البحث عن إسرءيل: مناظرات حول علم الآثار وتاريخ إسرءيل الكتابية (6-2)

ترجمة: محمود الصباغ

استهلال
يوافق مزار، إلى حد ما، في ملاحظاته الختامية، على أن “القيم ، و” الأفكار اللاهوتية” ، و”الرسائل الفكرية للكتاب” لا تحتاج إلى علم الآثار لتأكيدها، فكل ما ذكر ينبغي فهمه باعتباره ضمن الإنجازات الفريدة لإسرءيل القديمة. من ناحية أخرى لا يتفق مزار مع فهم البعض ( ويقصد فنكلشتين بلا شك) بضرورة قراءة التاريخ الكتابي بطريقة ارتجاعية، ويرى هذا التاريخ باعتباره عملية تجميع وتحرير ونسخ أعقد وأطول بكثير لمواد أقدم بمئات السنين، بل أن بعضها يعود لذكريات من الألفية الثانية ق.م. ويستنتج، بالتالي، احتواء الكتاب على تأريخ وتراث إسرءيلي غني، والوسيلة الوحيدة لمعرفتهما هي تقنيات علم الآثار الكتابي. ونلاحظ تخلي مزار هنا مزار، مثله مثل فنكلشتين، عن :هويته/ هويتهما” كباحث أو باحثين ين أكاديميين “محايدين موضوعياً” يتسمان بالصرامة العلمية المفترضة، لنكتشف الوجه الحقيقي لهما بوصفهما يتمتعان بـ “هوية” يهودية- صهيونية- إسرائيلية. وفوق كل هذا أصول قومية أوروبية. يقول مزار: لايزال علم الآثار الكتابي (جزء لا يتجزأ من منظومتنا التعليمية ومن تراثنا “الغربي”) والأمر ذات ينطبق على فنكلشتين حين يطرح تساؤلاً مفترضاً “هل تشكل أبحاثه خطرا على دولة إسرائيل الحديثة”؟ ليجيب بالنفي بطريقة استنكارية كأن “مصير الشعوب لا يتقرر إلا وفقاً لعمق جذورها في الأرض… وهل حذف 50 أو 100 سنة من التاريخ يفقد الدولة الحديثة شرعيتها؟” . ويعتمد كلا الباحثين على مغالطات عديدة ليقنع القارىء- المستمع أن هذه الدولة مستمرة في هذا الإقليم دون انقطاع، فضلاً عن أن المجتمع الإسرائيلي اليوم بات: ناضجاً، وأصبحت دولة إسرائيل أمراً واقعاً: “هل مهم حقا إظهار أن أسوار أريحا سقطت عندما نفخ في الأبواق؟،أو أن الملك سليمان حكم من أورشليم امبراطورية مترامية الأطراف؟”.. يتساءل فنكلشتين بطريقة توحي بثقته بحاضره أكثر من ثقته بالماضي.. ماضيه الكتابي المزعوم، ويتابع “ماذا لو أن سليمان حكم من قرية صغيرة نائية بائسة في المرتفعات الجنوبية مساحة تساوي في حجمها مدينة أمريكية صغيرة وضواحيها؟ هل هذا يؤدي إلى أية تبعات على مستقبلي بصفتي إسرائيلي؟ الجواب بكل وضوح هو النفي، فقوة المجتمع الإسرائيلي تقوم أولا وقبل كل شيء على كونه مجتمع ليبرالي منفتح وديمقراطي. وليس من الصواب فرض فهم جديد للماضي على واقع الحاضر وآمال المستقبل”. ويتابع “أود توضيح أنه لا يمكن أن يكون ثمة شك حول وجود ممالك إسرءيل ويهوذا في العصر الحديدي الثاني، لا يوجد شك بأن أورشليم كانت عاصمة يهوذا وأن هيكل رب إسرءيل وقصور الملوك انتصبت في وسط أورشليم، وأن جزءً كبيراً من الكتاب العبري قد دون هناك”. ويؤكد كيهودي- صهيوني- إسرائيلي- أوروبي القول بكل ثقة “ينبغي هذا أن يكون كافياً لمعنى واحد للتقاليد والهوية. وهناك ما هو أكثر من ذلك بكثير، فالتاريخ الكتابي، الملحمة العظيمة التي تشكل أساس الحضارة الغربية، ظهر من مدينة صغيرة نوعاً ما وذات ثقافة مادية فقيرة نسبياً تقع على هامش الحضارات الكبرى في الشرق الأدنى القديم”.

الفصل السادس: مضامين علم الآثار على الحقائق التاريخية والمجتمع
القسم الثاني: رسالة علم الآثار / عميحاي مزار
ترك النقد الجذري الكتابي ليوليوس فلهاوزن وأتباعه من أواخر القرن التاسع عشر في مستهل القرن العشرين انطباعاً قوياً لدى أوساط المثقفين الأوروبيين واليهود. وكان الداعية اليهودي الشهير آشر غينسبرغ والمعروف باسم أحد هاعام قد نشر في العام 1904 مقالاً له بعنوان “موسى”، في الوقت الذي كان فيه علم الآثار لايزال في مراحله الأولى، واحتوت تلك المقالة على الفقرة التالية، ذات الصلة بموضوعنا هنا: “وهكذا عندما نفض العلماء الغبار عن الكتب القديمة والمخطوطات، من أجل إخراج عظماء التاريخ من قبورهم في شكلهم الحقيقي. مؤمنين في جميع الحالات بأنهم يضحون ببصيرتهم من أجل “الحقيقة التاريخية” ولا يغيب عن بالي ميل هؤلاء العلماء إلى المبالغة في تقدير قيمة اكتشافاتهم، ولن نقدر الحقيقة البسيطة وهي أن ليس كل حقيقة أثرية هي حقيقة تاريخية. فالحقيقة التاريخية هي -وهي فقط- التي تكشف عن القوى التي تسعى لقولبة الحياة الاجتماعية للبشرية. كل إنسان يترك علامة ملموسة على تلك الحياة، على الرغم من أنه قد يكون محض شخصية متخيلة، لكنه يمثل قوة حقيقية تاريخية ووجوده حقيقة تاريخية.. وبالتالي أنا لستُ متحمساً عندما يقوم البحث العلمي بسحب شيىء ما جديد “الحقيقة” عن رجل عظيم من الماضي، وعندما يتم إثبات ذلك عن طريق الأدلة الأكثر إقناعاً بأن بعض الأبطال القوميين.. ليس لهم وجود.. في مثل هذه المناسبات أقول لنفسي: كل هذا على ما يرام وجيد جداً، وبالتأكيد هذه “الحقيقة” سوف تمحو أو تغيير فقرة من فصل في كتاب علم الآثار، لكنه لن يجعل التاريخ يمحو اسم بطله.. لأن اهتمامه ينصب على بطله الحي حيث الصورة المحفورة في قلوب الرجال، والذي أصبح قوة في حياة الإنسان وما يهم التاريخ فيما إذا كانت هذه القوة ذات يوم تتكلم وتسير على قدمين، أو لم يكن سوى مخلوق من الخيال.. في كلتا الحالتين، يكون التاريخ هو التأكيد على وجوده، لأن التاريخ يشعر بتأثيره”
الفكرة الأساس لدى [أحد هاعام] هي الأهمية التي تكتسبها الروح والقيم التي يجسدها بطل من الماضي وليس فيما إذا كان هو (أو هي) موجود أو موجودة حقاً. هذا الخط من التفكير لا يزال يؤثر في العديد حتى في أيامنا هذه.
نشر زئيف هيرتسوغ من جامعة تل أبيب، في العام 1999، مقالاً في صحيفة هآرتس صدر عنوانه بأحرف كبيرة على الصفحة الأولى: “الحقيقة من الأرض المقدسة: بعد 70 عاماً من الحفريات الأثرية في أرض إسرائيل من الواضح أن الحقبة الكتابية لم توجد” وعنوان المقال في حد ذاته كان “الكتاب: لا لقى في الميدان”، والعنوان الفرعي يشرح بأن ” قصص الآباء، والخروج، والغزو، وامبراطوريات داود وسليمان هي مجرد قصص فلكلورية، وفي حين أن العلماء عرفوا ذلك منذ مدة طويلة، يفضل المجتمع الإسرائيلي التغاضي عن هذه الأفكار”. أثارت مقالة هيرتسوغ ردود فعل جديرة بالملاحظة في إسرائيل. ففي واحدة من العديد من الرسائل إلى المحرر، وهي التي تعبر عن ردة فعل كاتب الأغاني والملحن الإسرائيلي العظيم نعومي شيمر، التي تعبر بطريقة مماثلة عن وجهة النظر تلك التي تكلم عنها أحد هاعام قبل خمس وتسعين عاماً: لا يهم إذا كانت القصة وقعت فعلاً أم لا، أو إذا كانت بعض المباني المذكورة في الكتاب موجودة فعلاً أم لا؛ ما يهم هو ما ترمز إليه هذه القصص؛ تراثهم مستمر حتى لو لم يكونوا حقائق تاريخية فعلية. وقد قمت أنا وإسرائيل ليفين، رداً على مقالة هآرتس، بتحرير مجموعة من المقالات حول هذا الموضوع نشرت في اللغة العبرية. أحدها كانت ليائير زاكوفيتز، وهو أستاذ الأدب الكتابي في الجامعة العبرية بعنوان “الكلمات، والأحجار، الذاكرة والهوية”. وبالنسبة له ” كلمات” الكتاب هي تلك الكلمات التي تشكل هويتنا، وليس الحجارة. ويستطرد، مستنتجاً “حتى لو تم إثبات أن كل ما هو مكتوب في الكتاب ليس تاريخياً، فإن جوهر هويتي وذاكرتي التاريخية التي تقوم على الكتاب لن تهتز” (ترجمتي عن النص العبري). فالكتاب، على حد قوله “هو أبلغ إنجاز لإسرءيل القديمة وللروح العبرية وهو العامل الرئيس في خلق هويتنا والذاكرة المشتركة. الكتاب هو حجر الأساس للثقافة اليهودية بين كل الأجيال وسيبقى كذلك إلى الأبد، ولا يمكن أن تقاس عظمته بمقياس الموثوقية التاريخية”.
وعلى الرغم من كوني آثاري يبحث عن الأدلة المادية للماضي، أجد نفسي متفقاً مع هذه الكلمات. القيم والأفكار الدينية، والرسائل الفكرية للكتاب لا تحتاج إلى تأكيدات أثرية. فهذه القيم و الأفكار والرسائل.. إلخ تقف بمفردها كأحد الإنجازات الفريدة من نوعها في إسرءيل القديمة. وليس دور علم الآثار التأكيد على المرويات الكتابية، بل محاولة تحديد الخلفية التاريخية لتشكيل هذه القصص في الكتاب وإذا ما إذا كانت هذه القصص تحفظ معطيات ذات قيمة عن التاريخ القديم لإسرءيل- بعبارة أخرى- لتحديد واقعهم ومعيشهم اليومي Sitz im Leben. الأفكار الحالية المبتكرة كتلك التي يطرحها التنقيحيون، باتت مرفوضة على نحو مطرد من قبل العديد مثل البعثات الاستكشافية الأثرية في أرض إسرائيل. ويقترح فنكلشتين وغيره اتباع نهجاً أكثر اعتدالاً، النهج الذي يمكن أن أصفه باسم ” الكتابة الارتجاعية للتاريخ”، بمعنى أن الفكرة التي ترى في العديد من أبطال الكتاب كانعكاسات للملك يوشيا وأن وصفهم في الكتابة التاريخية للكتاب دونت بدوافع إيديولوجية واضحة القصد منها تمجيد أهداف وإيديولوجية وسياسة يوشيا. مثل هذا الطرح هو مجرد اختلاق، ورؤية ضيقة [الأفق] وأحادية الجانب للعملية الإبداعية للكتابة التاريخية للكتاب. وتفتقر -باعتقادي- إلى دليلٍ كافٍ وتسعى لنزع هذه القصص من بيئتها الأصلية.
تبدو عملية كتابة تاريخ إسرءيل كأنها نتاج عملية طويلة ومعقدة من التجميع والتدوين والتحرير والنسخ للنصوص الكتابية استمرت في معظم القرنين الثامن والسابع ق.م. وعلى الرغم من الضبابية اللاهوتية والإيديولوجية لواضعي الكتاب، يكشف علم الآثار ودراسات الشرق الأدنى القديم بأن العديد من القصص [الكتابية] تضرب بجذورها عميقاً في تربة وقائع سابقة لزمن تجميعها بمئات السنين، حتى أن البعض منها يعود بجذوره إلى الألفية الثانية وأوائل الألفية الأولى ق.م. ولنا أن نتخيل مؤلفي الكتاب وهم يبحثون في الماضي من خلال تلسكوب: كلما اقترب المؤلف من زمن الحدث كلما كانت الصورة أكثر وضوحاً. وتعبر القصص ذات الصلة بظهور إسرءيل في حدها، عن وجهة النظر هذه، ولكنها مازالت تحتفظ بأسماء قديمة، ومصطلحات، وأوضاع جغرافية وذكريات غامضة عن أحداث معينة.
بعض هذه الأحداث قد يكون موغلاً في القدم لزمن يسبق ظهور إسرءيل على مسرح التاريخ. فقصة غزو حاصور يمكنها، مثلاً، أن تترسخ في أحد أكثر المشاهد مهابةً للقرن الثالث عشر ق.م، أي، سقوط أكبر مدينة كنعانية في جنوب بلاد الشام. إن ذكرى حدثاً بمثل هذه الأهمية التاريخية الكبيرة ربما انتقلت من السكان الأصليين على مدى عدة قرون حتى تم تكييفها ضمن الكتابة التاريخية الإسرءيلية لاحقاً. ويمكن تفسير قصة مثل غزو مدينة عاي كقصة سببية قديمة تنتمي إلى واقع العصر الحديدي الثاني وتسبق زمن تدوينها بقرون. ويمكن لعلم الآثار بمثل هذه الطريقة توضيح الخلفية التي شكلت العديد من القصص في أسفار القضاة وصموئيل، بما في ذلك تلك القصص المتصلة بالمملكة المتحدة. ويمكن لكتابة التاريخ الكتابي بدءً من القرن التاسع ق.م أن تكون موثقة أو يتم إثراؤها عبر مصادر مدونة غير كتابية بالإضافة إلى المصادر الأثرية.
ويبدو الإطار التاريخي الكتابي لهذه الفترة أكثر قوة ويمكن الاعتماد عليه. وأخيراً، يمكن، عند التعامل مع عصر الملكية المتأخرة (أواخر القرن السابع ق.م إلى بداية القرن السادس ق.م) توثيق تفاصيل النص الكتابي، فضلاً عن اللقى التي تحمل نصوصاً مكتوبةً، مثل وجود أسماء بعض الأشخاص المذكورين في الكتاب على الأختام والدمغات. وهذا لا يعني أن القصص الكتابية التي يتعين اتخاذها في ظاهرها هي تاريخ حقيقي. ويجب تفسير الكثير من القصص باعتبارها حكايات شعبية وتقاليد دُوّنت وحُرّرت على يد مؤلفين لاحقين يمتلكون موهبة أدبية استثنائية ودوافع إيديولوجية ودينية. ومع ذلك، ما زال بمقدورنا -حتى الآن- أن نحفر في الطبقات الداخلية العميقة في هذه القصص، وكشف الوقائع التي تعكسها، ويمكن القيام بذلك في كثير من الحالات عن طريق ربط هذه القصص بالأدلة الأثرية. وفي الوقت عينه يمتلك علم الآثار أيضا القدرة بصورة محتملة على تقديم تاريخيّة بعض القصص الكتابيّة، مثل معظم روايات غزو كنعان. ومن المهم أن ندرك احتمال احتفاظ النص بذكريات تاريخية بعيدة كصدى لحالات وأحداث الماضي من خلال التقاليد الشفوية والمدونة.
وبدلا من ” البرهان على صدقية الكتاب”، ينشغل البحث الآثاري الحالي في إسرائيل أساساً بتعميق فهمه لجوانب حياة إسرءيل وجيرانها وإعادة بناء هذه الجوانب، بما في ذلك البنية الاجتماعية والاقتصادية والتقنية، والحرب، والممارسات الدينية، وحتى القضايا المعرفية. وهذه مواضيع واسعة لأننا بحاجة إلى أن نستفيد أكثر ما يمكن من أفضل أدوات البحث التي يمكن لعلم الآثار تقديمها، بما في ذلك التعاون مع طيف واسع من العلوم. وقد أثار السجال الحالي حول تفكيك التاريخ الإسرءيلي القديم قدراً كبيراً من الاهتمام في وسائل الإعلام، ولكن وجهات النظر المختلفة تركت الجمهور مرتبكاً ومشوشاً. وقارن البعض وجهات النظر هذه باتجاه ما بعد الحداثة في البحث التاريخي للصهيونية من قبل ما يسمى بـ “المؤرخين الجدد” أو “المؤرخون ما بعد الصهيونيين” الذين تقترح روايتهم سرديات بديلة لتاريخ الصهيونية، بعيداً عن التأريخ الصهيوني الرسمي.
لستُ مقتنعاً، في هذا السياق، بأن مثل أوجه التشابه هذه أو الموازيات مناسبة بل ينبغي تجنبها.
علم الآثار والمجتمع الإسرائيلي
خلق تطور الحركة الصهيونية خلال النصف الأول من القرن العشرين الحاجة الطبيعية لإنشاء رموز قومية من شأنها ربط الحاضر بالماضي. ودعا ثيودور هرتزل روايته التي يصف فيها الدولة اليهودية المستقبلية باسم “الأرض الجديدة القديمة Altneuland”، وهو العنوان الذي يمثل فكرته الأساسية عن الصهيونية: عودة الشتات( الدياسبورا) اليهودي المتناثرة إلى وطنهم القديم. ومنذ ذلك الحين، مثّلت هذه الفكرة حجر الزاوية في الثقافة الصهيونية. وفي هذا الإطار أصبح “معرفة الأرض” وهي الترجمة الحرة العامة للعبارة العبرية (ידיעה‘אות ח ’ארץ يديعوت هاآرتس) مكوناً أساسياً من مكونات التربية الصهيونية، وكان علم الآثار جزء من ذلك. وقد حفز هذا الاهتمام من قبل نشاط علماء الآثار الأجانب واليهود. وعلى الرغم من أن معظم البعثات الاستكشافية الآثارية المبكرة قام بها علماء الآثار الأوروبيين والأمريكيين، فإن الأبحاث اليهودية الآثارية تمت بالفعل في مطلع القرن العشرين، وكان إليعازار سوكينيك يدير، منذ العام 1925، بحوثاً أثرية لمصلحة الجامعة العبرية في القدس، حيث تأسس فيها قسم الآثار في العام 1936. ونشطت جمعية استكشاف إسرائيل، منذ بداية القرن العشرين، في مجال البحوث وكذلك في الترويج لهذا الموضوع. كما تطورت النشاطات الأثرية بصورة هائلة بعد قيام دولة إسرائيل، وأصبح لعلم الآثار مكانة هامة في الحياة الثقافية والتعليمية الإسرائيلية. إن مواقعاً مثل مسعدة وسراديب الموتى اليهود في بيت شعاريم أصبحت أماكن ذات أهمية قومية عليا. وكان من الشائع القول آنذاك بأن علم الآثار في إسرائيل هو هواية وطنية. وكانت الثقافة والتربية الصهيونيتين هما الباعث العميق للكثير من “الآباء المؤسسين” لعلم الآثار في إسرائيل مثل بنيامين مزار، يغال يادين، يوحنان أهاروني، أبراهام بيران، وغيرهم، وإيمانهم الحقيقي بأن أعمالهم سوف تكشف عن الجذور التاريخية للدولة المولودة حديثاً في وطنها. وفي الواقع، درس يغال يادين – رئيس هيئة الاركان في جيش الدفاع الإسرائيلي في أعقاب [حرب الاستقلال] عام 1948- مع الأبطال اليهود الراحلين مثل يشوع، فاتح حاصور، والوطنيون في قلعة مسعدة، وإسينيين قمران، وباركوخبا. وعرف كيف ينشر اكتشافاته في وسائل الإعلام والكتب الشعبية، إلى درجة أنها أصبحت جزءً لا يتجزأ من الثقافة الإسرائيلية، ومعروفة في جميع أنحاء العالم.
ينبغي أن يفهم علم الآثار في مراحله المبكرة مثله مثل أي نزعة فكرية خلفية الزمان والمكان، ومن الطبيعي أنه في ذلك الزمان والمكان، في مطلع وبعد تأسيس الدولة فقط سيقوم علم الآثار بلعب مثل هذا الدور الواضح في المهمة الهائلة المتمثلة في بناء الهوية الإسرائيلية. ويبدو أن العديد من هذه النزعات السابقة قد ترهلت في أيامنا هذه. ويعتبر معظم الآثاريين الإسرائيليين الحاليين أنفسهم علماء، ويقومون بإجراء أبحاثهم من أجل البحث فقط (في الأقسام الجامعية لعلم الآثار)، أو في خدمة احتياجات الجمهور (في إطار هيئة الآثار الإسرائيلية) دون وجود أي أجندة سياسية أو أيديولوجية. وهم في معظمهم على بينة من خطورة مزج البحوث العلمية بالإيديولوجيات الحديثة والسياسة. وغالباً ما يتم التحكم بصور سلبية لجهة استخدام الإيديولوجيا في علم الآثار. ويتعاطى علماء الآثار الإسرائيليين، باهتمام مهني وجدّي، في مجمل تاريخ البلاد القديم، منذ عصور ما قبل التاريخ الموغلة في القدم حتى القرون الوسطى، وجميع حضاراتها القديمة، والجماعات الإثنية، والأديان. ويزعم البعض بأنه ينبغي للبحوث العلمية أن تؤدي عملها لغايتها الخاصة دون أي دوافع سياسية أو قومية. وهذا الأمر صحيحاً ومقبولًا على نطاق واسع من قبل جميع العلماء. ومع ذلك، دعونا نتذكر بأن الاكتشافات الأثرية في جميع أنحاء العالم تعد جزءً من تراث الأمة وتستخدم، لذلك، في أشكال مختلفة من التربية القومية. والخط الفاصل بين هذا النوع من التعليم، والاستغلال السياسي أو القومي لعلم الآثار يبدو رمادياً أحياناً. وقد خبرنا في إسرائيل صعوبات في بعض الأحيان في كبح جماح مختلف الجماعات ذات الدوافع الإيديولوجية لجهة تكييف واستغلال الاكتشافات الأثرية لصالح الأجندة الإيديولوجية لهذه الجماعات (عند كل من اليسار واليمين للخارطة الإيديولوجية/ السياسية). ويدرك جيداً معظم الآثاريين المحترفين في اسرائيل حتى الآن مثل هذا الخطر، ويبذلون جهوداً لتجنب مثل هذه الاستخدامات عن الماضي. ويسعون لتقديم صورة موضوعية قدر الإمكان بدلاً من المبالغات في عرض وتفسير وشرح الاستكشافات الأثرية.
رسالة وإرث علم الآثار
ما هو التراث أو الإرث الذي سنتركه-نحن الآثاريون- وراءنا للأجيال القادمة؟
من الواضح أننا نسعى إلى أن نخلف ورائنا مؤلفاتنا ومنشوراتنا الأكاديمية في شكل تقارير عن عمليات الاستكشاف وكتب تعليمية وأوراق بحثية ومع ذلك تظل هذه، في معظمها، في نطاق الدوائر الأكاديمية الضيقة. الكتابة الشعبية، بما في ذلك العروض الموجزة التي يسهم بها بعض الباحثين والمختصين على قدر من الأهمية سواء لعامة الناس أم للباحثين في المجالات ذات الصلة مثل الدراسات الدينية والكتابية، والذين ليس لديهم الخبرة اللازمة للولوج إلى تفاصيل الدراسات الآثارية. الكتب الشعبية وشبه الشعبية والمجلات مثل مجلة ” Near Eastern Archaeology and Biblical Archaeology Review ” أو مجلة قدمونيوت Qadmoniot التي تصدر باللغة العبرية تزود الجمهور الأوسع بنتائج أبحاثنا. وتكمن المشكلة في أنه يمكن للكتب الشعبية والمجلات في بعض الأحيان (ووسائل الإعلام عموماً)،تشويه أو تضخيم الاكتشافات الأثرية والتفسيرات كمحاولة لجذب الجمهور. وتميل وسائل الإعلام العامة (لاسيما البرامج التلفزيونية) في كثير من الأحيان إلى التأكيد على استثنائية وجذرية النظريات ووجهات النظر الجديدة، وهي بذلك تساهم في تشكيل وجهة نظر مشوهة عن مهنتنا من قبل الجمهور، ومثال على ذلك هو الضجة الإعلامية الكبيرة التي أعطيت للآراء غير المقبولة للكرونولوجيا المقترحة من قبل إيمانويل فيلكوفسكي؛ أو الاهتمام بما طرحه إيمانويل أناتي حول المطابقة المستحيلة لجبل سيناء بجبل هار كركوم (السلسلة الجبلية التي تقع في النقب الجنوبي) حيث اكتشف هناك أدلة لممارسات لعبادة قديمة؛ ولكن، وحيث أن دليله يأتي من زمن يعود للألفية الرابعة أو الثالثة ق.م، فلا علاقة له مع جبل سيناء. وينطبق الأمر ذاته، أي الضجة الإعلامية، في كثير من الأحيان على قصص اكتشاف سفينة نوح، أو تابوت العهد المقدس.
تقدم البحوث الأثرية رسالة مهمة للإسرائيليين -اليهود والعرب على حد سواء- ولعموم الجمهور خارج إسرائيل. وينبغي التنبيه بأن معرفة الماضي ومعرفة تراثنا اليهودي آخذة في التقلص ضمن أطياف مجتمعنا العريضة ونحن بحاجة إلى تعزيز هذه المعرفة. ويمكن للقصة التي يرويها علم الآثار أن تُروى بصرياً، وبالتالي تصبح أكثر حميمية من خلال زيارات المواقع والمتاحف، والمشاركة في عمليات التنقيب، والمحاضرات، والبرامج الإعلامية المسؤولة. بمثل هذه الطريقة يمكن لعلم الآثار أن يكون بمثابة أداة تعليمية مهمة توفر فهم أفضل عن الماضي. وثمة جانب آخر مهم للدور التعليمي لعلم الآثار، وهو حفظ وصيانة المواقع الأثرية. والمواقع الكتابية على وجه الخصوص معرضة للخطر، نظراً لأن لصعوبة الحفاظ عليها بطريقة صحيحة، إن لم يكن مستحيلاً في كثير من الأحيان. لقد حفظت بصورة جيدة العديد من المواقع في إسرائيل مثل تل دان، وحاصور ومجدو، وبيت شان، والقدس وتل القصيلة، ولخيش، وبئر سبع، وعراد، وبات البعض منها جزءً من نظام المتنزهات القومية في إسرائيل. وقد شملت اليونسكو في العام 2006 ، ثلاثة منها (هي حاصور ومجدّو، وبئر السبع) في قائمة التراث العالمي، الأمر الذي يمنحها وضعاً خاصاً ودعاية في جميع أنحاء العالم. ومازال تراث علم الآثار الكتابي يلقى التقدير والاحترام ويُدرّس. وحاز على قدر كبير من الاهتمام في أوساط المجتمعات اليهودية والمسيحية على حد سواء. إن نظام التعليم في إسرائيل يشمل فصولاً مختارة في علم الآثار كجزء من دراسة الكتاب، أو من تاريخ أرض إسرائيل، علما بأن هذه الجهود من وجهة نظري غير كافية. كما يُدرّس علم الآثار في الجامعات الخمس في إسرائيل كافة، إما كموضوع قائم بذاته أو كجزء من برنامج أوسع من الدراسات الكتابية ودراسات الشرق الأدنى. وهناك عدداً لا بأس به من الجامعات في أميركا وأوروبا، وعدد قليل في الشرق الأقصى (اليابان وكوريا الجنوبية) توفر برامج دراسية في هذه المجالات ضمن طيف واسع ومتنوع من الأطر والبيئات الأكاديمية.
أصبح علم الآثار في العديد من المدارس اللاهوتية وأقسام الدين أو الدراسات اليهودية في الولايات المتحدة جزءً من المنهاج الدراسي العادي، أو من موضوع أوسع نطاقاً يشار اليه باسم “خلفيات الكتاب”. ويشارك سنويا المئات من الطلاب وغيرهم كمتطوعين للتنقيب عن الآثار في إسرائيل والأردن، كما تدير العديد من هذه البعثات الأثرية أيضاً برامج تعليمية معتمدة أو مدارس عمل ميداني. وهكذا، فرسالة علم الآثار الكتابي معقدة كما تبدو عليه، ولاتزال مستمرة في الانتشار. وهو لا يزال جزءً لا يتجزأ من ثقافتنا الغربية ومن إرثنا.

 

عن محمود الصباغ

كاتب ومترجم من فلسطين

شاهد أيضاً

البحث عن إسرءيل: مناظرات حول علم الآثار وتاريخ إسرءيل الكتابية (6-1)

ترجمة: محمود الصباغ استهلال في هذا الفصل الأخير من الكتاب يكرر فنكلشتين حججه التي شرحها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *