البحث عن إسرءيل: مناظرات حول علم الآثار وتاريخ إسرءيل الكتابية (5-1)

ترجمة: محمود الصباغ
استهلال
يلخص فنكلشتين في هذا الفصل فترة زمنية طويلة نسبياً تمتد من أواخر القرن العاشر ق.م حتى القرن الثامن ق.م. وأكثر ما يركز عليه ظهور التراتبية التوطنية في المرتفعات الشمالية أولاً, ثم تأسيس دولة “بيت عُمْري”, أما في الجنوب فقد أدى زوال المملكة الشمالية إلى نمو مفاجئ ليهوذا، و هي الفترة التي تم النظر إليها تقليدياً باعتبارها الطور الأخير للحراك السياسي لسكان الهضاب الشمالية والجنوبية على حد سواء الذي انتهى بالدمار الكلي والنهائي للدولتين على يد الآشوريين أولاً (في الشمال)، ثم على يد البابليين (في الجنوب).
و إذن يمكننا إلى حد بعيد تحديد معظم مواقع العصر الحديدي الأول الـ 250 أو نحو ذلك في الهضاب الشمالية من خلال استمراريتها في العصر الحديدي الثاني. والاستثناء الوحيد هو المنطقة التي تقع مباشرة شمال القدس التي حددها فنكلشتين كواحدة من المناطق التي استهدفتها حملة الملك المصري شيشنق الأول ما بين منتصف إلى أواخر القرن العاشر ق.م.
‏وبالنسبة لفنكلشتين تتزامن المواقع المذكورة في قائمة حملة شيشنق مع المعطيات الأثرية التي تشير إلى الهجرة السكانية من هذه المواقع في هذه المنطقة, وهذا يعني أنها تشكل تهديداً لمصر، وفقاً للتقاليد الكتابية التي تصف المنطقة المحيطة بجبعون (يتساءل فنكلشتين بطريقة توحي بفرض الجواب مسبقاً: ما الذي يجعل ملك مصر يغزو منطقة بعيدة وضئيلة الأهمية لو لم تكن تشهد بداية نهوض كيان سياسي جديد؟ ) ويمكن فهم هذه المسألة بصورة أفضل عندما نضعها كخلفية تاريخية لتفسير مرويات العهد القديم “التوراة العبرية كما يحلو لفنكلشتين دعوتها” عن شكل دولة شاؤول: مشيخة من نوع ما، تتركز في جبعون. ويرى فنكلشتين أن كل القرائن التي تدعم وجهة نظره هذه تأتي من مصادر مختلفة، كتابية (سفر صموئيل الثاني 9 : 2 ) ومصادر غير كتابية ( قائمة شيشنق) وعلم الآثار، ومن ثم يقوم بتوظيفها كوسيلة لشرح أو تقديم خلفية لعدة نصوص كتابية أخرى متعلقة بشاؤول وعصره. و يستنتج تبعاً لذلك أن الحملة المصرية ساهمت في إسقاط، بل أسفرت فعلاً عن سقوط مفاجئ، لهذا الكيان السياسي الغض، أي المشيخة الشاؤولية، ولكن سرعان ما تم استبداله في أوائل القرن التاسع ق.م بقوة أخرى تأسست أبعد قليلا نحو الشمال في السامرة، أي السلالة العُمْرية. التي وصلت في عهدهم الهضاب الشمالية إلى مستوى دولة كاملة تؤكدها المعطيات الآثارية من السامرة ومجدّو ويزرعيل وحاصور، والتقاليد الكتابية “التاريخ التثنوي” والمصادر غير الكتابية “نقوش شلمنصر الثالث وميشع وحزائيل”. ويقترح فنكلشتين أن ظهور الدولة العُمْرية لا يعد تطورا فريداً، حيث يمكن العثور على موازيات مماثلة للجوانب العديدة لهذا الكيان السياسي في فترة سابقة، وتحديداً في القرن الرابع عشر ق.م والذي يعرف بعصر العمارنة. حيث ظهرت شكيم كقوة سياسية في المنطقة بزعامة لابايو Labayu. قد يكون الفارق بين كيان شكيم وكيان السامرة هو ارتباط ازدهار دولة السامرة بالضغوط الخارجية “الآشورية” والمحلية “آرام دمشق”، غير أن هذه العوامل كانت أيضاً أحد الأسباب التي أدت إلى زوالها في نهاية المطاف تحت وطأة الضغوط المتزايدة من آرام مع نهاية القرن التاسع ق.م. حيث فقدت السلالة العمرية سلطتها على منطقة واسعة، كما فعل الفلستيون من الجنوب الأبعد. وحيث أن العمريين والفلستيين يحكمون السيطرة على مناطق ابعد شمالاً، فإن هذه المنطلقة قادرة على النمو و التطور. ويقترح فنكلشتين بأن هذه الخلفية تفسر بشكل أفضل ظهور يهوذا كدولة في نهاية القرن التاسع ق.م. واستمرارها حتى القرن الثامن ق.م ، ثم ومع نهاية القرن الثامن، نمت أورشليم لتصبح أعظم مدينة في يهوذا، و بالقضاء على الملكة الشمالية، عاشت يهوذا طفرة في النمو، أولاً نتيجة اندماجها في الاقتصاد العالمي الآشوري، ومن ثم كثمرة لموجتين، على الأقل، من موجات اللاجئين الشماليين. وتشير المسوحات الأثرية إلى أن غالبيتهم أتوا من الأجزاء الجنوبية للمملكة الشمالية وهذا من شانه أن يفسر، وفقاً لفنكلشتين، اثنين من التطورات اللاحقة، الحاجة إلى وجود ملك يهوذي، مثل حزقيا، لتدعيم وتمركز المملكة الجنوبية على خلفية الظهور المفاجئ والكبير للسكان الشماليين في الجنوب، والحفاظ على التقاليد الجنوبية(في التاريخ التثنوي مثلاً)، ولكن هذه التطورات تستعرض أيضاً انقلاباً على التقاليد عبر ما يطلق عليه فنكلشتين الدفاع عن السلالة الداودية على يد مؤلفين جنوبيين. ويفي هذا الدفاع -من وجهة نظر فنكلشتين- في تعزيز ما يشير إليه بالإيديولوجية القومية الإسرءيلية المبكرة للملكة الجنوبية ومحاولة المصالحة وتوحيد الشمال والجنوب ضمن يهوذا , مع أولوية يهوذا, بطبيعة الحال (والزعم بحق يهوذا في الاستحواذ على ارض المملكة الشمالية ضمن كيان واحد وملك واحد وكتاب واحد ورب واحد ..والأهم “شعب” واحد).
…..
الفصل الخامس: البحث عن خلفية صلبة: إسرءيل ويهوذا في العصر الحديدي الثاني
القسم الأول: مملكتي إسرءيل ويهوذا/ إسرائيل فنكلشتين
أود التعامل، في هذا الفصل، بإيجاز مع أربع حلقات من تاريخ إسرءيل، وبرغم من تغطيتها فترات زمنية مختلفة -من القرن العاشر ق.م، إلى أواخر القرن الثامن ق.م-،وبرغم وقوعها في مناطق مختلفة من أراضي إسرءيل ويهوذا، إلا أنها مرتبطة، في مجملها، بعضها ببعض بسلسلة من الأحداث، وذات أهمية حاسمة لفهم تاريخ مملكتي إسرءيل ويهوذا.
صعود الكيان الإسرءيلي الأول في المرتفعات الشمالية
إذا لم يكن هناك نظام ملكي عظيم ومتحد في أيام داود وسليمان، فماذا كان أول كيان إقليمي إسرائيلي؟
تظهر أنماط التوطن في المرتفعات، في أواخر العصر الحديدي الأول (أواخر القرن الحادي عشر ق.م، ومعظم القرن العاشر ق.م) أطر توطنية أكثر تقدماً وتشي بإنتاج اقتصادي أكثر تطوراً، ويمكن تحديد هذه الأطر في عدد متزايد من المواقع من خلال التعرف على تقنية زراعة البستنة هناك، وذلك على نقيض الفترات السابقة. غير أنه لا يوجد أي دليل مباشر في السجل الأثري يشير إلى وجود تنظيم سياسي في منطقة الهضاب تلك. وثمة ظاهرة تبين أحد أبرز الخصائص الأكثر وضوحاً لمواقع العصر الحديدي الأول في المنطقة تتمثل في استمرارية السكن في معظم مواقعها دون انقطاع -أكثر من 90 % من أصل حوالي 250 موقعاً من المواقع التي تم تسجيلها- في العصر الحديدي الثاني. والاستثناء الوحيد لهذه الظاهرة يتمثل في مجموع المواقع المهجورة في أواخر العصر الحديدي الأول، وأوائل العصر الحديدي الثاني. وهذا يعني وجود هذه المواقع، منذ منتصف القرن الى أواخر القرن العاشر ق.م، شمال القدس مباشرة، قرب جبعون وبيتئيل، وهو المكان عينه الذي ذكرته قائمة المواقع التي استولى عليها الفرعون شيشنق الأول في حملته على فلسطين في النصف الثاني من القرن العاشر ق.م. وعلى النقيض من تركيز المواقع في هذه المنطقة، فثمة أجزاء من مواقع المرتفعات مفقودة من القائمة. وأخص بالذكر هنا أورشليم ومواقع منطقة الهضاب وجنوبها. يستثنى منها موقع واحد، ربما، يقع شمال السامرة -المنطقة ذات الكثافة السكانية الأكثر في منطقة الهضاب الوسطى في العصر الحديدي الأول.
أحجم فراعنة مصر في فترة الدولة الحديثة عن اختراق منطقة الهضاب من مرتفعات كنعان ذات التضاريس الاستثنائية الوعرة والكثيفة بالأشجار، والمعادية بذات الوقت. لذلك يمكن القول أن مسيرة شيشنق الأول في النصف الثاني من القرن العاشر ق.م لمواجهة شعوب هذه المنطقة تعد استثناءً، فضلاً عن عدم رجحان أن تكون أورشليم هدفاً للحملة. وبناء على ذلك يحتاج المرء أن يتساءل عن الشيء الذي جذب انتباه الفرعون المصري لهذا الجزء البعيد نسبياً من الهضاب والذي لا يتمتع بأهمية جيوسياسية حقيقية؟
ولعل الجواب المنطقي الوحيد وقوع هذه المنطقة المحيطة بجبعون ضمن محور كيان سياسي إقليمي ناشئ يمتلك من القوة ما يكفي لتهديد المصالح المصرية هناك. وينبغي، إذن، أن يكون السؤال التالي، هل لدينا أي دليل، في المصادر الأدبية من أواخر العصر الحديدي، عن أية بنية إقليمية تتركز في محيط جبعون؟
الدليل الوحيد الممكن هو وصف الكتاب لعهد الملك شاؤول وسلالته. وتشير كلا من قائمة شيشنق الأول والوصف الكتابي للمشيخة الشاؤولية إلى ذات الشيء في منطقة المرتفعات، كما يشير كلاهما، وبدرجة ليست أقل أهمية -من بين كل الأماكن- إلى منطقة نهر يبوق [نهر الزرقاء] في شرق الأردن. فتذكر قائمة شيشنق مجموعة من أربع بلدات تقع على طول نهر يبوق، وهي منطقة لم تكن موضع اهتمام ذي بال لفراعنة مصريين آخرين قط. ومن الصعوبة أن تكون مطابقة منطقة جبعون مع هذه المنطقة مجرد مصادفة. فما لدينا هنا هو حالة فريدة حيث “يتكلم الجميع اللغة ذاتها”: أي المصدر التاريخي غير الكتابي الهام وعلم الآثار والكتاب على حد سواء. ولابد لي أن أشير هنا إلى أن التأريخ التقليدي لشيشنق الأول والملكيات الإسرءيلية المبكرة لا يقفان عائقاً في وجه مثل هذا الاقتراح. فقائمة شيشنق والوصف الكتابي للسلالة الشاؤولية قريبان بما يكفي للسماح بوضعهما في النصف الثاني من القرن العاشر ق.م
ربما وضع مؤلف الكتاب حملة شيشنق (بالنسبة له شيشق) في السنة الخامسة من حكم رحبعام لأسباب لاهوتية، وتحديداً من أجل سلسلة قصصه عن إثمه وعقابه: الملوك الآثمين يذلون بحملات عسكرية من الخصوم الأجانب. وكما سأحاول أن أظهر في ما بعد، ربما تكون التقاليد الشفوية للدولة الشاؤولية التي حفظت في سفر صموئيل، وصلت إلى يهوذا في أواخر القرن الثامن ق.م، بعد سقوط المملكة الشمالية عن طريق اللاجئين الذين يعودون بأصولهم إلى المرتفعات الشمالية لأورشليم- المحور القديم للمشيخة الشاؤولية. وقد تكون الذكريات حول حدود الكيان السياسي الشاؤولي في المرتفعات حفظت في الإصحاح الثاني من سفر صموئيل الثاني: ” 9وَجَعَلَهُ مَلِكًا عَلَى جِلْعَادَ وَعَلَى الأَشُّورِيِّينَ وَعَلَى يَزْرَعِيلَ وَعَلَى أَفْرَايِمَ وَعَلَى بَنْيَامِينَ وَعَلَى كُلِّ إِسْرَائِيلَ”. الذي يرى أن ابنه ايشبوشيث نودي به ملكاً على “جلعاد وعشوريت ويزرعيل وإفرايم وبنيامين وكل إسرائيل”. وعادة ما يؤخذ هذا الوصف على أنه ذكرى تاريخية حقيقية لأراضٍ حُكمت من قبل السلالة الشاؤولية، ولعل هذا ما يفسر عدم استخدام مصطلحات الملكية المتأخرة وعدم توافق الوصف مع أي واقعٍ تالي في تاريخ إسرءيل. وقد تكون سيطرة الأسرة الشاؤولية على كامل المرتفعات الشمالية بأكملها، مع ملحق في هامش وادي يزرعيل سبباً وراء اختراق شيشنق الأول للبلاد من منطقة المرتفعات.
وما يوضح صعوبة تفسير الذاكرة عن هذه الأحداث في سفر صموئيل الأول، هو موت شاؤول في معركة عند جبل جلبوع، وعرض جثته على سور بيت شان، المعقل المصري القديم في الوادي. كما أنه يسلط الضوء من ناحية أخرى على الإشارة الغريبة للفلستيين في معركة جلبوع. ولا يمكن لأي جيش فلستي متحد أن يسير إلى بيت شان، في أواخر العصر الحديدي الأول. ويحتفظ الكتاب المقدس بذكرى قديمة عن وجود عسكري مصري بمساعدة قوات الدويلات الفلستية. ولكن، وبحلول الوقت الذي دُونت فيه هذه المادة، كانت مصر قد انسحبت من كنعان منذ زمن طويل تاركة الفلستيين كواقع تهديد وحيد. وينبغي النظر إلى ظهور كيان إسرءيلي في المرتفعات الشمالية وحملة شيشنق الأول باعتبارهما مؤشرات للتطور الاجتماعي المميز في تاريخ إسرءيل القديمة. بيد أن هذا الكيان سرعان ما تعرض للانهيار المبكر ولم يدم الوجود المصري طويلاً. وهذا ما فتح الطريق لبروز كيان إسرءيلي آخر أكثر قوة وتنوعاً. ولكن العملية جرت في منطقة المرتفعات إلى الجنوب من منطقة حكم الأسرة الشاؤولية.
الدولة العُمْرية في الشمال
بلغت المملكة الشمالية اكتمالها الواضح كدولة في أيام حكم الأسرة العُمْرية في أوائل القرن التاسع ق.م. ويشهد على ذلك كل من النص الكتابي وعلم الآثار. يذكر الملك الآشوري شلمنصر الثالث “آخاب الإسرءيلي” كمنافس قوي له في معركة قرقر في غرب سوريا في العام 853 ق.م. ويروي نقش ميشع، من القرن التاسع ق.م، كيف غزا حكام هذه الأسرة أراضي مؤاب، كما يذكر نقش تل دان -الذي كتبه على الأرجح حزائيل ملك دمشق- أن إسرءيل استولت على أراض من آرام في زمن سابق. وعلى الصعيد الأثري، تنعكس مهارات وقوة العُمْريين في الجهود المعمارية التي قاموا بها. فبنوا قصرين حجريين، أو ثلاثة، في مجدّو. وتم التأكد في مواقع السامرة ويزرعيل وحاصور من وجود خصائص مماثلة لتلك العمارة الضخمة ولعمليات واسعة من توطن الموقع وعمليات الردم باستخدام الأتربة. ويعد قصر السامرة الصرح الأكبر والأكثر إتقاناً في العصر الحديدي في المشرق. فلم يكن ظهور إسرءيل في الشمال مجرد بدعة، ويمكن تتبع مؤشرات الاستمرارية في كنعان خلال الألفية الثانية ق.م في كل جانب تقريباً من الجوانب الثقافية للمملكة الشمالية. وما هو أكثر أهمية، مضاهاة السامرة في القرن الثامن ق.م مع ما كانت عليه شكيم في القرن الرابع عشر ق.م، والمتمثل في إقامة دولة إقليمية تضم الهضاب الوسطى والوديان. وقمت، رفقة نعمان نداف في الآونة الأخيرة، بتعيين أوجه التشابه الوثيقة من الناحية الجغرافية والتاريخية بين محاولات توسع لابايو، حاكم شكيم في عصر العمارنة، وتلك التي قامت بها السلالة العُمْرية في المملكة الشمالية. كانت إسرءيل الشمالية، دولة متعددة الأوجه وهي بذلك تختلف عن الدولة- “تحمل سمات أقدم من الأمة” أو القبيلة كما وجدنا ذلك لاحقاً في يهوذا. وتتألف من النظم الإيكولوجية المختلفة ومن سكان غير متجانسين. وتشير وفرة الأدلة الأثرية والتاريخية إلى أن تلال السامرة، قلب أراضي الدولة ومقر العاصمة، كانت مأهولة من أحفاد سكان رعويين وسكان مستقرين من الألفية الثانية ق.م. في السهول الشمالية من يزرعيل إلى وديان الأردن، ويتألف سكان الريف أساساً من عناصر محلية وعناصر السكان الأصليين، أي الكنعانيين الريفيين. وتؤكد عمليات المسح والتنقيب، على حد سواء، على استمرارية استيطانية مثيرة في الوديان الشمالية منذ الألفية الثانية ق.م وصولاً الى القرن الثامن ق.م. وتتجلى هذا الاستمرارية ثقافياً بشكل مميز في العبادة الشهيرة الموجودة في تعنّك، وفي عمارة المواقع الريفية، وفي طبيعة المواقع المركزية مثل مجدّو التي ظلت تميز بعض المواصفات لكنعان الألفية الثانية، على الأقل في مخططها.
سعت السلالات المؤسسة للدول الساعية للتوسع الإقليمي في الأراضي المجاورة إلى تثبيت شرعيتها بعدة طرق، وهذا ما نلحظه في التنوع الإثني والحضاري في المملكة الشمالية الذي يتضمن عناصر فينيقية وآرامية في الشمال الغربي والشمال الشرقي. وكان لهذا الأمر، في حالة السلالة العُمْرية، أهمية خاصة بسبب ظهور دولة قوية منافسة في دمشق المجاورة في نفس الوقت. وينبغي أن تكون المهمة الأكثر إلحاحاً على أجندة مملكة إسرءيل الشمالية متمثلة في ضبط سكان الوادي “الكنعاني” وحدود المناطق الشمالية. وفي الواقع، أصبحت الوديان الشمالية العمود الفقري للاقتصاد في إسرءيل الشمالية. فالذي يسيطر عليها يمكنه الاستفادة من الإنتاج الزراعي للأودية، والاستفادة من القوى العاملة في الأعمال العسكرية، والسيطرة على بعض الطرق التجارية المهمة في المشرق. وينبغي أن ينظر في ضوء هذين الموضوعين لعملية بناء مواقع حصينة في وادي يزرعيل في مجدو ويزرعيل، على الحدود مع آرام دمشق في حاصور، وعلى الحدود مع فلستيا في جزر، وطبقاً لنقش ميشع في مؤاب (وظاهرياً وعلى ما يبدو في علم الآثار أيضاً) (في ياحاز [التي هي ربما خربة مدينة الثمد]). وتم بناء هذه المواقع الحصينة كمراكز إدارية أو دفاعية للسيطرة على المناطق السكنية “غير الإسرءيلية” في الدولة الحديثة وخدمةً لبروباغاندا واحتياجات الأسرة الحاكمة في المرتفعات. غير أن هذا ليس سوى حلقة قصيرة نسبياً في تاريخ البلاد. فقد تغيرت الظروف السياسية في منتصف القرن التاسع ق.م بصورة كبيرة. والانقطاع القصير بسبب الضغط الآشوري القادم من الغرب، وتنامي مكانة آرام أدى إلى انهيار الدولة العمرية. وهذا بدوره مهد الطريق لصعود أول “دول قومية” حقيقية إلى الجنوب، أي مملكة يهوذا.
صعود يهوذا وحزائيل ملك دمشق
اختلفت يهوذا عن إسرءيل اختلافاً كبيراً، لا سيما في الإحساس بأنها كانت حقيقة دولة قومية متماسكة ديموغرافياً. وكانت التلال الجنوبية، بشكل عام وأورشليم بشكل خاص، خلال القرن العاشر ق.م. وأوائل القرن التاسع ق.م. لاتزال تتضمن ما يمكن أن نصفه بأنه واقع سياسي وإقليمي وديموغرافي “شبه عمارني”[ نسبة إلى وقائع عصر العمارنة]: بمعنى قرية فقيرة نسبياً، حكمت أورشليم مرتفعات جنوبية ذات تعداد سكاني قليل جداً. وظهرت البوادر الأولى لقيام الدولة في يهوذا خلال القرن التاسع -بالتأكيد بالنسبة إلى ما نعرفه عن السلسلة التي كانت سائدة بخصوص العصور البرونزي الحديث-الحديدي الأول-أوائل الحديدي الثاني-. وتأتي معظم الأدلة لهذه المرحلة المبكرة -مجزأة كما تبدو- من محيط يهوذا، وهما شفيلة في الغرب ووادي بئر السبع في الجنوب. ففي شفيلة ثمة موقعين يتمتعان بأهمية خاصة وهما لخيش وبيت شيمش. لقد كانت لخيش “المدينة الثانية” في يهوذا، وأهم مركز إداري في مناطق الوديان المنخفضة. وقد أظهرت الحفريات بأن القصر والتحصينات بنيت أول الأمر في القرن التاسع ق.م. وكشفت الحفريات الأخيرة في بيت شيمش عن نظام تحصينات واسع وكثيف ومنظومة مياه متقنة. وتبدو الأبنية فيها معاصرة لتحصينات المرحلة الأولى في لخيش. كما تم الكشف عن موقعين يهوذيين في وادي بئر السبع -عراد وبئر السبع- تم تحصينهما أيضا لأول مرة في القرن التاسع ق.م. كما يمكنا ملاحظة الإشارات الأولى لأنشطة عمرانية مميزة في أورشليم يبدو أنها تعود للقرن الثامن ق.م . وعثر على مجموعتين من الأبنية المتقنة والمعروفة باسم “المدرجات، المصاطب”، والبناء الحجري المدرج. وشيدت هذه الأبنية على المنحدر الشرقي من مدينة داوود، بالقرب من نبع جيحون، من أجل تثبيت المنحدر وتسهيل عملية البناء لمبانٍ ضخمة على سلسلة التلال. ويمكن تفسير اللقى الأخيرة من المراحل الأصلية للبناء الحجري المدرج -كنوع من غطاء يلتف حول بعض المصاطب القديمة-، كما عثر على الأواني الفخارية المصقولة الحمراء التي تعود لأوائل العصر الحديدي الثاني. وهذا يعني أن البناء قد شيد خلال القرن التاسع- أو بدايات القرن الثامن ق.م. وهو أقدم بناء مفصل حتى الآن عثر عليه في القدس. وربما يعود تاريخ ما تبقى من الجدران الأثرية التي اكتشفت مؤخراً من قبل إيلات مزار فوق البناء الحجري المدرج إلى الفترة ذاتها، على الرغم من أن تاريخاً أحدث قد يكون ممكناً .
ولكن ما الذي أدى إلى الظهور المفاجئ ليهوذا في القرن التاسع؟
يمكن للعملية أن تكون ابتدأت في وقت مبكر من القرن التاسع ق.م، عندما كانت يهوذا تحت السيطرة الإسرءيلية الشمالية. وينبغي للأسرة العُمْرية، التي انخرطت في أعمال توسع عسكري في الشرق والشمال الشرقي، أن تكون قد سيطرت على النظام السياسي الهامشي اليهوذي إلى الجنوب منهم. في الواقع، وفيما يبدو أنها شهادة تاريخية موثوقة، وبشكل غير مباشر تدعم نقش تل دان، يكشف سفر الملوك الثاني أن العمريين حاولوا الاستيلاء على يهوذا، وربما حتى ضمها، وذلك من خلال زواج ملكي “ديبلوماسي” بزواج الأميرة عثليا والملك الداوودي يهورام. تمكنت إسرءيل لبضعة عقود في النصف الأول من القرن التاسع من إقامة مملكة متحدة فعلية امتدت من دان في الشمال إلى بئر السبع في الجنوب. غير أن هذه المملكة حكمت من السامرة وليس من أورشليم . ولكن هذا لم يدم، فبدأ عثر التغيير مع سقوط العُمْريين تحت ضغط آرام دمشق في أربعينيات القرن التاسع ق.م حين قام حزائيل ملك أرام بغزو المملكة الشمالية، واستعاد أراض في شمال شرق البلاد وفي جلعاد، وتدمير العديد من المراكز الإسرءيلية في الوادي وحصر الملوك الشماليين في إقليم محدود في المرتفعات حول السامرة. ونتيجة لذلك، خفت قبضة المملكة الشمالية عن يهوذا، وعاد يهوآش الذي يزعم أنه داودي إلى السلطة في أورشليم إثر انقلاب هناك، وليس بأقل أهمية من ذلك تلك الأحداث التي وقعت في ذلك الوقت في شفيلة. حين شن حزائيل حملة عسكرية على السهل الساحلي، وحاصر جت وفتحها. وكشفت الحفريات الأخيرة التي قام بها آرين مائير في تل الصافي في غرب شفيلة -موقع جت القديمة- عن أدلة مثيرة عن هذه الأحداث. كانت جت في القرن التاسع ق.م مدينة ضخمة تمتد على مساحة حوالي أربعين هكتاراً. كما تم الكشف عن نظام حصار متطور شمل خندقاً عميقاً من حولها ربما يعود لحزائيل. وكشفت الحفريات داخل المدينة عن تعرضها لحريق ودمار تام لم تتعاف منه، وبهذا تكون صورة الوضع كالتالي، في الشمال عانت إسرءيل من ضعف شديد بسبب الاعتداءات الآرامية، بينما في الغرب تعرضت جت، المدينة الفلستية القوية، للدمار على يد حزائيل، مما أتاح ليهوذا اغتنام هذه الفرصة السانحة في النصف الثاني من القرن التاسع ق.م، فانساحت نحو الغرب وبنت مراكز إدارية في لخيش وبيت شيمش. ولكن التغيير الأبرز كان في الجنوب حيث حدث الانتقال من حالة شبه “عمارنية” إلى دولة إقليمية في تلك الفترة في أعقاب الانهيار المؤقت للمملكة الشمالية وتدمير جت القوية.
يهوذا: القفزة العظمى إلى الأمام
استمر الوضع الذي وصفته للتو عن الإشارات الأولى لقيام دولة في يهوذا، خلال بداية القرن الثامن. وبعد عدة عقود، كانت المملكة الجنوبية تعيش حالة ثورة. نمت أورشليم في أواخر القرن الثامن ق.م لتكون أكبر مدينة في البلاد بأسرها. وأحيطت بنظام كثيف من التحصينات التي تتألف من جدارين على المنحدر الشرقي من مدينة داود, وجدار بسماكة سبعة أمتار على التلة الغربية. تم تأمين المياه عن طريق نفق سلوان القادم من نبع جيحون إلى بركة تجميع في الطرف الجنوبي من وادي تيربويون [ الواد أو الوادي] الذي يفصل بين تلال مدينة داود من جهة التلة الغربية، وهو الموقع الذي كان أكثر سهولة بالنسبة لسكان العديد من الأحياء في المدينة الجديدة لجهة الغرب. ومن الناحية التفصيلية بدأ ظهور القبور المنحوتة في الصخر، مما يدل على وجود نخبة ثرية.
كما ازدادت في الهضاب الجنوبية، وكذلك في الهضبة إلى الشمال من أورشليم، بشكل مثير أعداد مواقع التوطن والمساحة الإجمالية المبنية والأمر ذاته ينطبق إلى حد كبير على شفيلة ووادي بئر السبع. ووصلت يهوذا في أواخر القرن الثامن إلى ذروة التوسع الإقليمي والديموغرافي .وتجلى هذا في التنظيم العالي لبلدات الريف جيدة التخطيط، مثل بئر سبع (السوية الثانية، وتل بيت مرسم (السوية A). ويشار إلى المستوى العالي من التنظيم ليهوذا أواخر القرن الثامن عن طريق خطوط عدة أخرى من المعطيات مثل النقوش الأثرية -في نفق سلوان وعلى واجهة قبور سلوان- التي ظهرت في هذا الوقت، فضلاً عن العديد من الأختام، والدمغات وزيادة الكسر الفخارية بشكل كبير, كما تظهر الأوزان الموحدة لأول مرة، وجرار التخزين الملكية [للملك lmlk] كم ظهرت دمغات المسؤولين على بعض الجرار مما يشهد على وجود جهاز بيروقراطي متقدم. وأخيراً، كانت هذه الفترة هي الوقت المناسب لنمو اقتصاد يهوذا بشكل لافت. فقد أنتج الفخار بكثافة للمرة الأولى، وانخرطت يهوذا بدرجة كبيرة في إنتاج زيت الزيتون الذي تسيطر عليه الدولة في شفيلة.
وفي فترة قصيرة جداً، لا تتعدى النصف الثاني من القرن الثامن ق.م، نمت يهوذا إلى دولة بيروقراطية للغاية. ويبدو أن اثنين من الأحداث الخطيرة حفّزا هذه التطورات. الأول هو دمج المملكة في الاقتصاد الآشوري العالمي، والذي من المفترض أن يكون قد ابتدأ في ثلاثينيات القرن الثامن ق.م، في أيام الملك الآشوري تغلات بلصر الثالث وآحاز ملك يهوذا، واستمر خلال فترة سقوط المملكة الشمالية 722-720 ق.م، وشاركت يهوذا بدءً من 732 ق. م في التجارة العربية بإشراف وهيمنة آشورية. وكان هذا هو السبب الرئيسي لتحقيق ازدهار وادي بئر السبع على طول الطرق القادمة من جزيرة العرب إلى موانئ البحر المتوسط عبر أدوم، والتي كانت هذه التجارة تتحول إلى المخازن التجارية الآشورية. وفي وقت ما، على ما يبدو بعد دمار أشدود وظهور عقرون في أيام سرجون الثاني، لا بد أن يكون زيت الزيتون اليهوذي بيع لآشور ولعملاء آخرين، ربما عبر مركز إنتاج زيت الزيتون في عقرون.
حدث آخر لا يقل أهمية وقع على جانب هذه التطورات بعد سقوط المملكة الشمالية. والظاهرة الرئيسية -والتي لا يمكن تفسيرها إلا على خلفية الازدهار الاقتصادي- كان النمو المفاجئ لسكان أورشليم على وجه الخصوص، ويهوذا بشكل عام. فنمت أورشليم، في عقود قليلة فقط من أواخر القرن الثامن ق.م، في الحجم من نحو خمسة هكتارات إلى حوالى ستين هكتاراً، وازداد عدد السكان من حوالي 1000 نسمة أكثر من عشرة آلاف. ونمى أيضاً سكان الريف اليهوذيين نمواً مثيراً. وزاد عدد المستوطنات في منطقة الهضاب إلى الجنوب من أورشليم من 35 في العصر الحديدي الثاني A إلى نحو 120 في العصر الحديدي الثاني B أو أواخر القرن الثامن. كما ازداد العدد في شفيلة من حوالي 20 إلى نحو 275. وتضاعف عدد سكان يهوذا في غضون عقود قليلة فقط في القرن الثامن سيكون تقويماً متواضعاً، بل ربما بأقل من ذلك. ولا يمكن تفسير هذه الزيادة المفاجئة في عدد سكان يهوذا باعتبارها نمواً طبيعياً أو نتيجة هجرة سلمية من المناطق المجاورة. والسبيل الوحيد المعقول لتفسير هذا النمو الديموغرافي غير المسبوق هو النظر إليه كنتيجة مباشرة لتدفق اللاجئين من الشمال، بعد غزو آشور لإسرءيل في العام 722 ق.م. واستمر مثل هذا النمو في أورشليم والهضاب الجنوبية على الأرجح بقدوم موجة ثانية من اللاجئين الذين وصلوا بعد الدمار الذي أحدثه سنحاريب في شفيلة اليهوذية ووادي بئر السبع في العام 701 ق.م. كل هذا يعني أن “قفزة كبيرة إلى الأمام” في التركيبة السكانية في يهوذا وقعت في فترة قصيرة جداً من الزمن، بين 732 ق.م (ربما 722 ق.م أساساً) و700 ق.م (أو بعد بضع سنوات تالية). وخلال عقدين، أو ثلاثة عقود، كانت يهوذا تعيش حالة ثورية تماماً. وتحولت من دولة معزولة وقبلية من حيث التكوين إلى دولة قومية متطورة، ومندمجة تماماً في الاقتصاد الآشوري العالمي.
ولا يقل أهمية عن هذا ملاحظة أن التغيير في التعداد السكاني الملحوظ من يهوذيين “أنقياء” (محض يهوذيين) إلى مزيج من اليهوذيين الإسرءيليين السابقين. وليس بعيداً عن هذا الواقع الاقتراح الذي يقول بأن نصف سكان يهوذا في أواخر القرن الثامن ق.م إلى أوائل القرن السابع ق.م كانوا من أصل إسرءيلي. ولعل نظرة فاحصة على نتائج المسح الأثري في المرتفعات ستشير إلى أن العديد من الإسرءيليين الذين انتقلوا إلى يهوذا جاؤوا من المنطقة الواقعة بين أورشليم وشكيم. وهي المنطقة التي يمكننا الكشف فيها عن انخفاض هائل في عدد من التوطنات خلال الانتقال من القرن الثامن ق.م حتى الفترة الفارسية أو القرن الخامس ق.م. وحتى لو كانت الفترة الطويلة بين خطي البيانات هذه شهدت تقلبات عدة، فمن الواضح أن السامرة الجنوبية تعرضت لضربة ديموغرافية قوية في أعقاب غزو آشور للمملكة الشمالية. ويدل على ذلك، في الواقع، بعض الإشارات المتقطعة في مواقع تعود لإسرءيل المهزومة حيث قام الآشوريين بنقل المبعدين من إسرءيل وتوطينهم في بلاد ما بين النهرين.
ويبدو أن هذه القرائن تشير إلى الجزء الجنوبي من المملكة الشمالية على وجه التحديد، وجوار بيت إيل في المنطقة التي أتت منها غالبية اللاجئين الشماليين إلى يهوذا. وربما يكون العديد من الإسرءيليين قد فروا من هذه المنطقة خوفاً من الترحيل ليستقر في مكانهم مجموعات أجنبية. ولاشك أن هؤلاء اللاجئين الإسرءيليين جلبوا معهم إلى يهوذا تقاليدهم المحلية. والأكثر أهمية، لا بد أن يكون حرم بيتئيل قد لعب دوراً هاماً في طقوس عبادتهم. وكذلك الذكريات والأساطير عن سلالة شاؤول، التي نشأت أصلا من هذه المنطقة، ربما لعبت دوراً أساسياً في فهم تاريخ وهوية اللاجئين الشماليين، وينبغي لمثل هذا الواقع الديموغرافي أن يفرض على يهوذا تحدياً على مستوى القيادة باعتبارها حاجة باتت ملحة أكثر من ذي قبل لتوحيد هذين القطاعين من المجتمع، اليهوذيين الإسرءيليين في كيان واحد. والمشاكل الرئيسية التي تحتاج إلى معالجة هي على الأرجح -كي لا نقول تقاليد غريبة ومعادية- العبادات المختلفة والتقاليد الشمالية للشماليين الذين استقروا في يهوذا. في الواقع، ركز الملك حزقيا ونخبته في أواخر القرن الثامن في الدولة الجديدة على حصرية هيكل أورشليم كمركز للعبادة وحصرية حكم سلالة الملك داود.
ويتم تذكر حزقيا في الكتاب باعتباره واحداً من أكثر الملوك الصالحين، الذين نفذوا عملية إصلاح دينية شاملة في يهوذا. وناقش البعض تاريخية هذا الإصلاح، فقبل بعضهم به على أنه وصف موثوق في حين أثار البعض الآخر شكوكاً أو رفضاً تاماً لاعتبارات نصية بحتة. ليس لدينا معلومات مباشرة عن التغييرات المحتملة التي أجريت على هيكل أورشليم في هذه الفترة، لأنه لا يمكن الوصول إليها من قبل الآثاريين حيث تقع تحت المقدسات الإسلامية في الحرم القدسي. ومع ذلك، هناك أدلة في بعض المراكز النائية من المملكة بأن تغييرات جذرية في طبيعة العبادة العامة قد حصلت بحلول نهاية القرن الثامن ق.م. والحفريات في ثلاثة مواقع مختلفة هي عراد وبئر السبع ولخيش يبدو أنها كشفت عن أدلة تعود للقرن الثامن ق.م عن دور وأماكن العبادة، التي أبطلت قبل نهاية هذا القرن. وليس أقل أهمية من ذلك أن نلاحظ أن أياً من المواقع العديدة في القرن السابع ق.م وأوائل القرن السادس ق.م التي تم الحفر فيها في يهوذا أظهرت أدلة على وجود دور عبادة. ويبدو من المعقول القول إلغاء المقدسات الريفية اليهوذية، مع حلول نهاية القرن الثامن ق.م، ربما كجزء من محاولة لتركيز عبادة الدولة في أورشليم. ومع كل هذا، ينبغي النظر إلى هذه العملية باعتبارها ثمرة دوافع اجتماعية واقتصادية وسياسية، أكثر منها ثمرة دوافع دينية بحتة بهدف، على الأرجح، تعزيز عناصر توحيد الدولة -أي السلطة المركزية للملك وللنخبة في العاصمة-، وإلى إضعاف القيادة العشائرية الإقليمية القديمة في الريف. ولا يقل أهمية عن هذا ضرورة التعامل مع تقاليد العبادة الشمالية التي جلبها اللاجئون الإسرءيليون إلى يهوذا، ولعل أهمها تلك التقاليد الخاصة بمعبد بيتئيل، ويقع كما كان في وسط قرى أجدادهم. ويبدو أن حل حزقيا كان بفرض حظر على كل مقدسات ومزارات ريف يهوذا ومعبد بيتئيل على حد سواء -باستثناء وحيد هو المعبد الملكي في أورشليم.
لقد كان تركيب التاريخ المبكر للسلالة الداودية على هيئة نص مكتوب بمثابة أداة أخرى في “إعادة صنع” يهوذا. وقسّم أهل الاختصاص هذا التاريخ (من الإصحاح 16 في سفر صموئيل الأول حتى الإصحاح الثاني من سفر الملوك الأول) إلى قسمين سرديين رئيسيين: تاريخ ارتقاء داود للعرش، وتاريخ البلاط أو الخلافة. ويحتوي كلاهما على معلومات تتعلق بأسرة شاؤول، أول سلالة شمالية حاكمة، ولا تحتوي هذه المعلومات على معاني تبجيل أو إطراء للملك داود، بل تتضمن ادعاءات مضمرة ضد مؤسس سلالة أورشليم عن تعامله مع الفلستيين؛ وخيانة رفاقه الإسرءيليين، وتحميله مسؤولية موت أول ملك لإسرءيل؛ فضلاً عن موت شخصيات رئيسة أخرى لها علاقة بشاؤول، كما تعرض هذه المعلومات مرويات تظهر مؤسس سلالة أورشليم -أي داود- بأنه مذنب لاقترافه جرائم قتل وأفعال خاطئة. وتتعاطى معظم هذه الاتهامات مع مواضيع متعلقة بالشاؤوليين وبالشمال. ويؤرخ معظم الباحثين هذه المرويات إلى زمن يعود للقرن العاشر ق.م، أو بعد ذلك مباشرة، ويجادلون بأن تدوين هذه المرويات تم لإضفاء الشرعية على داود وسليمان. وكان الهدف من هذه التقاليد تفسير الكيفية التي جاء بها داود إلى السلطة، ولماذا خلفه سليمان في أورشليم الذي لم يكن الأول في خط الوصول إلى العرش.
ولكن لماذا ترك المؤلفون، والمحررون من بعدهم لاحقاً، تلك القصص السلبية والاتهامات ضد الملك داوود في النص؟
يقترح البعض أن حيثيات الكثير من المواد المكتوبة كانت بمثابة دفوعات واعتذاريات -لمواجهة هذه الادعاءات، ولتبرئة الملك داوود من أي أخطاء ولشرح ” ما قد حدث فعلا” طبقاً لوجهة نظر سلالته. وتستمد الفكرة التي ترى بأن القرن العاشر ق.م هو القرن الذي تم فيه تجميع النص الكتابي، من تصور أوسع يرى بأن فترة حكم سليمان كانت فترة استثنائية من التنوير تم خلالها تدوين الأعمال التاريخية العظيمة في أورشليم. واتكأت هذه القصة، بدورها، على الوصف الكتابي لإمبراطورية سليمانية كبيرة -وهذه قضية أخرى، من الاستدلال الدائري-.
وكما أكدت بالفعل أكثر من مرة، أظهر علم الآثار أن عملية إقامة دولة كاملة في يهوذا لم تتطور إلا في أواخر القرن الثامن ق.م .وهذا يتضمن ظهور نخبة تعرف القراءة والكتابة ونشاط على مستوى التدوين. ورغم مرور أكثر من قرن على الحفريات الأثرية في القدس، التي لم تترك تلاً مهماً تقريباً في ريف يهوذا، فإن هذه الحفريات فشلت في العثور على أي نقش مميز قبل هذا الوقت.
وتبدو نظرية الدفاع والاعتذار إشكالية أيضاً، إلى حد ما، لأنها فشلت في التعامل مع السؤال الأساسي: لماذا ينبغي أن يتعاطى الكاتب مع هذه الاتهامات بأي حال من الأحوال؟ ففي امبراطورية داودية-سليمانية عظيمة، يمكن للكاتب أن يتجاهل، ببساطة، هذه القصص. والسؤال الجوهري في تأريخ وفهم القصة في المراحل المبكرة للأسرة الداودية ينبغي أن يكون سؤالاً عن أنسب فترة تلائم بشكل أفضل تجميع ملحمة تأخذ في الاعتبار التقاليد السلبية الشمالية عن مؤسس سلالة أورشليم. بكلام آخر، ما هي الفترة الأكثر احتمالاً لتصدي مؤلف، هو بلا شك يهوذي، لهذه التقاليد بصياغة هذه الدفوعات لعدم إمكانية تجاهل أو تجاوز أو حتى القضاء على مثل هذه التقاليد؟ وسوف يكون الجواب على هذه السؤال مناسباً، من ناحية، لما نعرفه عن معرفة القراءة والكتابة في يهوذا، وهذا يعني، أنه من الصعوبة بمكان أن يكون في أي وقت قبل النصف الثاني من القرن الثامن ق.م. ومن ناحية أخرى، لا يمكن أن تؤرخ هذه النصوص الكتابية بفترة متأخرة جداً، لأنه من الواضح أنها حررت خلال أواخر القرن السابع ق.م. عن طريق ما يسميه أهل الاختصاص الكاتب أو المدرسة التثنوية. وعندما نضع جميع هذه العوامل على خلفية الوضعية التاريخية الأوسع، تكون الفترة الأكثر منطقية هي أواخر القرن الثامن بعد سقوط المملكة الشمالية. وهو الوقت الذي تضخم فيه عدد سكان يهوذا بشكل كبير، ليتضمن عدد كبير من اللاجئين الإسرءيليين. وبالتوازي مع مركزية العبادة اليهوذية في أورشليم، لا بد أن تكون العائلة المالكة اليهوذية وحاشيتها قد انخرطت في برنامج تعزيز سلطة الأسرة الحاكمة عبر توحيد الجنوبيين مع الشماليين والتفافهم حول الملك داود. ولتحقيق هذه الغاية، كانوا بحاجة إلى تجسير الروايتين حول الأيام المبكرة للسلالة الحاكمة: أي تقاليد جنوبية داعمة لداود، مؤسس السلالة وسليمان باني معبدها، وكذلك التقاليد الشمالية المستنكرة.
وكما أشرت للتو، ينبغي أن يكون الكثير من الشماليين الذين يعيشون في يهوذا قد أتوا من السامرة الجنوبية. وهي المنطقة التي ظهرت فيها المشيخة الأولى، حيث من المرجح أن التقاليد الشاؤولية كانت مازالت مؤثرة، ولذا، وكما حاولت يهوذا استيعاب مختلف الدوائر الاجتماعية والسياسية للتوفيق بين التقليديين وبدلاً من تجاهل الاتهامات الشمالية، فقد ضمنهم المؤلف (أو المؤلفين) في التاريخ الرسمي، ولكن الأسبقية في نهاية المطاف منحت للتقاليد الجنوبية التي برأت داود من الأفعال الخاطئة تقريباً. وقد عزز الدفاع العظيم للتوفيق بين الجنوبيين والشماليين في يهوذا. وعلى هذا النحو حصل تعزيز برنامج سلطوي لإبراز الإيديولوجية الإسرءيلية [القومية]. وكانت هذه هي اللحظة التي ظهر فيها لأول مرة مفهوم عموم إسرءيل، ووقف خلف هذا المفهوم حملة لتوحيد “كل إسرءيل” داخل حدود يهوذا ( ظهرت إيديولوجية “كل إسرءيل”، بما في ذلك أراضي المملكة الشمالية السابقة في وقت ما في الكتابات التثنوية في القرن السابع ق.م). وهذا أيضا نقطة انطلاق لأكثر من ثلاثة قرون من النشاط التأليفي نتج عنه التاريخ الكتابي لإسرءيل كما نعرفه.
العنوان الأصلي: THE QUEST FOR THE HISTORICAL ISRAEL: Debating Archaeology and the History of Early Israel
المؤلف: Israel Finkelstein and Amihai Mazar
الناشر: 2017 Society of Biblical Literature

عن محمود الصباغ

كاتب ومترجم من فلسطين

شاهد أيضاً

البحث عن إسرءيل: مناظرات حول علم الآثار وتاريخ إسرءيل الكتابية (6-2)

ترجمة: محمود الصباغ استهلال يوافق مزار، إلى حد ما، في ملاحظاته الختامية، على أن “القيم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *