البحث عن إسرءيل: مناظرات حول علم الآثار وتاريخ إسرءيل الكتابية (2-1)

ترجمة: محمود الصباغ

استهلال
يبدأ إسرائيل فنكلشتين في هذا الفصل بـ “عزل” قصص الآباء البطاركة كاختبار لما يمكن معرفته، راهناً، عن الأهمية “التاريخية للتقاليد الكتابية” في سبيل التعرف على إسرءيل القديمة. ويستنتج أن هذه القصص، بما تضم من سمات أدبية وفنية وقانونية تشريعية رسمية، تجد مكانها المميز في الإرث اليهودي- المسيحي الذي التصق به، عن كثب، الكثير من الباحثين الكتابيين الأوائل. ويستعرض بعضاً من المحاولات السابقة الفاشلة في التعرف على شخصية إبراهيم “التاريخية” التي من المفترض أنها تنتمي لأواخر الألفية الثالثة ق.م وأوائل الألفية الثانية ق.م. وتشمل هذه المحاولات المقترحات التي باتت معروفة الآن بأن إبراهيم كان مهاجراً بدوياً من أصول عمورية امتهن “تجارة القوافل caravanner” و “invader donkey” واش في زمن الانهيار المفاجئ للنظام الحضري لحواضر ومدن العصر البرونزي المبكر في “بلاد الشام”، أو أن إبراهيم كان بدوياً من سكان الخيام يقيم قرب مدن العصر البرونزي الوسيط الرئيسية، كما تنقل لنا نصوص مملكة ماري صورة ذلك العصر. أو نُظرَ إلى بعض الممارسات الاجتماعية و القانونية لإبراهيم وأقاربه (مثل الأمهات البديلات وتبني العبيد للآباء والأمهات الذين ليس لديهم أطفال كما في نصوص نوزي خلال الألفية الثانية ق.م). ويشير فنكلشتين، في هذا الصدد، إلى المفارقات التاريخية في تلك القصص البطريركية التي تشير إلى التأليف المتأخر للنصوص (القرن الثامن و السابع ق.م) أي، تقليدياً، زمن الملكية اليهوذية المتأخرة. ويذكر التدجين المتأخر للجمال، وقصة مدينة جرار، التي يعود ظهورها إلى الألفية الأولى، والإشارة المتكررة للشعوب المجاورة، وللأنظمة السياسية الحاكمة التي لم تكن موجودة بوصفها كيانات سياسية متميزة حتى الألفية الأولى ق.م، مثل الآراميين وجماعات شرق الأردن كالأدوميين, والموآبيين، والعمونيين، والإشارات إلى المدن والأماكن التي شهدت أو وجدت في سياق الإمبراطوريات الآشورية والبابلية في الألفية الأولى ق.م. ويستنتج أن الخلفية الجيوسياسية للقرن السابع ق.م تمثل على الأرجح الأرضية التي تم بموجبها جمع ونسخ وتأليف وتحرير نصوص القصص البطريركية المذكورة في العهد القديم، فضلاً عن تفاصيل مشابهة أخرى -لا يمكن رفضها- كمجرد نثريات وإضافات تحريرية لاحقة نظراً لأنها تشكل عناصر أساسية مركزية في حبكة السرديات، وتشير إلى تاريخ وغاية النص وكذلك الجمهور المستمع له.
ويرى فنكلشتين أن الرسالة من وراء هذه القصص تكمن في إنتاج سردية حافلة حتى التخمة بأجندة سياسية- إيديولوجية ذات طابع توسعي هدفها الدفاع عن حق “يهوذا” في الاستحواذ على الأراضي الشمالية “مملكة إسرءيل التي قضى عليها الآشوريون في وقت سابق” وفقاً للأفكار السائدة آنذاك (القرن السابع ق.م).
وإذ يتعامل فنكلشتين مع قصص البطاركة بهذه الطريقة التوجيهية، كنموذج، فهو ينتقل إلى قصة الخروج من مصر وغزو كنعان الكتابيتين ليلاحظ أن جغرافيا وطوبوغرافيا الخروج وقصص التيه تتناسب بصورة أفضل مع القرنين السابع والسادس ق. م، أو فترة الأسرة الصاوية في مصر. كما لا يفوته التنويه بعدم صلاحية الدفاع عن مرويات غزو يشوع لكنعان، وما يليها كما هي في سفري يشوع والقضاة، لعدم إمكانية تأويلها في صياغات آثارية مباشرة، لأن العديد من المواقع المذكورة في قصص الغزو لم تكن مأهولة في الزمن المفترض لحدوثها (العصر البرونزي المتأخر)، أو كانت في أحسن الأحوال مجرد قرى مغمورة لا أهمية لها. علاوة على أن النظام الحضري في كنعان ( الدويلات-المدن) لم يتعرض لانهيار مفاجئ في نهاية ذلك العصر (البرونزي المتأخر)، بل كان انهيار نظام المدن الكنعانية جزءً من عملية أوسع شملت معظم المناطق الحضرية للحوض الشرقي للبحر الأبيض المتوسط. ولا يغيب عن باله التذكير باستمرار السيطرة المصرية على كنعان خلال فترة النصف الثاني من القرن الثاني عشر ق.م.
وتشير ،عموماً، البحوث الآثارية، والمسوحات السطحية لمواقع العصر البرونزي في كنعان إلى إعادة إحياء النظام السكاني في القرن الثاني عشر ق.م، حيث ظهرت حركة انتقال لجماعات قديمة من السكان الأصليين، كما فعل أسلافهم ذلك من قبل عدة مرات، أي الانتقال من البداوة إلى الاستقرار مرة أخرى. وبهذا المعنى يرى فنكلشتين أنه على الرغم من أن تقاليد قصص الآباء والخروج والغزو ربما تكون قد احتفظت بذكريات وتقاليد قديمة إلا أن موضوعاتها وغاياتها ووقائعها وسياقها التاريخي يعود لواقع مملكة يهوذا في القرن السابع ق.م .
…..
الفصل الثاني: دور علم الآثار في تقويم الإرث الكتابي عن “الأزمنة الأولى”
القسم الأول: تقاليد الآباء البطاركة والخروج والغزو بين الحقيقة والخيال/ إسرائيل فنكلشتين
(تعتمد مادة هذا الفصل، بالدرجة الأولى، على “فصل البطاركة” في كتاب نيل آشر سيلبرمان وإسرائيل فنكلشتين (التوراة اليهودية مكشوفة على حقيقتها: رؤية جديدة لإسرائيل القديمة وأصول نصوصها المقدسة على ضور اكتشافات علم الآثار، 2001 [ هكذا عنوان الكتاب في الترجمة العربية] سوف أتناول هنا الفترات التكوينية من تاريخ إسرءيل الكتابية، ويظهر الأمر كما لو أنه سهلا ومعقداً بآنٍ معاً، فهو سهل لاتفاق معظمنا على أن الوصف الكتابي لهذه الحقبة من تاريخ إسرءيل القديمة لا يتعامل مع أحداث فعلية تعود بزمنها للألفية الثانية ق.م، وهو أكثر تعقيداً لأن هناك الكثير من الأدلة ذات طابع سلبي، وصعبة الكشف. فضلاً عن أننا نتعامل مع مجموعتين مختلفتين من النصوص – مجموعة الأسفار الخمسة [لتناخ] والتاريخ التثنوي- اعتبرتا، من قبل العديد من أهل الاختصاص، تمثيلاً لمراحل مختلفة من عملية التأليف. ويؤرخ، تقليدياً، المصدر اليهووي (J )، الذي يحفظ معظم المادة “التاريخية” في سفر التكوين، إلى فترة القرن العاشر ق.م، في حين دُوّنت قصة غزو كنعان (ضمن متن التاريخ التثنوي) في مراحل لاحقة. غير أن وجهة النظر هذه بدأت تتغير تدريجياً في السنوات الأخيرة بسبب أبحاث “النقد العالي”. كما يحدد العديد من الباحثين، الآن، هذه العلاقة الوثيقة بين المصدر اليهووي J والتاريخ التثنوي، وسوف أجادل، من وجهة نظر ترى أن كلا المصدرين ( اليهووي والتاريخ التثنوي) يعكسان وقائع زمن الملكية المتأخرة، وكلاهما يضعان الحقبة الملكية المتأخرة ليهوذا في صلب سرديتاهما بما يخدم الأهداف العقائدية واللاهوتية لهما. ومن نافل القول التأكيد على أن سفري التكوين والخروج يصوران أيضاً بعض الاهتمامات والمخاوف التي تعكس أحداث الفترة الفارسية اللاحقة. وسوف أناقش أولاً-باستفاضة إلى حد ما- قصة الآباء البطاركة باعتبارها دراسة حالة للجزء “التاريخي” في التناخ، ثم أعرّج، بإيجاز، على مرويات الخروج والغزو في ضوء معالجة الروايات البطريركية.
سرديات الآباء البطاركة
تعتبر قصة البطاركة، بمعناها الأوسع، عن الطريقة التي تتحول فيها عائلة إلى أمة- هي أول ملحمة كبيرة في الكتاب. وسردية وصف الكتاب لحياة الآباء البطاركة هو بمنزلة وصف لعائلة نموذجية بما تحتويه من فرح وحزن وحب وكراهية وخداع ومكر وفقر ومجاعة وازدهار. وهي أيضاً قصة فلسفية عالمية تدور حول الولاء والطاعة والإيمان والتقوى. ولكن هل يمكن القول أنها وصف تاريخي موثوق عن ميلاد شعب إسرءيل؟
فشل العثور على أبراهام التاريخي
ينتمي العديد من أهل الاختصاص الأوائل بعلم الآثار والدراسات الكتابية الأوائل إلى سلك اللاهوت. ولذلك كان من الضرورة بمكان لهم القبول بأن الوعد الممنوح-من قبل الرب- لإبراهيم وإسحق ويعقوب قد منح لشعب حقيقي يمثل أقدم تاريخ لإسرءيل القديمة. ويشير عالم الآثار والباحث الكتابي رولاند دي فو إلى هذا بقوله “إذا لم يكن الإيمان التاريخي بوجود إسرءيل في إطار التاريخ هو إيمان حقيقي، فإن مثل هذا الإيمان إنما يعبر عن افتراض خاطئ، وبالتالي سوف يكون إيماننا خاطئ أيضا”. ويتردد صدى ذات الشعور عند وليم أولبرايت، عميد علم الآثار الكتابي، الذي يصر على أن” الصورة في سفر التكوين هي، بشكل عام، صورة تاريخية، ولا يوجد من سبب يدعو للشك في صحة تفاصيل السيرة الذاتية التاريخية”. وفي الحقيقة، وعلى ضوء المكتشفات الكبيرة في بلاد ما بين النهرين، وتكثيف النشاط الأثري في فلسطين منذ العقود الأولى للقرن العشرين، أبدى العديد من المؤرخين الكتابيين والآثاريين قناعة بأن المكتشفات الجديدة هذه سوف تبرهن على أن رموزاً مثل الآباء البطاركة إنما تعبر عن شخصيات تاريخية حقيقية. وجادل هؤلاء في أن المرويات الكتابية، حتى لو جمعت في تاريخ متأخر نسبياً (من وجهة نظرهم في فترة المملكة المتحدة)، فهي، مع ذلك، حافظت، على الأقل على الخطوط العريضة الرئيسية لواقع تاريخي قديم أصيل.
يرى أولبرايت بأن تفاصيل بعض قصص سفر التكوين كالأسماء الشخصية وقوانين شراء الأراضي قد تكون موجودة في سجلات الألفية الثانية ق.م لمجتمعات ما بين النهرين التي يبدو أن الآباء نشؤوا فيها. ولا يقل عن ذلك أهمية وصف الآباء بتبنيهم سبل حياة بدوية يتحركون مع قطعانهم في تلال كنعان. أقنعت هذه العناصر، مجتمعة، أولبرايت بالواقع التاريخي لعصر الآباء. وبدأ، بالتالي، البحث عن أدلة تثبت حضور جماعات رعوية رافدية الأصل في كنعان في الألفية الثانية ق.م، وهي الفترة التي تبدو صالحة للكرونولجيا الكتابية لتوافق عصر الآباء الكتابي.
مثلت أفكار أولبرايت هذه الفرضية الأكثر تأثيراً في هذا السياق لجهة المحاولات الرامية لتعيين موقع الآباء البطاركة على أسس تاريخية وأثرية. لقد تميزت بلاد كنعان، في الألفية الثالثة ق.م- أي العصر البرونزي المبكر- بحياة حضرية كاملة، تمثلت في ظهور منظومة من المدن الكبيرة المتطورة في منطقة السهول المنخفضة، بما فيها من تحصينات عظيمة وقصور ومعابد. ولم يلبث هذا النظام أن تعرض للانهيار في نهاية الألفية الثالثة ق.م. فدمرت المدن أو هجرها سكانها، ولم تتعافَ العديد منها من توابع الزلزال. فصلاً عن هجرة العديد من السكان من التجمعات الريفية المحيطة بتلك المدن، مما أدى إلى ظهور فترة، امتدت عدة قرون، عكست ثقافة مختلفة تماماً في ظل غياب المدن الكبيرة، عندما كان معظم السكان -على الأقل كما الاعتقاد سائداً بين علماء الآثار في الخمسينيات والستينيات- يمارسون أسلوب العيش رعوي مترحل يعتمد اقتصاد الكفاف سبق عودة الحياة الحضرية التي بدأت بالتعافي التدريجي عندما دخلت كنعان في فترة حضرية ثانية، أي العصر البرونزي الوسيط -في أوائل الألفية الثانية ق.م-. ويسلط أولبرايت الضوء على الفترة [الانتقالية] بين المرحلتين المدينتين، العصر البرونزي الوسيط (الذي أطلق عليه “البرونز الأوسط الأول”).
يجادل هو وغيره من العلماء بالانهيار المفاجئ للثقافة الحضرية في العصر البرونزي المبكر، في ذلك الوقت، بسبب غزو البدو الرعاة القادمين من تخوم الصحراء في الجهة الشمالية الشرقية. وطابقهم مع العموريين (Amurru) الذين ورد ذكرهم في النصوص الرافدية. ويعيد أولبرايت، وأتباعه، زمن أحداث قصص إبراهيم الواردة في سفر التكوين إلى تلك المرحلة من تاريخ كنعان. ويقترح تعيين إبراهيم كتاجر قوافل “يتمتع بسمعة عالية وشهرة رفيعة” ساهم من خلال ذلك في تنشيط شبكة التجارة الكبيرة التي كانت قائمة في القرن التاسع عشر ق.م. وتشهد نصوص تلك الفترة التي عثر عليها في كول تبه Kultepe بالقرب من مدينة قيصري Kayseri وسط تركيا على العلاقات التجارية المزدهرة بين بلاد ما بين النهرين والأناضول، بما يشابه حركة إبراهيم بين أور وحاران المذكورة في الإصحاح 11 من سفر التكوين. [31 وَأَخَذَ تَارَحُ أَبْرَامَ ابْنَهُ، وَلُوطًا بْنَ هَارَانَ، ابْنَ ابْنِهِ، وَسَارَايَ كَنَّتَهُ امْرَأَةَ أَبْرَامَ ابْنِهِ، فَخَرَجُوا مَعًا مِنْ أُورِ الْكَلْدَانِيِّينَ لِيَذْهَبُوا إِلَى أَرْضِ كَنْعَانَ. فَأَتَوْا إِلَى حَارَانَ وَأَقَامُوا هُنَاكَ. 32 وَكَانَتْ أَيَّامُ تَارَحَ مِئَتَيْنِ وَخَمْسَ سِنِينَ. وَمَاتَ تَارَحُ فِي حَارَانَ.]. كما تزودنا اللقى التي عثر عليها في موقع بني حسن في مصر، والتي تزين بعض القبور المعاصرة لتلك الفترة، بدليل على تجارة القوافل بين شرق الأردن ومصر، كما هي موضحة وموصوفة في قصة يوسف في سفر التكوين، حيث استخدمت الحمير لحمل الأثقال في كلتا الحالتين.
وقدم نيلسون غلويك أدلة أثرية واضحة لإثبات هذه النظرية الأخيرة. وكشفت تحرياته، وأعمال المسح التي قام بها في شرق الأردن وصحراء النقب، عن المئات من مواقع العصر البرونزي الوسيط، التي قدمت لأولبرايت الخلفية الأساس عن قصص نشاط إبراهيم في الجنوب. ولكن” الفرضية العمورية” لم تصمد طويلا. فمع تزايد عمليات التنقيب والاستكشاف الإضافية، توصل معظم العلماء الى استنتاج عدم انهيار نظام العصر البرونزي المبكر الحضري للعصر بين عشية وضحاها، بل تداعى تدريجياً وعلى مدى عدة عقود بسبب العديد من الاضطرابات المحلية الإقتصادية والاجتماعية داخل كنعان أكثر منه بسبب موجة غزاة قادمة من الخارج. وبالإضافة إلى ذلك، أصبح من الواضح أن تعبير العموريين Amorite لم يعد يقتصر على شعب رعوي بعينه، لكنه بات يشمل أيضاً مجتمعات قروية عاشت في أوائل الألفية الثانية ق.م.
ولم تسلم المماثلة التنظيرية بين طريقة الحياة الرعوية في العصر البرونزي الوسيط، وأوصاف نمط الحياة البدوية لإبراهيم، من الهجوم أيضاً. وبدى واضحاً، الآن، أن نهايات الألفية الثالثة ق.م لم تكن فترة بداوة بصورة تامة. ولعله من الصواب القول عدم وجود مدن كبيرة في ذلك الوقت، في الوقت الذي ازداد فيه، بصورة ملحوظة، تعداد نسبة الرعاة البدو الرحل إلى عموم السكان. إلا أنه ما زالت البلدات والقرى تحتفظ بعدد لا بأس به من السكان المستقرين. ويشير استمرار التقاليد المعمارية وأساليب الفخار، وأنماط التوطن إلى غلبة العصر الحضري من بين السكان الأصليين في كنعان في هذه المرحلة، وذلك في تناقض حاد مع نظرية الهجرة الكبيرة لبدو رحل قادمين من الشمال. بمعنى أن سكان كنعان هم من قاموا بإعادة تأسيس الحياة الحضرية هناك في مدن العصر البرونزي الأوسط. وبإيجاز، لا يفهم اليوم الصعود والهبوط في مجتمع كنعان، من الحياة الحضرية إلى الانهيار نحو مجتمع أكثر رعوية في المناطق الريفية، والعودة الى مرحلة حضرية من جديد باعتباره انعكاساً لهجرات جماعية وتغيير السكان، بل يعزى، بالأحرى، إلى مراحل ذات أزمنة مديدة ودورات مكررة للنمو الحضري والانهيار، ومن ثم إعادة النمو لنفس السكان الأصليين لكنعان.
ويبدو واضحاً، من وجهة النظر الآثارية، بدء تعافي نمط الحياة الحضرية قبل قرن على الأقل من التاريخ الذي اقترحه أولبرايت لنشاط إبراهيم، باعتباره رجل قوافل تعتمد على الحمير وتجوب جنوب بلاد الشام. وأخيراً لم تسفر المواقع الكتابية الهامة المشار إليها في قصص لإبراهيم، مثل شكيم، بئر سبع، حبرون عن أي لقى تعود للعصر البرونزي الوسيط. فهذه المواقع لم تكن، ببساطة، مأهولة في ذلك الوقت. وتقترح نظرية أخرى تحديد عصر الآباء في فترة العصر البرونزي الأوسط الذي يمثل ذروة الحياة الحضرية في النصف الأول من الألفية الثانية ق.م. ودافع البعض، مثل رولان دوفو، عن وجهة النظر هذه، التي ترى ملائمة طبيعة العصر البرونزي الأوسط، كما هي معروفة في كل من النصوص والآثار، للوصف الكتابي بأفضل ما يكون، ويعود ذلك أساساً إلى وصف الآباء كسكان خيام يعيشون قرب المدن. ويبدو أن جميع المواقع الرئيسة المذكورة في سفر التكوين(شكيم وبيت إيل وحبرون وجرار) كانت، الناحية الآثارية، معاقل برونزية وسطى محصنة. أما من الناحية النصية، تم التأكد من صحة هذه العلاقة بين الخيمة-المدينة من الأرشيف الذي عثر عليه في مدينة ماري الواقعة على نهر الفرات، في سوريا، من أوائل الألفية الثانية ق.م. ويجادل، بالإضافة إلى ذلك، مؤيدو تحديد العصر البرونزي الوسيط، كزمن لعصر الآباء، بتشابه أسماؤهم مع الأسماء المعروفة في أوائل الألفية الثانية ق.م، كما أشار علماء مثل سايروس غوردون وأفرايم سبايسر إلى أوجه الشبه بين الوصف الكتابي للممارسات الإجتماعية والقانونية وتلك الموجودة في نصوص الشرق الأدنى في الألفية الثانية ق.م. لعل أهمها ألواح نوزي Nuzi من شمال العراق، التي تعود للقرن الخامس عشر ق.م، ويمكننا ذكر أمثلة قليلة، فمثلاً تشير بعض تلك الألواح إلى الطلب من المرأة العاقر أن تعطي زوجها أمة كي تحمل بأبناء له -وهذه قصة موازية واضحة للقصة الكتابية لسارة وهاجر المذكورة في الإصحاح 16 من سفر التكوين[1 وَأَمَّا سَارَايُ امْرَأَةُ أَبْرَامَ فَلَمْ تَلِدْ لَهُ. وَكَانَتْ لَهَا جَارِيَةٌ مِصْرِيَّةٌ اسْمُهَا هَاجَرُ، 2 فَقَالَتْ سَارَايُ لأَبْرَامَ: «هُوَذَا الرَّبُّ قَدْ أَمْسَكَنِي عَنِ الْوِلاَدَةِ. ادْخُلْ عَلَى جَارِيَتِي لَعَلِّي أُرْزَقُ مِنْهَا بَنِينَ». فَسَمِعَ أَبْرَامُ لِقَوْلِ سَارَايَ.3 فَأَخَذَتْ سَارَايُ امْرَأَةُ أَبْرَامَ هَاجَرَ الْمِصْرِيَّةَ جَارِيَتَهَا، مِنْ بَعْدِ عَشَرِ سِنِينَ لإِقَامَةِ أَبْرَامَ فِي أَرْضِ كَنْعَانَ، وَأَعْطَتْهَا لأَبْرَامَ رَجُلِهَا زَوْجَةً لَهُ.4 فَدَخَلَ عَلَى هَاجَرَ فَحَبِلَتْ. وَلَمَّا رَأَتْ أَنَّهَا حَبِلَتْ صَغُرَتْ مَوْلاَتُهَا فِي عَيْنَيْهَا.]. كما تذكر نصوص نوزي إلى تقليد تبني العبيد “الخدم” من قبل الأزواج الذين ليس لديهم أبناء. وهذا مماثل أيضاً لقصة تبني إبراهيم لخادمه كوريث له كما هو مذكور في الإصحاح 15 من سفر التكوين [2 فَقَالَ أَبْرَامُ: «أَيُّهَا السَّيِّدُ الرَّبُّ، مَاذَا تُعْطِينِي وَأَنَا مَاضٍ عَقِيمًا، وَمَالِكُ بَيْتِي هُوَ أَلِيعَازَرُ الدِّمَشْقِيُّ؟»3 وَقَالَ أَبْرَامُ أَيْضًا: «إِنَّكَ لَمْ تُعْطِنِي نَسْلًا، وَهُوَذَا ابْنُ بَيْتِي وَارِثٌ لِي»]. ومن أجل تجسير الفجوة الزمنية يجادل كل من غوردون وسبايسر بأن ألواح نوزي تعكس أيضاً ممارسات العصر البرونزي المبكر والأوسط. لكن اقتراح نوزي/البرونزي الوسيط سرعان ما تبخر أيضاً، بسبب الصعوبات الآثارية أساساً، بما لا يظهر في النص الكتابي.
لقد مثل العصر البرونزي الأوسط حقبة حياة حضرية متقدمة، وهيمنت على كنعان مجموعة من الدويلات القوية التي حكمت من قبل مدن رئيسة محصنة جيداً بمتاريس ترابية هائلة وبوابات ضخمة، وفيها قصور كبيرة ومعابد ضخمة مثل حاصور ومجدّو. غير أننا لا نرى هذه الصورة إطلاقاً في النصوص الكتابية. صحيح أن النص الكتابي يشير إلى عدد ضئيل من المدن، لكنها ليست بالضرورة أن تكون أكثرها أهمية، فلم تذكر شكيم ولا أورشليم، وهما من المعاقل الهامة والضخمة للعصر البرونزي الوسيط. ويجب أن نسمع عن حاصور في المناطق المنخفضة وكذلك عن مجدّو وجزر، ولكن ليس جرار. وللإيجاز نقول: إن القصة الكتابية عن الآباء ليست قصة كنعان العصر البرونزي الأوسط. ولم تقتصر ظاهرة نمط حياة البدو الذين يعيشون قرب المدينة على العصر البرونزي الوسيط، فالشعوب عاشت على هذه الشاكلة من قبل، واستمرت كذلك حتى فترة متأخرة جداً من الألفية الأولى ق.م على الأقل. أما بالنسبة لأسماء الآباء فكانت شائعة في فترات لاحقة أيضاً، في العصر البرونزي المتأخر والحديدي على حد سواء. وأثبتت الدراسات اللاحقة لنصوص نوزي، أن الممارسات الإجتماعية والقانونية التي تظهر تشابهاً مع السرد الكتابي لا تقتصر على فترة واحدة. بل كان من الشائع في الشرق الأدنى القديم، طوال الألفية الثانية والأولى ق.م، مسؤولية الزوج العاقر في تقديم خادمة لزوجها كي تحمل منه بأطفاله، ويظهر هذا أيضاً في بعض عقود الزواج في آشور في القرن السابع ق.م.
وعندما بدى أن مقترح الألفية الثانية على وشك أن يبدو حلاً غير مجدياً، دمج الباحث الكتابي بنيامين مزار، المعطيات الآثارية مع فكرة يوليوس فلهاوزن التي تعود لأواخر القرن التاسع عشر الميلادي، التي ترى بوجوب دراسة عصر الآباء على خلفية العصر الحديدي. كما أشار إلى “المفارقات التاريخية” في النص، مثل الإشارة إلى الفلستيين والآراميين. وغني عن القول، عدم وجود للفلستيين في كنعان في العصر البرونزي الأوسط. وأثبت كل من علم الآثار والنصوص المصرية، على حد سواء، استقرار الفلستيين على الساحل الجنوبي لفلسطين في القرن الثاني عشر ق.م. وبدلاً من النظر إليهم كعناصر مقحمة في وقت متأخر من زمن التجميع في التقليد حول الأزمة الغابرة، يجادل بنيامين مزار بأن النص يعكس معرفة وثيقة بالدويلات الفلستية في الفترة السابقة لتأسيس الحكم الملكي في إسرءيل.
ويحتل الآراميون مكاناً بارزاً في القصص البطريركية. لكنهم لم يظهروا على مسرح أحداث تاريخ الشرق الأدنى القديم، فعلياً، قبل العصر الحديدي المبكر، كما أن دولهم لم تظهر إلا في وقت متأخر، وتحديداً في القرن التاسع ق.م. ويعتقد مزار أن وصف الآراميين كشعب رعوي يعكس طوراً مبكراً من تاريخهم، قبل أن يقيموا دولهم الأولى. ويبدو مزار، هنا، مصيباً ومخطئاً في ذات الوقت، فقد كان محقاً في زعمه بتتبع واقع القصص المذكورة في سفر التكوين إلى زمن العصر الحديدي. إلا أنه لم يكن مصيباً في اختياره تاريخاً مبكراً جداً في العصر الحديدي. لقد كان هناك عنصراً واحداً موحداً لجميع هذه النظريات بحيث يقبل مؤيدوها بضرورة إعادة النظر في عصر الآباء، بطريقة أو بأخرى، باعتبارها المرحلة الأبكر في تاريخ إسرءيل المتسلسل. وما أود قوله هنا، ولكن بشكل مختلف، أن هذه القصص تمثل إيديولوجيات واحتياجات الفترة التي دونت فيها، أي الفترة الملكية المتأخرة وفترة ما بعد السبي.
المزيد من المفارقات التاريخية
كان قد ألمح الباحث الكتابي يوليوس فلهاوزن، منذ أكثر من قرن إلى ما هو أكثر من المفارقات التاريخية في النص الكتابي، ألا وهي انعكاس مخاوف النظام الملكي الإسرءيلي بإسقاطها على حيوات آباء خرافيين عاشوا في ماضي أسطوري لتظهر كما هي في قصص الآباء. ويعتبر ترتيب واختيار القصص بمثابة رسالة واضحة من قبل محرري الكتاب أثناء جمعه أكثر من كونه يحفظ وصفاً تاريخياً موثوقاً للأزمنة المبكرة، حتى لو كانت النصوص المتأخرة تحتوي على بعض التقاليد المبكرة، وذلك كما يجادل، في العقود الأخيرة، كل من جون فان سيترس وتوماس طومسون.
ولكن متى تم تجميع نصوص الكتاب؟
يقدم النص الكتابي بعض القرائن الواضحة: نزخر قصص الآباء بذكر تقاليد استخدام الجمال: عادة قطعان الإبل، ولكن هذه الجمال توصف كبهائم تستخدم في تجارة القوافل لحمل الأثقال كما تذكر ذلك قصة بيع يوسف كعبد. ونحن نعلم أن الجمال لم تستأنس لهذا الاستخدام، أي لحمل المتاع، إلا في أوائل الألفية الأولى ق.م. بعبارة أخرى، لم تكن تستخدم على نطاق واسع بهذه الصفة في الشرق الأدنى القديم حتى بعد العام 1000 ق.م. ويكشف وصف قوافل الجمال وهي تحمل على متنها “الصمغ واللبان (البلسم)، والمُر” في قصة يوسف، عن إلمام واضح بالمنتجات الرئيسية للتجارة العربية التي ازدهرت في ظل السيطرة الآشورية في القرنين الثامن والسابع ق.م. وفي واقع الأمر تم الكشف عن الزيادة الملحوظة في أعداد عظام الجمال في القرن السابع في أعمال التنقيب في موقع تل جمة Jemmeh في السهل الساحلي الجنوبي، وهو من المراكز التجارية المهمة لإسرءيل على طريق القوافل الرئيسي بين الجزيرة العربية ومنطقة البحر الأبيض المتوسط. ويشير ذكر جرار في سفر التكوين، كمدينة فلستية إلى أنها كانت معروفة في وقت تأليف المرويات البطريركية. وتم مطابقة جرار مع تل حارور الذي يقع إلى جهة الشمال الغربي من بئر السبع، وأظهرت الحفريات بأنها لم تكن أكثر من مجرد قرية صغيرة خلال العصر الحديدي الأول- وهو الطور المبكر من التاريخ الفلستي- ولكن الوضع تغير بعد ذلك في أواخر القرنين الثامن والسابع ق.م حين أصبحت معقلاً إدارياً آشورياً حصيناً. واعتبر العديد من أهل الاختصاص، لا سيما الذين يؤيدون فكرة الآباء “التاريخيين”، بأن هذه التفاصيل هي مجرد إقحامات عرضية إلى التأليف المبكر. ولكن، وكما يقول توماس طومسون منذ سبعينيات القرن الماضي، لم تكن الإشارات الخاصة في النص للمدن والشعوب المجاورة والأماكن المألوفة سوى تلك الجوانب التي تميز، على وجه التحديد، القصص البطريركي عن الحكايات الشعبية ذات الطابع الأسطوري التام. بعبارة أخرى، إنما هي إشارات على غاية من الأهمية لتحديد تاريخ ورسالة النص.
يهوذا وجيرانها
تقدم القصص البطريركية خارطة ثرية لا لبس فيها لإنسان الشرق الأدنى القديم من وجهة نظر مملكتي إسرءيل ويهوذا.
أصبح الآراميون، في أوائل القرن التاسع ق.م العنصر المهيمن في قصص يعقوب، عاملاً سياسياً هاماً على الحدود الشمالية لإسرءيل، عندما ظهرت ممالكهم في ما يعرف الآن بسوريا الحديثة. ومن بين هذه الممالك آرام دمشق، حليفة الملكة الشمالية حيناً، ومنافسا لها حيناً آخر. ومجمل “سلسلة” القصص التي تدور حول يعقوب ولابان ما هي إلا تعبير مجازي لوصف علاقات معقدة غالباً ما تكون متوترة بين إسرءيل وآرام العصر الحديدي الثاني. فآرام دمشق ومملكة إسرءيل، كانتا، ندّين عسكريين بشكل متواتر من ناحية، ومن ناحية أخرى، بدى أن الكثير من سكان الأراضي الشمالية لمملكة إسرءيل يعودون لأصول آرامية. وحقيقة الأمر، تعبر تلك العلاقات بين الآباء وأبناء عمومتهم الآراميين، في تلك القصص، بوضوح تام عن وعي بالأصل المشترك. ويبدو الوصف الكتابي للتوترات بين يعقوب ولابان وقيامهما، في نهاية المطاف، بوضع أحجار لترسيم الحدود بين الشعبين في شرق الأردن كأنه يعكس تقسيم الأراضي بين آرام وإسرءيل في القرن التاسع ق.م إلى القرن الثامن ق.م. (سفر التكوين، بشكل خاص القصة “الإيلوهيمية” أو “النص الشمالي” في الإصحاح الحادي والثلاثين:31فَأَجَابَ يَعْقُوبُ وَقَالَ لِلاَبَانَ: «إِنِّي خِفْتُ لأَنِّي قُلْتُ لَعَلَّكَ تَغْتَصِبُ ابْنَتَيْكَ مِنِّي. 32اَلَّذِي تَجِدُ آلِهَتَكَ مَعَهُ لاَ يَعِيشُ. قُدَّامَ إِخْوَتِنَا انْظُرْ مَاذَا مَعِي وَخُذْهُ لِنَفْسِكَ». وَلَمْ يَكُنْ يَعْقُوبُ يَعْلَمُ أَنَّ رَاحِيلَ سَرَقَتْهَا. 33فَدَخَلَ لاَبَانُ خِبَاءَ يَعْقُوبَ وَخِبَاءَ لَيْئَةَ وَخِبَاءَ الْجَارِيَتَيْنِ وَلَمْ يَجِدْ. وَخَرَجَ مِنْ خِبَاءِ لَيْئَةَ وَدَخَلَ خِبَاءَ رَاحِيلَ. 34وَكَانَتْ رَاحِيلُ قَدْ أَخَذَتِ الأَصْنَامَ وَوَضَعَتْهَا فِي حِدَاجَةِ الْجَمَلِ وَجَلَسَتْ عَلَيْهَا. فَجَسَّ لاَبَانُ كُلَّ الْخِبَاءِ وَلَمْ يَجِدْ. 35وَقَالَتْ لأَبِيهَا: «لاَ يَغْتَظْ سَيِّدِي أَنِّي لاَ أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقُومَ أَمَامَكَ لأَنَّ عَلَيَّ عَادَةَ النِّسَاءِ». فَفَتَّشَ وَلَمْ يَجِدِ الأَصْنَامَ. 36فَاغْتَاظَ يَعْقُوبُ وَخَاصَمَ لاَبَانَ. وَأجَابَ يَعْقُوبُ وَقَالَ لِلاَبَانَ: «مَا جُرْمِي؟ مَا خَطِيَّتِي حَتَّى حَمِيتَ وَرَائِي؟ 37إِنَّكَ جَسَسْتَ جَمِيعَ أَثَاثِي. مَاذَا وَجَدْتَ مِنْ جَمِيعِ أَثَاثِ بَيْتِكَ؟ ضَعْهُ ههُنَا قُدَّامَ إِخْوَتِي وَإِخْوَتِكَ، فَلْيُنْصِفُوا بَيْنَنَا الاثْنَيْنِ. 38اَلآنَ عِشْرِينَ سَنَةً أَنَا مَعَكَ. نِعَاجُكَ وَعِنَازُكَ لَمْ تُسْقِطْ، وَكِبَاشَ غَنَمِكَ لَمْ آكُلْ. 39فَرِيسَةً لَمْ أُحْضِرْ إِلَيْكَ. أَنَا كُنْتُ أَخْسَرُهَا. مِنْ يَدِي كُنْتَ تَطْلُبُهَا. مَسْرُوقَةَ النَّهَارِ أَوْ مَسْرُوقَةَ اللَّيْلِ. 40كُنْتُ فِي النَّهَارِ يَأْكُلُنِي الْحَرُّ وَفِي اللَّيْلِ الْجَلِيدُ، وَطَارَ نَوْمِي مِنْ عَيْنَيَّ. 41اَلآنَ لِي عِشْرُونَ سَنَةً فِي بَيْتِكَ. خَدَمْتُكَ أَرْبَعَ عَشَرَةَ سَنَةً بَابْنَتَيْكَ، وَسِتَّ سِنِينٍ بِغَنَمِكَ. وَقَدْ غَيَّرْتَ أُجْرَتِي عَشَرَ مَرَّاتٍ. 42لَوْلاَ أَنَّ إِلهَ أَبِي إِلهَ إِبْرَاهِيمَ وَهَيْبَةَ إِسْحَاقَ كَانَ مَعِي، لَكُنْتَ الآنَ قَدْ صَرَفْتَنِي فَارِغًا. مَشَقَّتِي وَتَعَبَ يَدَيَّ قَدْ نَظَرَ اللهُ، فَوَبَّخَكَ الْبَارِحَةَ ». 43فَأَجَابَ لاَبَانُ وَقَالَ لِيَعقُوبَ: «الْبَنَاتُ بَنَاتِي، وَالْبَنُونَ بَنِيَّ، وَالْغَنَمُ غَنَمِي، وَكُلُّ مَا أَنْتَ تَرَى فَهُوَ لِي. فَبَنَاتِي مَاذَا أَصْنَعُ بِهِنَّ الْيَوْمَ أَوْ بِأَوْلاَدِهِنَّ الَّذِينَ وَلَدْنَ؟ 44فَالآنَ هَلُمَّ نَقْطَعْ عَهْدًا أَنَا وَأَنْتَ، فَيَكُونُ شَاهِدًا بَيْنِي وَبَيْنَكَ ».45فَأَخَذَ يَعْقُوبُ حَجَرًا وَأَوْقَفَهُ عَمُودًا، 46وَقَالَ يَعْقُوبُ لإِخْوَتِهِ: «الْتَقِطُوا حِجَارَةً». فَأَخَذُوا حِجَارَةً وَعَمِلُوا رُجْمَةً وَأَكَلُوا هُنَاكَ عَلَى الرُّجْمَةِ. 47وَدَعَاهَا لاَبَانُ «يَجَرْ سَهْدُوثَا» وَأَمَّا يَعْقُوبُ فَدَعَاهَا «جَلْعِيدَ». 48وَقَالَ لاَبَانُ: «هذِهِ الرُّجْمَةُ هِيَ شَاهِدَةٌ بَيْنِي وَبَيْنَكَ الْيَوْمَ». لِذلِكَ دُعِيَ اسْمُهَا «جَلْعِيدَ». 49وَ «الْمِصْفَاةَ»، لأَنَّهُ قَالَ: «لِيُرَاقِبِ الرَّبُّ بَيْنِي وَبَيْنَكَ حِينَمَا نَتَوَارَى بَعْضُنَا عَنْ بَعْضٍ. 50إِنَّكَ لاَ تُذِلُّ بَنَاتِي، وَلاَ تَأْخُذُ نِسَاءً عَلَى بَنَاتِي. لَيْسَ إِنْسَانٌ مَعَنَا. اُنْظُرْ، اَللهُ شَاهِدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكَ». 51وَقَالَ لاَبَانُ لِيَعْقُوبَ: «هُوَذَا هذِهِ الرُّجْمَةُ، وَهُوَذَا الْعَمُودُ الَّذِي وَضَعْتُ بَيْنِي وَبَيْنَكَ. 52شَاهِدَةٌ هذِهِ الرُّجْمَةُ وَشَاهِدٌ الْعَمُودُ أَنِّي لاَ أَتَجَاوَزُ هذِهِ الرُّجْمَةَ إِلَيْكَ، وَأَنَّكَ لاَ تَتَجَاوَزُ هذِهِ الرُّجْمَةَ وَهذَا الْعَمُودَ إِلَيَّ لِلشَّرِّ. 53إِلهُ إِبْرَاهِيمَ وَآلِهَةُ نَاحُورَ، آلِهَةُ أَبِيهِمَا، يَقْضُونَ بَيْنَنَا». وَحَلَفَ يَعْقُوبُ بِهَيْبَةِ أَبِيهِ إِسْحَاقَ. 54وَذَبَحَ يَعْقُوبُ ذَبِيحَةً فِي الْجَبَلِ وَدَعَا إِخْوَتَهُ لِيَأْكُلُوا طَعَامًا، فَأَكَلُوا طَعَامًا وَبَاتُوا فِي الْجَبَلِ”. كما يتردد في المرويات البطريركية التواصل أيضاً بين إسرءيل والدول المجاورة لها من جهة الشرق. واتسمت علاقات إسرءيل ويهوذا مع ممالك عمون ومؤاب في كثير من الأحيان بالعدائية خلال القرنين الثامن والسابع ق.م . ومن ثم فمن الأهمية بمكان ملاحظة الكيفية التي ظهرت فيها السخرية من الجيران الشرقيين في القصص البطريركية ويخبرنا الإصحاح 19 من سفر التكوين، (إلى حد كبير “التقليد اليهووي” أو “النص الجنوبي”) كيف ولدت تلك الأمم ونشأت من علاقة سفاح القربى بين لوط وابنتيه. (8هُوَذَا لِي ابْنَتَانِ لَمْ تَعْرِفَا رَجُلاً. أُخْرِجُهُمَا إِلَيْكُمْ فَافْعَلُوا بِهِمَا كَمَا يَحْسُنُ فِي عُيُونِكُمْ. وَأَمَّا هذَانِ الرَّجُلاَنِ فَلاَ تَفْعَلُوا بِهِمَا شَيْئًا، لأَنَّهُمَا قَدْ دَخَلاَ تَحْتَ ظِلِّ سَقْفِي». 9فَقَالُوا: «ابْعُدْ إِلَى هُنَاكَ». ثُمَّ قَالُوا: «جَاءَ هذَا الإِنْسَانُ لِيَتَغَرَّبَ، وَهُوَ يَحْكُمُ حُكْمًا. الآنَ نَفْعَلُ بِكَ شَرًّا أَكْثَرَ مِنْهُمَا». فَأَلَحُّوا عَلَى الْرَّجُلِ لُوطٍ جِدًّا وَتَقَدَّمُوا لِيُكَسِّرُوا الْبَابَ، 10فَمَدَّ الرَّجُلاَنِ أَيْدِيَهُمَا وَأَدْخَلاَ لُوطًا إِلَيْهِمَا إِلَى الْبَيْتِ وَأَغْلَقَا الْبَابَ. 11وَأَمَّا الرِّجَالُ الَّذِينَ عَلَى بَابِ الْبَيْتِ فَضَرَبَاهُمْ بِالْعَمَى، مِنَ الصَّغِيرِ إِلَى الْكَبِيرِ، فَعَجِزُوا عَنْ أَنْ يَجِدُوا الْبَابَ. 12وَقَالَ الرَّجُلاَنِ لِلُوطٍ: «مَنْ لَكَ أَيْضًا ههُنَا؟ أَصْهَارَكَ وَبَنِيكَ وَبَنَاتِكَ وَكُلَّ مَنْ لَكَ فِي الْمَدِينَةِ، أَخْرِجْ مِنَ الْمَكَانِ، 13لأَنَّنَا مُهْلِكَانِ هذَا الْمَكَانَ، إِذْ قَدْ عَظُمَ صُرَاخُهُمْ أَمَامَ الرَّبِّ، فَأَرْسَلَنَا الرَّبُّ لِنُهْلِكَهُ». 14فَخَرَجَ لُوطٌ وَكَلَّمَ أَصْهَارَهُ الآخِذِينَ بَنَاتِهِ وَقَالَ: «قُومُوا اخْرُجُوا مِنْ هذَا الْمَكَانِ، لأَنَّ الرَّبَّ مُهْلِكٌ الْمَدِينَةَ». فَكَانَ كَمَازِحٍ فِي أَعْيُنِ أَصْهَارِهِ. 15وَلَمَّا طَلَعَ الْفَجْرُ كَانَ الْمَلاَكَانِ يُعَجِّلاَنِ لُوطًا قَائِلَيْنِ: «قُمْ خُذِ امْرَأَتَكَ وَابْنَتَيْكَ الْمَوْجُودَتَيْنِ لِئَلاَّ تَهْلَِكَ بِإِثْمِ الْمَدِينَةِ». 16وَلَمَّا تَوَانَى، أَمْسَكَ الرَّجُلاَنِ بِيَدِهِ وَبِيَدِ امْرَأَتِهِ وَبِيَدِ ابْنَتَيْهِ، لِشَفَقَةِ الرَّبِّ عَلَيْهِ، وَأَخْرَجَاهُ وَوَضَعَاهُ خَارِجَ الْمَدِينَةِ. 17وَكَانَ لَمَّا أَخْرَجَاهُمْ إِلَى خَارِجٍ أَنَّهُ قَالَ: «اهْرُبْ لِحَيَاتِكَ. لاَ تَنْظُرْ إِلَى وَرَائِكَ، وَلاَ تَقِفْ فِي كُلِّ الدَّائِرَةِ. اهْرُبْ إِلَى الْجَبَلِ لِئَلاَّ تَهْلَِكَ». 18فَقَالَ لَهُمَا لُوطٌ: «لاَ يَا سَيِّدُ. 19هُوَذَا عَبْدُكَ قَدْ وَجَدَ نِعْمَةً فِي عَيْنَيْكَ، وَعَظَّمْتَ لُطْفَكَ الَّذِي صَنَعْتَ إِلَيَّ بِاسْتِبْقَاءِ نَفْسِي، وَأَنَا لاَ أَقْدِرُ أَنْ أَهْرُبَ إِلَى الْجَبَلِ لَعَلَّ الشَّرَّ يُدْرِكُنِي فَأَمُوتَ. 20هُوَذَا الْمَدِينَةُ هذِهِ قَرِيبَةٌ لِلْهَرَبِ إِلَيْهَا وَهِيَ صَغِيرَةٌ. أَهْرُبُ إِلَى هُنَاكَ. أَلَيْسَتْ هِيَ صَغِيرَةً؟ فَتَحْيَا نَفْسِي». 21فَقَالَ لَهُ: «إِنِّي قَدْ رَفَعْتُ وَجْهَكَ فِي هذَا الأَمْرِ أَيْضًا، أَنْ لاَ أَقْلِبَ الْمَدِينَةَ الَّتِي تَكَلَّمْتَ عَنْهَا. 22أَسْرِعِ اهْرُبْ إِلَى هُنَاكَ لأَنِّي لاَ أَسْتَطِيعُ أَنْ أَفْعَلَ شَيْئًا حَتَّى تَجِيءَ إِلَى هُنَاكَ». لِذلِكَ دُعِيَ اسْمُ الْمَدِينَةِ «صُوغَرَ ». 23وَإِذْ أَشْرَقَتِ الشَّمْسُ عَلَى الأَرْضِ دَخَلَ لُوطٌ إِلَى صُوغَرَ، 24فَأَمْطَرَ الرَّبُّ عَلَى سَدُومَ وَعَمُورَةَ كِبْرِيتًا وَنَارًا مِنْ عِنْدِ الرَّبِّ مِنَ السَّمَاءِ. 25وَقَلَبَ تِلْكَ الْمُدُنَ، وَكُلَّ الدَّائِرَةِ، وَجَمِيعَ سُكَّانِ الْمُدُنِ، وَنَبَاتَِ الأَرْضِ. 26وَنَظَرَتِ امْرَأَتُهُ مِنْ وَرَائِهِ فَصَارَتْ عَمُودَ مِلْحٍ. 27وَبَكَّرَ إِبْرَاهِيمُ فِي الْغَدِ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي وَقَفَ فِيهِ أَمَامَ الرَّبِّ، 28وَتَطَلَّعَ نَحْوَ سَدُومَ وَعَمُورَةَ، وَنَحْوَ كُلِّ أَرْضِ الدَّائِرَةِ، وَنَظَرَ وَإِذَا دُخَانُ الأَرْضِ يَصْعَدُ كَدُخَانِ الأَتُونِ. 29وَحَدَثَ لَمَّا أَخْرَبَ اللهُ مُدُنَ الدَّائِرَةِ أَنَّ اللهَ ذَكَرَ إِبْرَاهِيمَ، وَأَرْسَلَ لُوطًا مِنْ وَسَطِ الانْقِلاَبِ. حِينَ قَلَبَ الْمُدُنَ الَّتِي سَكَنَ فِيهَا لُوطٌ. 30وَصَعِدَ لُوطٌ مِنْ صُوغَرَ وَسَكَنَ فِي الْجَبَلِ، وَابْنَتَاهُ مَعَهُ، لأَنَّهُ خَافَ أَنْ يَسْكُنَ فِي صُوغَرَ. فَسَكَنَ فِي الْمَغَارَةِ هُوَ وَابْنَتَاهُ.). كما تظهر القصص الكتابية حول الشقيقين يعقوب وعيسو حالة واضحة من تصورات القرن السابع ق.م التي قدمت بصورة أكثر قدماً. ويعد وصف الأخوين يعقوب وعيسو كآباء لإسرءيل وأدوم بمثابة شرعية إلهية للعلاقة السياسية بين الشعبين في عصور الملكية المتأخرة. حيث يظهر يعقوب /إسرائيل حساس ومتحضر، بينما عيسو/أدوم صياد وأكثر بدائية ورجل براري. ولكن أدوم ككيان سياسي متميز لم تظهر إلا في فترة متأخرة نسبياً. ونحن نعلم من المصادر الآشورية بعدم وجود أدوم كدولة متطورة تماماً إلا في أواخر القرن الثامن ق.م، ولم تغدو منافساً خطيراً ليهوذا إلا مع بداية النشاط التجاري للجزيرة العربية في ظل السيادة الآشورية. والأدلة الأثرية واضحة: ترافقت موجة التوطن الأولى الواسعة في أدوم بإنشاء مستوطنات وحصون ربما تكون ابتدأت في أواخر القرن الثامن ق.م، لكنها لم تصل إلى ذروتها إلا بحلول القرن السابع وأوائل القرن السادس ق.م ، وقبل ذلك لم تكن سوى منطقة قليلة الكثافة السكانية. كما كشفت الحفريات في بصيرا Buseirah، عاصمة أدوم في أواخر العصر الحديد الثاني عن تطورها لتصبح مدينة كبيرة في الحقبة الآشورية فقط.
كانت قوافل تجارة التوابل والبخور النادرة الثمينة عاملاً هاماً في الحياة الاقتصادية للمنطقة خلال القرنين الثامن والسابع ق.م،. وبالنسبة ليهوذا كان عدد من الشعوب البدوية جزءً بارزاً من هذا النظام التجاري الواسع المدى. وتقدم العديد من سلاسل النسب الواردة في القصص البطريركي صورة مفصلة لشعوب جنوب وشرق الصحارى خلال فترة الملكية المتأخرة. وأود أن أشير هنا إلى القيداريين وغيرهم ممن ظهروا لأول مرة في السجلات الآشورية التي تعود لأواخر القرن الثامن ق.م. وينبغي ربط المدينة الكتابية تيما [15 وَحَدَارُ وَتَيْمَا وَيَطُورُ وَنَافِيشُ وَقِدْمَةُ.] (سفر التكوين 25 :15) على الأرجح مع واحة القوافل العظيمة تيماء في شمال غرب الجزيرة العربية، المذكورة في المصادر الآشورية والبابلية التي تعود للقرنين الثامن و السادس ق.م .
وعلى الرغم من أن هذه القوائم تنتمي إلى “المصدر الكهنوتي P” في سفر التكوين، الذي يؤرخ بصفة رئيسية، إلى فترة ما بعد السبي، فقد كانت هذه القوائم نابعة من أصول تعود لأزمنة أبكر. وتؤكد أسماء أماكن أخرى ذكرت في المرويات البطريركية المتعلقة بالبرية المحيطة مثل هذا التأريخ لزمن التأليف. فقصة الحرب المذكورة في سفر التكوين، التي شنها الغزاة من الشمال مع ملوك مدن الهضاب تعد مصدراً فريداً من نوعه، التي يمكن أن تعود أيضاً إلى زمن السبي أو ما بعد السبي.[1 وَحَدَثَ فِي أَيَّامِ أَمْرَافَلَ مَلِكِ شِنْعَارَ، وَأَرْيُوكَ مَلِكِ أَلاَّسَارَ، وَكَدَرْلَعَوْمَرَ مَلِكِ عِيلاَمَ، وَتِدْعَالَ مَلِكِ جُويِيمَ،2 أَنَّ هؤُلاَءِ صَنَعُوا حَرْبًا مَعَ بَارَعَ مَلِكِ سَدُومَ، وَبِرْشَاعَ مَلِكِ عَمُورَةَ، وَشِنْآبَ مَلِكِ أَدْمَةَ، وَشِمْئِيبَرَ مَلِكِ صَبُويِيمَ، وَمَلِكِ بَالَعَ الَّتِي هِيَ صُوغَرُ.3 جَمِيعُ هؤُلاَءِ اجْتَمَعُوا مُتَعَاهِدِينَ إِلَى عُمْقِ السِّدِّيمِ الَّذِي هُوَ بَحْرُ الْمِلْحِ.] (سفر التكوين 14). غير أن هذه القصة تزودنا بمعلومات جغرافية تتعلق فقط بالقرن السابع ق.م، فالآية السابعة من الإصحاح 14 من سفر التكوين التي تذكر “عين مشفاط التي هي قادش”: ” 7ثُمَّ رَجَعُوا وَجَاءُوا إِلَى عَيْنِ مِشْفَاطَ الَّتِي هِيَ قَادِشُ. وَضَرَبُوا كُلَّ بِلاَدِ الْعَمَالِقَةِ، وَأَيْضًا الأَمُورِيِّينَ السَّاكِنِينَ فِي حَصُّونَ تَامَارَ”، من المرجح أنها قد تشير إلى قادش برنيع، الواحة الكبيرة في الجنوب، والتي تم تحديدها باطمئنان على أنها “عين القديرات” شرق سيناء، وهو الموقع الذي تم التنقيب فيه والذي أظهر بأنه تم استيطانه في المقام الأول في القرن السابع وأوائل القرن السادس ق.م. وينبغي، بالمثل، مطابقة الموقع المشار له على أنه تامار مع عين حصيفا جنوب البحر الميت، حيث كشفت أعمال التنقيب هناك عن قلعة كبيرة كانت مأهولة في أواخر العصر الحديدي. وهكذا، فإن الجغرافيا، وحتى الحالة الأساسية للصراع المدمر مع الغازي الرافدي كانت ستظهر لشعب يهوذا بصورها المرعبة في القرن السابع ق.م. وتكشف مرويات سفر التكوين أيضاً عن معرفة واضحة بشهرة وموقع الإمبراطوريتين الآشورية والبابلية خلال الفترة ما بين القرنين التاسع والسادس ق.م. فآشور وعاصمتيها -نينوى وكالح- ذكرا بشكل خاص في النص، كما ازدهرت مدينة حران -التي تلعب دوراً مهيمناً في القصص البطريركية- في مطلع الألفية الثانية ق.م، ثم عاودت الازدهار من جديد في عصر الدولة الآشورية الحديثة. وأخيراً تشير النصوص الآشورية إلى بلدات في منطقة حران تحمل أسماءً تتشابه مع أجداد إبراهيم: تارح، ناحور، سروج. ومن الممكن أن يكون هؤلاء أسلافاً لمن دعيت تلك البلدات بأسمائهم .
العقيدة الإيديولوجية ليهوذا
يرى الباحث الكتابي مارتن نوث في القصص البطريركي تقاليد جهوية منفصلة في الأصل تم تجميعها في سردية موحدة لأغراض سياسية من أجل توحيد المجموع السكاني الإسرءيلي غير المتجانس. ويقدم التركيز الجغرافي، في رأيه، على كل قصة من قصص البطاركة قرينة هامة عن المصدر الذي أتى منه كل تقليد. ووضع العديد من هذه القصص المرتبطة بإبراهيم في الجزء الجنوبي من منطقة الهضاب، وتحديداً منطقة حبرون، ويرتبط اسحق بتخوم الصحراء جنوب يهوذا، وخصوصاً منطقة بئر السبع. وعلى خلاف ذلك وضعت القصص التي تتحدث عن نشاط يعقوب، في جزءٍ كبير منها، في الجزء الشمالي من منطقة الهضاب وشرق الأردن، أي المناطق التي كانت تشكل المملكة الشمالية أو إسرءيل. ولذلك يقترح نوث بأن الآباء كانوا في الأصل أسلافاً منفصلين جغرافياً وضعوا، في نهاية المطاف، مع بعضهم البعض ضمن سلسلة نسب واحدة في محاولة لخلق تاريخ موحد. وفي الواقع، كان الهدف من اختيار إبراهيم وعلاقته الوثيقة بحبرون، مدينة يهوذا الملكية المبكرة، وعلاقته بأورشليم، يعني التأكيد على أولوية يهوذا حتى في العصور المبكرة من تاريخ إسرءيل. (أو “سالم” في تكوين 14 : 18″ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ قَطَعَ الرَّبُّ مَعَ أَبْرَامَ مِيثَاقًا قَائِلًا: «لِنَسْلِكَ أُعْطِي هذِهِ الأَرْضَ، مِنْ نَهْرِ مِصْرَ إِلَى النَّهْرِ الْكَبِيرِ، نَهْرِ الْفُرَاتِ.”). لقد كانت يهوذا قبيل أواخر القرن الثامن ق.م، مملكة معزولة نوعاً ما ومتناثرة السكان، وكان من الصعب مقارنتها بمملكة إسرءيل الغنية والقوية عسكرياً. كما كان انتشار القراءة والكتابة فيها محدوداً للغاية، وكانت أورشليم عاصمتها عبارة عن بلدة صغيرة وبعيدة، شيدت على تلة. وبعد تصفية الإمبراطورية الآشورية للملكة الشمالية في العام 720 ق.م، نمت يهوذا بصورة كبيرة على الصعيد السكاني، كما تطورت فيها مؤسسات الدولة المعقدة، وبرزت كقوة هامة في المنطقة.
وإذن، طوّرت يهوذا، منذ أواخر القرن الثامن ق.م وإلى القرن السابع ق.م، شعوراً فريداً بأهميتها ومصيرها الإلهي. ورأت بقاءها الحي دليلاً على نوايا الرب، منذ عصر الآباء، والمتمثلة، أي النوايا، على وجه التحديد، بوجوب أن تحكم يهوذا كل أرض إسرءيل.
ولذلك كان لابد من تواجد وسيلة قوية للتعبير عن هذا الفهم لشعب يهوذا وللمجتمعات الإسرءيلية المتناثرة والخاضعة للآشوريين. ولذا، أيضاً، وبرغم دوران قصص سفر التكوين حول يهوذا، فهي لا تهمل تكريم الإرث الإسرءيلي الشمالي. وسوف يكون، ويبدو، في هذا الصدد، من الأهمية بمكان قيام إبراهيم ببناء بيت ليهوه في شكيم وبيت إيل، وهما من أهم مراكز العبادة في المملكة الشمالية (تكوين 12: “7 فَحَدَثَتْ مُخَاصَمَةٌ بَيْنَ رُعَاةِ مَوَاشِي أَبْرَامَ وَرُعَاةِ مَوَاشِي لُوطٍ. وَكَانَ الْكَنْعَانِيُّونَ وَالْفَرِزِّيُّونَ حِينَئِذٍ سَاكِنِينَ فِي الأَرْضِ.8 فَقَالَ أَبْرَامُ لِلُوطٍ: «لاَ تَكُنْ مُخَاصَمَةٌ بَيْنِي وَبَيْنَكَ، وَبَيْنَ رُعَاتِي وَرُعَاتِكَ، لأَنَّنَا نَحْنُ أَخَوَان)، وكذلك في مدينة حبرون (تكوين 13: “18 فَنَقَلَ أَبْرَامُ خِيَامَهُ وَأَتَى وَأَقَامَ عِنْدَ بَلُّوطَاتِ مَمْرَا الَّتِي فِي حَبْرُونَ، وَبَنَى هُنَاكَ مَذْبَحًا لِلرَّبِّ)، المركز الأكثر أهمية في يهوذا بعد أورشليم. لذلك لعبت شخصية أبراهام دوراً وظيفياً باعتباره الموحد العظيم لكل من التقاليد الشمالية والجنوبية، وبوصفه رمزاً يجسر الهوة بين الشمال والجنوب. وفي حين من الممكن القول باتكاء قصص السير الفردية البطريركية على تقاليد شعبية محلية قديمة، فإن طريقة استخدامها، كما وضعت ورتبت ونظمت، حولتها إلى قوة تعبير عن أحلام اليهود في القرن السابع ق.م. لذلك ينبغي أن تعتبر التقاليد البطريركية نوعاً من الورع الديني “ما قبل تاريخي” لإسرءيل، كان ليهوذا الدور الحاسم فيها. فتصف هذه التقاليد تاريخ الأمة المبكر جداً، وترسم الحدود الإثنية، واحتضان تقاليد كل من الشمال والجنوب على حد سواء، كما تبرز هذه التقاليد، في نهاية المطاف، وتؤكد تفوق يهوذا من البدايات المبكرة. ولذلك يجب أن ينظر إلى مصادر ما قبل السبي عن المرويات البطريركية على أنها محاولة أدبية لإعادة تعريف وحدة الشعب في إسرءيل في أواخر العصر الحديدي الثاني، أكثر من كونها سجلاً دقيقاً لحياة شخصيات تاريخية عاشت قبل ذلك بنحو ألف عام.
إعادة تشكيل تاريخ إسرءيل
رغم ما سيق ليس ثمة ما يدعو إلى الشك في استمرار عملية تاريخ تأليف سفر التكوين خلال الفترة الفارسية، حتى القرن الخامس ق.م على الأقل، برغم عدم انتهاء جمع مواد سفر التكوين في القرن السابع ق.م. وقد لاحظ أهل الاختصاص، مطولاً، أن المصدر الكهنوتي “P” في الأسفار الموسوية الخمسة يؤرخ، في معظم الأحوال، لفترة ما بعد السبي بما يوافق تبوء الكهنة مكانة بارزة في مجتمع الهيكل في أورشليم. كما يؤرخ التحرير النهائي للتناخ، أيضاً، لتلك الفترة. ويتقدم الباحث الكتابي ريتشارد فريدمان خطوة واحدة للأمام باقتراحه أن عزرا، الذي يوصف على وجه التحديد بـ “كاتب شريعة إله السماء” (عزرا 12: “77”مِنْ أَرْتَحْشَسْتَا مَلِكِ الْمُلُوكِ، إِلَى عَزْرَا الْكَاهِنِ كَاتِبِ شَرِيعَةِ إِلهِ السَّمَاءِ الْكَامِلِ، إِلَى آخِرِهِ”) هو من أعطى الشكل النهائي لأسفار موسى. وقد احتاج مؤلفو مرحلة ما بعد السبي إلى إعادة توحيد المجتمع في مقاطعة إيهود حول معبد أورشليم لإعطاء الأمل للناس من أجل مستقبل أفضل، ولبيان مشكلة علاقتهم مع الجماعات المجاورة، لا سيما في الشمال والجنوب، وللتعامل مع المسائل المتصلة بالمشاكل الداخلية في المجتمع.
وبرغم جميع الخلافات بينهما، فقد تشابهت احتياجات مجتمع إيهود Yehud العديدة لما بعد السبي تماماً مع احتياجات الدولة اليهوذية في فترة الملكية المتأخرة. وكان كل منهما عبارة عن مجتمعات محلية تعيش على أرض محددة وتقر بحقيقة سيطرتها على جزء صغير فقط من “أرض الميعاد”، ليس هذا فحسب، بل أيضاً بفهم كل منهما للشعور بأهميتهما العظيمة بوصفهما مراكز إقليمية وحيدة لأمة الإسرءيليين. كما كانت كلتاهما محاطتين بدول مجاورة معادية. وعبرتا عن مزاعم وادعاءات نحو الأراضي المجاورة التي تقع خارج نطاق ملكهما. كما واجهت كلتاهما مشاكل مع “الغرباء” من الداخل والخارج. ومن ثم، لم يكن غريباً على الناس، في أورشليم بعد السبي، ملاحظة الكثير من تعابير يهوذا الإيديولوجية في الفترة الملكية المتأخرة. إن فكرة مركزية يهوذا وتفوقها على جيرانها قرعت جرس وعي الناس في أواخر القرن السادس والخامس ق.م، إلا أن ظروفاً أخرى، كاختفاء بيت داود والحياة في ظل الإمبراطورية، أجبرت، في الوقت عينه، مؤلفي الفترة المبكرة لما بعد السبي إلى إعادة صياغة وتشكيل الأفكار القديمة لموائمتها مع الوقائع والاحتياجات الجديدة. وما قصة هجرة إبراهيم من مكان أجنبي بعيد إلى أرض الميعاد في كنعان ليصبح رجلاً عظيماً ويؤسس أمة مزدهرة هناك، سوى نداء موجه لشعب السبي وما بعده لا ريب. علاوة على أنها رسالة قوية للفصل بين الإسرءيليين و”الكنعانيين” في المرويات البطريركية لتناسب شعب فترة ما بعد السبي في مقاطعة إيهود.
أما في الجنوب، فتكمن المشكلة الأكثر حدة، من وجهتي النظر السياسية والإثنية على حد سواء. حيث استقر الأدوميين، بعد تدمير يهوذا، في المناطق الجنوبية من الدولة المهزومة، في وادي بئر سبع وتلال حبرون ونالت الحدود الإثنية المصطنعة بين “نحن” (مجتمع ما بعد السبي في مقاطعة إيهود) و “هم” (الأدوميين في جنوب منطقة الهضاب) أهمية قصوى. ولذلك كان ضرورياً أن يتجلى تفوق يهوذا بوضوح في قصة يعقوب وعيسو، وأن تبدو أدوم أقل مكانة وغير متحضرة .وينبغي لنا، على هذه الخلفية، فهم تقليد قبور الآباء في حبرون (سردية المصدر الكهنوتي “P”). وتنساح الحدود الجنوبية لمقاطعة إيهود في فترة ما بعد السبي بين بلدتي بيت صور وحبرون. ولابد أن سكان إيهود فجعوا، في أيامهم، بحقيقة وقوع حبرون خارج حدودهم، إذا ما استذكروا أهميتها في فترة الحقبة الملكية. إذ أن تقليداً يضع قبور الآباء المؤسسين للأمة في حبرون، سوف يخدم هدفهم من أجل تكريس ارتباط متين مع الهضاب الجنوبية، وليس بأقل أهمية من ذلك، الحرص الشديد لمحرري نص سفر التكوين اللاحقين على إظهار الكيفية التي يمكن لأصول شعب إسرءيل أن تكمن في قلب العالم المتحضر. وهكذا، فهم يفاخرون بأن أباً عظيماً لشعب إسرءيل جاء من مدينة أور الكوزموبوليتية الشهيرة بخلاف الشعوب “الأقل” الذين أتوا من مناطق مجاورة أقل تطوراً وتحضراً. فمدينة أور لا تعرف فقط كونها موقع بالغ القدم، ومعروف جداً فحسب، بل اكتسبت، أيضاً، شهرة كبيرة في الشرق الأدنى القديم كافة خلال فترة إعادة تأسيسها كمركز ديني على يد الملك البابلي أو الكلداني نبوخذنصّر. وبالتالي، سوف تقدم الإشارة إلى أصل إبراهيم من “أور الكلدانيين” تميزاً وأصلاً ثقافياً عتيقاً للشعب اليهودي.
الخروج
يمكن لنموذج التعامل هذا مع قصص الآباء أن يعود بالنفع أثناء قراءة سفر الخروج. فثمة، في هذه الحالة أيضاً، صعوبات جمّة لا يمكن التغلب عليها لمحاولات تحديد مواقع أحداث القرن الثالث عشر ق.م، في زمن الفرعون رعمسيس الثاني. فلا يوجد ذكر لحدث الخروج في أي مصدر يعود للدولة المصرية الحديثة، كما لا يوجد أي أثر للعبرانيين الأوائل في مصر. وكان الساحل الشمالي لشبه جزيرة سيناء محمياً بحصون ضخمة تستطيع وبسهولة منع الفارين عبور الصحراء، كما تخلو سيناء من أثار لقى العصر البرونزي الحديث، حتى في مكان مثل قادش برنيع، حيث من المفترض أن الإسرءيليين مكثوا هناك لفترة طويلة. وينبغي أن لا يغيب عن بالنا أن الأمر لم يكن يتطلب من الإدارة المصرية سوى تأمين حامية لا يزيد عددها عن خمسين جندياً -وفقا لرسائل تل العمارنة- لتهدئة الأوضاع في كنعان في الفترة التي كانت فيها عبارة عن مقاطعة مصرية تديرها حامية مصرية. وأخيراً، لم تكن العديد من الأماكن المذكورة في قصة الخروج والتيه مأهولة قبل القرن الثامن ق.م أو حتى القرن السابع.
وفي الواقع، أظهر عالم المصريات دونالد ريدفورد قناعة بأن جغرافيا الخروج من الدلتا الشرقية، وأسماء الأشخاص، في القصة، تتناسب بشكل أفضل مع معطيات تاريخ مصر في القرنين السابع و الثامن ق.م، أي في عهد الأسرة الصاوية Saite، وهي فترة قريبة العهد من زمن جمع النصوص الكتابية. ومن شأن التاريخ المتأخر لجمع هذه النصوص أن يتلاءم أيضاً مع معظم أسماء الأماكن المذكورة بقصة التيه في الصحراء. إلا أن ريدفورد لم يتجاهل، في ذات الوقت، احتمال احتفاظ قصة الخروج بذاكرة قديمة لأحداث كبيرة وقعت قبل عدة قرون -ربما الذاكرة القديمة عن أحداث طرد السكان الكنعانيين المعروفين بالهكسوس من دلتا النيل في القرن السادس عشر ق.م. فهل من الممكن أن تستخدم قصة المواجهة الكبرى بين بني إسرءيل والفرعون المصري لبعث رسالة قوية إلى يهوذيي الملكية المتأخرة؟ ومن الواضح أن انسحاب آشور في أواخر القرن السابع ق.م ترافق مع اصطدام اثنين من المشاريع المتنافسة: فمن جهة هناك حلم يهوذا (في عهد الملك يوشيا) في “إعادة احتلال” الأراضي المفقودة العائدة للملكة الشمالية السابقة، و”إعادة إحياء” العصر الذهبي للملك سليمان، ومن جهة أخرى كان ثمة مخطط مصري (في إطار حكم الأسرة الصاوية) لإعادة بعث إمبراطورياتها العظيمة في الشرق [من جديد]. فهل استخدمت قصة قديمة عن إذلال وهزيمة فرعون عظيم من قبل إله إسرءيل لبعث رسالة أمل لشعب يهوذا في زمن المؤلفين؟
مما لاشك فيه امتلاك قصة الخروج أثراً قوياً -ربما أقوى- في فترة السبي وما بعده. وللإشارة إلى ذلك نذكر كلمات الباحث الكتابي ديفيد كلاينس” العبودية في مصر هي ذاتها عبوديتهم في بابل، ويصبح ماضي الخروج خروجاً لم يتم بعد”. لقد أثر التشابه، لاحقاً وبصورة تبادلية، بين قصة الخروج من مصر وذكريات العودة من المنفى ببعضهما البعض. وعثر العائدون من المنفى من خلال سماعهم أو قراءتهم لقصة الخروج على صورة محنتهم الخاصة. -وتخبرنا القصتين، كما يبين الباحث الكتابي يائير هوفمان، كيف غادر الإسرءيليون أراضيهم إلى بلد أجنبي، وكيف عاد العبرانيون اليهوذيون Judahites ، إلى وطنهم بعد فترة قاسية، وكيف عبروا، أثناء عودتهم، الصحراء المحفوفة بالمخاطر، وكيف أثارت عودتهم تلك العديد من النزاعات مع السكان المحليين، وكيف توطن العائدون في جزء فقط من أرضهم الموعودة، وكيف اتخذت التدابير، على يد قادة هؤلاء العائدين، لتجنب الاندماج بين إسرءيل وسكان الأرض.
الغزو
كشفت سلسلة الحفريات التي أجريت في وقت متأخر من عشرينيات حتى خمسينيات القرن الماضي عن بيانات تم تفسيرها كمعطيات تدعم المرويات الكتابية لغزو كنعان. فأظهرت، هذه الحفريات، أن مدن العصر البرونزي الحديث الثاني، دُمّرت، في كثير من المواقع، بسبب حرائق هائلة تعود إلى أواخر القرن الثالث عشر ق.م و يرتبط هذا الدمار بالغزو الإسرءيلي. وتمت موائمة هذه البيانات وفقاً للكرونولوجيا التقليدية لتسلسل الفخار الإيجي. غير أن هذا التأويل تأثر، بدوره، بقصص الغزو المذكورة في الكتاب، وهذه حالة أخرى واضحة عن منطق التأويل الدائري. لقد واجه هذا النموذج الذي تقدم به أولبرايت ويغال يادين، منذ البداية، معارضة قوية من علماء الكتاب الألمان الذين اقترحوا نموذجاً مختلفاً تماماً لظهور إسرءيل القديمة. وأسفر التقدم في مجال البحوث الأثرية والأنثروبولوجية في الفترة ما بين ستينيات و ثمانينيات القرن الماضي عن إخفاق نظرية الغزو العسكري.
-أولاً، أظهرت التنقيبات في المواقع الرئيسة المذكورة في مرويات الغزو الكتابية، مثل أريحا وعاي وجبعون وحشبون وعرّاد، أنها لم تكن مأهولة في العصر البرونزي الحديث، أو كانت قرى ضئيلة الأهمية.
-ثانياً، أشارت اللقى الجديدة في مواقع لخيش وأفيق، بالإضافة إلى إعادة تقويم اللقى التي تعود لحفريات أقدم في مواقع مجدّو وحاصور إلى العملية الطويلة لانهيار منظومة الدويلات الكنعانية في عصر البرونز الوسيط والتي استمرت لوقت لا يقل عن ثلاثة عقود.
-ثالثاً، أظهرت الدراسات التاريخية والأثرية ثبات وقوة القبضة المصرية على كنعان في منتصف القرن الثاني عشر ق.م، وهذا يعني أن مصر كان قادرة، بسهولة، على منع أي غزو لكنعان على يد جيش بسيط تافه.
-رابعاً، بات من الواضح أن انهيار كنعان في العصر البرونزي الحديث لم يكن سوى جزء من ظاهرة أوسع قدّر لها أن تشمل منطقة شرق المتوسط بأكمله.
-خامساً، أظهرت عمليات السبر والمسح الواسعة التي أجريت في ثمانينيات القرن الماضي في منطقة الهضاب الوسطى أن ظهور إسرءيل القديمة ليس سوى مرحلة واحدة طويلة المدى ومتكررة، وعملية دورية لجماعات السكان الأصليين المستقرين والبدو.
ومن المستبعد تصور قيام مؤلفين ينتمون للملكية المتأخرة باختراع قصص الغزو. ولابد أن يكون المؤرخ التثنوي قد أخذ الحكايات الشعبية القديمة وبعض الذكريات المتناثرة ودمجها أثناء جمعه لمادة نصوصه، وربما تكون بعض الركائز الحجرية الهائلة في عاي وراء تطوير القصص السببية (في هذه الحالة، يكون المغزى تفسير زوال مدينة قديمة جداً). بينما يمكن لمواقع أخرى أن تحفظ ذكريات مبهمة عن انهيار العالم القديم في نهاية العصر البرونزي. لكن المخطط العام لرواية الغزو يعكس وقائع الفترة الملكية المتأخرة. وتتمحور المقولة المركزية للتفكير التثنوي في أن جميع أرض وشعب إسرءيل يجب أن يحكما من طرف ملك داودي، وعلى العبادة الإسرءيلية أن تتركز في الهيكل الذي في أورشليم. وقد يكون مثل هذا النمط من التفكير ظهر بعد سقوط المملكة الشمالية، ولكن طالما آشور مازالت تهيمن على المنطقة فمن غير الممكن إنجاز هذه الأفكار. بيد أنه من الممكن الوفاء بمثل هذه الأفكار وإنجازها بعد انسحاب الآشوريين حوالي630 ق.م.
وإذن، في الوقت الذي كانت فيه حيازة الأرض نشكل مصدر قلق كبير، يعرض سفر يشوع ملحمة لا تنسى ذات دروس واضحة لخلق رواية حية وموحدة، يظهر فيها أن النصر سوف يكون دائماً حليف شعب إسرءيل طالما التزموا بالعهد مع الرب. تم سرد هذه النقطة على الخلفية المألوفة في القرن السابع ق. م، ولعبت دوراً في بث القلق الأكبر بخصوص الإيديولوجية التثنوية. واستخدم المؤرخ التثنوي يشوع بوصفه رمزاً كبيراً، كما لاحظ الباحث الكتابي ريتشارد نيلسون لرسم صورة مجازية ليوشيا المقدر له أن يكون منقذاً لجميع شعب إسرءيل في القرن الثامن ق.م. فيوشيا هو يشوع الجديد، والغزو الماضي الأسطوري لكنعان، هو خطة معركة لما ينبغي عليه أن تكون الحرب والغزو الحاليين. وقد انتمت أولى هاتين المعركتين، في أريحا وعاي (أي منطقة بيتئيل) إلى بقعة جغرافية كانت أول أهداف توسع يوشيا بعد انسحاب آشور. وبالمثل، يمكن فهم قصة الجبعونيين الذين “أتوا من بلد بعيد”، وتحالفوا مع غزو إسرءيل بوجود أساس لها في الواقع التاريخي للقرن السابع ق.م. وقد واجهت يهوذا خلال توسعها نحو الشمال، باتجاه منطقة بيت إيل، مشكلة في كيفية دمج أحفاد المنفيين الذين جلبهم الآشوريين من أماكن بعيدة، والذين استقروا هناك منذ بضعة عقود. ويمكن لقصة الجبعونيين القديمة أن تزودنا بسياق” تاريخي” يقوم من خلاله المؤرخ التثنوي بتفسير الكيفية الممكنة لدمج هؤلاء الناس الذين هم في الأصل ليسوا إسرءيليين. وتالياً، ربما كان غزو سهل شفيلة يرمز إلى التوسع المتجدد لليهوذيين في هذه المنطقة الخصبة، ويتضح هذا التوسع من خلال توزيع بقايا اليهوذيين في فترة الملكية المتأخرة في هذه المنطقة التي تعد سلة الخبز التقليدية للملكة الجنوبية، والتي تم الاستيلاء عليها من قبل سنحاريب قبل بضعة عقود، وأخذت من يهوذا وأعطيت إلى مدن السهل الساحلي. ويبدو أنه تم إعادة دمجها في إقليم يهوذا أثناء القرن السابع قبل الميلاد، أي في عهد منسّى، أو يوشيا، بعد انسحاب الآشوريين.
وأخيراً تنتقل القصة إلى الشمال، وهنا يصبح غزو الماضي فتحاً طوباوياً للمستقبل. وتستدعي الإشارة إلى حاصور في الأذهان ليس سمعتها في الماضي البعيد، كما هو حال معظم المدن-الدول الكنعانية البارزة فحسب، بل تستدعي أيضاً، بكل تأكيد، وقائع الأزمنة الأحدث عندما كانت أهم مركز بارز في مملكة إسرءيل في الشمال. وبالمثل، تماثل الأراضي التي وصفت بخصوص الحرب في الشمال أراضي الجليل للمملكة الشمالية المهزومة أو إسرءيل. وقد نظر إلى هذه الأراضي، في يهوذا القرن السابع ق.م، بوصفها أراض تنتمي للملوك الداوديين في أورشليم بصورة شرعية وإلهية. وبالتالي ينبغي أن تقرأ قصص الغزو، على ضوء خلفية جغرافية وإيديولوجية يهوذا أواخر القرن السابع، في زمن الملك يوشيا.
خلاصة
من غير الممكن قراءة سرديات الآباء والخروج والغزو التي تصف التاريخ التكويني لشعب إسرءيل على أنها وصف تاريخي مباشر. ومن المحتمل أن العديد من هذه القصص تحفظ ذكريات قديمة، وحكايات فلكلورية، وأساطير وحكايات سببية. ومع ذلك تغلف طريقة ذكر هذه القصص وقائع الملكية المتأخرة (في هذه الحالة: مرويات الآباء والخروج، ومرويات السبي وما بعده). وتفصح، علاوة على ذلك، الطريقة التي جمعت فيها هذه السرديات عن هدفها في خدمة الأهداف الإيديولوجية لمؤلفيها في أواخر العصر الحديدي الثاني. لذلك لا ينبغي لهذه النصوص أن تقرأ في ترتيب تسلسلي من الأقدم للأحدث، وإنما يجب أن تفهم من الأحدث باتجاه الأقدم – ابتداء من منظور الحقبة التي دونت فيها.
…..
العنوان الأصلي: THE QUEST FOR THE HISTORICAL ISRAEL: Debating Archaeology and the History of Early Israel
المؤلف: Israel Finkelstein and Amihai Mazar
الناشر: 2017 Society of Biblical Literature

عن محمود الصباغ

كاتب ومترجم من فلسطين

شاهد أيضاً

البحث عن إسرءيل: مناظرات حول علم الآثار وتاريخ إسرءيل الكتابية (4-1)

ترجمة: محمود الصباغ استهلال يفضل المؤرخ والآثاري الكتابي أن يتحرك في فضاءات أوائل العصر الحديدي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *