البحث عن إسرءيل: مناظرات حول علم الآثار وتاريخ إسرءيل الكتابية (5-2)

ترجمة: محمود الصباغ
استهلال
يستعرض مزار الأدلة الأثرية التي تم كشفها على مدى العقود القليلة الماضية وزيادة ومساهمتها المتزايدة في فهمنا للمراحل اللاحقة من العصر الحديدي الثاني (930-586 ق.م )أو المرحلة التي كثيرا ما يشير لها العلماء باسم فترة “المملكة المنقسمة” استناداً إلى السردية الكتابية التي تشير إلى انقسامها إلى مملكتين: شمالية، أي إسرءيل، وجنوبية، أي يهوذا. ثم هو يحول بؤرة بحثه نحو ثلاث مجالات تم إحراز تقدم كبير فيها خلال السنوات الأخيرة، وهي: ظهور يهوذا باعتبارها كياناً سياسياً مقابل إسرائيل، أثر الحرب على الحياة اليومية، وأخيراً بعض التطورات الجديدة ضمن الديانة الإسرءيلية. ويجادل مزار بأن يهوذا، مثلها مثل إسرءيل، ظهرت كدولة في القرن التاسع ق.م وليس في وقت لاحق، وفي القرن الثامن. وعلى الرغم من أن يهوذا كانت بلا شك أكثر فقراً، وأصغر حجماً من نظيرتها المعاصرة فقد تطورت فيها ( ما بين القرنين الثامن والسابع ق.م) القراءة والكتابة بما يكفي لتدوين النصوص الكتابية ونصوص أدبية أخرى. زكان لتقنية الحرب في تلك الفترة الأثر الكبير لتطوير تحصينات ضخمة و شبكات إمداد مياه متطورة، و هذه الأخيرة هي فريدة من نوعها في المنطقة. كما حفظت لنا الحروب العديد من المصنوعات وأساليب الحياة والكتابات في طبقاتها المدمرة، وكثير غيرها والتي بدونها لم يكم بمقدورنا التعرف عليها. ويخلص مزار، في بحثه لمجتمع العصر الحديدي الثاني، مشيراً الى مساهمة علم الآثار في تقديم مساهمات حديثة عن ديانة إسرءيل، لا سيما (وتحديداً) تكييفها القوي الكنعاني أو الاصيل (يظهر ذلك أكثر في الشمال عنه في الجنوب)، وبروز الإلهة عشيرة، والظهور اللاحق الواضح للتوحيد. كما يبحث مزار في هذا الفصل في بعض التفاصيل الأثرية المجزأة لمخططات المعبد والقطع المختلفة من الأدلة على طقوس العبادة المحلية مثل الحجارة المنتصبة .
…..
الفصل الخامس: البحث عن خلفية صلبة: إسرءيل ويهوذا في العصر الحديدي الثاني
القسم الثاني: المملكة المنقسمة، تعليقات على بعض القضايا الأثرية: عميحاي مزار
عرفت المملكة المنقسمة (التي يمكن مطابقتها مع معظم فترات العصر الحديدي الثاني) بفضل البحوث الأثرية الواسعة في إسرائيل والأردن. وعملت المسوحات السطحية التي أجربت هناك على تسهيل طرق تحليل أنماط مراكز التوطن، والتعرف على أنواع تلك المراكز المختلفة مثل البلدات والمزارع والقلاع وأبراج المراقبة والمنشآت الزراعية, كما ساهمت البحوث الأثرية في المناطق القاحلة في النقب وصحراء يهوذا في تسهيل دراسة التاريخ الدقيق للتوطن في هذه المناطق الهامشية. كما أسفرت عمليات التنقيب العديدة في المواقع المختلفة عن توفير معطيات وبيانات عن جوانب كثيرة من الثقافة المادية في إسرءيل ويهوذا، وكذلك في أراضي جيرانهم، وفتح، وإتاحة، آفاق جديدة واسعة لمواضيع دراسية تبحث في جوانب كثيرة من الثقافة المادية في المنطقة تشمل، وإن بصورة جزئية، أنماط التوطن، والديموغرافيا، وتخطيط المدن، ونظم التحصين، وعمارة المباني العامة والمساكن، وأنظمة المياه، وتقنيات البناء، والجوانب المختلفة للمشاريع الاقتصادية القديمة المنخرطة في التجارة على الصعيدين الداخلي والدولي، وكذلك الزراعة واستغلال الأراضي، ويناء المدرجات وأنظمة الري، وتنظيم قطعان الماشية، والصناعات المختلفة، مثل النسيج وإنتاج الزيت الفخار وتوزيعه، والمعدات والأدوات المنزلية، والصناعات المعدنية. كما يمكن إعادة بناء المعتقدات الدينية، والدين الرسمي والشعبي، وطقوس العبادة، وإن بصورة جزئية، وفقاً للمكتشفات التي أتاحت لنا العثور على أماكن العابدة العامة والمحلية، والأعمال الفنية المختلفة التي حافظت على رمزية وأيقونيّة هذه المجتمعات القديمة. ويمكن لعادات الدفن أن تخبرنا عن المعتقدات بالخوارق والبنية الإجتماعية. كما أصبح متاحاً التعرف، لأول مرة، على عدد كبير من النقوش، كالأختام المدرجة وظهور الدمغات، والنواويس، والنقوش الحجرية، والجدران المجصصة والأواني الفخارية، فضلاً عن منجم المعلومات الحقيقي عن اللغة، أي الأسماء الشخصية، والإدارة، والاقتصاد، وديانة إسرءيل، وبشكل خاص يهوذا خلال القرنين الثامن والسابع ق.م.
ويتعلق جميع ما ذكر، على سبيل الاحتمال وفي كثير من الحالات، باللقى التي تمت بصلة إلى النص الكتابي، أو لجزء كبير منه، والذي دوّن، على الأرجح، خلال هذه الفترة. وتقدم هذه البيانات الأثرية الغنية رؤية بانورامية عن لمجتمع والثقافة الإسرءيلية واليهوذية، ناهيك عن جيرانهم. وفي الواقع، يظهر إعادة بناء هذا المجتمع وخلفيته الاقتصادية، والتطور الجيوسياسي راهناً، تحدياً كبيراً للبحوث الأثرية الحديثة المتعلقة بهذه الفترة. فحتى الآن لا يزال الخلاف قائماً حول بعض الموضوعات الرئيسية، رغم وجود كميات متزايدة من البيانات ورغم الاتفاق العام بين الباحثين حول العديد من القضايا، ومازالت أسئلة كثيرة وجديدة تظهر على السطح وبحاجة للإجابة رغم تمكن دراسات العقود الماضية من حل بعضاً من هذه السجالات الرئيسية حول الماضي. ومن الأمثلة على ذلك الجدل الدائر بين ما يدعون المعتدلين والتنقيحيين بخصوص حجم مدينة أورشليم، التي كانت موضوع سجالٍ حاد، خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي، إلى إن أظهرت أعمال التنقيب في التل الغربي للمدينة، منذ العام 1968، أن أورشليم كانت مدينة كبيرة بمساحة تصل إلى نحو سبعين هكتاراً، ولكن مثل هذا التوسع لم يحدث قبل القرن الثامن، وهكذا نجد أن كلا الجانبين في هذه المناقشة كان صحيحاً جزئياً.
وظهر خلال السنوات الخمس عشرة الماضية [منذ تسعينيات القرن الماضي] سجالات جديد حول أورشليم في القرن العاشر، وحول كرونولوجيا المواقع اليهوذية في القرنين الثامن والسابع ق.م، لاسيما حول تاريخ تدمير السوية III في لخيش. وفي حين أشارت أولغا توفنيل، في تقريرها النهائي عن أعمال التنقيب في لخيش، إلى غزو سنحاريب للمدينة في العام 507 ق.م كسبب مباشر لتدميرها، ينسب وليم أولبرايت وأتباعه هذه السوية، ومواقع أخرى متشابه في الفخار، إلى الموجة الأولى من الغزو البابلي المفترض في العام 597 ق.م. وكان لهذا الرأي كبير الأثر على حقول الدراسات الآثارية ليهوذا لسنوات عدة. ولكن أعمال المنقب دافيد أوسشكين المتجددة في لخيش، فضلاً عن حفرياتي الشخصية في تل البطش (تمنة الكتابية) أتت لتؤكد بصورة قاطعة صحة وجهة نظر توفنيل، وبالتالي تصويب خطأ أولبرايت وأتباعه في فهم تطور الثقافة المادية في يهوذا. ولكن هذا لم يمنع بروز تساؤلات، وسجالات، جديدة تتعلق أساساً بحالة يهوذا في القرنين التاسع وأوائل الثامن ق.م. وعلى هذا، لايعني قبول الجميع وثبات معرفتهم عن هذه، عدم ظهور مسائل أخرى مهمة تثير الجدل. وسوف يكون من المستحيل، هنا، تغطية ولو جزء صغير من هذه القضايا السجالية المستجدة حديثاً.
وبناء على ذلك سوف أقيد نفسي بمسألة ظهور إسرءيل ويهوذا كدولتين مستقلتين في القرن التاسع ق.م، ووضع يهوذا في القرنين الثامن والسابع ق.م، وطرح أمثلة عن الأحداث قصيرة الأجل مقابل العمليات طويلة الأجل في ضوء علم الآثار الإسرائيلي.
إسرءيل ويهوذا في القرن التاسع ق.م
يفصل بين خراب أورشليم على يد نبوخذنصر (586 ق.م) وظهور مملكتي إسرءيل ويهوذا ككيانات سياسية مستقلة أكثر من ثلاثة قرون (تؤرخ تقليديا حوالي 930 ق.م أو في وقت ما بعد ذلك)، وكما أشرت في الفصل الرابع، أصبح الوجود الفعلي للملكة المتحدة مدعاة للتشكيك والمساءلة في الآونة الأخيرة، ويقتضي المنطق بالقول إذا لم يكن هناك مملكة متحدة فلا يوجد، بطبيعة الحال، انقسام لمثل هذه المملكة إلى دولتين مستقلتين، ولتوسيع آفاق البحث، سوف نقول، بدلاً من ذلك وكما اقترح إسرائيل فينكلشتين، بظهور كل من إسرائيل ويهوذا في وقت لاحق، وفي أوقات مختلفة. ومازلت متمسكاً بمفهوم المملكة الإسرءيلية المتحدة في القرن العاشر ق.م، وأستند في ذلك على دقة السرد الكتابي بشأن ظهور المملكتين الإسرءيليتين بعد فترة قصيرة من المملكة المتحدة. ومما لا شك فيه أنهما لاقتا مصائر مختلفة جداً: فمرّت المملكة الشمالية بتغيرات متعددة على مستوى العائلات الحاكمة واستمرت في الوجود نحو قرنين، حتى دمرت على يد الآشوريين في ضربتين في الأعوام 732 ق.م (غزو الجليل) و722 ق.م (تدمير العاصمة السامرة). من ناحية أخرى استمرت يهوذا لأكثر من 300 سنة خضعت خلالها لحكم سلالة واحدة (البيت الداودي). وتختلف الظروف الجغرافية والبيئية لكلا المملكتين اختلافاً بيناً إلى حد كبير. فقد اشتملت مملكة إسرءيل على أراضٍ واسعة ضمت مرتفعات السامرة، وأجزاء من السهل الساحلي، ووادي يزرعيل، ووادي الأردن، والجليل، وأحياناً، بعض أجزاء من شرق الأردن. أما يهوذا، فقد كانت أصغر من ذلك بكثير واقتصرت على المناطق الوعرة ذات التضاريس القاسية للتلال اليهوذية، وشفيلة، والنقب الشمالي، وصحراء اليهودية. ويحتم هذا الحيز الجغرافي لكل منهما تباينا واضحاً في الموارد الاقتصادية، فتمتعت المملكة الشمالية بوفرة من الأراضي الخصبة ومصادر المياه، كما كانت تتحكم، بصورة شاملة، بالطرق الرئيسية في البلد، بما في ذلك الطريق التي تربط مصر بسوريا وما بين النهرين، وإمكانية الوصول المباشر إلى الساحل، والطرق التجارية مع فينيقيا، وسوريا، وشرق الأردن. بينما كانت يهوذا أكثر عزلةً، ومحدودة الثروات من حيث مواردها الاقتصادية، كما كانت العاصمة أورشليم تقع في منطقة الهضاب بعيداً عن الطرق الرئيسة والحقول الخصبة ومصادر المنطقة الاقتصادية، ولعبت الصحارى المحيطة بيهوذا من جهة الشرق والجنوب دوراً هاماً في إيلاء أهمية لحماية نفسها من المهاجمين الرحل أو المحافظة على علاقات اقتصادية معهم. ومنعت الدويلات الفلستية، من جهة الغرب، لاسيما جت (حتى تدميرها في أواخر القرن التاسع ق.م) وعقرون (بشكل أساسي خلال القرن السابع ق.م) يهوذا من الوصول إلى طرق التجارة الدولية التي تمر على طول السهل الساحلي، فضلاً عن حرمانها من الوصول إلى البحر المتوسط. أما من ناحية الشرق، فقد فصلت صحراء اليهودية ووادي الأردن ووادي عربة حدود المملكة عن دولاً معادية ومنافسة مثل عمون ومؤاب وأدوم.
مملكة إسرءيل الشمالية
يقر معظم، أو جميع، أهل الاختصاص على وجه العموم بمكانة المملكة الشمالية كدولة إقليمية قوية عاشت في القرن التاسع ق.م، نظراً لتوثيق مثل هذه المكانة، على هذا النحو، في مختلف المصادر المكتوبة في الشرق الأدنى القديم التي تعود للقرن التاسع ق.م، ولعل الوصف الشديد الأكثر إيحاءً نراه في نقش شلمنصر الثالث، الذي عثر عليه في موقع الكرخ Kurkh، والذي يصف فيه الملك آخاب كعضو مهم من قوة التحالف التي شاركت في معركة قرقر، في وسط سوريا، في العام 853 ق.م. حين حاول الحلفاء، في قرقر، وقف الجيش الآشوري غضون المراحل المبكرة من التوسع الآشوري نحو الغرب. ويشير النقش إلى آخاب كقائد لألفين من العربات ولعشرة آلاف من جنود المشاة في المعركة ضد آشور. ورغم أن هذا العدد قد يكون من قبيل بروباغاندا مبالغ فيها، إلا أنه لا ينبغي التغاضي عن ذكر آخاب بوصفه من يمتلك أكبر عدداً من العربات بين الحلفاء المذكورين في النقش. كما تم تسجيل غزو آخاب لشمال مؤاب شرق البحر الميت في القرن التاسع ق.م في نقش تذكاري لميشع ملك مؤاب، عثر عليه في موقع ديبون، ويصف النقش بالتفصيل المنطقة الواقعة شمال نهر أرنون، التي كانت تحت السيطرة الإسرءيلية في السنوات السابقة، ويحتفل بذكرى تحرير هذه المنطقة من هذه السيطرة. والأمر الأكثر ترجيحاً هو أن يكون يهورام، آخر ملك من سلالة عُمرْي هو ملك إسرءيل المذكور في نقش تل دان. كما ذكرت المسلة البازلتية السوداء لشلمنصر الثالث اسم “ياهو” وهو المؤسس التالي لأسرة حاكمة في الشمال، كملك مستسلم للملك الآشوري (وبصورة تهكمية، تمت الإشارة إليه على أنه “ياهو بن عُمْري”). واستمرت إسرءيل في الازدهار خلال القرن الثامن ق.م، لاسيما في عهد يربعام الثاني حتى غزوها المفاجئ واحتلالها النهائي من قبل الآشوريين.
فتحت عمليات التنقيب في السامرة ويزرعيل نافذة على المعيش الذي تتضمنه القصص الغنية الكثيرة المذكورة في أسفار الملوك والمرتبطة بهذين الموقعين. وهي تؤكد على شروع آخاب وربما أعضاء آخرين من السلالة العُمْرية، خلال القرن التاسع ق.م، القيام بأعمال عمرانية هائلة واسعة، بما تتطلبه هذه المشاريع من كميات كبيرة من المواد الأولية اللازمة للبناء، وإدارة مركزية وتخطيط، والعديد من العمال المهرة والحرفيين. وعثر في كل من السامرة ويزرعيل على مرفقات كبيرة مستطيلة شيدت وأحيطت بجدار مزدوج مع باحة فسيحة في الوسط وكانت هذه التحويطة في يزرعيل محصنة أيضاً عن طريق خندق محفور في الصخر فرض عزلة هذا المرفق عن المناطق المحيطة به. كما عثر في السامرة على بقايا القصر الملكي، وكشف فيه عن تفاصيل داخلية محفوظة بصورة جيدة وبجدار يحيط هذا المرفق الملكي. ويعتبر استخدام الحجارة المربعة المنحوتة بصورة رئيسية على شاكلة الطراز المعروف بالأسلوب الأيوني الأولي Proto-Ionic، من أبرز ملامح العمارة الملكية، فضلاً عن الأرضيات الجيرية السميكة للباحات التي قد تكون مستوحاة من أنماط فينيقية (رغم صعوبة إثبات تأثرها بالأساليب الفينيقية بصورة تامة لعدم وجود حفريات).
ويتجلى التأثير الفينيقي (الصوري) في المملكة الشمالية بالإضافة إلى الأنشطة العمرانية، من خلال المصنوعات اليدوية المختلفة مثل صناعة الفخار عالي الجودة، والتماثيل الطينية ولاسيما تلك المطعّمة بالعاج المنحوت بإتقان على الأثاث المرصع بها التي عثر عليها في السامرة. وتتضمن التماثيل، المنحوتة على طراز فينيقي نموذجي، مشاهد دينية وأسطورية مصرية-فينيقية، مثل شخصية “امرأة على النافذة” بأشكال نباتية محورة، وهلم جرا. وتعبر مثل هذه الأمثلة عن صلات وثيقة بين شمال إسرءيل ومدينة صور الفينيقية الأهم من ذلك الوقت، ويمكن ربطها بالوصف الكتابي لزواج آخاب بإيزابيل ابنة ملك صور.
وهكذا تدعم الأدلة الأثرية من السامرة ويزرعيل بوضوح مكانة إسرءيل الشمالية كدولة إقليمية تحتوي على قصور، ونخبة اجتماعية، وإدارة مركزية، وقوة اقتصادية وعسكرية مهمة. وكشفت الحفريات في عدد من المدن الرئيسية الأخرى في المملكة الشمالية مثل دان، حاصور، طبريا، ومجدو، ويقونعام، وتعنّك، وبيت شان، ورحوف ودوثان وتل الفارعة (ترصة) وشكيم ودور وجزر، فضلاً عن المسوحات السطحية في الجليل ومرتفعات السامرة وعمليات التنقيب في مواقع قرى، ومزارع وقلاع، كل هذا كشف عن وجود مملكة مزدهرة ذات نظام توطن كثيف مؤطر ومعقد، ونمو سكاني هائل، وعلاقات تجارية دولية موسعة، وإرث فني مزدهر، بالإضافة إلى الاستخدام المتزايد للكتابة خلال القرنين التاسع والثامن ق.م. وقد كشفت بعض حفرياتي في تل رحوف، على سبيل المثال، عن مدينة جيدة التخطيط مبنية على مساحة تقدر بحوالي 10 هكتارات، والتي كانت، خلال القرنين العاشر والتاسع ق.م، في ذروة تطورها نظراً لعلاقاتها الاقتصادية مع فينيقيا وقبرص، واليونان.
يهوذا
بخلاف إسرءيل الشمالية، مازال الإطار الزمني، بالإضافة إلى العمليات التي أدت لظهور يهوذا مثار خلاف بين العلماء. واصلت يهوذا نموها بتحولها من جزء من المملكة المتحدة إلى دولة مستقلة إلى جانب إسرءيل شريكها الشمالي وفقاً لوجهة النظر التقليدية، وتماشياً مع السرد الكتابي خلال القرنين العاشر والتاسع ق.م. ولاقت عملية إعادة البناء هذه انتقادات عدد من الباحثين الحاليين، لاسيما إسرائيل فنكلشتين، الذي يزعم بعدم أهمية يهوذا حتى القرن الثامن ق.م، وفي واقع الأمر حتى سقوط السامرة عام 722 ق.م، عندما وجد العديد من اللاجئين الشماليين طريقهم نحو أورشليم وبقية يهوذا. وطبقا لهذا الرأي فإن ملوكاً مثل رحبعام، وآسا، ويهوشافاط، وعزيا، ليسوا سوى شخصيات أدبية أو حكام محليين ضئيلي الأهمية. وتستند حجج هذه المزاعم على تقدير العدد المحدود المفترض للمستوطنات وعدد السكان، والافتقار إلى بنية معمارية مميزة في يهوذا من القرن التاسع ق.م تشغل السويات الأثرية، والضعف المفترض لأورشليم خلال هذا الوقت، والافتقار إلى النقوش وموضوعات النخبة.
لا يوجد في اعتقادي ما يبرر وجهة النظر هذه. فهي تتناقض، أولاً، مع الإشارة إلى يهوذا كدولة بحكم وراثي حليفة للمملكة الشمالية في الحرب ضد حزائيل ملك دمشق حوالي العام 830 ق.م حسب نقش تل دان “بيت دود”، وهذا النقش وحده كافٍ لاستنتاج أن يهوذا كانت بالفعل قوة هامة في المنطقة ابتداءً من منتصف القرن التاسع ق.م. وبينما يمكن للبعض الزعم بتبعية يهوذا لإسرءيل في ذلك الوقت، وبعد حكم عثليا في أورشليم، فإن مثل هذا الادعاء لا يمكنه أن ينكر وجودها كدولة. وربما احتفظ العُمْريين بسبب وجيه للسيطرة على هذه الدولة. وثانياً، تؤكد آثار يهوذا وجودها كدولة في القرن التاسع ق.م حسبما أرى وحسب الأدلة الواسعة المتحصل عليها من عدد جيد من المواقع المستكشفة في تلال اليهودية وشفيلة والنقب الشمالي. وتدل هذه الأدلة على قصة النمو التدريجي والتطور ليهوذا بدءً من أواخر القرن العاشر ق.م. وعند هذه النقطة قد يتساءل المرء، كيف يمكن أن يصل الآثاريون إلى مثل هذه الاستنتاجات المتناقضة؟
أعتقد أن الإجابة تكمن، جزئياً، في التحقيبات الآثارية المختلفة المستخدمة، وكذلك في التأويلات المختلفة للغاية لذات البيانات الأثرية. وينبغي، من أجل فهم دقيق لعلم الآثار في يهوذا، استخدام الكرونولوجيا التقليدية المعدلة التي اقترحتها (انظر الفصل الرابع)، وفقاً لاستمرار فترة العصر الحديدي الثاني A من حوالى 980 إلى حوالى 830 ق.م. وفهم الظروف الخاصة للاستمرارية الثقافية في يهوذا لتلك الفترة الزمنية.
لم تعاني يهوذا، بعكس شقيقتها الشمالية، من أي هجمات عسكرية شديدة حتى غزو سنحاريب سنة 701 ق.م، ولم تتأثر أورشليم بشكل ملحوظ حتى بذلك الغزو.
ويشير عدم وجود طبقات الدمار ومتانة المباني الحجرية الضخمة في مرتفعات يهوذا وشفيلة إلى أن المباني الحجرية ذاتها استخدمت لفترة طويلة من الزمن. وهناك أيضاً أقدمية معتبرة في إنتاج الفخار في يهوذا: لم تحدث تغيرات مفاجئة وشريعة، بل كانت متدرجة وتغطي فترة طويلة من الزمن. ولعل أقديمة الثقافة المادية هذه في يهوذا أعمت عيون الآثاريين الذين يرغبون في تحديد مفصل لتطور الثقافة المادية ليهوذا في القرن التاسع كمقابل لتلك الثقافة الموجودة في القرون السابقة أو في وقت لاحق. ويبدو أن المدن والبلدات التي تأسست في أواخر القرن العاشر ق.م أو القرن التاسع ق.م استمرت في الوجود، مع تغيرات طفيفة، حتى أواخر القرن الثامن ق.م. عندما دمر سنحاريب العديد منها. ويمكن البرهنة على ذلك في أورشليم وبيت شيمش ولخيش وتل بيت مرسم، وغيرها من المواقع حيث تنسب سويات توطن قليلة في هذين القرنين.
استمر استخدام المباني الحجرية الضخمة في أورشليم لفترة طويلة. وربما كان البناء الضخم الذي كشفته إيلات مزار، في الآونة الأخيرة في مدينة داود، قلعة ملكية وبقي كمبنى حجري مدرج ضخم استمر في الاستخدام خلال تلك الفترة، ومر بتغيرات وإضافة جدران جديدة، إلى جانب مواقع السكن التي شيدت فوق الجزء السفلي للدعامات الحجرية المدرجة، وعثر على سويات العصر الحديدي الثاني A (من القرن العاشر إلى القرن التاسع ق.م) في جميع مواقع مدينة داود، ويمكن أن تنسب إلى كل من القرنين العاشر والتاسع ق.م (أو إلى أي منهما). وكشفت أحدث الاكتشافات في مدينة داود (من قبل رايخ وشوكرون) عن أنقاض وحطام قديم تمتلئ به البرك المحفورة في الصخر جنوب نبع جيحون. واحتوت هذه البرك على عدد كبير من عظام الأسماك بالإضافة إلى فخار يعود للقرن التاسع ق.م، فضلاً عن أكثر من 130 ختم دمغة على سدادة فخارية (لإغلاق الحاويات وأوراق البردي). لا تحتفظ هذه الدمغات بأي نقوش ربما لأنها صنعت في فترة ما سبقت اختراع الأختام المنقوشة التي تحمل اسم المالك، وهو ما أصبح شائعاً في يهوذا وإسرءيل منذ القرن الثامن ق.م فقط. وتمتاز العديد من الأشكال الزخرفية على الموجودة على أختام أورشليم بأسلوب فينيقي مما يشير إلى التأثير الفينيقي على يهوذا خلال القرن التاسع ق.م. كما عثر على أختام مماثلة وأختام في مواقع أخرى في إسرءيل، مثل تل رحوف، في سويات القرنين العاشر والتاسع ق.م. مما يشير إلى وجود إدارة مركزية وتجارة منظمة، ينبغي أن نتوقع أنها تعود إلى دولة ناشئة.
وتشير الدلائل، خارج أورشليم، من مواقع مختلفة في يهوذا إلى وجود دولة في القرن التاسع ق.م. فقلعة عراد في النقب الشمالي، على سبيل المثال، شيدت في السوية XI على قمة أنقاض قرية تعود للسوية XII والتي ترتكز -كما رأينا في الفصل الرابع- على الحقبة السليمانية، أي القرن العاشر ق.م، ومن ثم فهذه القلعة المبكرة يمكن أن تؤرخ للقرن التاسع، ويليها ثلاث سويات من عمليات إعادة البناء والتغيير، بلغت أوج التدمير العنيف في السوية VIII، التي يجب أن تؤرخ، بحسب اتفاق الجميع، بحوالي 700 ق.م. وبالتالي يوفر موقع عراد نقطة انطلاق ملائمة لدراسة كرونولوجيا الفخار اليهوذي. ويدل التطابق التام تقريباً لفخار السويات X-VIII على أقدمية إنتاج الفخار في يهوذا. واستناداً لتأريخ عراد وبمقارنة مجاميعها الفخارية بمجاميع من مواقع أخرى، يمكننا الاستنتاج بتأسيس السوية V في لخيش خلال القرن العاشر ق.م لتستمر في النمو أثناء القرن التاسع ق.م (السوية IV) (وذلك على النقيض من استنتاجات أوسشكين الذي ذكره في تقريره، ولكن بما يتفق مع وجهة نظره السابقة بشأن هذه المسألة).
أصبحت لخيش في هذا الوقت المدينة الثانية من حيث الأهمية بعد أورشليم، وتضمنت في وسطها على قلعة ملكية أو قصر وتحصينات أخرى تتكون من جدارين للمدينة وكان يتم الدخول للمدينة عبر بوابة ذات ست حجرات محصنة جيداً. كما شملت السنوات الأولى من البحوث الآثارية على أعمال حفر غير معروفة بما فيه الكفاية في مواقع أخرى في يهوذا، وتظهر تلك المواقع أن تلك الأعمال حفرت حديثاً وعلى نطاق ضيق، وبالتالي تحتاج اللقى إلى مزيد من التحليل الكامل وذلك لعدم كفاية الأدلة القائمة رغم إشارتها إلى امتلاك نمط التحضر( بما في ذلك العمارة العامة) والتحصينات، ونظم إمدادات المياه لخصائص معروفة في المدن اليهوذية في القرن التاسع ق.م، مثل بيت شيمش، وتل بيت مرسم وبئر السبع، ويدعم هذا وجود دولة في يهوذا في ذلك القرن. وينبغي أن نأخذ في الحسبان أحد المزاعم التي نادى بها دعاة النزعة التنقيحية ضد وجود دولة يهوذية والمتمثل في عدد المستوطنات والسكان في يهوذا خلال القرنين العاشر والتاسع ق.م. وتستند وجهات نظرهم، عموماً، على تأويلات المسوحات السطحية في المناطق التي عاشت حالات توطن مستمر لمعظم فترة العصر الحديدي. غير أن هذه التأويلات تعاني من العديد من المشاكل المنهجية، نظراً لصعوبة العثور على ما يكفي من الأدلة من مراحل التوطنات أثناء عمليات المسح السطحي للمواقع التي تمت توطنها بصورة مستمرة خلال عدة قرون، إذ يتطلب الأمر القيام بعمليات حفر ممنهجة.
وهناك، في الواقع، ثمة تقويمات بديلة مختلفة لعدد المواقع والتقديرات السكانية ليهوذا في القرن التاسع ق.م. وتشير دراسة رئيسية عن مرتفعات يهوذا قام بها آفي عوفر إلى نمو بطيء وتدريجي للسكان خلال الفترة الممتدة من القرن الحادي عشر ق.م إلى القرن الثامن ق.م. وكشفت أعمال الحفر العرضية في مواقع يهوذية أخرى، على سبيل المثال الموقع الكبير في موزا غرب القدس، عن وجود توطن مستمر منذ القرن العاشر أو التاسع ق.م. وحتى فترة التدمير البابلي في أوائل القرن السادس ق.م، وربما يكون هذا حال غيره من المواقع التي لم تنقب بعد أيضاً. بكلام آخر، سوف ينفي تحليل شامل للقى الادعاء بأن يهوذا لم تظهر كدولة حتى أواخر القرن الثامن ق.م، فالأدلة لا تبرر وجود دولة مميزة بما يكفي ليتم ذكرها في نقش حزائيل المكتشف في تل دان، على الرغم من أن يهوذا ليست دولة غنية، مثل نظيرتها الشمالية، وليست ذات كثافة سكانية عالية وتوسع عمراني كبير، ولذلك، لا ينبغي إهمال الإشارات الكتابية التي تصورها كدولة من القرن التاسع ق.م، باعتبارها إشارات غير موثوق بها. لا تبرر وجود دولة مميزة بما يكفي ليتم ذكرها في نقش حزائيل المكتشف في تل دان.
وضعية يهوذا خلال القرنين الثامن والسابع ق.م
وقفت يهوذا وحدها كدولة مستقلة في المنطقة، في أعقاب الغزو الآشوري لإسرءيل الشمالية في العام 722 ق.م، واستسلام الدويلات الفلستية لاحقاً. وأدى تمرّد حزقيا الفاشل ضد سنحاريب إلى القضاء على الدولة بأكملها تقريباً. وأصبحت أجزاء كبيرة منها أرضاً قفر بسبب الغزو الآشوري في العام 701 ق.م، ولكن أورشليم نجت من هذا الغزو. وسرعان ما تعافت يهوذا، بعد فترة وجيزة من الغزو، خلال السنوات الأخيرة من حكم حزقيا وابنه منسّى في القرن السابع ق.م ودخلت عصرها الذهبي حيث تمتعت بازدهار مطّرد خلال النصف الأول من القرن السابع، أي في الفترة التي سيطرت فيها آشور على معظم الشرق الأدنى القديم. وبرغم بقاء يهوذا مستقلة في حينه، فقد كانت تابعة لأشور. واستمر ازدهارها لفترة طويلة بعد تراجع سيطرة آشور على المنطقة حوالي العام 630 ق.م، في عهد الملك يوشيا.
توقف ازدهار يهوذا مع تمدد الإمبراطورية البابلية بقيادة نبوخذ نصر، الذي بلغ ذروته بتدمير أورشليم ويهوذا في العام 586 ق.م. (12 لِذلِكَ هكَذَا قَالَ الرَّبُّ إِلهُ إِسْرَائِيلَ: هأَنَذَا جَالِبٌ شَرًّا عَلَى أُورُشَلِيمَ وَيَهُوذَا حَتَّى أَنَّ كُلَّ مَنْ يَسْمَعُ بِهِ تَطِنُّ أُذُنَاهُ). (سفر الملوك الثاني 21, وكذلك سفر إرميا 52 ) “3 لأَنَّهُ لأَجْلِ غَضَبِ الرَّبِّ عَلَى أُورُشَلِيمَ وَيَهُوذَا حَتَى طَرَحَهُمْ مِنْ أَمَامِ وَجْهِهِ، كَانَ أَنَّ صِدْقِيَّا تَمَرَّدَ عَلَى مَلِكِ بَابِلَ”. وكانت أورشليم ويهوذا قد نمتا خلال القرن الثامن بصورة كبيرة وزادت المدينة في المساحة العمرانية وفي عدد السكان، وبلغ حجمها مع حلول نهاية القرن الثامن ق.م حوالي 70 هكتارا. أضف الى هذا نطاق الأحياء السكنية خارج أسوار المدينة والمقدرة بحوالي 10 -20 هكتار، وأصبحت أورشليم، في هذا الوقت، واحدة من أكبر المدن في المشرق كله. لقد كانت المدينة الكبرى الوحيدة في المنطقة التي لم يفتحها الآشوريين، وبعدد سكان يقدر بحوالي 10-12 ألف شخص، فقد كانت تضاهي جميع السكان في بقية يهوذا. فلم تكن تزيد مساحة معظم المدن والبلدات الأخرى في يهوذا عن ثلاثة هكتارات، باستثناء لخيش التي كانت تصل مساحتها إلى نحو ثمانية هكتارات. وكان هذا التباين، في الحجم وعدد السكان بين أورشليم وبقية يهوذا، يعني أن أورشليم كانت مدينة-دولة فعلية يتركز فيها غالبية سكان الدولة (كما هو الحال في بعض المجتمعات الحضرية الحديثة). و توضح لغة الكتاب المقدس بتكرارها لعبارة “أورشليم ويهوذا” هذا الوضع الخاص للمدينة عن بقية مدن يهوذا، وكان توسعها يمتد باتجاه التلة الغربية، أي سلسلة التلال إلى الغرب من وادي تيربويون [الواد] حيث يوجد اليوم الأحياء الأرمنية والمسيحية واليهودية في المدينة القديمة.
ولكن متى حدث هذا التوسع؟
أشار ميغان بروشي في العام 1972، وتبعه آخرون (لاسيما إسرائيل فنكلشتين)، إلى السبب في نمو أورشليم إنما يعود إلى وصول الكثير من لاجئي المملكة الشمالية بعد سقوطها في العام 722 ق.م، أي في عهد حزقيا. ولكن من المشكوك فيه أن يكون هذا هو التفسير الوحيد أو حتى الرئيسي لمثل هذا النمو والتوسع. لقد كانت التلة الغربية في طور التوطن بالفعل قبل القرن الثامن، نظراً لأن الجدار الضخم للمدينة -الذي ينسب لحزقيا- والذي تم بناؤه هناك طمس المباني السابقة له. ومن المرجح أن بناء هذا الجدار تم على يد حزقيا وقبل العام 722 ق.م، بيد أننا نفتقر، في الحقيقة، إلى أية إمكانية لتأريخ هذه المباني المبكرة على نحو أكثر دقة. ومن المعقول الافتراض أن عدداً معيناً من اللاجئين الإسرءيليين استقروا في أورشليم بعد العام 722 ق.م، ولكن ليس لدينا أية وسيلة لتقدير أعدادهم. ويبقى الافتراض أنهم كانوا قوة كبرى في تطوير أورشليم في أواخر القرن الثامن ق.م في حدود التخمين ليس إلا. وفي موقع [كيبوتز] رامات راحيل (بيت هاكيريم الكتابية؟)، المبني على سلسلة من التلال المطلة على أورشليم إلى الجنوب منها، ينتصب حصن عسكري يعود لأيام حزقيا، كما يتضح من وجود عدد كبير من الأختام الملكية التي عثر عليها هناك. وشيد قصر، خلال القرن السابع، في هذا الموقع يطل على أورشليم وبيت لحم يشبه في مخططه وزخرفته المعمارية (وإن على نطاق أضيق) الزخرفة الموجودة في قصر السامرة الذي دمر قبل عدة عقود. ويبدو أن واحداً من ملوك يهوذا (ربما منسّى؟) حاول إعادة البريق للسامرة من خلال بناء هذا القصر.
شيدت المزارع خارج أورشليم، وكذلك في تلال اليهودية حول أورشليم، وفي النقب الشمالي وفي صحراء اليهودية، والتي لم تستوطن قبل القرن السابع ق.م. وكانت يهوذا قد فقدت من جهة الغرب في شفيلة إقليماً هاماً نتيجة لعمليات عقابية آشورية تلت حرب العام 701 ق.م. وربما عرفت هذه الأراضي زراعة الزيتون، التي وفرت مادة صناعة الزيت اليهوذي الهامة خلال القرن الثامن ق.م. ويبدو أن السيطرة على بساتين الزيتون اليهوذية تم نقلها من قبل الآشوريين إلى عقرون الفلستية، التي ازدهرت خلال القرن السابع ق.م، وورثت دور يهوذا كمنتج رئيسي لزيت الزيتون. وربما وجدت يهوذا بعض التعويضات الاقتصادية من خلال تطوير التجارة مع الجنوب والشرق. ويستدل على هذا النشاط من خلال بناء القلاع والمحطات على طول الطرق المؤدية إلى النقب والبحر الأحمر وأدوم وعلى طول البحر الميت، والتي تتعلق ربما بتجارة البخور الناشئة التي تعود بأصلها إلى اليمن وجنوب الجزيرة العربية، ولعبت قلاع حاصيفا (في منتصف وادي عربة) وقادش برنيع (على الحدود بين النقب وشبه جزيرة سيناء) على الأرجح دوراً مهماً في هذه التجارة، لأنها تسيطر على الطرق الرئيسية المؤدية إلى طريقين رئيسين نحو البحر الأحمر. ويبدو أن استخدام الجمال لعبور الطرق الصحراوية أصبح شائعاً خلال هذه الفترة وسهل مثل هذا النوع من تجارة المسافات الطويلة. وثمة مكانين فريدين للعبادة، يقع الأول بالقرب من مدخل قلعة حاصيفا والآخر في هورفات قتيميت [خربة قتيميت] (في النقب الشمالي جنوب غرب عراد) وتقع على الطريق الشرقي، حيث عثر هناك على مجاميع غنية لرموز ومواضيع عبادة طينية غير عادية، بما في ذلك وجه بشري مصبوب على مناصب فخارية، ومناصب أخرى يمكن أن تستخدم لحرق البخور، وتصاوير فنية أخرى من الصلصال بأشكال مختلفة. وتبدو أماكن العبادة المدهشة هذه والأعمال الفنية غريبة على يهوذا، وربما تكون بنيت واستخدمت من قبل الأدوميين، ويدل هذا، بالتالي، على الاختراق الأولي للأدوميين باتجاه وادي عربة والنقب الشمالي وانخراطهم في التجارة. وبنيت أماكن العبادة هذه على الأرجح من قبل سكان محليين آخرين، وربما من أصول بدوية، انخرطوا في تجارة بعيدة المدى. وانتشرت الكتابة خلال القرنين الثامن والسابع ق.م، كما يتضح من النقوش المختلفة. ويعد نقش سلوان في القدس ومراثي الدفن في قرية سلوان، وأجزاء قليلة من النقوش التي عثر عليها في القدس دليل على وجود شكل كتابة نقشي (حجري) في عاصمة يهوذا. وتشتمل نقوش أخرى على نصوص أدبية وصلوات مكتوبة على جدران جصية (في كونتيلة عجرود وتل ديرعلا، وكلاهما يقعان خارج يهوذا)، وابتهالات محفورة على تمائم الفضة، ونقوش قصيرة محفورة على أوانٍ فخارية وكهوف صخرية، ومجموعة من الرسائل المكتوبة بالحبر على شظايا قدور فخارية، من لخيش وعراد، ومواقع عديدة أخرى، وأختام منقوشة على الحجر ودمغات على سدادات كانت تختم فيها وثائق البردي غير المحفوظة، وحتى أجزاء صغيرة من أوراق البردي حفظت في صحراء يهوذا الجافة. وهذا ليس سوى غيض من فيض أو قمة جبل الجليد كما يقال، حيث أن معظم المواد المكتوبة تم تدوينها على مواد قابلة للتلف، مثل الرق والبردي. هذه المواد الغنية كتابياً توفر كمية لا تصدق من المعلومات عن كثير من جوانب الحياة اليهوذية، وهي ليست سوى وجه واحد من وجوه النشاط الفكري القوي غير المعتاد في يهوذا، لاسيما في أورشليم في أواخر القرن الثامن ق.م. والتي استمرت حتى نهاية النظام الملكي اليهوذي. فهي الفترة التي تمت فيها كتابة أجزاء كبيرة من النصوص الكتابية، وتمفصل اللاهوت التوحيدي اليهوذي وتوطيد القوانين الدينية بين جماعات النخبة للكهنة والقادة الروحيين تركزت حول المعبد في أورشليم، كما يدل على ذلك الكثير من النصوص النبوية ونصوص تدوين التاريخ في الكتاب العبري.
الأحداث قصيرة المدى والعمليات طويلة المدى في إسرائيل ويهوذا
يوحي البحث الآثاري بنوعين رئيسين من أدلة استقصاء الماضي، وهما الأدلة التي لها صلة بالأحداث في المدى القصير، والأدلة التي تلقي الضوء على التطورات على المدى الطويل داخل المجتمعات البشرية. ويمكن، في كثير من الأحيان، أن يكون النمط الأول من الأدلة، فيما يتعلق بعلم الآثار الكتابي، ذو صلة مباشرة بتاريخ السرد الكتابي وغير الكتابي مثل عمليات البناء الملكي المعروفة من الكتاب، والأحداث العسكرية المعروفة من النصوص الكتابية وغير الكتابية على سبيل المثال. وتعد التهديدات العسكرية، والهجمات على الممالك الإسرءيلية واستجابة تلك الممالك إلى هذه التهديدات مثال واحد من الأحداث على المدى القصير. وسوف يكون تطور الديانة الإسرءيلية مثالاً على العمليات بعيدة المدى. والأدلة الأثرية التي تتعلق بهذه العمليات التي سوف تمكننا من إعادة بناء التغيرات عبر الزمن في كثير من جوانب الحياة، مثل النظم الاجتماعية والسياسية والخصائص التاريخية والجغرافية مثل الطرق والحدود الإدارية، اقتصاد الكفاف والضرورة والفن، والحرف، وأساليب العيش والحياة والدين والإيمان، والإيديولوجيا. وتقف كل من الأحداث قصيرة الأجل والعمليات طويلة الأجل كبؤرة في البحوث الأثرية المتعلقة بالملكية الإسرائيلية ويمكن أن تكون وثيقة الصلة بالنصوص الكتابية.
الأحداث قصيرة الأجل: علم آثار الحرب
يمكن لعلم الآثار، وبقدر كبير اليقينية، الكشف عن بعض الأحداث الكبرى ذات الطابع العسكري المذكورة في الكتاب بخصوص الملكية المنقسمة. والمثال على هذا من القرن التاسع ق.م يتمثل في هجمات حزائيل، ملك دمشق حوالي830 ق.م. ويمكن عقد صلة لهذا الهجوم من مواقع شمالية حيث يمكن لطبقة الدمار الشديدة، التي وضعت حداً لازدهار مدينة رحوف في وادي بيسان وللتحويطة الملكية في يزرعيل، صلة ما بهذا الحدث. كما أن الحريق الهائل الذي وضع حداً لعظمة المدينة الفلستية جت (تل الصافي) في شفيلة يناسب ذكر غزو جت من قبل حزائيل (سفر الملوك الثاني12: “18فَأَخَذَ يَهُوآشُ مَلِكُ يَهُوذَا جَمِيعَ الأَقْدَاسِ الَّتِي قَدَّسَهَا يَهُوشَافَاطُ وَيَهُورَامُ وَأَخَزْيَا آبَاؤُهُ مُلُوكُ يَهُوذَا، وَأَقْدَاسَهُ وَكُلَّ الذَّهَبِ الْمَوْجُودِ فِي خَزَائِنِ بَيْتِ الرَّبِّ وَبَيْتِ الْمَلِكِ، وَأَرْسَلَهَا إِلَى حَزَائِيلَ مَلِكِ أَرَامَ فَصَعِدَ عَنْ أُورُشَلِيمَ”. ومن ثم تختفي المدن من الإشارة الكتابية المتأخرة. ويذكر نقش تل دان معركة ضد يهورام بن آخاب ملك إسرءيل وآخازيا ملك يهوذا (على النحو المذكور بعبارة بيت دود، وإن كانت أسماء الملوك غير محفوظة بشكل جيد وتم إعادة طريقة بناءها بشكل كبير). في هذه الحالة، وكذلك من نقش شلمنصر الثالث الذي يصف آخاب في معركة قرقر، تستكمل النقوش غير الكتابية معلومات تاريخية جديدة غير معروفة في المرويات الكتابية، أو تختلف عما ورد في هذه المرويات كما تضيف هذه النقوش أيضاً صلاحية الإطار التاريخي العام للقرن التاسع كما هو معروف لنا من النص الكتابي، على الرغم من أن إشارات في هذه النقوش قد تكشف عن عدم اكتمال السرد الكتابي، ويعاني بعضها من تشوهات حدثت في عملية انتقاله. وتم الكشف عن الاستجابات المحلية للتهديدات الآشورية عن طريق البحث الأثري.
بنى الإسرءيليون، وجيرانهم، ابتداءً من منتصف القرن التاسع ق.م، أنظمة تحصين ضخمة كانت مشابه أيضاً، لما هو موجود في شمال سوريا المعاصرة، وهي تشتمل على جدران ضخمة للمدينة مزودة بأبراج بارزة، في كثير من الأحيان مع جدار ثانٍ على منحدر التل. كما أضيفت الخنادق المائية والمنحدرات الأرضية أو الحجرية في بعض الحالات. وكانت بوابات المدينة ضخمة وتحتوي على أربع أو ست غرف حراسة. منعت الدفاعات الخارجية الاقتراب المباشر لمبنى البوابة. وكان يقصد من هذه التحصينات مقاومة المجانيق وآلات حصار الجيش الأشوري الأخرى.
أظهرت الحفريات العديدة عن وجود نظام فريد ومتطور لشبكات المياه في المدن الإسرءيلية لتوفير المياه للمدن في زمن الحصار. ومثل هذه الأنظمة غير معروفة خارج إسرءيل وبعكس تنوعها في المدن الإسرءيلية درجة من البراعة والمهارة والهندسة، وقدرة المجتمع وقادته لتنفيذ الأشغال العامة الكبرى. لعل أشهرها هو نفق حزقيا في القدس بطول يصل إلى512 متراً في الصخر كانت الغاية منه جر المياه من نبع جيحون إلى داخل المدينة. كما عثر على أنظمة أخرى أدت إلى الوصول لمناسيب المياه الجوفية تحت المدينة (مثل “بركة” جبعون ونظام شبكة المياه في حاصور) أو إلى ينبوع أو غيره من مصادر المياه (في مجدو، بئر السبع، ونفق جبعون).
وتعتبر المجمعات الضخمة المستقرة في مجدو، بهدف حفظ خيول العربات العسكرية، مثال آخر على الجهود الملكية للدولة للحفاظ على القوة العسكرية. على الرغم من أن بعض العلماء لا يوافق على مطابقة هذه المباني كإسطبلات، علماً أن عدة أبحاث أخرى أظهرت أن هذه المطابقة هي الأكثر إقناعاً، القدرة الاستيعابية لهذه الاسطبلات تصل إلى نحو 450 حصاناً، وتشغل نحو 40% من المساحة الداخلية للمدينة المحصنة مجدّو. وهذا يؤكد المستوى العالي من التنظيم العسكري والأولوية التي توليها المملكة للحفاظ على قوتها العسكرية. تم تأريخ هذه الإسطبلات من قبل معظم العلماء إلى وقت آخاب في القرن التاسع ق.م، وهو الملك نفسه الذي لعبت عرباته دوراً هاماً في معركة قرقر المذكورة أعلاه. وأما إسناد هذه الإسطبلات ليربعام الثاني من القرن الثامن ق.م، كما اقترح فنكلشتين فيعد أقل احتمالاً، وإن يكن ممكناً. وتقدم الهجمات العسكرية الآشورية، في الثلث الأخير من القرن الثامن ق.م، أمثلة وافرة عن العلاقات المتبادلة بين النصوص الكتابية والمصادر الآشورية المكتوبة وعلم الآثار.
استطاع الأشوريون من خلال استخدام قوة هائلة ومنظمة جيداً عسكرية متطورة مجهزة بمجانيق القذف، غزو، وضم وإلحاق، وحكم أجزاء كبيرة من الشرق الأدنى القديم. وقام تغلاتبلصر الثالث، في العام 732 ق.م بغزو الجليل، وسقطت السامرة في العام 722 ق.م لتنتهي بذلك مملكة إسرءيل الشمالية. تم ذبح سكانها، أو ترحيلهم، أو فروا إلى يهوذا. وبعد سنوات قليلة، وتحديداً في العام 701 ق.م استسلمت المدن الفلستية أسدود وعسقلان وغزة وعقرون لآشور. وبدأ حزقيا ملك يهوذا، تمرداً ضد آشور بمساعدة من مصر “القصبة المكسورة” كما يشير إليها إشعيا بالرمز (21فَالآنَ هُوَذَا قَدِ اتَّكَلْتَ عَلَى عُكَّازِ هذِهِ الْقَصَبَةِ الْمَرْضُوضَةِ، عَلَى مِصْرَ، الَّتِي إِذَا تَوَكَّأَ أَحَدٌ عَلَيْهَا، دَخَلَتْ فِي كَفِّهِ وَثَقَبَتْهَا! هكَذَا هُوَ فِرْعَوْنُ مَلِكُ مِصْرَ لِجَمِيعِ الْمُتَّكِلِينَ عَلَيْهِ. سفر الملوك الثاني 18). وتعرضت يهوذا لهجوم من قبل سنحاريب الذي احتل 46 مدينة وفقاً لنقوشه، بما في ذلك لخيش، المدينة الثانية من حيث الأهمية في المملكة. وتركت أورشليم وحدها دون احتلال. وتعتبر الطبقات الثقيلة المدمرة في العديد من مواقع القرن الثامن ق.م بسبب عمليات الغزو، دليلاً على النجاح الآشوري. ويؤكد علم الآثار على الاستيلاء على الجليل ووادي يزرعيل في العام 732 ق.م، على يد تغلات بلصر الثالث، في شكل طبقات الدمار في جميع المواقع الرئيسية التي تمت فيها عمليات التنقيب، بما في ذلك دان، حاصور، طبريا، وبيت شان، وتل رحوف، ومجدو، ويقنعام، ودور. وتؤكد مواقع مثل السامرة وترصة (تل الفارعة)، وكذلك في مواقع ثانوية مثل خربة المرجمة على الاحتلال النهائي للمملكة الشمالية في العام 722 ق.م. كما هجرت الكثير من هذه الأماكن عقب الغزو الآشوري تماشياً مع الصورة الكتابية والسجلات الآشورية عن المذابح والطرد الجماعي للسكان. لقد أتيحت لي فرصة الحفر في طبقتين من هذا الدمار في بيت شان، حيث تم الكشف عن وجود مسكن يعود للقرن الثامن ق.م احترق في العام 732 ق.م. كما عثر على العديد من الأواني الفخارية والقطع المنزلية في طبقة الدمار وتلى ذلك هجرة البلدة. وكشفنا في أعمالنا التنقيبية في تل رحوف الذي يبعد ثلاثة أميال الى الجنوب من بيسان، عن جدار من الطوب للمدينة بعرض تسعة أمتار يبدو أنه بني على عجل خلال القرن الثامن ق.م. ربما كان المقصود منه الوقوف في وجه ضربات المجانيق. واكتشفنا أيضاً أدلة على وقوع مذبحة بسبب العثور على هياكل عظمية بشرية ملقاة في طبقة ركام منزلين تعرضا للدمار. وشهدت هذه المواقع فترة توطن عشوائي قصيرة عقب الغزو الآشوري، تلا ذلك هجرة أو فجوة طويلة في التوطن كشفت في تل رحوف، وشملت القبور على فخار آشوري ربما تعود إلى الجنود أو المسؤولين الذين خدموا في الحصون الآشورية التي لم يتم الكشف عنها بعد، كتلك التي اكتشفت في حاصور و أماكن أخرى.
يمثل غزو سنحاريب ليهوذا في العام 701 ق.م. أحد أحداث العصر الحديدي الموثقة جيداً. ويمكن للنصوص الكتابية والنقوش الآشورية والجداريات الآشورية والأدلة الأثرية من يهوذا أن تتكامل في صورة واحدة شاملة. فقد شملت الاستعدادات للغزو الآشوري، في يهوذا، تحصين أورشليم وحفر نفق حزقيا في الصخر-وكلا الأمرين ذكرتهما السجلات الكتابية- وقام حزقيا، على الأرجح، بتشييد جدار عرضه سبعة أمتار وطوله نحو ثلاث كيلومترات للدفاع عن المدينة ضد مجانيق سنحاريب (عثر على أجزاء من الجدار في الحي اليهودي في المدينة القديمة). وقد تم إزالة مبانٍ سابقة أثناء بناء الجدار، الأمر الذي يستدعي كلمات إشعيا “10 وَعَدَدْتُمْ بُيُوتَ أُورُشَلِيمَ وَهَدَمْتُمُ الْبُيُوتَ لِتَحْصِينِ السُّور”. (سفر إشعيا 22). كما ذكرت مشاريع حزقيا المائية في عدة نصوص كتابية (سفر الملوك الثاني 20: “20 وَبَقِيَّةُ أُمُورِ حَزَقِيَّا وَكُلُّ جَبَرُوتِهِ، وَكَيْفَ عَمِلَ الْبِرْكَةَ وَالْقَنَاةَ وَأَدْخَلَ الْمَاءَ إِلَى الْمَدِينَةِ، أَمَا هِيَ مَكْتُوبَةٌ فِي سِفْرِ أَخْبَارِ الأَيَّامِ لِمُلُوكِ يَهُوذَا؟) و (إشعيا22: “10 وَعَدَدْتُمْ بُيُوتَ أُورُشَلِيمَ وَهَدَمْتُمُ الْبُيُوتَ لِتَحْصِينِ السُّورِ.11 وَصَنَعْتُمْ خَنْدَقًا بَيْنَ السُّورَيْنِ لِمِيَاهِ الْبِرْكَةِ الْعَتِيقَةِ. لكِنْ لَمْ تَنْظُرُوا إِلَى صَانِعِهِ، وَلَمْ تَرَوْا مُصَوِّرَهُ مِنْ قَدِيمٍ.) و(أخبار الأيام الثاني 32:” 30 وَحَزَقِيَّا هذَا سَدَّ مَخْرَجَ مِيَاهِ جَيْحُونَ الأَعْلَى، وَأَجْرَاهَا تَحْتَ الأَرْضِ، إِلَى الْجِهَةِ الْغَرْبِيَّةِ مِنْ مَدِينَةِ دَاوُدَ. وَأَفْلَحَ حَزَقِيَّا فِي كُلِّ عَمَلِهِ.). وفي الحقيقة، نحن نعرف جيداً نفق حزقيال حيث عثر على نقش سلوان قرب نهاية النفق وهو يصف، بلغة عبرية شعرية زاهية، تلك اللحظة التي التقت فيها، في منتصف الطريق من النفق، مجموعتين من العمال الذين كانوا ينحتون الصخر من جانبي مدينة داود. وحاول، في الآونة الأخيرة، اثنين من الباحثين التنقيحيين إرجاع تاريخ هذا النقش إلى الفترة الهلنستية، وهذا ما يعتبر مثالاً متطرفاً على الافتراضات العبثية في الدراسات التاريخية المتعلقة بإسرءيل القديمة. وكانت تحليل الكربون المشع التي أجريت مؤخراً على الجص الموجود في جدران النفق قد أرجعت عمره إلى القرن الثامن ق.م، وحقيقة أنه قد حفر من قبل مجموعتين من العمال الذين التقوا في نقطة المنتصف، تماما كما هي مذكورة في النقش، تم التثبت منها من خلال علامات حفر الأزاميل على جدران النفق، ويعد هذا النفق دليلاً على براعة غير عادية وقدرة هندسية لأورشليم القرن الثامن ق.م.
وثمة اكتشاف هام يمت بصلة إلى تنظيم يهوذا في خضم استعداها للثورة ضد سنحاريب وهو العثور على آلاف الجرار المتشابهة في الحجم (بسعة حوالي خمسة وأربعين لتراً)، والشكل، وتركيب الفخار، وما نسبته نحو عُشْر هذه الجرار تقريباً كان مختوماً بخاتم ملكي يحمل عبارة “ل م ل ك lmlk” [للملك] وواحد من أسماء أربعة أماكن (حبرون، زيف، سوكوه، ممشت). وفي حالات أقل، كان أحد مقابض الجرة مختوماً بخاتم موظف ذكر اسمه واسم أبيه. ويعرف منها اليوم حوالي ألفي ختم مدموغة بعبارة ” ل م ل ك” [ للملك]. وعثر عليها بصورة أساسية في “منطقة الحرب”، أي في مناطق أورشليم وشفيلة حيث دارت المعارك ضد الآشوريين في العام 701 ق.م.
استخدمت هذه الجرار، على الأرجح، لتخزين وشحن المواد الغذائية. وتدل على استعدادات شاملة للحرب من قبل حزقيا وضباطه. لقد خلف غزو سنحاريب وراءه سلسلة من المدن المدمرة. ومن بين هذه المدن تم التوثيق الجيد في المصادر الكتابية لغزو مدينة لخيش وفتحها، والمصادر الآشورية، والاكتشافات الأثرية في لخيش نفسها: “14وَأَرْسَلَ حَزَقِيَّا مَلِكُ يَهُوذَا إِلَى مَلِكِ أَشُّورَ إِلَى لَخِيشَ يَقُولُ: «قَدْ أَخْطَأْتُ. ارْجعْ عَنِّي، وَمَهْمَا جَعَلْتَ عَلَيَّ حَمَلْتُهُ». فَوَضَعَ مَلِكُ أَشُّورَ عَلَى حَزَقِيَّا مَلِكِ يَهُوذَا ثَلاَثَ مِئَةِ وَزْنَةٍ مِنَ الْفِضَّةِ وَثَلاَثِينَ وَزْنَةً مِنَ الذَّهَبِ. 15فَدَفَعَ حَزَقِيَّا جَمِيعَ الْفِضَّةِ الْمَوْجُودَةِ فِي بَيْتِ الرَّبِّ وَفِي خَزَائِنِ بَيْتِ الْمَلِكِ. 16فِي ذلِكَ الزَّمَانِ قَشَّرَ حَزَقِيَّا الذَّهَبَ عَنْ أَبْوَابِ هَيْكَلِ الرَّبِّ وَالدَّعَائِمِ الَّتِي كَانَ قَدْ غَشَّاهَا حَزَقِيَّا مَلِكُ يَهُوذَا، وَدَفَعَهُ لِمَلِكِ أَشُّورَ. 17وَأَرْسَلَ مَلِكُ أَشُّورَ تَرْتَانَ وَرَبْسَارِيسَ وَرَبْشَاقَى مِنْ لَخِيشَ إِلَى الْمَلِكِ حَزَقِيَّا بِجَيْشٍ عَظِيمٍ إِلَى أُورُشَلِيمَ، فَصَعِدُوا وَأَتَوْا إِلَى أُورُشَلِيمَ. وَلَمَّا صَعِدُوا جَاءُوا وَوَقَفُوا عِنْدَ قَنَاةِ الْبِرْكَةِ الْعُلْيَا الَّتِي فِي طَرِيقِ حَقْلِ الْقَصَّارِ”. (سفر الملوك الثاني18). وتشمل المصادر الآشورية نقوشاً تفصيلية ضخمة ونقوشاً جدارية عظيمة في أعمق غرفة في قصر سنحاريب في نينوى. وتصور النقوش جدران المدينة، ومتاريس الحصار، وتفاصيل مختلفة عن الجيش الآشوري، بالإضافة إلى اليهوذيين المهزومين الذين أعدموا أو الذين اقتيدوا للمنفى مع أسرهم. وكشفت عمليات التنقيب في لخيش فقط عن متاريس حصار آشورية لم تكن موجودة من قبل، بالإضافة إلى بقايا أسلحة وقطع تتعلق بالحرب. ويمكن حدس الجهد الذي بذله المدافعون عن المدينة من خلال بنائهم سوراً دفاعياً داخلياً مقابل المتاريس الآشورية. وكانت أورشليم المدينة الوحيدة في الشرق الأدنى القديم التي تم حفظها، فعلياً، بعيداً عن الغزو الآشوري، ويعزو الكتاب ذلك إلى معجزة إلهية: “35وَكَانَ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ أَنَّ مَلاَكَ الرَّبِّ خَرَجَ وَضَرَبَ مِنْ جَيْشِ أَشُّورَ مِئَةَ أَلْفٍ وَخَمْسَةً وَثَمَانِينَ أَلْفًا. وَلَمَّا بَكَّرُوا صَبَاحًا إِذَا هُمْ جَمِيعًا جُثَثٌ مَيْتَةٌ”. (سفر الملوك الثاني19).
وأنقذت المدينة، في الواقع، بفضل تحصيناتها الهائلة وربما بسبب الأحداث في آشور، التي أجبرت سنحاريب على التخلي عن حصاره قبل الأوان. وربما يشير الرسم الموجود في قصر سنحاريب عن حصار لخيش في الغرفة الأكثر أهمية في قصره في نينوى وحجمها الكبير، إلى الإحباط الذي شعر فيه الملك لعدم قدرته على قهر أورشليم. وقد نستطيع التخمين بأن عرض غزو لخيش في قلب القصر الآشوري كان شكلاً من أشكال التعويض عن فشل الآشوريين في أورشليم، ونوعاً من البروباغاندا المشوهة، نظراً لأن لخيش كانت بلدة صغيرة إذا ما قورنت مع غيرها من المدن التي غزاها الآشوريين في جميع أنحاء الشرق الأدنى القديم. وسيكون من المثير للاهتمام أن نتخيل ماذا كان ليحدث لو نجح سنحاريب في تدمير أورشليم.
وقد ألمح عالم الآشوريات الإسرائيلي حاييم تدمور إلى أن مصير يهوذا ربما يكون مشابهاً لما حصل للمملكة الشمالية قبل نحو عشرين عاماً، أي مجازر وترحيل سوف تؤدي إلى وضع حد ليهوذا كدولة مستقلة. ولنا أن نتخيل، في حدث كهذا، أن التطور الهائل والإنجازات الثقافية ليهوذا في القرن السابع ق.م وأوائل القرن السادس ق.م. لن تحدث. وفي مثل هذه الحالة، ربما ما كان الكتاب المقدس ليوجد قط، وربما لن تتطور اليهودية كما هي عليه الآن، ناهيك عن المسيحية والإسلام!
كانت الغزوات البابلية لفلستيا ويهوذا بين 605 و 586 ق.م. أكثر تدميراً من الغزوات الآشورية. وتم تحديد حرائق عنيفة في عسقلان، وعقرون، وتمنة (تل البطش)، وأورشليم, ولخيش، وبقية يهوذا. في أورشليم، ويحتوي أحد المنازل المحترقة في المنحدرات الشرقية لمدينة داود على مجموعة من حوالي 53 سدادة فخارية مختومة، كانت تدمغ بها وثائق بردي مطوية. وكما في أماكن أخرى في يهوذا، كانت تحتوي معظم نهايات الأسماء على اللاحقة “ياهو”، وأحدها هو شخص معروف في سفر إرميا، وهو “جمارياهو بن شافان”، الكاتب في بلاط يهوياقيم ملك يهوذا:”10 فَقَرَأَ بَارُوخُ فِي السِّفْرِ كَلاَمَ إِرْمِيَا فِي بَيْتِ الرَّبِّ فِي مِخْدَعِ جَمَرْيَا بْنِ شَافَانَ الْكَاتِبِ، فِي الدَّارِ الْعُلْيَا، فِي مَدْخَلِ بَابِ بَيْتِ الرَّبِّ الْجَدِيدِ، فِي آذَانِ كُلِّ الشَّعْبِ”. (سفر إرميا 36). وقرأ بَارُوخَ بْنَ نِيرِيَّا ،مساعد إرميا، في بيت الرب نبوءة إرميا عن أورشليم. كما عثر، مؤخراً، على سدادة فخارية أخرى باسم شخص معروف من سفر إرميا عثر عليها فوق أساسات مبنى كبير إلى الشمال الغربي من المبنى الحجري في مدينة داود في القدس، وهي تشير إلى يهوحال بن شلامياهو:”1 وَسَمِعَ شَفَطْيَا بْنُ مَتَّانَ، وَجَدَلْيَا بْنُ فَشْحُورَ، وَيُوخَلُ بْنُ شَلَمْيَا، وَفَشْحُورُ بْنُ مَلْكِيَّا، الْكَلاَمَ الَّذِي كَانَ إِرْمِيَا يُكَلِّمُ بِهِ كُلَّ الشَّعْبِ.. (سفر إرميا 38)، وهو أحد أربعة رجال من المسؤولين الذين اتهموا إرميا بارتكاب جرائم، مما أدى إلى سجنه في حوض مليء بالطين في أيام صدقيا قبل وقت قصير من سقوط أورشليم.
عثر على رسائل لخيش، وهي رقائق فخارية عددها 18 في بوابة المدينة، وتحكي قصة الأيام الأخيرة ليهوذا. ويسجل الكاتب في سطر واحد شهير “إننا نراقب [النار] الإشارات من لخيش.. لأننا لا نستطيع أن نرى عزيقة”. واعتبر هذا من قبل العديد من أهل الاختصاص على أنها رسالة كتبت أثناء الأيام الأخيرة قبل سقوط لخيش بيد البابليين، وتستدعي ما ورد في سفر إرميا34: “7 إِذْ كَانَ جَيْشُ مَلِكِ بَابِلَ يُحَارِبُ أُورُشَلِيمَ وَكُلَّ مُدُنِ يَهُوذَا الْبَاقِيَةِ: لَخِيشَ وَعَزِيقَةَ. لأَنَّ هَاتَيْنِ بَقِيَتَا فِي مُدُنِ يَهُوذَا مَدِينَتَيْنِ حَصِينَتَيْنِ”. ومن الجدير ذكره أن أورشليم، ومعظم يهوذا، تحولت إلى خرائب لعقود عدة في أعقاب الغزو البابلي. ويمكن التأكيد على استمرارية الحياة، خلال الفترة البابلية في أرض بنيامبن شمال أورشليم فقط، وهذا ما يتفق مع الأدلة الكتابية المتصلة بجدليا بن أحيقام وعدة إشارات في سفر إرميا تلمح إلى استمرارية سكان يهوذا في هذه المنطقة بالذات.
العمليات طويلة المدى: مسألة الدين الإسرءيلي
يشير المسح الظاهري السطحي إلى دقة إطار السرد الكتابي بخصوص الأحداث التاريخية قصيرة المدى إلى حد ما. ويمكن إما تأكيدها أو فحصها وتصحيحها في ضوء البيانات الأثرية. غير أن مثل هذه الأحداث القصيرة المدى وسجلاتها الأثرية ليست سوى جانباً واحداً من جوانب المشروع الآثاري. ويكرس جزء كبير من البحوث لإعادة بناء العمليات طويلة المدى المتعلقة بمختلف جوانب الحياة. وقد أصبحت، في السنوات الأخيرة، الجوانب الاجتماعية والاقتصادية لإسرءيل القديمة وجيرانها خلال العصر الحديدي الثاني من مواضيع الأبحاث الواسعة، مما أسفر عن دراسات عدة تحيل إلى تاريخ التوطن والزراعة والتقنية والتخطيط الحضري والعمران، وغيرها من جوانب الحياة. وتقوم العديد من الأطروحات التي نشرت مؤخراً والمتعلقة بذات المواضيع (مثل الدين، والبنية الاجتماعية، والحياة اليومية في إسرءيل القديمة) على البحوث الميدانية الواسعة، التي كشفت عن معطيات جديدة. ومن غير الممكن، في هذا السياق، حتى التطرق بإيجاز لمثل هذه القضايا. ولذا سوف أقصر نفسي على جانب واحد فقط، وبالتحديد، ديانات إسرءيل ويهوذا، وهو موضوع نوقش باستفاضة في دراسات عدة مؤخراً، من بينها الكتب الشاملة لكل من: زيوني زيفيت، وراينر ألبيرتز، ووليم ديفر.
كان لكل دولة إقليمية من دول العصر الحديدي إلهها الرئيسي الخاص بها: ملكون في عمون، كموش في مؤاب، قوس في أدوم، يهوه في إسرءيل ويهوذا. وعثر على أسماء خاصة منقوشة على أختام ودمغات وغيرها من الوثائق المكتوبة في يهوذا (معظمها يعود للقرن الثامن ق.م وما بعد) تتضمن في حالات عدة اللاحقة الدينية “ياهو”، بينما كانت “يو” هي اللاحقة الشائعة في إسرءيل الشمالية. ويعكس كلاهما لإيمان في إله إسرءيل، يهوه. الإله القومي للمملكتين على حد سواء. بيد أنه يمكننا أن نجد في المملكة الشمالية أسماء تنتهي بلواحق تشير إلى أسماء إلهية كنعانية مثل بعل، حيث التركة القديمة الكنعانية في إسرءيل كانت أقوى منها في يهوذا. وفي الواقع، اشتمل سكان المملكة الشمالية على العديد من السكان الأصليين الكنعانيين الذين سكنوا شمال الوديان الرئيسية. وبالإضافة إلى ذلك، كانت إسرءيل تقع تحت تأثير فينيقيا القوي. وعند تحليل المصادر الكتابية، بالإضافة إلى اللقى الأثرية، يتبين لنا أن مرور الديانة الإسرءيلية بمراحل عديدة من التطور. وقد عرفت عبادة يهوه إلى جانب قرينة له اسمها عشيرة من نقوش موقع كونتيلة عجرود، وهو حصن يعود للعام 800 ق.م يشبه بنية القلعة يقع في الجهة الشرقية من صحراء سيناء. ويقع، هذا الموقع غير العادي والنائي، على الطريق الرئيس بين غزة والبحر الأحمر، ويبدو أنه استخدم كمحطة، فضلاً عن كونه مركز نشاط ديني استخدم على ما يبدو من قبل أفراد ينتمون لإسرءيل ويهوذا بآن معاً، نظراً لأن الموقع يكشف عن بقايا فخارية تمثل كلا المملكتين، كما عثر فيه على نقوش بالحبر ورسومات جصيّة جدارية، وكذلك على العديد من جرار الفخار وحوض حجري، يحتوي صلوات وأدعية وابتهالات. ويظهر الجمع المماثل ليهوه وعشيرة في نقش عثر عليه في كهف خربة الكوم في شفيلة (مكيداه الكتابية؟) حيث يظهر نقشاً مكرساً ليهوه و”عشيرتـ ه” أو ربما يكون نقش صلاة. ويعكس مثل هذا الجمع، على الأرجح، لاهوتاً يختلف كثيراً عن الديانة التوحيدية الخالصة، كما هي محفوظة لنا في الكتاب العبري. وتبين هذه الأدلة على استمرارية قوية للديانة الكنعانية، حيث يتمثل فيها إيل كرئيس للبانثيون [الكنعاني] مع عشيرة رفيقته. وفي حين تم إدانة عبادة عشيرة من قبل أنبياء أورشليم، فهم يمثلون على الأرجح لاهوتاً جديداً بدأ في الظهور أواخر العهد الملكي بين النخبة الفكرية لأورشليم، في حين كان الدين الشعبي تقليدياً أكثر، ومحتفظاً وحافظاً للأفكار والمعتقدات الأصلية المتجذرة في الديانة الكنعانية.
وتحتوي القلعة المهيبة في عراد، في النقب الشمالي، التي تحمي الحدود الصحراوية والطرق المؤدية إلى أدوم منذ القرن التاسع ق.م على المعبد اليهوذي الوحيد الذي اكتشف حتى الآن وهو عبارة عن قاعة واسعة تحتوي على محراب، ينتصب بداخله حجرين [مصطبة] (masseboth)، أحدهما أكبر من الآخر، وأمامها مذبحين للبخور، ووجد في الباحة أمام القاعة مذبح تضحية. ربما يدل وجود الحجرين المنتصبين المتعلقين بمذبحي البخور على عبادة يهوه وزوجته عشيرة، كما هو الحال بالنسبة للنقوش المذكورة أعلاه. ويرى يوحنان أهاروني، أن معبد عراد يعود إلى الفترة الممتدة من القرن العاشر ق.م حتى القرن السابع ق.م، واقترح أنه تضرر خلال إصلاح حزقيا الديني وخرج من الاستخدام خلال الإصلاح الديني ليوشيا في أواخر القرن السابع ق.م، وكان يعتقد أن يكون هذا مثال ساطع على العمل الميداني الأثرية التي يوضح المقاطع الكتابية الشهيرة. ولكن للأسف، قادت التحاليل الحديثة جداً للسويات الأثرية في عراد والكرونولوجيا زئيف هيرتسوغ للشك في هذه العلاقات المتبادلة، واقترح هيرتسوغ، الآن، أن المعبد كان قائماً قبل زمن حزقيا وخرج من الاستعمال حتى قبل وقته. ولا بد من تقويم هذا الاستنتاج، الذي فكك الارتباطات الكتابية لآهاروني، في نهاية المطاف عند مقارنته بتقرير العملية الاستكشافية المفصل(الذي لم ينشر بعد).
يعد معبد تل دان المعبد الشعبي الوحيد الضخم تم استكشافه بعيداً إلى الشمال، والذي تم تعريفه من قبل أبراهام بيران، باسم معبد (بيت بموت byt bamot) تم نصبه من قبل يربعام الأول في نهاية القرن العاشر ق.م، كأحد مركزين دينيين كان القصد منهما منافسة معبد أورشليم: “28 فَاسْتَشَارَ الْمَلِكُ وَعَمِلَ عِجْلَيْ ذَهَبٍ، وَقَالَ لَهُمْ: «كَثِيرٌ عَلَيْكُمْ أَنْ تَصْعَدُوا إِلَى أُورُشَلِيمَ. هُوَذَا آلِهَتُكَ يَا إِسْرَائِيلُ الَّذِينَ أَصْعَدُوكَ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ».29 وَوَضَعَ وَاحِدًا فِي بَيْتِ إِيلَ، وَجَعَلَ الآخَرَ فِي دَانَ.30 وَكَانَ هذَا الأَمْرُ خَطِيَّةً. وَكَانَ الشَّعْبُ يَذْهَبُونَ إِلَى أَمَامِ أَحَدِهِمَا حَتَّى إِلَى دَانَ.31 وَبَنَى بَيْتَ الْمُرْتَفَعَاتِ، وَصَيَّرَ كَهَنَةً مِنْ أَطْرَافِ الشَّعْبِ لَمْ يَكُونُوا مِنْ بَنِي لاَوِي”. (سفر الملوك الأول 12)، وحتى لو كان هذا التأريخ الدقيق الأساسي لمعبد تل دان موضع شك وتساءل، فإن وجود هيكل رئيسي في دان خلال القرنين التاسع والثامن ق.م يعد أمراً لا يرقى إليه الشك. وملحق المعبد على هيئة منصة بنيت من حجارة تدعم المعبد، قد تكون احتوت على “العجل الذهبي” المذكور في سفر الملوك الأول 12: “29وَوَضَعَ وَاحِدًا فِي بَيْتِ إِيلَ، وَجَعَلَ الآخَرَ فِي دَانَ”. وعثر في الفناء الواسع مقابل واجهة المعبد على مذبح تضحية بأربعة قرون، وتعد هذه الأخيرة جزءا أساسياً من المذبح كما تذكره النصوص الكتابية. 
[بيت باموت בית במות: يتم تفسيرها تقليدياً بمعنى “مرتفعات بعل”، وينظر لها كمكان يقع شمالي أرنون كأحد الأماكن التي نزل فيها الإسرءيليون القدماء ونصبوا خيامهم فيه وإليه أخذ بالاق بلعام، ومن هذا التل يمكن رؤية سهول مؤاب كما يذكر سفر العدد في الإصحاح  21 19وَمِنْ مَتَّانَةَ إِلَى نَحْلِيئِيلَ، وَمِنْ نَحْلِيئِيلَ إِلَى بَامُوتَ، 20وَمِنْ بَامُوتَ إِلَى الْجِوَاءِ الَّتِي فِي صَحْرَاءِ مُوآبَ عِنْدَ رَأْسِ الْفِسْجَةِ الَّتِي تُشْرِفُ عَلَى وَجْهِ الْبَرِّيَّةِ.”؛ والإصحاح 22 “41وَفِي الصَّبَاحِ أَخَذَ بَالاَقُ بَلْعَامَ وَأَصْعَدَهُ إِلَى مُرْتَفَعَاتِ بَعْل، فَرَأَى مِنْ هُنَاكَ أَقْصَى الشَّعْبِ”. ويرى البعض أن بيت باموت وردت في نقش  موآب باسم “بيت باموت”، وكان يقع في حدود أراضي سبط رأوبين. كما يظهر يمعنى “مرتفعات بعل” في الإصحاح 13 من سفر يشوع: “17حَشْبُونَ وَجَمِيعَ مُدُنِهَا الَّتِي فِي السَّهْلِ، وَدِيبُونَ وَبَامُوتَ بَعْل وَبَيْتَ بَعْلِ مَعُونَ،”. وموقعه بين ديبون وبيت بعل ماعون، ويطابقه علم الآثار الكتابي مع موقع “خربة القويقية” على بعد 4 كيلومترات  تقريباً جنوبي جبل نبو.- المترجم]

استخدمت الغرف الفرعية في جانب غرفة المذبح لطقوس ووظائف عبادة أخرى. وعثر على مذابح مشابه بأربعة قرون مبنية من الحجارة المربعة “المداميك” في بئر السبع واستمر في نشاطه في وقت ما خلال القرنين التاسع والثامن ق.م. تم تفكيكه في وقت لاحق ربما خلال فترة حزقيا، واستخدمت حجارته كمواد بناء. ويشير هذا إلى شيوع هذه المذابح ذات الحجارة المربعة في إسرءيل ويهوذا في القرنين التاسع والثامن ق.م. ومن المثير للاهتمام في كلتا الحالتين تشييد المذابح من حجارة مقطوعة بصورة جيدة، خلافاً للشريعة الكتابية التي تشترط أن يبنى المذبح من حجارة مقطوعة. ويمكن مقارنة العجول الذهبية المشار إليها في الكتاب كموضوع عبادة رئيسي في دان وبيت إيل، بالملائكة في معبد أورشليم. وربما يرمزون بقاعدة التمثال لإله إسرءيل غير المرئي، على غرار التصوير الكنعاني والآرامي لإله العواصف الذي يقف على ثور.
وكما لوحظ في الجزء الثاني، يظهر الثور الشاب في موقع عبادة، “موقع الثور” في شمال السامرة ويعود للقرن الثاني عشر ق.م. ويظهر مذبح الفخار (المعروف باسم “نصب العبادة” الذي يعود للقرن العاشر ق.م) والذي عثر عليه في تعنّك المذكورة أعلاه ثور أو عجل تحت قرص الشمس المجنح في الجزء العلوي من تصوير أربعة مستويات. في الطبقة الدنيا هناك آلهة عارية، اقترح البعض أن المشهد يظهر مزج بين إله إسرءيل (الذي يرمز له بالعجل والقرص المجنح) والإلهة عشيرة.
عثر في مواقع متعددة على أدلة تدل على أماكن عبادة محلية وأماكن عبادة قرب بوابات المدينة أو في المناطق المفتوحة داخل المدينة، مثل دان، تل رحوف، مجدو والسامرة، ولخيش. وتم الكشف عن استخدام الحجارة المنتصبة [المصطبات] كما ترد في الكتاب في العديد من هذه الأماكن، على سبيل المثال في بوابات المدن في دان وبيت صيدا (المدينة الآرامية الكبيرة إلى الشمال من بحيرة طبريا [ربما تكون عشيروت]). كانت الحجارة المنصوبة مرفوضة، مثلها مثل عبادة الألهة عشيرة، من قبل الأنبياء باعتبارها رمزاً لعبادة (كنعانية) غريبة. ولكن وجودهم في هذه المواقع يشير إلى شيوع الحجارة المنتصبة في كل من إسرءيل ويهوذا. وعثر على العديد من التماثيل الطينية لنساء عاريات في إسرءيل تمت على الأرجح بصلة للعبادة الشعبية لعشيرة. كان الرسم في المملكة الشمالية، وكذلك في فلستيا، طبيعياً، مع التشديد على العناصر الجنسية والأسلوب الفني هو من صلب الفن الكنعاني وربما هو مستوحى من الفن الفينيقي المعاصر. وكانت التماثيل التي ظهرت في يهوذا خلال القرنين الثامن والسابع ق.م منمقة أكثر. وفي حين أن شكل الرأس بدى طبيعياً، فقد كان بقية الجسم يظهر على هيئة دعامة، ربما مثل جذع شجرة، التي ترمز لعشيرة وتظهر هذه التماثيل بيدين عادة ما تكون داعمة للثديين البارزين. كما وجدت المئات من شقف التماثيل في القدس تؤرخ للقرن الثامن ق.م حتى أوائل القرن السادس ق.م تشير إلى رواج عبادتها في المدينة، ناهيك عن أماكن أخرى في يهوذا في الوقت الذي كان فيه الأنبياء في أورشليم يعظون ضد عبادة عشيرة. وكانت تماثيل النساء العاريات أيضاً من مواضيع الزخرفة على المذابح الفخارية من القرن العاشر ق.م كتلك التي عثر عليها في تل رحوف (انظر الشكل 9) وبيلا. وتميزت هذه المذابح بوجود أربعة قرون في الغالب مثل المذابح الحجرية التي وجدت مواقع عدة واستخدمت لحرق البخور أو لتضحيات صغيرة، ينبغي أن ينظر لها على أنها جزء من الدين الشعبي في ذلك الوقت. وفي حالات قليلة كانت هذه المذابح مزخرفة بإتقان مثل المذبحين العائدين للقرن العاشر الذين تم العثور عليهما في تعنّك والتي تظهر الجذور الغنية لفن الأيقونة الكنعاني.

الشكل (9). مذبح ذو أربعة قرون من الطين من تل رشوف (القرن العاشر إلى القرن التاسع ق.م). الصورة من بعثة حفريات تل رحوف .

يكشف هذا الاستعراض الموجز عن تأسيس الدين الإسرءيلي خلال معظم فترة الحقبة الملكية على الأساطير الكنعانية، وعن المعتقدات، وطقوس العبادة، والآلهة الكبيرة التي عبدت بجانب الإله الذكوري الرئيسي، رغم أنه تركز على الإله القومي يهوه. وجرى تغيير كبير في أواخر القرن الثامن والقرن السابع ق.م في أورشليم وما حولها تمثل بمركزية العبادة في أورشليم. وتبين النقوش والقطع المتعلقة بطقوس العبادة أن التوحيد الإسرءيلي كان نتاج عملية طويلة وتدريجية. وتعتبر أورشليم في عهد يوشيا من قبل عديدين كمكان وزمن توطد فيه الدين اليهوذي وأصبح جوهر التطورات اللاحقة التي طرأت على اليهوذية التوحيدية كما نعرفها اليوم، وهو التطور الذي تبلور أكثر خلال فترة السبي وما بعد السبي.
ويمكن لعلم الآثار أن يعرض مقترحات فقط بخصوص ازدهار ديني ولاهوتي شديد، وأنشطة أدبية في القرن السابع ق.م. والنصوص الأدبية التي عثر عليها في الواقع في أعمال الحفريات والتي تؤرخ للقرن السابع ق.م هما نسختين من دعاءات البركة وأحد أكثر الصلوات اليهودية أهمية اليوم: “24يُبَارِكُكَ الرَّبُّ وَيَحْرُسُكَ. 25يُضِيءُ الرَّبُّ بِوَجْهِهِ عَلَيْكَ وَيَرْحَمُكَ”. (سفر العدد 6). وعثر غابريل براكي على قطعتين من رسائل مصغرة لتعويذات فضية صغيرة كانت من بين لقى غنية في مغارات دفن في وادي هنوم في القدس [وادي جهنم]، وهي تشير إلى أنها كانت معروفة جيداً في أورشليم قبيل نهاية الملكية. بالإضافة إلى ذلك، عثر على رسالة عبرية في الحصن الساحلي متسادا هاشفياهو [النبي روبين أو مينا روبين] تدل على معرفة مباشرة للقوانين الإجتماعية( التشريع) المذكورة في سفر التثنية: ” 12وَإِنْ كَانَ رَجُلاً فَقِيرًا فَلاَ تَنَمْ فِي رَهْنِهِ. 13رُدَّ إِلَيْهِ الرَّهْنَ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، لِكَيْ يَنَامَ فِي ثَوْبِهِ وَيُبَارِكَكَ، فَيَكُونَ لَكَ بِرٌّ لَدَى الرَّبِّ إِلهِكَ”. (سفر التثنية 24)، والتي تحظر أخذ آخر قطعة من ملابس الفقير، ولذلك فقوانين التوراة كانت معروفة جيداً ومستخدمة في الحياة العملية في القرن السابع.
خاتمة
قيدت نفسي في هذه الدراسة الوجيزة بمواضيع عدة قليلة، مع أن آثار العصر الحديدي الثاني لديها الكثير مما تقدمه حول المجتمع والحياة اليومية والاقتصاد والتقنية والعلاقات الدولية والفن والعديد من القضايا الأخرى، والتي تمت بصلة إلى مملكتي يهوذا وإسرءيل، فضلاً عن جيرانهم الفلستيين والفينيقيين والآراميين والعمونيين والمؤابيين والأدوميين. وبات الكثير معروف عن الحضور الآشوري والبابلي في البلاد. وتعدد المكتشفات المتعلقة بهذه الموضوعات خلال السنوات الأخيرة, وهي في بعض الأحيان باهرة، مثل النقش الملكي الذي يعود للقرن السابع ق.م والذي عثر عليه في معبد عقرون (تل مقني)، والذي يشير إلى خمسة أجيال من الملوك، بالإضافة إلى اسم كبير آلهة هذه المدينة الفلستية المتأخرة (ربما يمكن أن تقرأ Ptgyh).

عن محمود الصباغ

كاتب ومترجم من فلسطين

شاهد أيضاً

البحث عن إسرءيل: مناظرات حول علم الآثار وتاريخ إسرءيل الكتابية (6-2)

ترجمة: محمود الصباغ استهلال يوافق مزار، إلى حد ما، في ملاحظاته الختامية، على أن “القيم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *