتبط بروابط نسب عائلية كمكون رئيسي؟
يحاول علم الآثار إعادة تركيب ظهور النظم الاجتماعية والسياسية مثل الدول والإمبراطوريات من أجل فهم عمليات مثل التوطن والهجرة والاندماج، وتعايش الجماعات المختلفة .كما يقوم أيضاً بإعادة بناء الاقتصاد القديم من خلال دراسة وسائل الإنتاج الزراعي والصناعي، والتقنيات القديمة، والأدلة على نظم التجارة البعيدة والقريبة المدى. ومساعي علم آثار الجنوسة Gender Archaeology لدراسة دور المرأة في المجتمع، ويتم إعادة بناء المعتقدات الدينية والممارسات الطقسية على أساس المعابد، كما يمكن للبحث الحديث استخدام الاستنتاجات المتحصل عليها من اللقى لفهم مواضيع العبادة، وطقوس الدفن، والجوانب الإدراكية للحياة. وتتعلق معظم هذه المواد بالتغيرات الاجتماعية والتقنية طويلة المدى. ويمكننا الكشف في حالات كثيرة عن أحداث معينة، عادة ما تكون أكثر إثارة أو ذات منحنى تأزمي بالنسبة للشعوب القديمة كالزلازل والغزو العسكري. وعلى الرغم من مأساوية مثل هذه الأحداث على السكان القدماء، إلا أنها أشبه بمكافأة لعالم الآثار الذي ينقب عنها، لأنها “تجمد” لحظات معينة في حياة المجتمع، كما يمكنها أن تؤدي إلى وفرة في اللقى الأثرية. وسوف أورد هنا بعص الأمثلة من تجربتي الخاصة عن الطبقات المدمرة التي تعود لحقبة العصر الحديدي الثاني، حيث نقبت في ثلاث مواقع: تل رحوف وبيت شان (بيسان) وتمنة (تل البطش). ويمكن عزو هذه المواقع الثلاث إلى الغزوات الآرامية والآشورية والبابلية بين القرنين التاسع وأواخر القرن السابع ق.م. وتمثل الأدلة النوعية عن هذه الغزوات وجود طبقات سميكة ومحروقة بفعل حريق هائل حيث دفنت فيها أسر بأكملها. كما مكنت مثل هذه الأنماط من ” كبسولات الزمن” فريق عملي من إعادة بناء واسعة للثقافة المادية في موقع معين خلال فترة زمنية معينة.
تم تطبيق العديد من الأطر النظرية المختلفة على مدى العقود القليلة الماضية للقيام بالتأويل الآثاري، وأحد هذه الأطر الأكثر شهرة ما يطلق عليه علم الآثار الإجرائي processualist أو ما بات يعرف باسم “علم الآثار الجديد”، الذي هيمن على البحث الآثاري من ستينيات إلى ثمانينيات القرن الماضي والذي يعطي وزناً كبيراً للحتمية الإيكولوجية والبيئية مقابل قرارات وأفعال الإنسان. كما كان لاستلهام أنماط فكر ما بعد الحداثة منذ أوائل التسعينيات، بعداً تأويلاً آثارياً “ما بعد إجرائياً”، كما أصبح يدعى اليوم، والذي فتح الباب على مصراعيه من أجل تأويل أكثر تنوعاً ومرونةً، الأمر الذي أعطى قبولاً للتفسيرات المختلفة للظاهرة الآثارية عينها، وأصبحت قرارات الإنسان ودور الفرد تؤخذ بعين الاعتبار أكثر مما كانت عليه سابقاً، ولمثل هذه الاتجاهات مضامين مباشرة على موضوعنا. حيث يمكنها أن توفر، حلولاً بديلةً للنقاش حول تاريخية داود و سليمان على سبيل المثال.
خلاصة القول، يعد علم الآثار ميدان بحث أكثر تعقيداً مما يظنه الناس. والسبيل الوحيد للبحث التحليلي والاستنتاج هو ما تتيحه مناهج البحث الآثاري لإعادة بناء الخطوط العريضة للفترات التاريخية والحضارات المفقودة حيث لا سجلات مكتوبة، في حين يكتسب علم الآثار أهمية كبيرة باعتباره أداة مكملة لإعادة البناء التاريخي للفترات التي تتوفر على مصادر مكتوبة. على أن هذه الأهمية يمكن أن تتوفر أيضا للنصوص المضادة التي قد تكون متحيزة أو محملة بالبروباغاندة والإيديولوجيا.
كانت [أرض إسرائيل]، منذ بداية العصر الحديث، بحكم أنها الأرض المقدسة، بؤرة اهتمام البحوث الآثارية. غير أنها عانت، على هذا الصعيد، في المراحل المبكرة من تطور علم الآثار في القرن التاسع عشر، ففي واقع الأمر ألحق الآثاريون الكثير من الضرر في مواقع كالقدس خلال السنوات الأولى، أي قبل الحرب العالمية الأولى. إلا أن هذا لم يمنع قيام رواد أوائل أمثال السير فلندرز بتري في تلك السنوات بتطوير مفاهيم وأساليب جديدة وضعت الأساس للتقدم اللاحق في مجال البحوث الأثرية. وفي فترة ما بين الحربين أجريت العديد من البعثات الاستكشافية الأوروبية والأمريكية التي قامت بحفريات واسعة في مواقع رئيسية وأرست قواعد البحوث الآثارية الممنهجة في الأرض المقدسة. وهي الفترة ذاتها التي تم فيها صياغة مفهوم علم الآثار الكتابي بقيادة العالم الأمريكي ويليم أولبرايت. حيث ألهمت شخصيته الفريدة ومعرفته الواسعة لشتى جوانب دراسات الشرق الأدنى القديم جيلًا كاملًا من العلماء، من بينهم بعض مؤسسي علم الآثار الكتابي في إسرائيل، مثل بنيامين مزار، ويغال يادين. وكافحت هذه المدرسة لجهة تكامل علم الآثار مع التاريخ الكتابي والجغرافيا التاريخية والكتابات القديمة، وتاريخ الشرق الأدنى، وفقه اللغة، وتاريخ الفن في ميدان شامل من المعرفة. وسرعان ما تطور علم الآثار بعد العام 1948 في كل من الأردن وإسرائيل. وشكلت الحفريات الواسعة في موقع حاصور بقيادة يادين أرضية تدريب لجيل جديد من علماء الآثار الإسرائيليين الذين طوروا في ما بعد مشاريعهم ومناهجهم البحثية الخاصة. كما واصلت فرق التنقيب الأمريكية والأوروبية والأسترالية واليابانية والأردنية عملها في الأردن وإسرائيل، اللتان أمسيتا الآن من بين أكثر بلدان العالم تركيزاً وديناميكية على صعيد الحملات الاستكشافية.
ولكن كيف يمكن لهذا الكم الهائل من البيانات غير المسبوقة أن يخدم عملية إعادة تركيب وبناء التاريخ الكتابي؟
مثل هذا السؤال يجعلنا ننتقل إلى سؤال آخر حول تاريخية النص الكتابي. حيث يتركز جل اهتمامنا في هذه المقالات، أساساً، في طرح المزيد من الأسئلة. فإلى أي مدى نستطيع استخراج التاريخ من النص الكتابي؟ وما هي الإشكاليات المنهجية المنخرطة في البحث الآثاري المتعلق في دراسة تاريخ الكتاب؟
و بعد؟.. “الحقيقة في التنقيب” هو عنوان الندوة التي يستمد منها هذا الكتاب عنوانه، ولكن هل في مقدورنا اكتشاف الحقيقة المطلقة لمجال بحثنا؟ جوابي هو “نعم” آخذين في الاعتبار مسائل محددة، في ذات الوقت الذي تساورني فيه شكوك جدية تجاه العديد من المسائل الأخرى. فهناك ثمة طيف واسع من الآراء بشأن عملية ومراحل كتابة وتحرير الكتاب العبري، ويقف تقويم النص الكتابي لجهة إعادة بناء تاريخ إسرءيل على رأس الموضوعات السجالية الحادة والجدية. لاسيما، القصص الكتابية التي تعود لعصر الآباء البطاركة وصولاً إلى ارتقاء داود وسليمان عرش يهوذا، فيقبل البعض السرد الكتابي كتاريخ حقيقي وهؤلاء في معظمهم، سواء كانوا يهوداً أم مسيحيين، يتمتعون بخلفيات دينية، ويؤمنون في حقيقة الكتاب وليس لديهم الاستعداد للتخلي عن القصص الكتابية سواء كانت تلك القصص كلام الرب أو على الأقل كتابة مباشرة صادقة حقيقية. ومن الأمثلة الحديثة على ذلك الكتاب المكون من ستمائة صفحة للكاتب كينيث كيتشن بعنوان “بصدد موثوقية العهد القديم” On the Reliability of the Old Testament الذي يورد فيه دفاعه المستميت عن تاريخية تفاصيل الكتاب مستخدماً طيفاً واسعاً من مواد الشرق الأدنى القديم. وتشير عبارته الختامية إلى تجلي “العهد القديم، بشكل ملحوظ طالما تم التعامل مع نصوصه ومؤلفيه بإنصاف إلى حد ما وذلك تماشياً مع المعطيات المستقلة”. وفي الجهة المقابلة من الصورة تقف مجموعة من العلماء تنكر تاريخية الكتاب العبري برمته، ويزعمون أنه كتب خلال القرنين الرابع والثالث ق.م. كقصة مختلقة كلياً تعكس العالم الفكري واللاهوتي لمؤلفين عاشوا في عصور متأخرة جداً [عن زمن الأحداث التي يصفونها]، ويعرف فيليب ديفيز على سبيل المثال إسرءيل الكتابية بأنها “اختلاق” حديث من قبل العلماء. بينما يرى نيلز بيتر لامكة أحد الكتاب الرئيسيين لهذه المجموعة في كتابه “The Israelites in History and Tradition الإسرءيليون في التاريخ والتقليد 1998، ص 165-166” بأن الأمة الإسرءيلية، كما هي موضحة من مؤلفي النص الكتابي، لا تملك سوى القليل الذي يمكن اعتباره يمتلك خلفية تاريخية، وهي، أي الأمة، لا تعدو أن تكون بناءً إيديولوجياً عالياً اختلقه باحثون قدماء بتقليد يهوذي لإضفاء الشرعية على مجتمعاتهم الدينية وادعاءاتهم الدينية- السياسية على الأرض واقتصاريتهم الدينية .ويطلق على هذه المجموعة من الباحثين تسمية “التنقيحيين” أو “المقلين” أو حتى “العدميين”، على الرغم أنهم يرفضون أي مصطلح مشترك عام لمدرستهم أو “حركتهم” إذا جاز التعبير. وتوجد بين هذين النقيضين مساحة عريضة لمختلف الآراء يمكن أن تعرف جميعها بوصفها “جماعة منتصف الطريق” أو المعتدلين. ويقف البروفيسور فنكلشتين، وأنا معه، عند هذه السلسة المعتدلة الوسطية بين وجهتي النظر المختلفتين. وبرغم اختلاف وجهات نظرنا حول بعض القضايا الهامة، إلا أننا نشترك معاً في بعض القضايا في العموم أكثر مما نتقاسمه مع أي من وجهات نظر وآراء المجموعتين المتطرفتين المذكورتين أعلاه، وينبغي على عالم آثار مثلي باعتباره دخيلًا على البحث النصي أن يختار بين وجهات نظر متباينة محاولاً ربط المعطيات الأثرية والتأويل حسب المصادر الكتابية.
وخياري هنا اتباع أولئك الذين يزعمون أن الكتابة الابتدائية لأسفار التوراة الخمسة أو الستة الأولى وللتاريخ التثنوي وأجزاء كبيرة من أدب التنبؤ والحكمة وقعت في وقت متأخر من العهد الملكي (القرن الثامن إلى أوائل القرن السادس ق.م). بينما خضعت هذه الكتابة في فترتي السبي وما بعده لمراحل إضافية من التحرير “التنقيح” والتوسع والتغيير، ومع ذلك فأنا أقبل أيضاً رأي العديد من العلماء الذي يرى بأن مؤلفي المرحلة الملكية استخدموا مصادر ومواد وهذه قد تشتمل على:
1. أرشيف مكتبة هيكل أورشليم
2. أرشيف القصر (على الرغم من أن وجود مثل هذا الأرشيف يبقى موضع جدل و نزاع)
3. النقوش التذكارية العامة، والأقدم بعدة قرون (لا يوجد أي نقش إسرءيلي محفوظ، ولكن هناك ثمة تماثلات محتملة تتضمن نقوشاً كتلك التي تعود لميشع ملك مؤاب وحزائيل ملك دمشق، وهما من خصوم إسرءيل الرئيسيين في القرن التاسع ق.م)
4. التواتر والانتقال الشفوي للشعر القديم، وهذا يتضمن نشيد مريم، أغنية ديبورا، صلوات يعقوب، وغيرها من النصوص الشعرية القديمة.
5. القصص الشعبي والسببي الذي يعود للماضي التاريخي السحيق، ويشمل العديد من القصص في الأدب الكتابي، مثل أجزاء من قصص الخروج والغزو والقصص عن أعمال وإنجازات القضاة، والسير الذاتية لشاؤول وداود وسليمان وسلسلة قصص إيليا وإليشع.. وهلم جرا.
6. كتابات التدوين التاريخي المبكرة، والمشار إليها في الكتاب العبري بـ” سفر أخبار ملوك إسرائيل” الذي ورد ذكره في سفري الملوك الأول والثاني (“39 وَفِي نِهَايَةِ ثَلاَثِ سِنِينَ هَرَبَ عَبْدَانِ لِشِمْعِي إِلَى أَخِيشَ بْنِ مَعْكَةَ مَلِكِ جَتَّ، فَأَخْبَرُوا شِمْعِي قَائِلِينَ: «هُوَذَا عَبْدَاكَ فِي جَتَّ».(الإصحاح الثاني من سفر الملوك الأول)
يبدو مثل هذا الأمر كما لو أن المؤلف كان أمامه شكل ما مبكر لتاريخ مدون. ومن المسلم به عموماً أن الكثير من القصص مدمجة في التاريخ التثنوي ولو أنها مستندة على القصص الفلكلورية والتقاليد، حيث تمت إعادة صياغتها بتأثير اللاهوت اليهوذي (المملكة الجنوبية) والإيديولوجيا وعمليات تحرير النصوص. وربما تحتفظ مثل هذه القصص بمعلومات تاريخية قيمة يمكن الحصول عليها بمساعدة مناهج تاريخية مقبولة مقترنة بمصادر مكتوبة خارجية (أي خارج النص الكتابي)، بالإضافة إلى المكتشفات الأثرية. وتكمن مهمتنا، كمفسرين حديثين، في استخلاص أي معلومة تاريخية موثوقة مجسدة في تلك النصوص الأدبية باستخدام علم الآثار كأداة مراقبة موضوعية عالية. إن كل من النقوش الآشورية والنقوش المحلية، على حد سواء، مثل نقش ميشع ملك مؤاب، ونقش حزائيل ملك دمشق (المعروف بنقش تل دان)، تؤكد جميعها بأن البناء التاريخي للسرد التثنوي لأحداث القرن التاسع ق.م تأسس على معرفة موثوقة للإطار العام التاريخي لهذا القرن. كما أن فهمنا للفترات التي سبقت القرن التاسع يشوبه الغموض بكل تأكيد، فلم تذكر إسرءيل في أي مصدر خارجي يلي الإشارة الوحيدة لها في نقش الفرعون المصري مرنبتاح (1206 ق.م). حتى منتصف وأواخر القرن التاسع ق.م حيث ظهر نقش ميشع، أي بعد نحو350 سنة من تاريخ النقش المصري أو أقل بقليل. وبإمكاني تصور المنظور التاريخي في الكتاب العبري كتلسكوب يرتد خلفاً في الزمن، فكلما توغلنا في العودة للوراء، أصبحت الصورة أكثر قتامةً، وبفرض أن مثل هذا التلسكوب توقف في مكان ما في أواخر المئة الثامنة أو السابعة ق.م فسوف يعطينا صورة عندما ننظر إلى القرن التاسع ق.م تكون أكثر دقة مما هي عليه الحال لو نظرنا نحو القرن العاشر ق.م، وهكذا دواليك. وربما تحفظ التقاليد الشفوية والقصص المجسدة في الكتاب تفاصيلاً أكثر اصالةً بشأن الأحداث، أو الظواهر القريبة لزمن الكتابة، في حين أن أبعد ما نحصل عليه عن الأحداث المفترضة هو أن تصبح القصص أكثر تخيلية ورمزية، وربما تكون مقترنة بتشويه أكبر للمعلومات المبكرة. علينا أن نستدعي ذاكرة انتقائية وذاكرة مفقودة ورقابة وتحيز بسبب دوافع شخصية ولاهوتية وإيديولوجية. وينطبق هذا الكلام عند التعامل مع أي تاريخ، حتى مع أحداث تاريخية من القرن الماضي وليس التاريخ القديم فحسب، واسمحوا لي أن أذكر مثال معروف من تاريخ إسرائيل وهو حرب العام 1948 [حرب الاستقلال]. فهناك التاريخ الرسمي، الذي أنتجه قسم التاريخ في جيش [الدفاع] الإسرائيلي، وهناك نسخ أخرى مختلفة ومن بينها سرديات ما بعد الحداثة التي فككت جوانب مختلفة من التاريخ الرسمي لتلك الحرب. وبمثل هذا، تزداد صعوبة تقويم معطيات وبينات الكتاب[المقدس] حين نضطر للتعامل مع الماضي البعيد دون الرجوع إلى مصادر مكتوبة مباشرة في الغالب، كالحقبة الكتابية المبكرة، ما يجعلنا نتسائل عن إمكانية كتابة تاريخ دقيق لإسرءيل بصورة مطلقة. وعلى الرغم مما تحمله هذه الخطوة من مخاطر، تظل فرضية العمل من وجهة النظر التي أمثلها ترى بوجود، ربما، قيمة تاريخية للمعلومات المتاحة في التاريخ التثنوي وغيرها من النصوص الكتابية، برغم التشوهات والمبالغات والنزعات اللاهوتية والتلاعب الأدبي لواضعي مادة الكتاب ومحرريه.
دور علم الآثار وتعريف “علم الآثار الكتابي”
ليست العلاقة بين المكتشفات الأثرية والنصوص سوى جانب من جوانب عمل الآثاري -قد يكون أكثرها صعوبة-إلا أنه يمثل تحدياً من الواجب مواجهته. ويمكن لعلم الآثار، في ضوء وجهات النظر المتعارضة بشأن التاريخ المبكر للكتاب، أن يزودنا بمعطيات خارجية موضوعية على نحو مفترض حول الصورة العامة (المعيش) المتعلقة بالقضايا السجالية الحالية. كما يمتلك علم الآثار القدرة أيضاً على تأمين حكماً مستقلاً بخصوص المصادر الكتابية من خلال السماح لنا بتفحص موثوقيتها التاريخية في حالات معينة. فضلاً عن أنه يزودنا بالعديد من الملاحظات عن جوانب عدة للمجتمع الإسرءيلي المبكر التي لا يمكن استخراجها من النص الكتابي نفسه. وعموماً، قد يكون الحكم على تأويل المعطيات الأثرية وارتباطها حكماً ذاتياً للنص الكتابي في كثير من الحالات، لأن هذه التأويلات غالباً ما تكون مستوحاة من قيم الباحث الشخصية ومن معتقداته وإيديولوجيته، إضافة إلى موقفه اتجاه النص أو اللقى الأثرية. وعندما تستخدم المكتشفات الأثرية، في كثير من الأحيان، من أجل إثبات نموذج تاريخي أو آخر، فإننا نواجه بحجج تتبع في جوهرها منطق البرهان الدائري. الأمر الذي كان صحيحاً لوليم أولبرايت وأتباعه، ومازال كذلك حتى يومنا هذا، وهذا ما يستدعي، بالتالي، الإشارة إلى أن العديد من الاستنتاجات الأثرية غير واقعية إلى درجة يمكن التحقق منها، بصرف النظر متى أو من قام بها .ومع ذلك، يبقى دور علم الآثار سليماً بصورة ثابتة كأداة لا تقدر بثمن لدراسة وتحري الجوانب المختلفة للتأريخ الكتابي والفترات المبكرة لبني إسرءيل -العصر البرونزي حتى العصر الحديدي-
لقد أظهرت التحقيقات أن هناك العديد من العلاقات المتبادلة بين كل من علم الآثار والإشارات الكتابية، فضلاً عن العديد من التناقضات. وهي تعتبر حالة طبيعية فقط في ضوء صيرورة الانتقال التي وصفت أعلاه. ولكن دور علم الأثار يتخطى تأكيد أو نفي الأحداث الكتابية أو الإشارات الأخرى. وفي الواقع يشكل علم الآثار الأداة الرئيسة لإعادة بناء العديد من جوانب المجتمع الإسرءيلي والاقتصاد والحياة اليومية والدين، بالإضافة إلى الجوانب الخاصة بجيران إسرءيل، كما يقدم مشهداً قل نظيره عن الإسرءيليين كجزء من سياق أوسع من بلاد الشام وكامل الشرق الأدنى. بيد أنه، وبعد أكثر من قرن و نصف من الأبحاث، لاتزال هناك سجالات ومناقشات بشأن تعريف علم الآثار الكتابي كمفهوم ومجال بحث. وخلال الجيل الأخير، تلقى هذا المصطلح بعضاً من الدعاية السيئة واعتبره العديد ميدان تخصص مثقل بأجندات لاهوتية وإيديولوجية تعكس المعتقدات الدينية المسيحية واليهودية. وكثيراً ما نسمع أن الهدف الرئيس لعلم الآثار الكتابي هو “البرهان على الكتاب” إن جاز التعبير. وكان وليم اولبرايت قد بشر لسنوات عديدة بحاجتنا لإعادة تعريف ميدان بحثنا على أنه “الآثاريات السورية-الفلسطينية”، وبالتالي إعادة تموضعه في سياق أوسع وأرحب لعلم آثار الشرق الأدنى دون أي صلة بالدراسات الكتابية. وقبل بضع سنوات، قرر المعهد الأمريكي للدراسات الشرقية، وهو هيئة أكاديمية غير منتمية لجهة دينية أو طائفية، بعد جدال طويل تغيير اسم مجلته المعروفة باسم “الآثاري الكتابي Biblical Archaeologist” إلى” أركيولوجيا الشرق الأدنى Near-Eastern Archaeology”.
ويعكس هذا التغيير رغبة الآثاريين الأمريكيين العاملين في حقلنا في تحرير هذا النشاط الأكاديمي من أي غطاء ديني. ويبرز على خلفية هذا التغيير الانقسام الحاصل بين الآثاريين الأمريكيين الباحثين في منطقتنا، والذين هم أعضاء في الهيئات التدريسية في المدراس اللاهوتية والدينية أو أقسام الدراسات الكتابية واليهودية الدينية العقائدية، وبين أولئك الذين يتقدمون الصفوف الأمامية في مجال الممارسة والنظرية الآثارية الأمريكية، وهم بدروهم يشغلون مناصباً في أقسام الأنثروبولوجيا والتاريخ في أمريكا. ولا يزال الباحثون المسيحيون المحافظون يستخدمون مصطلح علم الآثار الكتابي، كما يتضح ذلك في كتاب جديد بعنوان “The Future of Biblical Archaeology مستقبل علم الآثار الكتابي”( تحرير جي .كيه. هوفماير و إي. ميلارد) والذي ظهر في العام 2004 . وبالمثل فإن جمعية الآثار الكتابية، ومجلتها “مراجعات علم الآثار الكتابي Biblical Archaeology Reviews”، وعلى الرغم من كونها تنتمي للقطاع الخاص وغير دينية أو طائفية، إلا أنها تعكس في اسمها واسم مجلتها -على حد سواء- جمهوراً مستهدفاً بكل وضوح، يتألف العديد منهم من مسيحيين محافظين مهتمين بالكتاب المقدس وعالمه. وهنا، ثمة فجوة واسعة بين هذه المقاربة والمقاربة المهنية الاحترافية لعلم الآثار، كجزء أوسع من ميادين الأنثروبولوجيا والتاريخ، وهو ما أدى إلى الطعن في مصطلح علم الآثار الكتابي من جانب كثير من العلماء في الولايات المتحدة. ويدعو [وليم] ديفر نفسه، بدرجة من الغرابة للعودة إلى المصطلح القديم الآن، ويقترح أن نضيف فقط الكلمة المخففة “الجديد”، “علم الآثار الكتابي الجديد”، الأمر الذي يبقي على العجوز الشمطاء كما هي، ولكن بثوب جديد، الآن، من المنهجية الآثارية الجديدة الحالية، وأساليب أكثر للتفكير الأنثروبولوجي.
ومن الجدير ذكره أن مصطلح علم الآثار الكتابي لاقى قبولاً في إسرائيل بطرق أكثر تبسيطاً كوسيلة للإشارة لجميع الأنشطة الآثارية المتعلقة بالكتاب وعالمه. وينبغي لمصطلح علم الآثار الكتابي، في اعتقادي، أن يستمر في الاستخدام كمصطلح عام وواسع، يعرف جميع جوانب البحث الآثاري التي تتعلق بعالم الكتاب. وهذا تعريف واسع يشمل مناطق جغرافية واسعة تمتد من إيران إلى اليونان ومن تركيا إلى مصر، أي كامل منطقة الشرق الأوسط وشرق المتوسط، حيث يساهم علم الآثار في كل من هذه المناطق، بدرجة أو بأخرى، في فهمنا للعالم الكتابي، ويساهم أيضاً، بالتالي، في علم الآثار الكتابي. ووفقاً لهذا التعريف، لا يعد علم الآثار الكتابي حقلاً دراسياً مستقلاً، بل “سلة تسوق” لجمع البيانات من مختلف فروع علم آثار الشرق الأدنى واستخدامها في دراسة الكتاب وعالمه.
وعلى الرغم مما كتب عما كانت في ذلك الوقت أصغر دول الشرق القديم وأقلها أهمية، فربما يكون الكتاب هو المنتج الأكثر عمقاً في عالم الشرق الأدنى القديم. فقد تجسدت فيه العديد من إنجازات هذا العالم الثقافي التي تعود بجذورها للألفية الثالثة والثانية والأولى ق.م .كما أننا نتعرف في النص الكتابي على العديد من الذكريات المحلية حتى يبدو البعض منها كأنه قبل كتابي ولكن تمت موائمته على يد الإسرءيليين كجزء من إرثهم. وقد يقدم لنا علم الآثار مفتاحاً لفهم مثل هذه الحالات. ويكمن في هذا الإطار الأوسع لآثاريات أرض إسرائيل دور مركزي في توفير الوصول المباشر للمجتمع الذي أنشا نص الكتاب. وقد واجه مثل هذا التركيز على “مركزية الكتاب” انتقاداً من قبل العديد من العلماء: فمن جهة هناك “التنقيحيون” الذين لن يقبلوا الكتاب بوصفه [تقليداً] ينتمي للعصر الحديدي، وعلى الجانب الآخر هناك الآثاريون الذين يزعمون أنه ينبغي التعامل مع علم الآثار كحقل دراسي قائم بذاته، وعلى الآثاريين المحترفين التدخل في دراسة التاريخ الكتابي أو الحضارة، ومع ذلك يبدو بالنسبة لي ولكثيرين غيري أن التخلي عن الترابط بين علم الآثار والكتاب سوف يكون كمن يقطع اللحم ويترك العظام الجافة فقط. حيث يكمن جوهر علم الآثار الكتابي في العلاقة بين النص واللقى الأثرية، وسيبقى بالنسبة لنا جوهر التعامل مع القضايا المثارة، متجنبين، من جهة، أي مقاربة ساذجة وأصولية للنص، وأي تلاعب مفرط به من جهة أخرى، دون تمحيص أو تأويلات متخيلة.
….
العنوان الأصلي: THE QUEST FOR THE HISTORICAL ISRAEL: Debating Archaeology and the History of Early Israel
المؤلف: Israel Finkelstein and Amihai Mazar
الناشر: 2017 Society of Biblical Literature

عن محمود الصباغ

كاتب ومترجم من فلسطين

شاهد أيضاً

البحث عن إسرءيل: مناظرات حول علم الآثار وتاريخ إسرءيل الكتابية (4-1)

ترجمة: محمود الصباغ استهلال يفضل المؤرخ والآثاري الكتابي أن يتحرك في فضاءات أوائل العصر الحديدي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *