البحث عن إسرءيل: مناظرات حول علم الآثار وتاريخ إسرءيل الكتابية (6-1)

ترجمة: محمود الصباغ
استهلال
في هذا الفصل الأخير من الكتاب يكرر فنكلشتين حججه التي شرحها باستفاضة في الفصول السابقة عن هيمنة القصص الكتابية على علم الآثار الكتابي، ويصل إلى نتيجة تستدعي استبدال هذه المقاربة بمقاربة أخرى تعتمد على منهج آثاري مستقل بعيداً عن النص التوراتي. كما يؤكد بأن على علم الآثار أن يكون “الآلة الرئيسية في الأوركسترا” من أجل إعادة بناء حقائق الحياة اليومية للعصور القديمة، ويجب قراءة ” التاريخ الكتابي من الأحدث للأقدم، ولا يمكن لنا تصور أن قصص الآباء البطاركة والخروج والغزو وكلك العصر الذهبي لداود وسليمان تعبر عن حقائق تاريخية مباشرة، بل هي مجرد منصة إيديولوجية أوجدتها الطبقة الحاكمة في يهوذا لأهداف وغايات أخرى. كما يحاول أن يفرق بين “الإيمان” و “البحث التاريخي” بدعوى أنه لا يجوز الربط بينهما أو دمجهما دون تعرض أحدهما أو كليهما لمخاطر محتملة، فقراءة قصة الخروج أو القصص الصوفية اليهودية لا ينبغي لها أن تدخل في صميم القراءة الآثارية أو التاريخية، بل يريد لنا فنكلشتين أن نتعرف على عناصرها “الجمالية” وقيمها “القومية” العالية. فما هو مطروح في هذه القصص هو المغزى من الحرية والخلاص مقابل العبودية وليس جرة فخارية عثر عليها هنا أو هناك. ويرى فنكلشتين أن محاولة “عقلنة” مثل هذه القصص من أجل “الحفاظ” على تاريخية الكتاب، ليست مجرد حماقة فحسب، بل هي محاولة تتسم بالخيانة، فوفقاً لنصوص الكتاب، وقف إله إسرءيل وراء موسى وليس هناك ما يدعو إلى افتراض حدوث مد أو جزر حقيقيين في هذه البحيرة أو تلك من أجل التأكيد على أن ما قام به موسى عمل جدير بالثقة.
…..
الفصل السادس: مضامين علم الآثار على الحقائق التاريخية والمجتمع
القسم الأول: الكتاب وعلم الآثار / إسرائيل فنكلشتين
التاريخ الكتابي وعلم الآثار هما فرعان مختلفان من فروع المعرفة ذات الطابع التخصصي. ولا يعد الكتاب، في شعورنا الواعي المعاصر، سجلاً تاريخياً، بل نصٌ مقدس كُتبَ على يد أشخاص لهم قناعات إيديولوجيّة ودينيّة قويّة. وتغلف “أجزاءه التاريخية” “وما هو تاريخي منه” مواضيع متنوعة مثل العلاقة بين رب إسرءيل وشعب إسرءيل، وشرعية السلالة الداودية ومركزية العبادة في هيكل أورشليم. في حين أنه لم يتطرق إلى المواضيع الأخرى ذات الأهمية البالغة للمؤرخ الحديث “المعاصر”. وعلاوة على ذلك، وحيث أن الكثير من مادة النص دُوّنت في فترة متأخرة نسبياً من تاريخ إسرءيل-من القرن السابع ق.م حتى الخامس ق.م- فهو لا يزودنا، والحال هذه، بشهادة عن زمن الحدث مباشرة للعديد من الأحداث المروية في متنه، لاسيما تلك التي تصف المراحل التكوينية في تاريخ إسرءيل القديمة. إلى جانب ذلك، لا تخلو من الميول الإيديولوجيّة حتى تلك النصوص القديمة التي تعيد وصف أو فرز الأحداث من منظور الزمن الحقيقي مثل السجلات الآشورية في الفترة من القرن التاسع ق.م، وحتى القرن السابع ق.م، لذلك لا يمكننا الحكم على نص الكتاب وفقاً للمعايير الحديثة من حيث الدقة التاريخية. وفي الحقيقة، لا بد في كل وصف تاريخي أن يكون واقعاً تحت تأثير الوقائع التي تعود لفترة أو زمن جمعه. ومن أجل إظهار مدى صعوبة قبول النص القديم، كسجل موثوق وكامل للأحداث، يكفينا أن نتذكر، كم من التأويلات المتناقضة التي نعطيها لأحداث تحصل معنا يومياً. ومن جهة أخرى يزودنا علم الآثار، ظاهرياً، بشهادة “موضوعية” لما حدث في الماضي. فهو يميط اللثام عن اللقى كالأواني الفخارية والأسلحة والمباني القديمة التي تعيطنا صورة من الزمن الحقيقي للعصر موضوع البحث والاستقصاء. ويمكن تشبيه تلك اللقى بـ “شهود عيان” لما حدث في الماضي. وبعيداً عن كشف الثقافة المادية للشعوب القديمة، فإن علم الآثار باستطاعته أن يلقي الضوء على العمليات الاجتماعية والديموغرافية والاقتصادية طويلة الأجل (على العكس من الأحداث قصيرة الأجل). وفي الوقت الذي نكون فيه قادرين بشكل تام على قراءة وفهم القصة المعقدة التي يمنحها لنا علم الآثار فإننا سنحصل على أداة مثالية لدراسة الماضي.
ولكن، علاوة على الحقيقة التي تقول بأن التأويل الآثاري لا يخلو أيضاً من ميول وانحيازات حديثة، فسوف يكون من الإنصاف القول أن علم الآثار سيبقى أبكماً لا ينطق على نحو ما بدون نص، فتزودنا الكسر الأثرية والأسوار بتصور عام فقط حول ما حدث وقت صنعها أو بناءها، ولكن يبقى الكثير من الأسئلة الأساسية التي ما تزال مفتوحة وبدون إجابات من قبيل: من الذي انتصر؟ من الذي أظهر شجاعة في أرض المعركة؟ من كان “مؤمناً”؟ ومن تصرف مثل “مرتد”؟. من الواضح أنه بدون نصوص تلقي الضوء على مثل هذه الأسئلة البسيطة والمحددة لا يمكن لأحد أن يجيب عليها، وأكثر من ذلك، حين نصف هذه اللقى بأنها بكماء فهذا يعني تأويلها بأكثر من سبيل وطريقة، وتكون عرضة للخضوع لأكثر من عملية إعادة بناء تاريخية، ولذلك ومن أجل التوصل إلى عملية إعادة بناء معقولة لتاريخ إسرءيل المبكر علينا الاستفادة من المصادر الثلاثة المتاحة جميعها وهي: النص الكتابي، واللقى الآثارية، وسجلات الشرق الأدنى القديم. بيد أنه، وفي اعتراف الجميع، ليس ثمة أي جديد في هذه الحالة، فقد كان هذا الأمر هو هدف علم الآثار الكتابي، منذ نشأته الأولى في عشرينيات القرن الماضي.
فما هو، إذن، الجديد فيما أحاول تعيينه هنا؟
لو نظرنا إلى تاريخ إسرءيل القديم من وجهة نظر منهجية عامة فسوف نجد عنصرين هامين جديدين:
أولا) هيمنة القصة الكتابية على الآثاريات الكتابية التقليدية. ففي العديد من الحالات وببساطة واضحة كانت التواريخ الحديثة المكتوبة عن إسرءيل القديمة عبارة عن تواريخ مكررة للقصة الكتابية ولكن بمصطلحات ومعايير حديثة. فقد وُضع النص في دائرة الضوء في ذات الوقت الذي تراجع فيه علم الآثار إلى الظل ليلعب دوراً قاصراً كديكور أو كأجزاء مستردة من الأدلة التي تدعم السرد الكتابي المقبول عموماً، ولم يتم النظر إليه كأداة مستقلة نافذة في البحث التاريخي، وكأحد أفضل الأمثلة على هذه المقاربة هو التأويل الذي أعطي للقى الآثارية التي وجدت في تل الخليفة في خليج العقبة، حيث، كما أسلفنا سابقاً، تم في واقع الأمر اختلاق السويات واللقى كافة كي تناسب القصة الكتابية.
والدرس واضح هنا، إذ ينبغي أن يدرس علم الآثار بمعزل عن النص الكتابي وعليه أن يكون الآلة الأولى التي تعزف في جوقة بناء الوقائع اليومية للعصور القديمة، وبعد ذلك يمكننا الالتفات للمصادر الكتابية للتحقق في ما إذا كان كلا النمطين من الأدلة -الثقافة المادية والنص- يتوافقان مع بعضهما البعض، فإن لم يحدث هذا، فمن حقنا أن نسأل، لماذا؟ ثم ننطلق للبحث عن الأسباب: لماذا صاغ الكتّاب كتابهم على هذا النحو، وينطبق هذا أولا وقبل كل شيء على المراحل التكوينية للتاريخ الكتابي لإسرءيل، حيث تفصل قرون عديدة بين عملية جمع النص والأحداث المفترضة التي نقلها لنا أولئك الكتّاب.
ثانيا) وهو في الحقيقة اختلاف أكثر عمقاً. فقد درس معظم الباحثين تاريخ إسرءيل المبكر بترتيب زمني تسلسلي، من الأقدم إلى الأحدث وبالتوافق مع النص. وحيث أن الخط العام لكرونولوجيا الملوك الإسرءيليين واليهوذيين معروف لنا بصورة جيدة فقد التفت أهل الاختصاص وراءً للبحث عن فترة عصر القضاة في القرنين الثاني عشر والحادي عشر ق.م. وإلى فترة الغزو في أواخر القرن الثالث عشر ق.م، وإلى العبودية في مصر والخروج منها في عهد رعمسيس الثاني في القرن الثالث عشر ق.م، (وقد افترضوا أنهم عثروا على كل هذا)، كما بحثوا، بطبيعة الحال في المرحلة البطريركية في أوائل الألفية الثانية ق.م. ولكن هذه المقاربة تبدو غاية في السذاجة. فما ينبغي فعله في الحقيقة هو العكس، إن أول ما يحتاجه المرء هو إرساء أساس متين للبحث من خلال تحديد الفترة التي تم فيها تدوين هذه التقاليد. وكما أشرت آنفاً، يفتح هذا البحث الطريق لفهم الوقائع الاقتصاديّة والاجتماعيّة والسياسيّة التي تعود لتلك الفترة. وهي تمثل، أيضاً، نقطة انطلاق للتحقق فيما إذا كان كل من النص وعلم الآثار متناغمان، فإن لم يظهرا مثل هذا التناغم، ينبغي، إذن، فهم معنى النص من وجهة نظر احتياجات وإيديولوجيّة وأهداف المؤلفين له. وهذا ما وصفه المؤرخ الفرنسي العظيم مارك بلوخ من مدرسة الحوليات قبل سنوات عديدة حين دعاه التاريخ الرجعي L’Histoire Regressive : مبتدئاً من نقطة مأمونة (بمعنى معروفة ومثبتة) ومن ثم إعادة بناء التاريخ خطوة خطوة وصولاً بالعودة أكثر وأعمق باتجاه الماضي.
وبإيجاز علينا أن نستقصي التاريخ من الأزمنة المتأخرة نزولاً نحو الأزمنة الأبكر وليس العكس، على الأقل في حالتنا هذه. وهذا يعني أن الفصول المبكرة من تاريخ إسرءيل -مثل قصص الآباء والخروج من مصر وغزو كنعان، بالإضافة إلى العصر الذهبي لداود وسليمان- لا يمكن فهمها باعتبارها تصوير للوقائع التاريخية مباشرة. وفي الوقت ذاته من غير الممكن تصور أن هذه القصص قام باختلاقها مؤلفين، أي أنهم قاموا بفبركة التاريخ. فالتاريخ الكتابي كتب ليكون بمثابة منبر إيديولوجي وبذلك لا بد له أن يٌكتبْ بطريقة من شأنها أن تبدو موثوقة للقارىء و/ أو المستمع. وربما استند على مجموعة من الحكايات والأساطير والتقاليد وربما على شذرات من الذكريات القديمة التي كانت معروفة لسكان يهوذا وإسرءيل. وغني عن القول بأن خلاف ذلك سيجعل المؤلفين يفقدون مصداقيتهم وسيفشلون في نقل رسائلهم وتحقيق أهدافهم، وذلك يستتبع بأن المرء لا يستطيع ببساطة الافتراض بأن إبراهيم أو موسى لم يوجدا بذات الطريقة التي لا يمكن فيها الجدل بأنهما شخصين تاريخيين من “لحم ودم”. والنقطة المهمة هي أن نعترف بأن هذه القصص كما نقرؤها اليوم تنتمي أكثر إلى عالم المؤلفين وبالتالي إلى التاريخ البدائي الغامض لإسرءيل. وعلاوة على ذلك، كُتبَ الكثير من الوصف الكتابي لتاريخ إسرءيل المبكر من وجهة نظر إيديولوجيّة محددة “خاصة” كانت سائدة في يهوذا أو إيهود بين القرنين السابع والخامس ق.م، واختار المؤلفين مادة كتابتهم وقرروا ما يجب إدراجه ضمن النص وما لاينبغي إدراجه وفقاً لطريقة تفكيرهم. فنحن إذن نقرأ تاريخاً مختاراً .فالكتاب لا يمثل، احتمالاً، جماعات أخرى في يهوذا، بل حتى لا يمثل الجماعات الرئيسية المهيمنة والتي على الأرجح تمتلك وجهات نظر مختلفة تماماً عن تاريخ إسرءيل. وهو، بكل تأكيد، لا يمثل عالم المملكة الشمالية. ويمكن للمرء أن يتخيل مدى الاختلاف الذي سيكون عليه تاريخ إسرءيل لو كتب من قبل مؤلف من المملكة الشمالية أو من السامرة أو من بيتئيل أو من قبل منافس لـ ” المعسكر التثنوي” في يهوذا نفسها. علاوة على ذلك، من المنطقي الافتراض بأن العديد من القصص الكتابية -لا سيما التي تصف التاريخ “المبكر” لإسرءيل- تخفي طبقات عدة من التقاليد تراكمت تدريجياً على مدى قرون من التواتر الشفوي ومن ثم التحرير النصي حتى وصل إلى صياغته النهائية. منها على سبيل المثال قصة داود و سليمان.
ويمكن لعلم الآثار أن يساعدنا في تحديد بعض من هذه الطبقات على الأقل: من المحتمل أن تكون الطبقة الأقدم هي الطبقة الأصلية للقصص البطولية التي تتحدث عن داود ورجاله الأشداء، مجموعة العابيرو الذين نشطوا على هامش المجتمع اليهوذي، وغالباً ما تقدم لنا طبقة أخرى ضمن نفس القصة رواية لنفس الأحداث ولكن في هذه المرة من وجهة نظر الشماليين المؤيدين لشاؤول، سوية أخرى تصف فتوحات داود والبلاط بلغة وقائع القرن التاسع ق.م، ولكنها متضمنة في طبقة أخرى تلبي احتياجات الملوك الداوديين في أواخر القرن الثامن ق.م بوصفه الأفق الذي يمثل ربما وقائع القرن الآشوري في أيام الملك منسّى، وأخيراً هناك الطبقة اليوشيانية التي تعود لأواخر القرن السابع ق.م.
كيف يمكن، إذن، تفسير التناقضات في النص بطريقة أخرى ؟
كيف يمكن أن نفسر أيضاً، بطريقة أخرى، وصف سليمان كملك عظيم وحكيم وثري، وبعد ذلك يظهر وصفه كرجل عجوز خرف ومرتد؟
باختصار. لا نستطيع استعراض التاريخ المبكر لإسرءيل بالأسود والأبيض، بسيناريو نعم أو لا، بأن هذا حدث وهذا لم يحدث، وبالتالي، وجود هذا أو هي/ هو كان مجرد محض خيال مختلق. فالصورة أكثر تعقيداً من ذلك بكثير وفي حالات عدة يمكن تلخيصها على النحو التالي: إن حدثاً كذا وكذا لم يقع كما هو موصوف في النص على الرغم من أن النص قد يحتوي على بعض ذكريات غامضة عن الماضي، والسبب في أن النص تم تدوينه بهذه الطريقة كانت.. وكما رأينا سابقاً فإن الكثير مما تم بيانه هنا ينطبق حتى على فصول من تاريخ إسرءيل المتأخر التي وقعت في زمن قريب من وقت التدوين، المدعومة من مصادر من خارج الكتاب معاصرة للأحداث التي سجلتها تلك المصادر. وعلى الرغم من صحة الخطوط التاريخية العريضة التاريخية
ويعكس الكثير من المحتوى، في هذه الحالات الكثير، الطبيعة اللاهوتية للمؤلفين أكثر منه انعكاساً للتسجيل الزمني للأحداث أو تفاصيلها. التعامل مع المملكة الشمالية والقرن الآشوري في تاريخ يهوذا يبين بوضوح هذه النقطة. في الحالة السابقة نجحت حالة العداء المستفحل الذي يكنه المؤلفين الجنوبيين للشمال في إخفاء العظمة السياسية والاقتصادية التي عرفتها إسرءيل خلال القرن التاسع والثامن. وكما أشرت في الفصل التمهيدي، في الحالة الأخيرة أيضاً لم تتوافق العقيدة اللاهوتية للمؤلفين مع الوقائع اليومية لذلك العصر. وفي كلتا الحالتين يستعرض كلا المصدرين-الكتاب وعلم الآثار- أحداثاً من وجهتي نظر مختلفتين تماما: لاهوت إزاء الواقع اليومي، وغني عن القول أن كلاهما يمتلك مشروعيته بطريقة ما، ولكن على الباحث أن يكون مدركاً في أي جانب يقع عمله.
الماضي والحاضر.
والنقطة التي ينبغي لها أن تكون موضع تساؤل لنا هي أين نقف نحن؟ هل يقف علماء اليوم الذين يدرسون الماضي، على مقربة من المؤلفين القدماء وعوالمهم؟ وحيث أن الكتاب العبري يعد وثيقة تأسيسية ليهودية الهيكل الثاني، من خلال المسيحية والحضارة اليهودية- المسيحية الأوسع -حضارتنا- فنحن من يستطيع الزعم أنه مستفيد من أولئك المؤلفين القدماء، إن جاز لنا القول. وبغض النظر عما إذا كنا مؤمنين أو علمانيين، فإن ثقاتنا التعليمية تلزمنا بصورة فورية على تحديد هوية القصص. فنحن نحتفل بالانتصارات ونعلن الحداد على الهزائم وغاضبون من شعب إسرءيل عندما يخون هذا الشعب العهد مع رب إسرءيل. ولكن هل يمكن لهذا أن يكون نقطة انطلاق لعملنا كعلماء؟
غني عن القول، أن الجواب سلبياً. إذ ينبغي على العلماء أن يرسموا خطاً واضحاً متصلاً بين هذه الصور والبحث التاريخي. وهذا يعني ضمناً أنه لا يوجد أي سبب، على سبيل المثال، قبول الموقف السلبي للمؤلفين الجنوبيين إزاء المملكة الشمالية. وبالنسبة للفرد الذي يحاول إعادة بناء تاريخ إسرائيل، سوف يكون انتهاك العبادة والسلوك الاجتماعي المنحرف (كما لاحظ ذلك مؤلفي أورشليم بين القرنين السابع والخامس ق.م) ليسا سوى قطعتين في فسيفساء أكبر بكثير من الأحداث والعمليات، فأنشطة البناء والعلاقات التجارية، والمناورات الدبلوماسية ليسوا أقل إثارة للاهتمام، وبصراحة لا تقل أهمية.
وما أحاول قوله هنا -وهو بصراحة لا يقل أهمية عن قيمة الموضوع- لاينبغي لنا أن نضع الإيمان بجانب البحوث التاريخية، أو أن يراد لهما أن يكونا متناغمين، أو ينتقص أي منهما الآخر. فعندما نجلس لقراءة الهغّادة Haggadah في عيد الفصح، فنحن لا نتعامل بأفق يدعم أو لا يدعم علم الآثار في تفسيره لقصة الخروج. وبدلاً من هذا نقوم بالثناء على جماليّة القصة وعلى قيمها القومية والكونية. فما هو على المحك التحرر من العبودية “بوصفه تصوراً”، وليس موقع جرار التخزين Pithom. في الواقع إن محاولات عقلنة قصصاً كهذه، كما حاول الكثير من العلماء القيام به من أجل “إنقاذ” تاريخية الكتاب، ليست سوى محض حماقة، بل عمل خياني في حد ذاته. فوفقاً للكتاب وقف إله إسرءيل وراء موسى وليس هناك حاجة لافتراض حقيقة حادثة ارتفاع أو انخفاض المد في هذه البحيرة أو تلك كي يجعل من أعماله ديانة هامة ذات شأن. سيقول البعض أن هذا جيد في المجمل، ولكنه يشكل خطراً شديداً على دولة إسرائيل الحديثة، وكأن مصير الشعوب لا يتقرر إلا وفقاً لعمق جذورها في الأرض. هل إذا ما استنتج المرء أنه من خلال حذف 50 أو 100 سنة من التاريخ، ستفقد الدولة الحديثة شرعيتها التاريخية؟
لعب علم الآثار الكتابي في خمسينيات القرن الماضي دوراً هاماً في تنمية الروح الإسرائيلية الحديثة. فقصص غزو كنعان على يد يشوع وتوطن القبائل الإسرءيلية، تم تخيلها كبشرى قديمة بطولية لأبطال لا يقلون بطولة عن العودة الحديثة إلى صهيون. وأخذ العصر الذهبي لداود وسليمان كرمز لازدهار وعظمة ستتكرر الآن وهنا. كل هذا لا يمكن تقويمه على خلفية عصرنا الحالي، وإنما على خلفية الخمسينيات التي كانت الحاجة الماسة وقتها تدعو إلى بناء دولة جديدة وهوية جديدة للأشخاص الذين جاءوا من جميع أنحاء العالم بعد قرون من القمع.
الآن وبعد أن نضج المجتمع الإسرائيلي وأصبحت دولة إسرائيل أمراً واقعاً، هل مهم حقا إظهار أن أسوار أريحا سقطت عندما نفخ في الأبواق؟،أو أن الملك سليمان حكم من أورشليم امبراطورية مترامية الأطراف؟ وماذا لو أن سليمان حكم من قرية صغيرة نائية بائسة في المرتفعات الجنوبية مساحة تساوي في حجمها حجم مدينة أمريكية صغيرة وضواحيها؟ هل هذا يؤدي إلى أية تبعات على مستقبلي بصفتي إسرائيلياً؟ الجواب بكل وضوح هو النفي. فقوة المجتمع الإسرائيلي تقوم، أولاً وقبل كل شيء، على كونه مجتمعاً ليبرالياً منفتحاً وديمقراطياً. وهنا، وبدون أدنى شك، لا تقل أجندة أبحاثنا الحالية غير المقيدة والديناميكية بريقاً وأهمية عن أهمية وبريق الماضي. وبقدر ما أستطيع الحكم، سيكون من الخطأ القاتل فرض فهم جديد للماضي على واقع الحاضر وآمال المستقبل. وعلى أية حال، أود أن أوضح أنه لا يمكن أن يكون هناك شك حول وجود ممالك إسرائيل ويهوذا في العصر الحديدي الثاني، لا يوجد شك بأن أورشليم كانت عاصمة يهوذا وأن هيكل رب إسرءيل وقصور الملوك الداوديين انتصبت في وسط أورشليم، وأن جزءً كبيراً من الكتاب العبري قد دون هناك. وينبغي هذا أن يكون كافياً لمعنى واحد للتقاليد والهوية. وهناك ما هو أكثر من ذلك بكثير، فالتاريخ الكتابي -الملحمة العظيمة التي تشكل الأساس للحضارة الغربية- ظهر من مدينة صغيرة نسبياً ذات ثقافة مادية فقيرة نسبياً والتي كانت تقع على هامش الحضارات الكبرى في الشرق الأدنى القديم. لقد ظهرت في أوقات من النكبات والأزمات، ثم، وفي غضون بضعة عقود سقطت إسرءيل، وأصبحت يهوذا تابعة لآشور وتحولت إلى دولة كاملة، دمّر سنحاريب ريفها، ثم انسحب الآشوريين، ثم قتل الملك يوشيا (الذي يوصف بأنه الأكثر ورعاً والذي يرتبط نسبه بداود) في مجدو، وسقطت أورشليم بأيدي البابليين، واقتيد العديد من اليهوذيين إلى المنفى، ثم عاد بعضهم، ينبغي لتكرار هذا التتابع للأحداث أن يوضح -أو آمل أن يكون هكذا- بأن “صدقية” القصة الكتابية ليست بالضرورة في انشقاق البحر أو في أبواق أريحا وليس حتى في روعة وبهاء سليمان.
تكمن الحقيقة والعظمة في القصة الكتابية في وقائع واحتياجات ودوافع، وصعوبات وإحباطات وآمال، وصلاة شعب يهوذا وأورشليم في فترة الملكية المتأخرة وأوائل فترة ما بعد النفي. وهي تكمن في حقيقة أنه في فترة قصيرة من زمنٍ عاصف، والخروج من دولة صغيرة ومعزولة نسبيا بثقافة مادية فقيرة انبعث إبداع غير عادي أنتج الوثيقة التأسيسية للحضارة الغربية.
العنوان الأصلي: THE QUEST FOR THE HISTORICAL ISRAEL: Debating Archaeology and the History of Early Israel
المؤلف: Israel Finkelstein and Amihai Mazar
الناشر: 2017 Society of Biblical Literature

عن محمود الصباغ

كاتب ومترجم من فلسطين

شاهد أيضاً

البحث عن إسرءيل: مناظرات حول علم الآثار وتاريخ إسرءيل الكتابية (6-2)

ترجمة: محمود الصباغ استهلال يوافق مزار، إلى حد ما، في ملاحظاته الختامية، على أن “القيم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *