البحث عن إسرءيل: مناظرات حول علم الآثار وتاريخ إسرءيل الكتابية (4-2)

ترجمة: محمود الصباغ

استهلال

يراجع عميحاي مزار، فيما يبدو أنه مراجعة من أجل تدعيم ما يسميه فنكلشتين “تاريخية الملكية المتحدة”، الخطوط المتعددة للأدلة المؤيدة لتلك الفرضية، فيتجه، أولاً،  نحو تبني ما  يطلق عليه “التحقيب التقليدي المعدل”، والذي ينبغي، بزعمه،  النظر إلى القرنين العاشر والتاسع ق.م كحقبة آثارية طويلة واحدة  (وبهذا يؤيد مزار معظم ما تم تحديده من قبل يغال يادين وغيره على أنه مشاريع عمرانية سليمانية ضخمة.. وفي أي حال، يعتقد مزار أن نقش تل دان يلغي بشكل واضح،   أي مزاعم ترى في سليمات وداود مجرد شخصيات مختلقة من عصور “كتابية” متأخرة لأنه تم التعرف على داود من قبل قوة أجنبية -حسب النقش من قبل حزائيل ملك آرام دمشق- لقرن أو أكثر في وثت لاحق كمؤسس لسلالة حكمت يهوذا). ويحدد، على سبيل المثال،  سويات الطبقات الأثرية الثلاثة في موقع تل رحوف  Reḥov   التي تمتاز بامتدادها  من القرن العاشر ق.م، وتغطي معظم أو كل سنوات القرن التاسع ق.م وفقاً للمجاميع الأثرية التي عثر عليها هناك. بعبارة أخرى، ما تم الإشارة له تقليدياً من قبل المؤرخين كمملكة متحدة  (القرن العاشر)، وسلالة عُمْري اللاحقة (القرن التاسع)  يجب أن يقعا ضمن  فترة آثارية طويلة واحدة على حد سواء . ولذلك سوف يكون من الصعوبة بمكان  وضع تاريخ  دقيق  لمبنى محدد أو قطعة أثرية عثر عليها في هذه الفترة ( القرنين العاشر والتاسع ق.م). ومن ثم فهو يسلط الضوء على قائمة حملة الفرعون المصري  شيشنق الأول (شيشق)، التي تعين تاريخية مواقع معينة عرفت أيضاً من السردية والوصف الكتابي  للحدث  نفسه. وعلى هذا، سوف يكون التفسير الوحيد الذي  يبدو صحيحاً، بالنسبة لمزار،  في ما يتعلق بالإشارة إلى مواقع منطقة الهضاب في قائمة شيشنق، وجود قوة سياسية، هناك،  كانت مميزة بما يكفي لتبرير اهتمام مصر والتدخل. والقوة السياسية الوحيدة المعقولة ، حسب ما يرى، يجب أن تكون مملكة سليمان. وحيث أن وجود أو عدم وجود مواقع محددة في المنطقة قابلة للتطابق،  من السجل الآثاري، ودمرت فعلاً على يد  شيشنق، يبقى مزار، في التحليل النهائي، يدور ويدور حول الفكرة وتكتنف لغته الكثير من الغموض ويشوبها عدم الوضح حين يحاول تقديم إجابة شافية أو مقنعة يمكنها تدعيم وجهة نظره بحيث يمكن مطابقتها آثاريا مع المواقع التي دمرها شيشنق الأول في حملته والتي ذكرها في قائمته الموجودة في معبد آمون في الكرنك. غير أن هذا لا يمنعه، من مبدأ “عنزة ولو طارت” من استيلاد قناعة ذاتية ترى بضرورة بذل المزيد من الجهود الممكنة من قبل المؤرخين والآثاريين  لمطابقة أي من هذه المواقع، أو جميعها، أي المواقع المشار إليها في قائمة شيشنق الأول، الأمر الذي يدفع للاستنتاج أن وجهة نظر مزار حول عدم اختلاق أسماء الاماكن تلك وعدم استنادها، كلياً، على نسخ نصوص القوائم الطبوغرافية المعروفة  في مصر ، كما اقترح في الماضي، فبعض أسماء قائمة حملة شيشنق الأول تظهر حصرياً على نقشه الاصلي الموجود في الكرنك.

ويقوم مزار بسبر المؤشرات الأثرية التي تشير إلى وضع أورشليم باعتبارها مركز سلطة في القرن العاشر (ولكن ليس بالضرورة القبول بها كعاصمة لدولة كبيرة). فيقول بأن المبنى الححري الضخم الذي عثر عليه عند الحافة الضيقة للتل الشرقي، فضلاً عن المبنى الذي يقع إلى جهة الغرب منه، لا يوجد ما يماثلهما في أي موقع في المنطقة للفترة المحصورة ما بين القرنين الثاني عشر والتاسع ق.م. ويشير هذا، بالنسبة لمزار، إلى الوضع الفريد لأورشليم خلال تلك الفترة، كما تظهر تفاصيل التقليد الكتابي للبناء فيما يتعلق بهيكل سليمان وقصره، من حيث استخدام الحجارة الكبيرة المنحوتة (ومترافقة مع  خشب الأرز) التي تتوافق أيضاً مع الهيكل  وتقنيات البناء الأخرى المعروفة في الألفية الثانية ق.م، والعصر الحديدي، كما هو الحال في النمط المعماري للقصر. وبالتالي لا يمكن للوصف الكتابي لمعبد أورشليم والقصر أن يكون من اختراع القرن السابع ق.م، أو أي وقت لاحق. وإذن، علينا -حسب نصيحة مزار- أن نهجر مثل هذه الأفكار والقول بأن مثل هذه التقاليد العمرانية تعود لفترات أبعد في القدم، وبالتالي يمكن الاعتماد عليها تاريخياً. ويلاحظ مزار وجود أدلة تؤكد على تزايد النشاط العمراني المترافق مع كثافة سكانية في مواقع أخرى معروفة في المنطقة خلال القرن العاشر ق.م . ويخلص إلى أن تقدير عدد سكان يهوذا بحدود 20000 نسمة خلال القرن العاشر ق.م، يضاف إليهم سكان شمال وشرق الأردن، ليصل العدد إلى حوالي 50000-70000 نسمة، وهو عدد مناسب في ذلك الوقت لتشكيل قاعدة ديموغرافية كافية لإقامة دولة إسرءيلية في القرن العاشر ق.م. ويرجح أن يكون السبب في ندرة الكتابات العبرية في القرن العاشر، وكذلك الأمر، في القرن التاسع في الشمال -حيث يتفق الجميع على افتراض وجود إدارة مركزية- بسبب استخدام مواد للكتابة عرضة للتلف مثل ورق البردي، ولا يعد هذا دليلاً على عدم معرفة القراءة والكتابة. والقلة القليلة مما لدينا من نقوش عثر عليها على حجارة أو كسر فخارية تشير إلى حقيقة معرفة القراءة والكتابة في ذلك الوقت. ولذلك من الأسلم لنا، وفقاً لمزار، القول يوجود كتبة إسرءيليين ويهوذيين وموظفين  على دراية بالقراءة والكتابة كانوا قد عاشوا في القرن العاشر ق.م. كما يستعرض أيضاً،  في هذا القسم، الأدلة الآثارية التي تعود للقرن العاشر ق.م عن بداية التحضر العمراني لجيران إسرءيل المشار لهم في قصص الكتاب مثل الفلستيين، الأدوميين، الموآبيين، العمونين، الفينيقيين، والآراميين. ويثير، استناداً إلى حالات محددة يدعمها السجل الآثاري، احتمال أن تكون لإسرءيل علاقات تجارية مع واحد أو أكثر من جيرانها في القرن العاشر ق.م

وينتقل، أخيراً، لتسليط الضوء، على “حقيقة معرفية ذات طابع نظري” ترى بأنه لا يمكن كتابة التاريخ على نحو مرضٍ استناداً إلى مفهوم الحتمية وحده الذي لا يتيح فرصة ظهور دور أو تأثير للشخصيات الفردية في التاريخ، حتى لو كان تأثيرها قد يضلل السجل الأثري ( وكأنه رجع صدى لمقولة فريدريك إنغلز الشهيرة “حتى الحتمية التاريخية تكون مرتبطة- بطريقة ما- بالجهد البشري”. فالتاريخ، كما يرى مزار،  يسمح بظهور زعماء ذوي شخصيات كاريزمية استثنائية لديهم  القدرة والكفاءة لتأسيس دول سياسية ذات عمر قصير الأمد وتتمتع بقوة عسكرية كبيرة. ويطرح ، هنا، أحد الأمثلة المناسبة، في هذا السياق، وهو شخصية لابايو حاكم شكيم، وأحد زعماء “العابيرو” الذين ذكرتهم رسائل تل العمارنة، والذي سيطر على منطقة واسعة وعدد من المدن مثل مجدّو وجزر، آخذين بعين الاعتبار ما تم تحقيقه على يد لابايو رغم هيمنة مصر على كنعان في فترة الدولة الحديثة [في مصر] , ويمكن للمرء أن يتصور داوود على هذه الشاكلة حين أسس مملكته في الوقت الذي لم يكن لمصر أو لأي طرف أجنبي نفوذ كنعان، في ذات الوقت الذي كانت فيه المدن الكنعانية في حالة انهيار. في الواقع، القوة الوحيدة التي وقفت في طريق حكم داوود هي “الدويلات الفلستية”. ويختم مزار مادته بالقول أن إنجازات داود تتجاوز، في معظمها، أدوات الكشف الآثاري. وكل ما يمكن لعلم الآثار قوله، في هذا الصدد، أن تغييرات القرن العاشر ق.م الكبيرة، والقابلة للتحديد آثارياً، إنما هي نتيجة لنفوذ داود وهيمنته على مسرح الأحداث. ويعتقد مزار أن المملكة المتحدة هي دولة في مرحلة مبكرة من التطور وبعيدة كل البعد عن “الدولة الإمبراطورية” كما تصفها السردية الكتابية/ فمملكة داود لم تكن سوى دولة في بقعة محددة كانت عاصمتها أشبه بحصن أوروبي قروسطي متوسطة الحجم. وغزو شيشنق هو، على الأرجح، رد فعل على النفوذ المتنامي لهذه الدولة.

….

الفصل الر ابع: اختبار جديد حاسم حول الأهمية التاريخية للكتاب

القسم الثاني: البحث عن داود وسليمان: وجهة نظر علم الآثار/ عميحاي مزار

بإمكان المرء أن يتخيل عند قراءته للكتاب العبري داود وسليمان كحكام دولة ناضجة (يشار إليها في بعض الأحيان باسم “إمبراطورية”)، وأورشليم كعاصمة كبيرة ومزدهرة، على الأقل كبيرة بما يكفي لاستيعاب زوجات سليمان الألف. وقد يتوقع المرء أيضاً وجود مستوطنات حضرية كثيفة ومزدحمة منتشرة في جميع أنحاء البلد، فضلاً عن نقوش رسمية وأشكال فنية مختلفة. مثلت هذه الحالة، في واقع الأمر، الرأي المهني الذي ساد بين العديد من المؤرخين والآثاريين، ويبدو أن تصوير مملكة سليمان يهذه الطريقة، التي لطالما  كانت واسعة ومتنامية في علم الآثار، تتناسب مع الصورة التقليدية التي صورها الكتاب. وقد أبدى عدد لابأس به من الباحثين، خلال العقدين الماضيين، شكوكاً متزايدة حول الدقة التاريخية للمرويات الكتابية وصلاحيتها، بالإضافة إلى الاستنتاجات الأثرية المتعلقة بالقرن العاشر ق.م، وهو الزمن المفترض لداوود وسليمان. وفي الوقت الذي يحتفظ فيه البعض بمقاربة قديمة محافظة تقبل الكثير من السرد الكتابي كحجة منيعة، ثمة عديد من الحجج المذكورة تقف عائقاً أمام قبول تاريخية المملكة المتحدة: حيث لم يرد ذكر المملكة في أي مصادر مكتوبة من خارج الكتاب، وأورشليم عاصمتها المفترضة إما كانت غير مسكونة، أو مجرد قرية صغيرة خلال القرن العاشر ق.م، ذات كثافة سكانية قليلة؛ وبالكاد يمكن التأكد من معرفة السكان -حينها- للقراءة والكتابة، ولا يوجد دليل على تجارة دولية.. وما إلى ذلك. وزعم العلماء أيضاً بوجوب قراءة النصوص الكتابية المتعلقة بداود وسليمان كأدب خيالي، وكملحمة وطنية تحركها دوافع لاهوتية وإيديولوجية تهدف إلى تمجيد الماضي المفترض للعصر الذهبي في تاريخ إسرءيل. وذهب البعض بعيداً، كما سأحاول استعراضه، في إعادة بناء تاريخ المملكة المتحدة. على الرغم من أنه ينبغي، في واقع الأمر،  أخذ العديد من قصص المرويات الكتابية المتعلقة بتلك الحقبة على علاتها. بل هو طريق طويل من هنا نحو النفي التام للملكة المتحدة كواقعة تاريخية.

دعونا نبدأ مع الحقيقة التي تقول بأن العديد من العلماء ممن ينكرون تاريخية المملكة المتحدة يقبلون في ذات الوقت تاريخية المملكة الشمالية لإسرءيل التي حكمها عُمْري وآخاب في القرن التاسع ق.م. وهم يقبلون بهذا الرأي بسبب ذكر هذا الأخير في الوثائق الآشورية والمؤابية والآرامية من خارج النص الكتابي. ومع ذلك لا يتعدى الفاصل الزمني بين المملكة المتحدة وسلالة عُمْري القرن أو أقل بقليل، في حين أن هناك عدة قرون تفصل بين القرن التاسع ق.م عن الزمن المفترض لتأليف النص الكتابي أي القرن السابع ق.م. فإذا  كانت النسخة المبكرة من التاريخ التثنوي تعود إلى القرن السابع ق.م أو بعد ذلك، كما هو مقبول على وجه العموم، وإذا كان الكتاب يحتفظ بمعلومات دقيقة عن سلالة عُمْري من القرن التاسع ق.م، لماذا، إذن، علينا القبول بوجهة النظر التي تقول بأن المعلومات عن داود وسليمان هي مجرد محض خيال؟ أضف إلى ذلك، ذكر النقوش الآشورية من القرن التاسع ق.م لإسرءيل هو نتيجة لحقيقة تأسيس الإمبراطورية الآشورية، خلال هذا القرن، التي تركت لنا نقوشاً تاريخية، بينما مثل هذه الوثائق غير موجودة في القرن العاشر ق.م، لأنه لا توجد سلطة تدون مثل هذه الوثائق. الاستثناء الوحيد هو نقش شيشنق من معبد آمون في الكرنك، الذي سنعود إليه لاحقاً. وليس هناك من منطق للإقرار بتاريخية الرواية الكتابية بشأن إسرءيل الشمالية سوى تشويه تاريخية المملكة المتحدة للقرن العاشر ق.م أو، في هذا الصدد أيضاً، تاريخية مملكة يهوذا للقرن التاسع ق.م -أي ما لم تستند هذه المزاعم على مؤشرات أثرية واضحة. ولعل هذا هو السبب الذي يجعل من علم الآثار مجال عمل على درجة عالية من الأهمية لتقويم تاريخية المملكة المتحدة. ودعونا، في ضوء هذا السجال، نبحث كيف قد يدعم، أو قد لا يدعم، علم الآثار أحد الموقفين المشار لهما أعلاه، أو ربما الكيفية التي يمكن أن ترشدنا نحو موقف ثالث.

كرونولوجيا العصر الحديدي والتأويل التاريخي

إن شرط التأويل الأثري لأي فترة تاريخية قيد الدراسة، يتمثل في الكرونولوجيا الدقيقة التي من شأنها أن تمدنا في فهم طبيعة البقايا المادية التي تعود إلى فترة زمنية معينة، وهي في حالتنا هذه هي القرن العاشر ق.م. ويطلق على الفترة الأثرية، قيد المناقشة، من قبل معظم علماء الآثار تسمية “العصر الحديدي الثاني A” التي تتميز بتغيير كبير في الثقافة المادية، كما عبر عنها، بشكل خاص، أسلوب إنتاج الفخار. وقد أفسحت التقاليد الكنعانية المبكرة للفخار الملون، الذي عثر عليه في السهول، حتى أوائل القرن العاشر ق.م، السبيل لأسلوب جديد تميز بأشكال جديدة وظهور حواف حمراء وأعمال يدوية أخرى. هذا التقليد الفخاري وتلك المدن وكذلك مواقع التوطن، حيث عثر فيها على تلك اللقى الفخارية، كانت تؤرخ تقليديا بالقرن العاشر ق.م، زمن المملكة المتحدة. وكان فنكلشتين قد اقترح خفض كرونولوجيا المجاميع الأثرية في إسرءيل، التي كانت تُنسب تقليدياً إلى القرنين الثاني عشر ق.م والعاشر ق.م، بمقدار مئة وخمس وسبعون عاماً. وسوف ينشأ عن مثل هذا الاقتراح محو المجاميع الأثرية من القرن العاشر ق.م التي تم الانتفاع بها لحوالي نص قرن من قبل الباحثين كأساس لرسم الصورة الأثرية أو لنموذج مملكة سليمان.  ومن المفترض أن يدعم هذا ” التحقيب المنخفض” المقترح نموذجاً تحقيبياً جديداً (يشبه في واقع الحال لنموذج المقترح من قبل ديفيد جيمسون دريك وآخرين)، بحيث تكون مملكة داود وسليمان، وفقاً لذلك، إما غير موجودة البتة، أو كانت، في أفضل حالاتها، مجرد كيان محلي صغير. ووفقاً لهذا، فأول دولة إسرءيلية موثقة في سجل أثري سوف تكون مملكة إسرءيل الشمالية التي حكمتها سلالة عُمْري في القرن التاسع ق.م. وقد أنتجت عملية إعادة البناء هذه سجالاً مستفيضاً ما انفكت مفاعيله تتواصل. وتبدو القضية الرئيسة فيه تشبه معضلة أسبقية البيضة أم الدجاجة: هل نظرية الكرونولوجيا المنخفضة ولدت خارج المسعى الآثاري المستقل أم كرد فعل آثاري على نموذج تاريخي معين؟

ويظهر النقاش الآثاري، في جميع البحوث المقدمة من قبل فنكلشتين بشأن هذه المسألة، ممتزجاً بتقويم تشكيل الدولة في إسرءيل ويهوذا على نحو لا يسمح لأي تمايز بين السبب والنتيجة. وهي حالة تشبه كثيراً معضلة البيضة والدجاجة، أيهما أسبق للوجود، بمعنى: هل نشأت الكرونولوجيا المنخفضة من مسعى أثري مستقل أن كاستجابة أثرية لنموذج تاريخي معين؟ لذلك، يتولد لدينا انطباع بأن النتائج الأثرية تأثرت أو حتى انحرفت من خلال الرغبة بتفكيك الرؤية التقليدية والاستعاضة عنها برؤية واحدة. فدعونا ننظر في هذه المسألة بالذات بمزيد من التفصيل.

يمكن الاطمئنان للإطار الزمني قيد المناقشة بواسطة اثنتين من الإسنادات الزمنية الأقدم منها: الأول، نهاية الوجود المصري في كنعان خلال القرن الثاني عشر ق.م، ويرتبط السند الثاني بالغزوات الآشورية لإسرءيل وفلستيا ويهوذا في الأعوام 732 و 701  ق.م. وثمة، بين هذين السندين الزمنيين اللذان يفصل بينهما نحو 400 سنة، عدد قليل من النقاط المرجعية. نعثر على إحداها من موقع يزرعيل، حيث أجريت العديد من العمليات الاستكشافية هناك، في التسعينيات، كشفت عن سياجات ملكية تعود لآخاب وإيزابيل المعروفين جيداً من سفر الملوك الأول. تعرضت هذه المباني الهائلة للدمار في أواخر القرن التاسع ق.م، ربما على يد حزائيل ملك دمشق، بعد وقت قصير من نهاية حكم أسرة عُمْري حوالي 840 / 830 ق.م. وينبغي، إذن، تأريخ فخار هذه الطبقة المدمرة لتلك الفترة. وسرعان ما تبين بوضوح أن هذا الفخار يشبه مثيله الذي عثر عليه في مجدّو في مبانٍ نسبت تقليدياً إلى سليمان. هذه هي إحدى الحجج الرئيسية لفنكلشتين لتدعيم نظرية خفض كرونولوجيا مباني مجدّو إلى القرن التاسع ق.م. إلا أنه عثر على فخار مماثل في يزرعيل أيضاً في مادة ردم البناء أسفل السياجات الملكية ويرتبط على الأرجح ببلدة أقدم. ويمكن إرجاع هذا التوطن ما قبل العُمْري إلى القرن العاشر ق.م أو أوائل القرن التاسع ق.م. ويشير هذا الأمر إلى استخدام ذات الذخيرة الفخارية لمعظم القرنين العاشر والتاسع ق.م. ويمكننا الاستنتاج، بالرجوع مرة ثانية إلى مباني مجدّو، بأنها شيدت خلال تلك الفترة الذي يمثله هذا الفخار وبقيت قيد الاستخدام طوال الوقت (وهو ما يسمى بالعصر الحديدي الثاني A  في التقسيم الأكثر شيوعاً حالياً للعصر الحديدي)، أي، إما أن يكون  القرن العاشر ق.م أو القرن التاسع ق.م أو كليهما (انظر أدناه). وهكذا يمكن أن تكون هذه المباني  قد شيدت إما من قبل سليمان أو من قبل عُمْري أو آخاب.

النقطة المرجعية الأثرية الهامة الثانية هي موقع عراد في النقب الشمالي الذي يظهر في قائمة أسماء الأماكن التي نقشت على جدار معبد آمون في الكرنك، في صعيد مصر، في عهد شيشنق الأول، الفرعون الذي قام بحملة  عسكرية ضد إسرءيل. ويمكن، باطمئنان، مطابقة شيشنق الأول مع شيشق المذكور في نص العهد القديم الذي هدد أورشليم في زمن رحبعام بعد موت سليمان بخمس سنوات: “25وَفِي السَّنَةِ الْخَامِسَةِ لِلْمَلِكِ رَحُبْعَامَ، صَعِدَ شِيشَقُ مَلِكُ مِصْرَ إِلَى أُورُشَلِيمَ” (سفر الملوك الأول 14). وحيث أن عراد ذكرت في قائمة شيشنق، فلا بد أن تحتوي على موقع توطن قبل غزو شيشنق. وهكذا، ينبغي على الأقل أن يتم تحديد تأريخ أبكر للموقع إلى القرن العاشر ق.م (أو إلى زمن سليمان). وكشفت حفريات يوحنان أهاروني التي أجريت في الموقع الأقدم (السوية XII) التي نسبت تقليدياً إلى القرن العاشر ق.م، عن لقى فخارية مشابهة لتلك المستخرجة من طبقات التوطن الأخرى في يهوذا كتلك التي عثر عليها في مواقع بئر السبع أو لخيش.

وتعد مثل هذه الكرونولوجيا المقارنة النسبية أداة بحث أساسية في علم الآثار، وكما هو الحال في القضية التي نتناولها الآن، فهي تنفي كرونولوجيا فنكلشتين المنخفضة والتي ينبغي ، وفقاً له، إرجاع جميع المواقع الأخرى إلى ما بعد القرن العاشر ق.م، وبالتالي إلى حقبة متأخرة عن عصر سليمان، والغريب بعض الشيء، أن فنكلشتين نفسه يقبل بتأريخ سوية عراد XII إلى زمن ما قبل شيشنق، وكأنه يسحب البساط من تحت نظريته الخاصة.

يؤكد البحث الدقيق مجموعة من العلاقات المتبادلة بين كثير من المواقع في جميع أنحاء البلاد، وبالتالي يتيح استخدام موقع عراد كنقطة مرجعية أساسية وخلق آفاق لسويات معاصرة مأهولة في أماكن أخرى. وتدل مثل هذه المقاربة، في اعتقادي، على عدم القبول بنظرية الكرونولوجيا المخفضة لفنكلشتين  كما هي، لأنها تخلق مشاكل لم تحل بعد لدراسة العصر الحديدي. كما أن البحوث الأثرية في حاصور ويزرعيل وأبحاثي عن تل رحوف، في وادي بيسان (شكل 4)، تزيد، في واقع الأمر، قناعتي بوجوب تعديل الكرونولوجيا التقليدية بعض الشيء. وسوف أقترح، خلافاً لفنكلشتين، الذي نقل ببساطة كل مجاميع القرن العاشر ق.م إلى القرن التاسع ق.م، أن مجاميع الفخار قيد النظر ذات عمر أطول، وتتداخل في كل من القرنين العاشر والتاسع ق.م. وفقاً لما أسميه الكرونولوجيا التقليدية المعدلة (يمتد العصر الحديدي الثاني A  من 980 إلى 830  -840 ق.م) (شكل 5). وخلال العشرية الماضية اعتمد عدد لا بأس به من الآثاريين الذين نقبوا أو درسوا مواقع العصر الحديدي الثاني A  على منظور “المدة الطويلة” لمجاميع الفخار، موضع الدراسة، كأسلوب هو الأكثر قبولاً، بمن فيهم الباحثون والمنقبون في حاصور ويزرعيل وبيسان وتل رحوف وجزر وبيت شيمش، وتمنا (تل البطش)، والقدس، وجت (تل الصافي) وعراد وبئر السبع.

الشكل (4) تل رحوف، الصورة من بعثة التنقيب في تل رحوف

كما هناك محاولات حديثة لتقسيم العصر الحديدي الثاني A  إلى طورين ثانويين، الطور الأقدم في القرن العاشر ق.م والطور التالي يبدأ من نهاية القرن ويستمر إلى القرن التاسع ق.م. وتم اختبار بعض تأكيدات هذا الطرح في كل من تل رحوف في الشمال ومنطقة بئر السبع-عراد في الجنوب (وهذه الأخيرة من قبل زئيف هيرتسوغ وليلي سنجر-أفيتس).

وشهد العقد الماضي ضمن عدة أطر بحثية إجراء العديد من المحاولات التي تعتمد على تقنية الكربون المشع لتحديد التواريخ، لحسم الجدل حول تحقيب العصر الحديدي. أخذت أكثر من 60 عينة من تل رحوف مؤرخة إلى مختبرات جامعة غرونينغن للعمل عليها من قبل جي. فان دير بليشت J. Van der Plicht و إتش بروينس H. Bruins. قدمت هذه العينات مصفوفة تواريخ لسلسلة سويات أثرية تعود إلى الفترة ما بين القرنين الثاني عشر حتى التاسع ق.م. كما ظهر مشروع تأريخ العصر الحديدي المبكر برئاسة إي. باوريتو E. Boaretto و إيي. جلبوع A. Gilboa وآي. شارون I. Sharon وتي. جول T. Jull، باستخدام مختبرات معهد وايزمان في إسرائيل وجامعة أريزونا الذي كان يرغب في الحصول على عينات من أكبر عدد ممكن من المواقع، وقد تم نشر نتائج أكثر من 50 عينة لتحديد تاريخها حتى الآن. علماً أنه تم في السنوات الأخيرة قياس تواريخ أخرى من مواقع متنوعة مختلفة. وينصب التركيز في هذه المشاريع، حالياً، على النوعية عالية الجودة من التواريخ لأكبر عدد من العينات ذات العمر القصير (على سبيل المثال البذور وأنوية الزيتون) قدر الإمكان من السياقات آمنة المصدر والمعايرة من خلال استخدام أحدث البرامج والمعالجة الإحصائية للنتائج. ويدور في الأذهان السؤال الأساس التالي: ما هي الثقافة المادية ذات الصلة بالإطار الزمني المنسوب إلى داود وسليمان في عمليات إعادة بناء تاريخي تقليدي، وبالتحديد تلك الكتلة من الثقافة التي تنسب إلى القرن العاشر ق.م؟

سوف تندرج هذه الفترة، تقليدياً، في العصر الحديدي الثاني A. وسوف تزيح الكرونولوجيا المنخفضة -كما يقترح فنكلشتين- العصر الحديدي الثاني A إلى القرن التاسع ق.م ويكون القرن العاشر ق.م جزءً من سياق العصر الحديدي الأول. وتشير تحليل نتائج الكربون المشع لـ 64 عينة من تل رحوف إلى تأريخ بين 992 و962 ق.م للانتقال من عصر الحديد الأول والثاني، ولذلك، سيشتمل العصر الحديدي الثاني A على الجزء الكبير من القرن العاشر ق.م بالإضافة إلى الجزء الكبير من القرن التاسع ق.م. كما أشارت النتائج المبكرة لمشروع تأريخ العصر الحديدي المبكر(نشر من قبل بواريتو ورفاقه E. Boaretto et al في مجلة راديوكربون Radiocarbon في العام 2005) إلى أن العام 900 ق.م تقريباً هو تاريخ نهاية العصر الحديدي الأول بما يدعم الكرونولوجيا المنخفضة، وتم فحصها من قبلي مؤخراً في دراسة ينتظر نشرها بالتعاون مع تشي. برونك رامزي في ضوء تواريخ إضافية عدة. وتشير النتائج إلى تأريخ المرحلة الانتقالية من العصر الحديدي الأول إلى العصر الحديدي الثاني بين 964-944 ق.م.

كما قمنا أيضا بعمليات حسابية عن تدمير ثلاث مواقع رئيسية ذات صلة بنهاية العصر الحديدي الأول (مجدّو، يقنعام[تل قامون]، تل قسيلة) كما حصل ذلك حوالي نهاية القرن الحادي عشر ق.م أو بداية القرن العاشر ق.م. وهكذا، فقد حصل الانتقال من العصر الحديدي الأول إلى العصر الحديدي الثاني، على الأغلب في وقت ما خلال النصف الأول من القرن العاشر ق.م، مما أتاح وقتاً كافياً في القرن العاشر ق.م لعصر الحديد الثانيA ليرتبط كي يرتبط بالحقبة الداودية/السليمانية. ولكن الدراسة أظهرت أيضاً مدى حساسية النماذج الإحصائية لتأريخ الكربون المشع. وأعتقد أن نشر تواريخ جديدة أو حذف تواريخ منشورة لأسباب معينة (مثل القيم المتطرفة، وعينات السياقات والتواريخ المشكوك فيهما)، قد يؤدي إلى تغيير النتائج بشكل كبير.

الشكل (5) العصور الزمنية للعصر الحديدي في “ارض إسرائيل”

وينظر إلى النتائج المتحصل عليها من الكرونولوجيا التقليدية المعدلة على أنها تضمين لكل من المملكة المتحدة وسلالة عُمْري في فترة أثرية طويلة واحدة هي العصر الحديدي الثاني A. ويخلق هذا التزمين المنقح بدوره مزيداً من المرونة في تفسير المعطيات الآثارية، كما يخلق صعوبات لمن يرغب في الاستفادة من علم الآثار لتقديم تفسيرات تاريخية آمنة في جنوب المشرق خلال القرنين العاشر والتاسع ق.م. حيث يصعب في كثير من الحالات الاستنتاج، يقيناً، ما إذا كان قد تم تشييد مبنى معين سواء خلال القرن العاشر ق.م أم التاسع ق.م، ما لم يكن  تقسيم الفخار الدقيق بين أوائل العصر الحديدي الثاني A  وأواخر العصر الحديدي الثاني A سيثبت في يوم ما صلاحيته لدراسة حالات خاضعة أكثر للتدقيق والرقابة. وهذا ما لا يمكن القيام به في الوقت الحاضر بالنسبة للعديد من عمليات الاستكشاف القديمة، وعلى وجه الخصوص في مجدّو، نظراً لأن أحد القصرين الذين نسبهما يادين إلى عصر سليمان، ومنهما القصر الجنوبي تحديداً كان يحتفظ بمستوى مسار الدورات الأساسية فقط، بينما لا تسمح لنا دراسات فخار القصر الشمالي المنشورة القيام بالتأريخ الدقيق داخل حدود فترة العصر الحديدي الثاني A. وسوف تعني الكرونولوجيا المعدلة بأن أي توليفة آثارية شاملة للعصر السليماني سوف تكون توليفة مؤقتة ويمكن تفسيرها بأكثر من طريقة. وأخيراً، ترفض هذه الكرونولوجيا الصرامة أحادية الجانب للكرونولوجيا المنخفضة على النحو الذي اقترحه فنكلشتين. وسوف أقوم، فيما يلي، بدراسة بعض أكثر القضايا الحاسمة المتعلقة في موضوعنا في ضوء الكرونولوجيا التقليدية المعدلة.

أهمية حملة شيشنق الأول ( شيشق)

لا ينبغي أن يفاجئنا الافتقار إلى مصادر خارجية تتعلق بمملكة كمملكة داود وسليمان، نظراً لعدم وجود إمبراطوريات أو قوى سياسية رئيسية خلال القرن العاشر تركت خلفها وثائق كبيرة مكتوبة. ويبدو المصدر الخارجي الوحيد (من خارج النص الكتابي) المتعلق بهذه الفترة هو نقش شيشنق الأول المذكور أعلاه، الذي يشير إلى حملة عسكرية على المنطقة في العام920 ق.م. وعلينا أن ندرك أولا أن الإشارة إلى حملة شيشنق في سفر الملوك الأول (14: 25-28)  لا يمكن أن تكون بأي حال من الأحوال كما لو أنها اختلاق من مؤلف عاش في القرن السابع ق.م، أو بعد ذلك، لأنه يجب أن يكون بين يدي مثل هذا الكاتب سجلات من نوع ما. وهذا في حد ذاته دليلاً مهماً فيما يتعلق بالبعد التاريخي للرواية الكتابية والطريقة التي ظهرت بها. وعلى النقيض من أي حملة عسكرية سابقة لأرض كنعان قامت بها الدولة الحديثة في مصر، تذكر قائمة شيشنق مواقع شمال القدس، مثل بيت حورون وجبعون. والتفسير الوحيد المعقول لهذا يجب أن يكون وجود قوة سياسية مركزية في منطقة الهضاب مميزة إلى حد ما في نظر المصريين لتسويغ طريق الحملة الاستثنائية على هذا النحو. والمرشح الوحيد المعقول لمثل هذه القوة هو المملكة السليمانية.

ويبدو أن اقتراح فينكلشتاين بأن مملكة شاؤول كانت هدف حملة شيشنق، اقتراحاً متكلفاً وبعيد الاحتمال، ويأتي على نقيض لأي كرونولوجيا داخلية كتابية تؤرخ حملة شيشنق إلى فترة رحبعام. وفي واقع الأمر، إذا كانت الحملة حدثت عقب وفاة سليمان، ربما كان شيشنق يحاول استغلال فترة الضعف التي أعقبت ذلك، وتوجيه ضربة ضد الدولة الإسرءيلية الناشئة. وحقيقة أن أورشليم لم يرد ذكرها في النقوش لا يعني أن المدينة استسلمت على نحو ما، وربما لم يكن هناك أي سبب لعدم ذكرها، أو، كاقتراح بديل، يمكن أن تظهر الإشارة لها على أحد الأجزاء المكسورة للنقش. أما بالنسبة للمراحل المتبقية من الطريق فإن معظم الباحثين (باستثناء نعمان نداف) قاموا بإعادة بناء الطريق الذي يقطع سفوح جبال الهضاب الوسطى باتجاه وادي الأردن. وتناسب الإشارات الواردة في النقش لكل من رحوف، بيت شان، و”الوادي” (في إشارة على الأرجح إلى بيت شان أو وادي يزرعيل أو كليهما) في خط متواصل إعادة هذا التركيب.

وثمة وجهات نظر مختلفة بشأن مسألة ما إذا كان شيشنق قد دمر فعلاً المدن الواقعة في مسار حملته. فإذا كان الأمر كذلك،  فما هي السويات الأثرية التي يمكن القول أن دمرت على يد شيشنق؟. يقول الرأي الشائع أن هذا التدمير قد وقع بالفعل، ومن الممكن، مبدئياً، تحديد طبقات الدمار وعدد من المواقع الناتجة مباشرة عن  حملة شيشنق والدمار العنيف الذي يمكن أن يؤرخ لتلك الفترة، لا سيما في بيت شان وأودية يزرعيل، مثل تل الحامة، تل رحوف، مجدّو، تعنّك. وأعتقد، على وجه العموم، لا يجب إيلاء أهمية كبيرة لمسألة ما كانت هذه المدن قد دمرت فعلاً، بل ينبغي أن ننتبه أكثر إلى الإشارة الفعلية لأسماء معينة في القائمة. ومن غير  المعقول، كما اقترح البعض، بأن الذين كتبوا نقش شيشنق قاموا فقط بنقش أسماء من قوائم طوبوغرافية مصرية سابقة في الكرنك، حيث هناك العديد من أسماء الأماكن عرفت فقط من نقش شيشنق. ويبدو من الأهمية بمكان، بالنسبة للآثاريين، إدراك أن أي اسم مكان يظهر في هذه القائمة يجب أن يكون موجوداً قبل الحملة، وأنه حيثما كان الأمر متاحاً، يجب تحديده في سجل أثري؛ وبالتالي فإن مواقع مثل عراد ومواقع هضاب النقب وتعنّك ورحوف، تمثل جميعها  أمثلة جيدة لمواقع ذكرت في نقش شيشنق  كشفتها طبقات التوطن في العصر الحديدي الثاني A . ولا يوجد في بعض هذه المواقع (على سبيل المثال، عراد ومرتفعات النقب، من أجلها أنظر أدناه) بديل سوى عزو طبقات توطن العصر الحديدي الثاني A إلى القرن العاشر السابق لحملة شيشنق. وهذا بحد ذاته إسناد أثري هام ينفي الكرونولوجيا المنخفضة .

 أورشليم في العصر الحديدي الأول والثاني

يعتبر تقويم أورشليم، كمدينة صغيرة في القرنين العاشر ق.م والتاسع ق.م، أمراً حاسماً لتحديد نشأة دولة يهوذا، فلا وجدة، على الأرجح، لعاصمة ما لم توجد مملكة.  وكان ديفيد أوسشكين قد اقترح في العديد من المقالات التي نشرت في السنوات الأخيرة بأن أورشليم لم تكن موقع توطن في القرن العاشر ق.م، في حين حدد فنكلشتين أورشليم كقرية صغيرة في القرن العاشر. وينبغي دراسة هذه التقويمات بشيء من التفصيل بسبب ضرورتها لموضوعنا هنا. فقد اقتصرت أورشليم، قبل توسعها في القرن الثامن نحو الهضبة الغربية، على سلسلة من الروابي الضيقة للتلة الشرقية، يتوجها جبل الهيكل [الحرم القدسي]. وتبلغ المساحة الكلية لهذه التلال حوالي 12 هكتار ( ما يعادل 30 فدان). وهي إذن، أكبر، من حيث المساحة، من أي مدينة أخرى تعود للعصر الحديدي في إسرءيل أو يهوذا. ويقع كامل الجزء العلوي من هذا التل أسفل هضبة اصطناعية ضخمة تعود لفترة الهيكل الثاني. وتضيق سلسلة التلال كلما اتجهنا جنوباً من جبل الهيكل [الحرم القدسي]، وتحيط بها الوديان العميقة مثل وادي قدرون [وادي جهنم أو وادي سلوان] ووادي تروبيون [الواد]. هذا ما كان عليه موقع القدس القديمة، المدينة الكنعانية الأصلية. وتبلغ مساحة هذا الجزء من سلسلة التلال نحو أربعة هكتارات.

كشف البناء الرئيسي قرب قمة هذا الجزء من التل المعروف باسم بناء الدرج الحجري وكان المقصود منه، على الأرجح، دعم الصرح الضخم (شكل 6)، ويمكن الاستدلال على التاريخ الأقدم المحتمل لإنشائه من اللقى الفخارية التي وجدت ضمن أساسته والتي تعود لتاريخ لا يتعدى الفترة ما بين القرنين الثاني عشر والحادي عشر ق.م. ويشير الفخار الذي عثر عليه في أرضيات المباني، فوق الجزء السفلي لهذا البناء المدرج، إلى البدء في استخدام المبنى خلال العصر الحديدي الثاني A، أي في وقت ما في القرنين العاشر أو التاسع ق.م. لذلك ينبغي له أن يكون بني بين القرنين الحادي عشر والعاشر ق.م. و إذن، هذا يجيز لنا الاستنتاج بأن المبنى كان مقاماً، أو لا يزال قيد الاستخدام خلال القرن العاشر ق.م، وهي الفترة المزعومة لعصر داود وسليمان. وكشفت العمليات التنقيبية التي نفذتها مؤخراً إيلات مزار على قمة التل إلى الشرق، وقريبا جداً من البناء الحجري المدرج، عن مبنى ضخم ذو جدران بعرض أكثر من مترين يمتد خارج حدود منطقة التنقيب في جميع الاتجاهات. وكانت كاثلين كينون فد كشفت من قبل تكملة المبنى كانت (في المنطقة التي تسميها H) والتي حددتها بأنها “استحكامات حصينة” تعود للقرن العاشر ق.م. وتتشابه البيانات التي تتعلق بتاريخ هذا المبنى مع تاريخ المبنى الحجري المدرج الذي ترتكز أساسته على طبقة أرضية، وبمحاذاتها، وتحتوي على فخار يعود للقرن الحادي عشر ق.م، كما عثر على فخار يعود للقرنين العاشر والتاسع ق.م في طبقة أرضية متصلة ببعض جدرانه، حيث تم الكشف عن أدلة إصلاحات وتغييرات في المبنى. ويبدو أن هذا البناء كان يمثل قلعة مدعمة بالبناء الحجري المدرج. ولا يوجد ما يوازي حجمه في أي مكان في أرض إسرءيل بين القرنين الثاني عشر ق.م، وأوائل القرن التاسع ق.م. لا البناء الحجري المدرج ولا البناء المكتشف حديثاً إلى الغرب، وهذا، في رأيي، مؤشر واضح على أن أورشليم كانت أكبر بكثير من مجرد قرية صغيرة، فهي في الحقيقة تحتوي على أكبر هيكل معروف في ذلك الوقت في المنطقة، وبالتالي يمكنها أن تؤدي دور قاعدة سلطة مركزية. واقترحت إيلات مزار مطابقة هذا المبنى مع القصر المنسوب إلى داود، حسب  الإصحاح الخامس من سفر صموئيل الثاني:” 11وَأَرْسَلَ حِيرَامُ مَلِكُ صُورَ رُسُلاً إِلَى دَاوُدَ، وَخَشَبَ أَرْزٍ وَنَجَّارِينَ وَبَنَّائِينَ فَبَنَوْا لِدَاوُدَ بَيْتًا”. ومن شأن تحديد أكثر قبولا من وجهة نظري ينبغي أن تتم مطابقته مع “قلعة صهيون” المذكورة في الكتاب في وصف فتح داود لأورشليم، والتي قام داود بتغيير اسمها إلى “مدينة داود” كما في الآيات السابقة من ذات الإصحاح: “7وَأَخَذَ دَاوُدُ حِصْنَ صِهْيَوْنَ، هِيَ مَدِينَةُ دَاوُدَ. 8وَقَالَ دَاوُدُ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ: «إِنَّ الَّذِي يَضْرِبُ الْيَبُوسِيِّينَ وَيَبْلُغُ إِلَى الْقَنَاةِ وَالْعُرْجِ وَالْعُمْيِ الْمُبْغَضِينَ مِنْ نَفْسِ دَاوُدَ». لِذلِكَ يَقُولُونَ: «لاَ يَدْخُلِ الْبَيْتَ أَعْمَى أَوْ أَعْرَجُ». 9وَأَقَامَ دَاوُدُ فِي الْحِصْنِ وَسَمَّاهُ «مَدِينَةَ دَاوُدَ». وَبَنَى دَاوُدُ مُسْتَدِيرًا مِنَ الْقَلْعَةِ فَدَاخِلاً”. غير أن التحديد الأكثر منطقاً، من وجهة نظري، مطابقته مع ما يعرف باسم מצודת ציון (متسودات صهيون – “حصن صهيون”) المذكور في الوصف الكتابي لغزو داود لأورشليم، حيث يقال أن داود استبدل اسم هذا الحصن باسم עיר דויד (“عير داود- مدينة داود) : ” 7وَأَخَذَ دَاوُدُ حِصْنَ صِهْيَوْنَ، هِيَ مَدِينَةُ دَاوُدَ. 8وَقَالَ دَاوُدُ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ: «إِنَّ الَّذِي يَضْرِبُ الْيَبُوسِيِّينَ وَيَبْلُغُ إِلَى الْقَنَاةِ وَالْعُرْجِ وَالْعُمْيِ الْمُبْغَضِينَ مِنْ نَفْسِ دَاوُدَ». لِذلِكَ يَقُولُونَ: «لاَ يَدْخُلِ الْبَيْتَ أَعْمَى أَوْ أَعْرَجُ». 9وَأَقَامَ دَاوُدُ فِي الْحِصْنِ وَسَمَّاهُ «مَدِينَةَ دَاوُدَ». وَبَنَى دَاوُدُ مُسْتَدِيرًا مِنَ الْقَلْعَةِ فَدَاخِلاً”. (سفر صموئيل الثاني 5 : 7-9).ولا يزال مثل هذا التحديد افتراضياً بطبيعة الحال، غير أنه يبدو مغرياً لمن يؤمن بأن السرد الكتابي يحفظ التقاليد القديمة والعديد من المعلومات عن الماضي.

كما عثر، بالإضافة إلى هذا المبنى الهائل، على بقايا قليلة في مدينة داود يمكن أن تعزى إلى القرن العاشر ق.م. وتتكون هذه اللقى، أساساً، من كسر فخارية وجدت في مناطق مختلفة من منطقة التنقيب، وبقايا معمارية قليلة تعود، على الأرجح، إلى الحالة السيئة لحفظ المباني على المنحدر الحاد لهذا الموقع المميز، وإعادة الاستخدام المتواصل على مدى قرون. وتم تأريخ التحصينات الضخمة المكتشفة من قبل روني رايخ و إيلي شوكرون حول نبع جيحون عند سفح مدينة داود لفترة العصر البرونزي الوسيط (من القرن الثامن عشر ق.م إلى القرن السادس عشر ق.م) وكانت من بين أقوى التحصينات لتلك الفترة في البلد بأكمله. ويمكن لمثل هذه التحصينات الضخمة أن يتواصل استخدامها لعدة قرون، بما في ذلك في زمن داود وسليمان، رغم عدم وجود دليل مباشر لدعم هذا الاقتراح، وتبقى هذه مجرد حجة شرطية فقط.

ولكن، وعلى سيل المقارنة والمثال، يمكن النظر إلى حالة المدن الرئيسية الأخرى في الشرق الأدنى القديم حيث استمرت الأبنية الضخمة لعصر البرونز الوسيط قيد الاستخدام لعدة قرون، في بعض الأوقات حتى العصر الحديدي (مثل القصر في مدينة آشور، معبد إله العواصف في حلب، والمعابد في شكيم وبيلا، وغيرها كثير). أما المعبد والقصر اللذان  من المفترض أن يكونا من عمل سليمان، فلابد أن يعثر عليهما، إن كانا موجودين، في أي مكان تحت جبل الهيكل الحالي [الحرم القدسي]، حيث لا يمكن القيام بأي حفريات (انظر شكل 7). وإذا ما تم أخذ الوصف الكتابي  بموثوقية، فإن أورشليم سليمان يمكن أن تكون مدينة بمساحة 12 هكتار مع المباني الضخمة الصرحية والمعبد.

وإذا ما تم محو سليمان من التاريخ، فمن سيكون إذن المسؤول عن بناء معبد أورشليم؟

ليس هناك ثمة شك في أن معبداً كهذا كان قائماً على جبل الهيكل قبيل الغزو البابلي للمدينة، ولكننا نفتقر لأي تلميح نصي عن أي بديل لسليمان كباني لها.

بني هيكل سليمان، كما ورد في الكتاب، وفقا لمخطط ثلاثي معروف جيداً في المنطقة من الألفية الثانية ق.م حتى القرن الثامن ق.م. والموازي القريب له هو المباني المعروفة لمعابد العصر الحديدي في تل التينات وعين دارا في شمال سوريا. وهذه الأمثلة تزودنا بنماذج عن التفاصيل المعمارية التي تظهر في وصف معبد سليمان، مثل العمودين في مقدمة المدخل الرئيسي (المعروفين كتابياً باسم ياكين وبوعز)، والممرات المحيطة بالمبنى، والنمط الخاص للنوافذ. وتبدو مخططات المعبد وتفاصيل البناء في التقليد الكتابي، مثل استخدام الحجارة الكبيرة المحفورة مجتمعة مع خشب الأرز، تناسب أيضاً تقنيات البناء المعروفة في الألفية الثانية والعصر الحديدي، ومخططات المعابد هذه غير معروفة في بلاد الشام بعد القرن الثامن ق.م، وبالتالي، لم يكن الوصف الكتابي لمعبد أورشليم اختراعاً من القرن السابع أو بعده. كما تبدو زخرفة وتأثيث المعبد، مثل الحوض المعدني المصهور molten sea، وأشكال التزيينات النباتية مثل نيات القرع، والمناصب البرونزية ذات العجلات، والملائكة (الشيروبيم)، والمعاول، والأحواض، كلها لها نظائر في اللقى الأثرية. وتناسب هذه الزخرفة الموضوعات الفنية والمعروفة في الفن الفينيقي. ويأتي الكثير من أوجه الشبه من موضوعات تؤرخ للقرن التاسع حتى الثامن ق.م، ولكن العديد من هذه الموضوعات له جذور في تقاليد الألفية  الثانية ق.م، وهي دليل على استمرارية التقاليد الثقافية بين الألفية الثانية والألفية الأولى ق.م.

ويمكن لمعبد سليمان أن يدل على الاستمرارية ذاتها. والتفصيل الرئيسي الذي يبدو مبالغاً فيه هو كمية الذهب الكبيرة في المبنى-يبدو من غير المرجح أن مثل هذه الكمية  كانت متوفرة في أورشليم، على الرغم من دفوع آلان ميلارد عن جدوى هذا التفصيل أيضاً. ويمكن مقارنة وصف مجمع قصر سليمان ومكوناته مع بنية القصر في بلاد الشام وشمال سوريا، وتشير مثل هذه المقارنة إلى أوجه تشابه قريبة لمجمع القصور المعروفة جيداً والموجودة في زنجرلي، عاصمة  شمأل (جنوب شرق تركيا) ومدن سوريّة أخرى. ويبدو بالتالي أن الوصف الكتابي لكل من المعبد والقصر على حد سواء يناسب العمارة والفنون الزخرفية في العصر الحديدي المعروف لنا من علم الآثار. ولكن هل من المناسب القول أن مثل هذه المباني الرائعة كانت قائمة في القدس في القرن العاشر؟

يمكن للمرء أن يشك في أن مملكة سليمان كانت قوية وغنية بما فيه الكفاية لتتحمل تكاليف إنشاء مثل هذه المباني والتجهيزات. ربما من المفيد القول بأن الوصف الكتابي يستند على شكل المعبد في زمن التدوين -القرنين الثامن والسابع ق.م، عندما كانت أورشليم في ذروتها- وحتى مع هذا، فإنه يبدو مبالغاً فيه كثيراً. ومع ذلك، لا يستبعد مثل هذا التفسير احتمال إنشاء المعبد والقصر فعلياً في القرن العاشر ق.م، وتم تجديدهما في وقت لاحق. باختصار، كانت أورشليم، في عهد داود، على الأرجح، مدينة بمساحة تصل إلى نحو أربعة  هكتارات، ووصلت إلى نحو 12 هكتاراً في عهد سليمان. وانتصبت قلعة عظيمة في قلب المدينة الرئيسية “مدينة داود” ذات طبيعة وأبعاد استثنائية لتلك الفترة. مدينة كهذه لا يمكن أن تكون متخيلة كعاصمة لدولة عظيمة كتلك المذكورة في الكتاب، غير أنه من الممكن أن تكون لعبت دور مركز السلطة لحكام محليين مثل داود وسليمان، وبمثل هذا العرض نستطيع أن نحدد بشكل صحيح طبيعة المملكة والدولة.

تصور يادين:  مجدّو وحاصور وجزر

كشف المنقبون من المعهد الشرقي التابع لجامعة شيكاغو في أوائل ثلاثينيات القرن الماضي في السوية IV في موقع مجدّو عن مبانٍ ضخمة تم تفسيرها على أنها إسطبلات ملكية، وعلى أنها مشاريع عمرانية سليمانية وفقا للإشارات الواردة في الكتاب عن مدن العربات التي شيدت من قبل سليمان (سفر الملوك الأول 9: “19وَجَمِيعَ مُدُنِ الْمَخَازِنِ الَّتِي كَانَتْ لِسُلَيْمَانَ، وَمُدُنَ الْمَرْكَبَاتِ وَمُدُنَ الْفُرْسَانِ، وَمَرْغُوبَ سُلَيْمَانَ الَّذِي رَغِبَ أَنْ يَبْنِيَهُ فِي أُورُشَلِيمَ وَفِي لُبْنَانَ وَفِي كُلِّ أَرْضِ سَلْطَنَتِهِ”) وكشف المستوى الأبكر، السوية V لمنقبي جامعة شيكاغو، ناهيك عما كشفه يغال يادين من الجامعة العبرية، عن مدينة غير محصنة مع اثنين من القصور مشادة بالحجر المربع (يشار إليهما اليوم بالسوية IVB-VA). وقد أصبح تاريخ وتأريخ هاتين المدينتين موضع نقاش طويل بين علماء الآثار، وما زالت هذه القضايا دون حل بعد، على الرغم من أهميتها البارزة لموضوعنا. ويبرز هنا سؤال رئيسي عن مجدّو يتعلق بتحديد تأريخ ما يدعى البوابة ذات الغرف الست. والمقصود بها بوابة المدينة التي شيدت من حجر البناء المربع الذي كان يستخدم بالتأكيد في زمن “مدينة العربات”، ولكن وفقاً لباحثين آخرين، تم بناء هذه البوابة في “مدينة القصور” الأبكر (أو السوية IVB-VA). وكان أولبرايت ويادين وغيرهما قد أرخوا “مدينة القصور” إلى زمن سليمان و”مدينة الإسطبلات” (السوية IVA) إلى زمن آخاب في القرن التاسع ق.م.

طور يادين، متبوعاً بأعماله التنقيبية في حاصور ومجدّو في الستينيات، أطروحته المتجددة في ما يتعلق بالعمارة السليمانية. واكتشف في حاصور بوابة ذات ست غرف مماثلة لتلك الموجودة في مجدو وجازر وطابقها مع البوابة المشابهة التي اكتشفت جزء منها ستيوارت مكالستر قبل ذلك بعدة سنوات، واقترح يادين، بناءً على أن بناء البوابات المشار لها في حاصور ومجدّو وجزر هي من بين أنشطة البناء السليمانية المذكورة في سفر الملوك الأول (9: 15)، بأن البوابات الثلاث شيدت جميعها من قبل مهندسي سليمان وفقاً لمخطط موضوع. وبالتالي، فإن هذه البوابات والمدن التي ينتمون إليها اعتبرت من قبله كمعالم لمملكة سليمان. وأظهرت الحفريات اللاحقة في كل من حاصور وجزر ما يؤكد تأريخ هذه البوابات للقرن العاشر ق.م. وجدت البوابة التي عثر عليها في حاصور في ست سويات على الأقل من سويات العصر الحديدي الذي سبق الغزو الآشوري في العام 732 ق .م، وثلاث من هذه السويات ( X,IX,VIII والسويتان الأبكر يمتلكان مراحل فرعية) تعود على الأرجح إلى الفترة بين القرنين العاشر والتاسع ق.م، وربما انتهت السوية VIII ليس أبعد من العام 830 ق.م. وينتمي كل من البوابة ذات الغرف الست والسور المحصن إلى المراحل المبكرة لهذه السويات، وبالتالي فمن المنطقي القول أن نظام التحصين هذا شيد خلال القرن العاشر ق.م. وجهت انتقادات بشأن عرض يادين في مجدّو في ضوء مؤشرات تقول بأنه لا يمكن أن تكون هذه البوابة شيدت في فترة  أبكر من بناء “مدينة الإسطبلات” وهذه الأخيرة يجب أن تكون شيدت في وقت ما بعد سليمان وفقا ليادين نفسه.

الشكل(6): الهيكل الحجري المتدرج في القدس. الصورة مقدمة من زيف رادوفان.

ويمكن أن تكون هذه البواية، في اعتقادي، جزءً من مدينة القصور(السوية IB-VA)، واستمرت في الاستخدام في القرن التاسع ق.م. ويطرح إسرائيل فنكلشتين وجهة نظر متطرفة ترى بأن  “مدينة القصور” بأكملها (IVB-VA) بنيت على يد آخاب، أما مدينة “مدينة الإسطبلات” (بما في ذلك البوابة ذات الغرف الست) فقد بنيت من قبل منسّى في القرن التاسع ق.م. وهذه القضية مازالت مثار جدل ونقاش، وهناك وجهات نظر مختلفة حتى بين رؤساء ثلاثة بعثات أثرية جارية في مجدّو (إسرائيل فنكلشتين، ديفيد أوسشكين، باروخ هالبيرن).

الشكل (7) مخطط أورشليم القديمة.

وكما أشرت سابقاً تمكننا الكرونولوجيا التقليدية المعدلة من تأريخ الفخار الذي عثر عليه في “مدينة القصور” إما إلى عصر سليمان أو إلى عصر آخاب. ويدل هذا الوضع على مجموعة متنوعة من الاحتمالات في تفسير المعطيات الآثارية لإعادة البناء التاريخية. ومازلت متمسكاً بفكرة أن تأريخ “مدينة القصور” للقرن العاشر ق.م هو التأريخ الصحيح، ومن الصعب تقديم برهان نهائي لهذه الفكرة. لقد افتقرت “قصور المدينة”، على الرغم من أنها احتوت على بوابة ضخمة، إلى سور يحيطها، وسوف يكون من الصعب قبول الفكرة على النحو الذي اقترحه التسلسل الزمني المنخفض لفنكلشتين، والذي يرى بأن مجدّو آخاب كانت مدينة غير محصنة لأن هذا الملك المحارب قام بتحصينات ضخمة في التحويطة الملكية القريبة في يزرعيل، وكذلك الأمر في مدن أخرى من مملكته. وتناسب إسطبلات مجدّو عصر آخاب المذكور في المصادر الآشورية كصاحب عدد كبير من العربات الحربية. وخلاصة القول، إن  أطروحة يادين بشأن العمارة السليمانية في مجدو، وحاصور وجزر قد تكون صحيحة.

الشكل(8) مخططات البوابات ذات الحجرات الست: في جزر (A) وحاصور (B) ومجدو (C).

شفيلة اليهوذية

تشير مواقع تنقيب عدة في أنحاء البلاد إلى عملية تحضر خلال القرن العاشر ق.م وسوف تكون هذه العملية بمثابة المرحلة الأولى في النمو الحضري العمراني التي استمرت في معظم هذه المدن دون انقطاع حتى الفتوحات الآشورية أواخر القرن الثامن ق.م. ورغم بقاء العديد من المواقع غير محصنة ولم تتطور بما فيه الكفاية، لتصبح مراكز حضرية خلال القرن العاشر ق.م، فقد استمر النمط الجديد خلال معظم القرنين العاشر والتاسع ق.م، مما يجعل من الصعب التمييز بينهما، وهذا ما يعقد الأمور لجهة التأويل التاريخي. وتعتبر لخيش، المدينة ذات الأهمية الثانية ليهوذا، مثال جيد للمعضلة الكرونولوجية. فبعد فجوة توطن طويلة بدأت في القرن الثاني عشر ق.م، تأسست مدينة جديدة غير محصنة (السوية V) خلال القرن العاشر ق.م (وفقاً للكرونولوجيا  التقليدية) أو في القرن التاسع ق.م (وفقاً للكرونولوجيا المنخفضة المعدلة من قبل أوسشكين الذي قام بأعمال حفر في الموقع). وقد يكون هذا التحقيب هو الزمن الذي بني فيه الطور الأول من القصر الضخم الواقع وسط التل (كما اقترح المنقبون البريطانيون، وأوسشكين خلال أعمالهم الاستكشافية هناك) أو في المدينة التالية فقط (السوية IV  كما أشار إلى ذلك أوسشكين في تقريره النهائي المنشور). ومن الأهمية بمكان إعداد تأريخ دقيق لهذه المباني من أجل القيام بعملية إعادة بناء تاريخية. وإذا كان لا بد من تأريخ القصر بالقرن العاشر ق.م، فإن هذا سيتفق بصورة جيدة مع الوضعية الأثرية في أورشليم كما وصفت أعلاه، ويمكن أن يكون هذا بمثابة دليل على ظهور يهوذا كدولة في القرن العاشر ق.م. ولا يعد هذا جواباً نهائياً،  وسوف نجد أنفسنا في ذات المأزق حين نخضع للتصورات التاريخية المسبقة عند الاختيار بين اثنين من التأويلات البديلة للمعطيات الأثرية.

وربما تكون مدينة لخيش ضمن قائمة المدن المحصنة لرحبعام كما في الإصحاح 11 من سفر الأخبار الثاني: ” 5وَأَقَامَ رَحُبْعَامُ فِي أُورُشَلِيمَ وَبَنَى مُدُنًا لِلْحِصَارِ فِي يَهُوذَا. 6فَبَنَى بَيْتَ لَحْمٍ وَعِيطَامَ وَتَقُوعَ 7وَبَيْتَ صُورَ وَسُوكُوَ وَعَدُلاَّمَ 8وَجَتَّ وَمَرِيشَةَ وَزِيفَ 9وَأَدُورَايِمَ وَلَخِيشَ وَعَزِيقَةَ 10وَصَرْعَةَ وَأَيَّلُونَ وَحَبْرُونَ الَّتِي فِي يَهُوذَا وَبَنْيَامِينَ، مُدُنًا حَصِينَةً”. ويمكن لتحصيناته في لخيش أن تحدد في السويةIV، والتي شملت سور المدينة الضخم، والبوابة ذات الغرف الستة المماثلة لتلك المذكورة أعلاه. ولكن المشكلة تكمن في إشكالية تاريخ هذه القائمة الكتابية، فمازال العديد من الباحثين يضعون تاريخاً متأخراً لإنشاء سور المدينة وبالتالي لا ينبغي اعتبار هذه القائمة تاريخية بهذا المعنى. ومع ذلك، يبقى هذا السؤال دون حل. وعلى الرغم من أن القائمة  متضمنة في سفر أقل موثوقية من الناحية التاريخية ( سفر الأخبار)، فمازال يحتفظ هذا السفر، ربما، بتقاليد أصيلة واستشهادات من وثائق قديمة.

وإلى الشمال من شفيلة، بنيت مدن بيت شيمش وتمنة (تل البطش) على طول وادي سوريك في القرن العاشر ق.م، ربما في إطار منظومة المملكة المتحدة الناشئة. وثمة نقشين عبرانيين قصيرين، عثر على أحدهما في أحد هذه المواقع في سياقات القرن العاشر ق.م، يحتفظ باسم حانان، الذي يمكن أن يمت بصلة إلى إيلون بيت حانان، وهو اسم مكان ذكر في المقاطعة الإدارية الثانية لسليمان، أي تماماً في هذه المنطقة (الملوك الأول4:” 9ابْنُ دَقَرَ فِي مَاقَصَ وَشَعَلُبِّيمَ وَبَيْتِ شَمْسٍ وَأَيْلُونِ بَيْتِ حَانَانَ.). ويبدو هذا الأمر أكثر من مجرد مصادفة. ربما استقرت عائلة حانان هذه المنطقة، وتم الحفاظ على الاسم في كل من النقوش والاسم الكتابي. وفي هذه الحالة، قد يكون تاريخ القرن العاشر ق.م لهذا النقش يدعم صحة القائمة الكتابية لمقاطعات سليمان.

النقب

وهي منطقة مرتفعة  تحدها واحة قادش برنيع من الجهة الجنوبية الغربية. لم تعرف هذه المنطقة مظاهر توطن خلال الألفية الثانية ق.م، ولكن سرعان ما انتشر فيها، بصورة مفاجئة، حوالي خمسين مبنى ضخم جيدة التخطيط (دعيت حصوناً)، وحوالي خمس مائة منزلاً مبعثراً في المنطقة خلال القرن العاشر ق.م. واستمرت هذه المواقع العمرانية لفترة قصيرة ثم دمرت وهجرت. لا يرجح، كما اقترح عدد من الباحثين، الأصل البدوي لهذه التحصينات جيدة التخطيط والمنازل ذو الحجرات الأربع وفقاً للنمط المعماري وتقنية البناء، فضلاً عن نحو نصف الفخار الذي وجد في هذه المواقع. بل يجب أن تشير إلى تأثيرات وصلات مع مناطق الاستقرار في الشمال، سواء كان ذلك في شمال النقب، يهوذا، أو من السهل الساحلي. ويذهب التفسير الأكثر بساطة إلى القول بأن المباني المتناثرة، بالإضافة إلى النصف الآخر من الفخار (الخشن، وفخار “نقبي” يدوي) يمكن أن يعزى، في واقع الأمر، إلى السكان الرعاة شبة الرحل المحليين. ولعل هذا يمكنه أن يكون دليلاً على التعايش بين المستوطنين القادمين من يهوذا أو السهل الساحلي الجنوبي، وبدو الصحراء المحليين. ورغم وجود العديد من التفسيرات المختلفة لهذا الظاهرة، إلا أني اعتقد أنها ثمرة تأثيرات خارجية، وربما نتاج ظهور المملكة المتحدة الإسرءيلية، وربما كان الدافع اقتصادياً، وربما كان يتعلق بصناعة صهر النحاس الضخمة التي ظهرت في هذا الوقت في شرق فينان في وادي عربة (أنظر أدناه). حيث نجد في منتصف  وادي عربة، مقابل موقع فينان، موقع عين حصيفا الذي كان موقعاً تجارياً يقع على أحد طرق تلك الشبكة التجارية. وتشمل قائمة شيشنق (أنظر أعلاه) عشرات من أسماء الأماكن في النقب. يبدو بعضها عبرانياً شائعاً مثل (هاجر hgr، أبراهام abrm) و(هاجر hgr، عراد ard، رباط rbt). ويمكن أن تعني هاجر الكلمة العبرانية للمباني الواسعة المحاطة بحزام من الغرف الشائعة في مرتفعات النقب. ومن المحتمل، بالتالي، أن يكون شيشنق قد دمر هذه الموجة القصيرة والمكثفة من مواقع التوطن في مرتفعات النقب، وربما كان قصد الحملة في  هذا الجزء الجنوبي من البلاد وضع حداً لشبكة استثنائية من التوطنات والأنشطة التجارية في المنطقة، التي قد يكون المصريون نظروا إليها كأنشطة منافسة لهم، أو تهديداً لمصالحهم الاقتصادية. ومن هنا، لا يمكنني القبول باقتراح فنكلشتين للنظر إلى مواقع مرتفعات النقب كجزء من “مشيخة” تتركز في تل مصوص في وادي بئر السبع-عراد. يبدو أن طور التوطن الرئيسي لموقع تل مصوص يسبق مواقع مرتفعات النقب، ويفتقر تل مصوص إلى السمة الرئيسية لهذه المواقع، أي فخار النقب.

كما تعتبر مطابقة عصيون جابر بموقع تل الخليفة (بين العقبة وإيلات) مثالاً ممتازاً على التفسير الخاطئ لأي اكتشاف أثري. يشير الكتاب إلى قيام سليمان بأنشطة تجارية مع سبأ وعوفير اللتين حددتا ظاهريا بجنوب شبه الجزيرة العربية والصومال على التوالي (سفر الملوك الأول 9 : 26 – 28،10 : 1-13). وكانت عصيون جابر مرفأ هذه التجارة، والذي تم تحديده من قبل نيلسون غلويك في العام 1937 بموقع تل الخليفة، على رأس البحر الأحمر. وهو يصف المبنى الكبير الذي كشفه هناك باعتباره مركزاً لصهر خام النحاس الذي يتم جلبه من مناجم تمنة، على بعد حوالى ثلاثين كيلومتراً إلى الشمال. وقد لاقت مقترحات نيلسون غلويك رواجاً واسعاً نظرا لشعبية كتبه وسمعته. ومع ذلك، فإن بحثاً أكثر عمقاً في تمنة، وإعادة تقويم اللقى لعدة سنوات أثبت عدم وجود أساس لهذه النظرية بشكل كامل. كانت مناجم تمنة أقدم من عصر سليمان بحوالي 300 عاماً، كما أن تأسس موقع تل الخليفة ربما بعد زمن طويل من عصر سليمان (رغم أن هذا غير مؤكد، لعدم حفظ أو نشر الدراسات الخاصة بالفخار المكتشف من قبل غلويك في السويات الأقدم)

الديموغرافيا

إحدى الحجج المرفوعة ضد الواقع التاريخي للمملكة المتحدة تمثل في ضآلة الكثافة الاستيطانية المفترضة والافتقار إلى أشكال التوطن الحضري في القرن العاشر ق.م. ومع ذلك تأثرت دراسات الكثافة الاستيطانية والدراسات الديموغرافية القديمة بالمشاكل المنهجية، لأنها تعتمد على تفسير المسوحات السطحية. ومن الصعب تقويم نتائج هذه الدراسات الاستقصائية في مواقع تعرضت لعمليات توطن متواصلة معظم فترة العصر الحديدي. ويمكن للفخار المتحصل عليه في الأطوار الأخيرة التي شغلت هذه المواقع، بالتوازي مع عمليات التنقيب الدقيقة أن يقدما تفصيلاً عن تاريخ هذه المواقع, ومازال  الغموض يكتنف تاريخ وحجم هذه المواقع، كما يجب التعامل بحذر مع حسابات السكان على أساس هذه الدراسات. وتشير مقارنة أنماط التوطن في العصر الحديدي الأول مع تلك الأنماط السائدة في القرن الثامن ق.م، إلى زيادة تدريجية في المستوطنات خلال هذه الفترة الزمنية الممتدة حوالي 500 سنة. كما يعتبر متوسط تقدير السكان في يهوذا يقارب 20000 نسمة خلال القرن العاشر ق.م واقعياً بعض الشيء. وإذا ما أضفنا إلى هذه الأرقام عدداً غير معروف من سكان الأراضي الإسرءيلية في إسرءيل الشمالية وأجزاء من شرق الأردن، فيمكننا أن نقدر عدد سكان الأراضي الإسرءيلية بما يتراوح بين 50000 و 75000 نسمة، وهو ما يمكن اعتباره  كافياً  كقاعدة ديموغرافية للدولة الإسرءيلية في القرن العاشر ق.م.

معرفة القراءة والكتابة

تقف في وجهنا حجة أخرى ضد وجود المملكة المتحدة، ألا وهي ندرة الكتابات التي يرجع تاريخها إلى القرن العاشر ق.م. وقد يعني هذا عدم معرفة القراءة والكتابة، وبالتالي وجود غير محتمل لإدارة مركزية، وتالياً وجود دولة. ولكن وجود مملكة إسرءيل الشمالية في القرن التاسع ق.م غير مشكوك فيه، علماً أنه لم يسفر بكل تأكيد عن عدد كبير من نقوش تعود لتلك الفترة! ويمكن الافتراض أن ندرة النقوش والكتابات من هذه الفترة تعود في سببها إلى الاستخدام الواسع لمواد كتابة قابلة للتلف مثل ورق البردي أو الرق. وتلمح بعض الكتابات التي نقشت على الحجارة أو الأواني الفخارية للاستخدام اليومي من سياقات القرن العاشر ق.م إلى انتشار معرفة القراءة والكتابة تماماً في ذلك الوقت، وبالتالي يمكن الافتراض أن بعض المسؤولين والكتبة المحترفين وجدوا فعلاً في القرن العاشر ق.م.

جيران اسرائيل  في القرن العاشر

لعب جيران إسرءيل في السرد الكتابي المتعلق بداود وسليمان دوراً هاماً. قرأنا عن الفلستيين والعمونيين والأدوميين والآراميين ومدينة صور. فإلى أي مدى يمكن لعلم الآثار أن يلقي الضوء على هذه الوحدات الجيوسياسية؟

امتازت البحوث الآثارية في العقود الثلاث الماضية بنقلتها الثورية فيما يتعلق بدراسة بعض جيران إسرءيل، في حين لايزال البعض الآخر مجهولاً إلى حد كبير. وفيما يلي موجز مختصر من الأدلة ومن المسائل السجالية العديدة التي تم مناقشتها .

الفلستيين

يستثني الكتاب فلستيا من الأراضي التي فتحها داود، و هذا ما يتناسب مع الحالة الأثرية هناك، حيث تابعت المدن المستقلة ازدهارها. وتشير البحوث الحالية إلى تحول هام في التوازن بين المدن الفلستية الرئيسية. وكانت عقرون (تل مقني) الواقعة في المنطقة الداخلية على مقربة من حدود شفيلة، واحدة من أكبر المدن الفلستية خلال العصر الحديدي الأول السابق، بمساحة تبلغ حوالي 20 هكتار. وربما كانت جت (تل الصافي) إلى الجنوب منها، مدينة كبيرة جداً أيضاً بمساحة بين 20-30 هكتار. تقلصت مساحة عقرون خلال القرن العاشر ق.م إلى أربعة هكتارات فقط، في حين زادت مساحة التوطن في أسدود الساحلية من حوالي ثمانية هكتارات إلى 40 هكتار تقريباً. بينما حافظت جت على حجمها. وأحد التفسيرات المحتملة هو موجات الضغط من الشرق من جهة مملكة داود وسليمان الحديثة. ربما يكون هذا قد أثر على عقرون، التي فقدت الكثير من المناطق الخلفية جنوب وادي سوريك، وانتقل الكثير من سكانها إلى جت أو أسدود، الأمر الذي ساهم في زيادة مساحة هذه الأخيرة.

الأدوميين والمؤابيين والعمونيين

لا نماك معلومات وافية عن دول القرن العاشر ق.م الواقعة في شرق الأردن. وأظهرت البحوث التي أجريت مؤخراً بيانات جديدة بشأن ظهور أدوم. كما كشفت الحفريات التي أجراها ليفي توماس في خربة النحاس، أهم موقع من العصر الحديدي، في مناجم النحاس الواسعة في فينان شرقي وادي العربة عند سفوح جبال أدوم عن مناجم نحاس مكثفة وصناعة تعدين وصهر، وقلعة كبيرة، ومبان ضخمة وأكوام ضخمة من خبث النحاس ينتمي إلى عدة مراحل نشاط تم تحديد تاريخها باستخدام تقنية التاريخ الإشعاعي بالفترة الزمنية الممتدة بين القرن الحادي عشر ق.م والقرن التاسع ق.م. وكانت صناعة النحاس جيدة التنظيم وواسعة وذات أهمية اقتصادية هائلة، ويجب أن تكون محتفظة بسلطة مركزية. ولابد أيضاً أن تمت بصلة إلى نظام تجاري واسع كانت تشكل جزء منه، ربما مناطق مختلفة مثل مواقع مرتفعات النقب، وعراد وبئر السبع وربما المدن الساحلية وفلستيا وفينيقيا. من هم العاملين في هذا المركز ذو الطاقة الإنتاجية الواسعة؟ يبدو أن أوائل الأدوميين هم المرشحون الطبيعيون للعب هذا الدور. وتظهر النظرة التقليدية، المستندة على اللقى التي وجدت في مواقع المرتفعات الأدومية، أن أدوم لم تظهر كدولة قبل القرنين الثامن والسابع ق.م . وكشفت التنقيبات في بصيرة عاصمة أدوم الواقعة إلى الشرق من فينان عن هياكل عمرانية ضخمة تعود لفترة ليس أبكر من القرن الثامن-السابع ق.م. واستدعت الاكتشافات الجديدة في فينان إعادة تقويم تاريخ أدوم. وقد يبدو أن دولة أدوم ظهرت، كما يقول ليفي، على الأقل خلال القرن العاشر ق.م. وربما كانت تدار مناجم فينان من قبل سلطة مركزية لابد أن تكون قريبة من أدوم؛ وربما ستكشف الحفريات المستقبلية في بصيرة فترات احتلال سابقة هناك. هذا الموضوع مازال حالياً قيد المناقشة، ويرفض المتخصصين في علم الآثار الأدومي مثل بيوتر بينكوفسكي فرضية ليفي. ومع ذلك قد يكون ظهور أدلة جديدة مقنعاً وقوياً. وينبغي أن تكون مناجم النحاس في فينان معروفة خلال القرن العاشر، وربما هذه هي خلفية ذكر أدوم في المرويات الكتابية المتعلقة بالمملكة المتحدة. وكنا قد أشرنا سابقاً إلى احتمال ظهور موآب في القرنين الحادي عشر والثاني عشر ق.م، ومع ذلك لا يوجد لقى معروفة ذات صلة مباشرة للقرن العاشر ق.م سواء في موآب أو عمون. لا يوجد إذن ما يؤيد حروب داود ضد عمون. قد يتغير هذا في المستقبل عندما يتم التنقيب المنهجي في تلة ربة عمون (وسط عمان الحديثة)، والمواقع الأخرى ذات الصلة.

صور والفينيقيين

يذكر الكتاب، في كثير من الأحيان، العلاقات بين حيرام، ملك صور، وسليمان. وتنتمي صور إلى ما كان في ذلك الوقت كياناً جديداً ناشئاً، الذي نسميه اليوم (حسب المصطلح الإغريقي) “فينيقيا”. لا يعرف الكثير عن المدن الفينيقية الكبرى (صور وصيدا) نظراً لعدم وجود أنماط نوعية من الفخار بما فيه الكفاية، ومع ذلك يمكن عقد صلة بين أساليب نوعية من الفخار والمدن الفينيقية التي تعود للقرن العاشر ق.م. عثر على الفخار الإغريقي الإيبوي Euboean في عمليات سبر في مدينة صور، الأمر الذي يشير إلى وجود علاقات تجارية دولية انخرطت فيها صور فعلياً خلال القرن العاشر ق.م. ويحفظ ناووس أحيرام ملك بيبلوس بنقش دفن ملكي نافر مشغول بدقة. واعتبر من السمات المميزة للفن الفينيقي ودليلاً على ازدهار فينيقيا خلال القرن العاشر ق.م. وتبدو محاولة لبنيامين ساس Benjamin Sass لخفض تاريخ هذا النصب إلى القرن التاسع ق.م قد تمت بإيحاء من فرضية الكرونولوجيا المنخفضة، وهو أمر موضع شك كبير من وجهة نظري. وكشفت المواقع الساحلية في شمال إسرائيل مثل دور [الطنطورة] وأشزيف [الزيب] عن مراحل عدة لظهور الثقافة الفينيقية منذ نهاية القرن الحادي عشر ق.م. ويحظى موقع هورفات روش زيت [خربة راس الزيتون] في الجليل الغربي باهتمام خاص، حيث يبدو أنه كان موقعاً تجارياً بين صور وشمال البلاد خلال أواخر القرن العاشر وأوائل القرن التاسع ق.م. ويعد موقعه (قرب القرية الحديثة كابول) دافعاً للباحث غال لأن يطابقه مع كابول الكتابية والمذكورة في القصة التي تدور حول أرض كابول التي أعطاها سليمان لصور (سفر الملوك الأول 9:” 10وَبَعْدَ نِهَايَةِ عِشْرِينَ سَنَةً بَعْدَمَا بَنَى سُلَيْمَانُ الْبَيْتَيْنِ، بَيْتَ الرَّبِّ وَبَيْتَ الْمَلِكِ. 11وَكَانَ حِيرَامُ مَلِكُ صُورَ قَدْ سَاعَفَ سُلَيْمَانَ بِخَشَبِ أَرْزٍ وَخَشَبِ سَرْوٍ وَذَهَبٍ، حَسَبَ كُلِّ مَسَرَّتِهِ. أَعْطَى حِينَئِذٍ الْمَلِكُ سُلَيْمَانُ حِيرَامَ عِشْرِينَ مَدِينَةً فِي أَرْضِ الْجَلِيلِ. 12فَخَرَجَ حِيرَامُ مِنْ صُورَ لِيَرَى الْمُدُنَ الَّتِي أَعْطَاهُ إِيَّاهَا سُلَيْمَانُ، فَلَمْ تَحْسُنْ فِي عَيْنَيْهِ. 13فَقَالَ: «مَا هذِهِ الْمُدُنُ الَّتِي أَعْطَيْتَنِي يَا أَخِي؟» وَدَعَاهَا «أَرْضَ كَابُولَ» إِلَى هذَا الْيَوْمِ”.). وربما تنبع هذه القصة من طبيعة العلاقات السياسية والاقتصادية بين صور وإسرائيل في ذلك الوقت. ويعتبر وجود الفخار الفينيقي، وغيره من المصنوعات اليدوية التي عثر عليها في المواقع الإسرءيلية من القرن العاشر ق.م دليلاً، على العلاقات التجارية بين صور وإسرءيل. وعلى الرغم من أن معظم اللقى جاءت من المناطق الشمالية، إلا أن بعض الأدلة من القدس وغيرها من المواقع الجنوبية تشير إلى وجود علاقات بين فينيقيا ويهوذا في القرن العاشر ق.م، وإن كانت علاقات صغيرة الحجم وضئيلة في واقع الأمر.

الآراميين والحثيين الجدد

نظراً لندرة المعطيات الآثارية من جنوب سوريا، فإننا نفتقر إلى أدلة أثرية مباشرة عن ظهور دول آرام دمشق وآرام صوبا الوراد ذكرهما في السرد الكتابي المتعلق بحروب داود في سوريا. ومن المشكوك فيه، بدرجة كبيرة، ما إذا كان داود، في واقع الأمر، خاض حروباً في سوريا في أي وقت، وما إذا كان “توعي” Toi ملك حماة في الواقع شخصية تاريخية وحليفاً لداود، كما هو موضح في السرد التوراتي.”9وَسَمِعَ تُوعِي مَلِكُ حَمَاةَ أَنَّ دَاوُدَ قَدْ ضَرَبَ كُلَّ جَيْشِ هَدَدَ عَزَرَ.” (سفر صموئيل الثاني 8 : 9). ومن المثير للاهتمام، في هذا الصدد، أن نذكر  الاكتشاف الأثري الحديث مدينة حلب، شمال سوريا، حيث أسفرت عمليات حفر جرت مؤخراً في المعبد الرئيسي لإله العواصف، عن العثور على نقوش ذات أسلوب حثي جديد، تم تأريخها مؤقتاً بالقرن الحادي عشر ق.م، بينما المعبد نفسه استمر في الخدمة حتى القرن التاسع ق.م، وعثر فيه على نقش يحدد ملكاً اسمه “تعوتا Tauta ” اشتملت مملكته على أراض واسعة في شمال سوريا بما فيها حمات [حماة]، حيث عثر على نقش آخر يذكر الملك نفسه. والاسم تعوتا يعود لأصل غير سامي، وربما هو ترديد للاسم الكتابي توعي. وهكذا يمكن لهذا الاكتشاف الجديد أن يلقي الضوء على أصل التقاليد الكتابية المتعلقة بتوعي ملك حماة. ولا نستطيع الحكم فيما إذا كانت العلاقات بين داود وملك حماة قائمة بالفعل أم لا، ولكن يمكننا الزعم بأن القصة الكتابية تستند على أساس وجود فعلي لمملكة واسعة في القرن العاشر ق.م في شمال سوريا.

تمكن علم الآثار من إلقاء بعض الضوء على مملكة  آرامية صغير ذكرت عدة مرات في سيرة داود وهي مملكة جشور في شرق وشمال شرق بحيرة طبرية، حيث تم التنقيب في موقعين، هما تل هدار وبيت صيدا [ الشاطئ الشمالي لبحيرة طبرية في موقع سهل البطيحة]. كان تل هدار مركز إداري ومخزن حبوب كبير، وتم تأريخ الموقع وفقا للبحوث التقليدية، فضلاً عن التواريخ الحديثة التي نشرت مؤخراً باستخدام الكربون المشع، إلى القرن الحادي عشر ق.م أو أوائل العاشر ق.م، أي الزمن المفترض لداود. وكانت مدينة بيت صيدا مجهزة بتحصينات ضخمة ومساحتها حوالي ثمانية هكتارات خلال القرن العاشر ق.م. وعلى الرغم من أن جشور كانت أصغر دولة آرامية فقد دلت تحصيناتها ومبانيها العامة على وجود سلطة مركزية وقوة اقتصادية تعود للقرن القرن الحادي عشر ق.م، وصولاً إلى الغزو الآشوري في منتصف القرن الثامن ق.م. وهنا، توفر الأدلة الأثرية، مرة أخرى، خلفية مبكرة للرواية الكتابية.

الاستنتاجات

مما لا شك فيه، يمكن قراءة الكثير من السرد الكتابي المتعلق بداود وسليمان ليس كروايات تاريخية، بل مجرد خيال وزخرفة أدبية كتابية لمؤلفين لاحقين. إن قصصاً مثل فتوحات داود في شرق الأردن وسوريا وحكمة سليمان، وزيارة ملكة سبأ، وحجم وبذخ المباني السليمانية.. وغيرها تدخل ضمن هذه الرؤية. غير أن هذا لايعني، باعتقادي، القبول بالتفكيك الكلي للمملكة المتحدة، كما اقترح بعض الكتاب الحاليين، لدى تقويم تاريخية الملكية المتحدة، وينبغي لنا الوضع في الاعتبار أن التطور التاريخي لا يسير يشكل خطي، ولا يمكن أن يُكتب على أساس الحتميات الاجتماعية والاقتصادية أو البيئية الإيكولوجية وحدها، كما كان شائعاً خلال المرحلة الإجرائية processual التي هيمنت على علم الآثار والدراسات التاريخية والآثار في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي. وينبغي أن يؤخذ في الاعتبار دور شخصية الفرد في التاريخ، لاسيما عندما نتعامل مع شخصيات مثل داود وسليمان. وقد تلقى هذه المقاربة في التفكير المتجدد شرعية متجددة في عالم أفكار ما بعد الحداثة. فهي تمكن من افتراض إمكانية خلق كيانات سياسية قصيرة الأمد أو دول عسكرية كبيرة وتوسعات إقليمية  في ظل وجود قدرة شخصية وكاريزما استثنائية.

وسوف أقارن إنجازات داود المحتملة مع إنجازات حققها قائد أقدم من منطقة المرتفعات وهو لابايو Labayu، حاكم مدينة شكيم، ومن زعماء العابيرو المذكور في رسائل تل العمارنة والذي حكم منطقة واسعة من منطقة الهضاب الوسطى، خلال القرن الرابع عشر ق.م، وقام بتهديد مدن مثل مجدّو في الشمال وجزر في الجنوب، على الرغم من الهيمنة المصرية على كنعان. ويمكن تصور داود كحاكم يشبه لابايو باستثناء أنه قام بعمله في وقت كان فيه متحرراً من التدخل المصري أو أي قوة أجنبية أخرى، وعندما كانت المدن الكنعانية في حالة انهيار، حيث يمكن لقائد ،ومن وجهة نظري، يتمتع بذكاء سياسي وموهبة وكاريزمية أن يستولي على جزء كبير من منطقة صغيرة مثل كنعان ويوحّد الجماعات السكانية المتنوعة تحت قيادته. ربما تكون هذه الجماعات أسلافاً للسكان الكنعانيين المحليين و/ أو الجماعات القبلية في الهضاب والنقب. غير أن القوى الوحيدة التي وقفت في طريق داود كانت الدويلات الفلستية، وكما أخبرنا كل من الكتاب وعلم الآثار، فقد كانت هذه الدويلات، وقتئذ مراكز حضرية، مستقلة ومحصنة وعظيمة، والتي انخرطت مع داود  في الحقيقة، بأنشطة عسكرية وسياسية. وفي حين أن إنجازات قصيرة العمر سياسياً وإقليمياً  كتلك التي قام بها داود قد تكون أبعد من قدرة الوسائل التي يستخدمها علم الآثار لكشفها، قد تكون التغيرات الكبيرة التي حدثت للثقافة المادية خلال القرن العاشر ق.م نتيجة لهذه التركيبات والتحالفات السياسية والاجتماعية والإثنية الجديدة. وتعتبر هذه الثقافة المادية رمزاً لبداية حقبة جديدة وصلت إلى أوجها في القرنين التاسع والثامن ق.م. يمكن وصف المملكة المتحدة بأنها دولة في مرحلة مبكرة من التطور، دولة ليس على تلك الدرجة من الثراء والتمدد الواسع كما تم تصويرها في الكتاب، ويمكن مقارنة عاصمتها في زمن داود بقلاع القرون الوسطى المحصنة المحاطة ببلدات متوسطة الحجم، بيد أن تلك العاصمة كانت مركزاً لسياسة إقليمية مميزة ضمت معظم شرق الأردن. وربما يكون غزو شيشق لأورشليم قد أتى كرد فعل على النمو المميز لهذه الدولة، وربما تعكس قائمة حملته الموجودة في الكرنك معظم المناطق التي حكمها داود و سليمان. كما أن تحديد المباني السليمانية مازال مسألة سجالية، على الرغم من أن علم الآثار الذي أعمل فيه يسمح بتأريخ المباني الصرحية التي تعود للقرن العاشر، لذلك فهي تعود بأصولها ربما إلى سليمان.

الإشارة إلى “بيت داود” كاسم مملكة يهوذا في النصب الآرامي من تل دان (ربما هو من عمل حزائيل ملك دمشق) يشير بأنه رغم مرور قرن ونصف تقريباً على حكم داود فمازال شخصية معروفة في أنحاء المنطقة كمؤسس لسلالة حكمت يهوذا. وتم التأكد من دوره في الإيديولوجية الإسرءيلية وكتابة التاريخ من خلال أثره في الذاكرة الجمعية اليهوذية، ولا يمكن أن يفسر بمجرد اختراع لمؤلفين لاحقين.

العنوان الأصلي: THE QUEST FOR THE HISTORICAL ISRAEL: Debating Archaeology and the History of Early Israel
المؤلف: Israel Finkelstein and Amihai Mazar
الناشر: 2017 Society of Biblical Literature

عن محمود الصباغ

كاتب ومترجم من فلسطين

شاهد أيضاً

البحث عن إسرءيل: مناظرات حول علم الآثار وتاريخ إسرءيل الكتابية (6-2)

ترجمة: محمود الصباغ استهلال يوافق مزار، إلى حد ما، في ملاحظاته الختامية، على أن “القيم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *