البحث عن إسرءيل: مناظرات حول علم الآثار وتاريخ إسرءيل الكتابية (4-1)

ترجمة: محمود الصباغ

استهلال

يفضل المؤرخ والآثاري الكتابي أن يتحرك في فضاءات أوائل العصر الحديدي الثاني، الذي يتوافق تقليدياً مع التدوين الأدبي الكتابي والذي يعني بالذات  عصر داود وسليمان. ويجزم إسرائيل فنكلشتين، ومثله عميحاي مزار أيضاً -من موقع غير تقليدي- بأن مرويات أسفار صموئيل والملوك الأول والثاني ، ليس جميعها على كل حال، والتي تعود لمؤلفين متأخرين نسبياً عن داود وسليمان لا يمكن قراءتها كشهادة تاريخية أتت -إلينا- مباشرة من القرن العاشر ق.م، ولم تكن مملكتهما كبيرة أو امبراطورية متحدة في طبيعتها، بل مجرد مشيخة عشائرية هامشية في جنوب بلاد الشام. وهما يقفان، بذاك موقفاً يقع في مكان ما بين أولئك الذين يصفون الصبغة التاريخية على مجمل الوصف الكتابي المتصل بداود وسليمان وبين أولئك الذيم ينكرون مثل هذه الصفة التاريخية لتلك النصوص. أي إن فنكلشتين لا ينفي “الصفة التاريخية” عن داود وسليمان، غير أنه يرفض تماماً أرجحية القرن العاشر كزمن محتمل لوجودهما، أي للمملكة المتحدة ولحكم السلالة الداودية لاحقاً في يهوذا. وسوف يحاول إعادة بناء الصورة التاريخية للمملكة المتحدة بما يتناسب مع وقائع القرن التاسع ق.م، حيث ظهرت سلالة عمري التي حكمت الشمال من عاصمتها السامرة.  وسوف يركز، يهدف تدعيم وجهة نظره، بصورة رئيسية على الإشارة الواردة عن داود أو “بيت دود” (bytdwd) في نقش تل دان. وهذا يمثل نقطة افتراق واضحة له عن كل من التنقيحيين minimalists والمحافظين maximalists  على حد سواء وفقاً لما يحدده حسب رأيه من “وقائع تاريخية” تعود لتلك الفترة، ومن ثم سوف يبني على موثوقية هذه الوقائع لتأكيد الوجود التاريخي ونظلم الحكم السياسي الذي ينسب لهاتين الشخصيتين اللتان تلعبان دوراً محورياً في تاريخ إسرءيل القديمة، ويحدد جداله  إزاء وجهة النظر التقليدية حول تاريخية المملكة المتحدة، أو المقاربة “التقليدية” المستندة على المعطيات الأثرية المبكرة. ويستنتج أن هذه النظرية انبثقت على ضوء ما ورد في نص كتابي واحد موجود في الإصحاح التاسع من سفر الملوك الأول: ” 15وَهذَا هُوَ سَبَبُ التَّسْخِيرِ الَّذِي جَعَلَهُ الْمَلِكُ سُلَيْمَانُ لِبِنَاءِ بَيْتِ الرَّبِّ وَبَيْتِهِ وَالْقَلْعَةِ وَسُورِ أُورُشَلِيمَ وَحَاصُورَ وَمَجِدُّو وَجَازَرَ”. بعبارة أخرى، يرى المدافعون عن وجود المملكة المتحدة في القرن العاشر ق.م، فإن المباني العمرانية الضخمة التي أكدتها السجلات الآثارية في مواقع مثل مجدو وحاصور وجزر، التي يعود تاريخها إلى الفترة الزمنية العامة المشمولة بالجدال، ربما كانت مشمولة بالحكم السليماني حسب نص سفر الملوك الأول، وبالتالي فهي تعبر عن أوجه النشاطات المختلفة لسليمان في تحصين وتوطيد حدود إمبراطورتيه الناشئة، ومن هذه الهياكل العمرانية ما يعرف باسم “الإسطبلات السليمانية” في مجدو وكذلك البوابات ذات الحجرات الست واثنين من القصور الضخمة:(“19وَجَمِيعَ مُدُنِ الْمَخَازِنِ الَّتِي كَانَتْ لِسُلَيْمَانَ، وَمُدُنَ الْمَرْكَبَاتِ وَمُدُنَ الْفُرْسَانِ، وَمَرْغُوبَ سُلَيْمَانَ الَّذِي رَغِبَ أَنْ يَبْنِيَهُ فِي أُورُشَلِيمَ وَفِي لُبْنَانَ وَفِي كُلِّ أَرْضِ سَلْطَنَتِهِ” – (سفر الملوك الأول 9).

وكما يلاحظ فنكلشتين، أوضحت فرق التنقيب المتعاقبة على مجدّو بصورة مميزة التواريخ التي ينبغي أن تنسب لهذه الأبنية، واستناداً إلى الأدلة الأثرية الظاهرة، فقد بات من الواضح أن هذه الأبنية المختلفة لم تبنَ خلال الفترة الزمنية نفسها. حيث تختلف السياقات الطبقية لها التي تمثل مستويات وفترات زمنية متعاقبة. فعلى سبيل المثال، فسّر يغال يادين هذه الإسطبلات على أنها من عمل الملك آخاب وعزاها للقرن التاسع ق.م . ويبدو أن هذا التفسير تأثر بصورة آخاب ومراكبه الحربية وعربات الخيل التي يصفها الملك الآشوري شلمنصر الثالث، ولا يتفق فنكلشتين مع تفسير يادين للبوابة ذات الحجرات الست وللقصور باعتبارهما من عمل سليمان، بل يرى بضرورة إرجاع بوابة مجدو إلى زمن متأخر عن شبيهاتها في جزر وحاصور، ويعود ذلك لاتصالها بالجدار الذي يمتد حتى القصرين، أي أنها تأتي من سوية طبقية متأخرة، كما أن البوابات المشابهة لها تم التأكد من وجودها في فترات زمنية متأخرة عن تلك التي اقترحها يادين وفي مناطق تقع وراء ما يقترحه -وفقاً للأوصاف الكتابية – حدوداً للمملكة المتحدة (يرى فنكلشتين وجود خلافات قليلة في قصر الملك آخاب الذي عثر عليه في السامرة و الذي يؤرخ بوضوح لزمن القرن التاسع ق.م وأحد قصور مجدو الذي تم الافتراض تقليدياً أنه يعود للقرن العاشر ق.م).

وبالتالي ينبغي-حسب فنكلشتين- التخلي عن الرؤية التقليدية لـ”المملكة المتحدة”، فالدول الإقليمية في بلاد الشام فلم تنشأ – زمنياً- قبل توسع الإمبراطورية الآشورية في أوائل القرن التاسع ق.م. كما أن مستويات التدمير لقصور مجدو مرتبطة بصورة أكثر ترجيحاً بحزائيل ملك دمشق الذي غزا الشمال خلال القرن التاسع ق.م (نقش تل دان مثلاً) أكثر من ارتباطها بحملة الملك المصري شيشنق الأول. وثمة أمر لافت هنا يذكره فنكلشتين ويتعلق بأورشليم  حين ينفي أي نشاط عمراني فيها له قيمة يعود للقرن العاشر ق.م ولا يمكن القبول بالحجة القديمة التي تقول بأن الأدلة العمرانية في أورشليم قد تعرضت للدمار التام بسبب الأنشطة العمرانية اللاحقة، وبالكاد يمكننا قبول هذه الحجة بالنظر إلى حقائق التحصينات الضخمة المحفوظة في مواقع عديدة تالية تعود للعصرين البرونزي الوسيط والحديدي الثاني. ويزيد من توضيح الأمر بتوضيح الخطوط العريضة للتفسير الآثاري لواحد من اثنين من قصور  مجدو الذي افترض تقليديا بأنه يعود للقرن العاشر ق.م، والذي يحتفظ  بمعالم البناء المميزة للغاية على سطوح  القطع المستخدمة لبناء القصر، وهذه العلامات، حسب فنكلشتين، تظهر  خلافات قليلة فقط  عني قصر عمري  وآخاب في السامرة، والذي يؤرخ بزمن القرن التاسع ق.م  على أساس الحقيقة التي تقول بأن آخاب و سلفه عمري مذكورين في النصوص الآشورية، حيث يظهر عمري بصفته مؤسس سلالة في إسرائيل (أي ، الشمال). وهنا ،يستدعي  فنكلشتين الإشارات عن المملكة الشمالية كـ” بيت عُمْري” bit omri. علاوة على ذلك ، تم تأريخ مجاميع الثقافة المادية في موقع يزرعيل بالقرن التاسع ق.م. وبموازيات  هذا  المجاميع  التي أرخها البعض الآخر بالقرن التاسع ق.م في مجدو. وحيث أن هيكل البناء الرئيس في يزرعيل، المتشارك مع  هذه التجمعات يكون متطابقاً مع تلك التي تم تعريفها في السامرة والتي تعود للقرن التاسع ق.م، فهذا يعني بالضرورة أنهما  كليهما، بجاني مجاميع مجدو يعودان أيضاً للقرن التاسع ق.م.

وبفضل هذه العوامل، إلى جانب النتائج المتحصل عليها بتقنية الكربون المشع لعينات من مواقع مختلفة مثل مجدو ورحوف وحاصور وجزر ولخيش وغيرها، فإنه يجب تأريخ ما يعرف بالصروح السليمانية لسويات متأخرة تعود للقرن التاسع ق.م (900-835 ق.). وبالتالي يجب القيام بعملية ترحيل زمني للكثير من السجلات الآثارية إلى تلك الفترة،   وهو ما ينادي بع فنكلشتين استناداً إلى ما نعرفه من دلائل واسعة من مواقع الشرق الأدنى القديم. أي المناخ الدولي الذي كانت فيه المملكة الشمالية قوة محلية هامة حكمت من قبل عمري وسلفه آخاب، كما تشير بوضوح نقوش وسجلات كل من الملك الأشوري شلمنصر الثالث  وميشع المؤابي وحزائيل ملك آرام دمشق، وإذن..  يمثل هذا الأمر لفنكلشتين إرهاصات أول “دولة إسرءيلية عظيمة”، وعلى هذا النحو سوف يستنتج بأنه إذا ما كان هناك في أي وقت مضى مملكة إسرءيلية  وحدت الشمال والجنوب فلابد أن تكون قامت على يد سلالة عمري التي حكمت من السامرة وليس من أورشليم في القرن التاسع ق.م. كما تمثل القصة الكتابية عن” المملكة المتحدة العظيمة” نتاجا إيديولوجياً وأجندة سياسية تنتمي لعصر الملك يوشيا تهدف إلى توحيد الدولتين تحت عاصمة جنوبية أو ” يهوذية” في أورشليم، من خلال ضم مؤلفي النص الكتابي لاحقاً كل من  مجدو، وحاصور وجزر بصفتها مدن مهمة في الشمال خلال القرن الثامن ق.م ، الأمر الذي يجد له فنكلشتين تبريراً باعتباره وجهة نظر طموحة للمؤلف التثنوي المعاصر للملك يوشيا حول إسرءيل المتحدة لجعل المنطقة بأسرها تحت حكم أورشليم في ظل حكم الملك يوشيا. فإذا كان سليمان قد حكم هذه المدن والمناطق  ذات زمن، فعلى يهوذا، وبلغة لاهوتية صرفة، أن تستعيد الحكم فيها

……

الفصل الرابع: القرن العاشر: اختبار جديد عن الأهمية التاريخية للكتاب

الفسم الأول : العصر الذهبي للملك سليمان بين الأسطورة والتاريخ: إسرائيل فينكلشتاين

تعتبر قصة المملكة المتحدة لداود وسليمان واحدة من أعظم ملاحم الحضارة الغربية. فثمة راعٍ شاب يقتل العملاق جوليات بحجر من مقلاعه، كي تنجو إسرءيل من بين براثن الفلستيين، وقد أصبحت  ثيمة تغلب الضعيف على القوي هذه مثالاً  للبطولة في الثقافة الغربية. ولكن الأمر لن يتوقف عند هذا الحد في قصة داود وجوليات، إذ  كان على الراعي الشاب الفرار إثر ذلك اتقاءً لغضب شاؤول، أول ملك تراجيدي  في إسرءيل، الذي أقدم على الانتحار لاحقاً في ساحة المعركة. وشرع داود إبان فتحه أورشليم في حملة غير مسبوقة من التوسع الإقليمي وتأسيس إمبراطورية عظمى. تلقى داود في ذروة حياته المهنية المتنامية وعداً استثنائياً غير مشروطاً من الرب ينص على أن سلالته سوف تحكم أورشليم إلى الأبد. كما فتن سليمان، ابن داود و خليفته، بطريقة مماثلة المخيال الغربي الأدبي والديني. وأمست حكمته معياراً لتصنيف جميع الحكام. وكان لثروته وبذخه تأثيرهما  العظيمين إلى حد جعل العديد من الملوك يقومون بمحاولات عدة لمحاكاته. ولا عجب، إذن، أن يكون داود وسليمان مبجّلين في التقاليد الغربية. من قسطنطين إلى شارلمان، من “عرش داود” لملوك إنجلترة من خلال تتويج الفرنجة في ريمس إلى “تاج سليمان” لملوك سلالة أوتو في ألمانيا. لقد قام داود وسليمان بتزويد أعظم الملكيات في العالم بنموذج الملكية: التقوى والحكمة والشجاعة، ولكن، وفي ذات الوقت، الضعف الأخلاقي. ومع كل هذا يبقى التساؤل مطروحاً، هل هذه الملحمة العظيمة موثوقة تاريخياً؟ ماذا لو كان داود وسليمان، كما يؤكد بعض العلماء الآن، هما محض شخصيات أسطورية بأساس تاريخي أسوة بالملك آرثر أو هيلين الطروادية؟

اسمحوا لي أن أبدأ من النهاية. يعرض هذا المقال “وجهة نظر الوسط” مقابل وجهة نظر معسكر المحافظين، وأرى أنه لا يمكن قراءة الكثير عن داود وسليمان، من السرد الكتابي، على أنه شهادة تاريخية واضحة، وأن مملكتهم ليست أكثر مملكة متواضعة مما ينظر إليها تقليدياً. كما أن وجهة نظري في ذات الوقت ترى، مقابل وجهة نظر التنقيحيين، بأن داود وسليمان هما شخصيتان تاريخيتان، ومؤسسي أسرة مقرها المدينة اليهوذية أورشليم.

النظرية التقليدية

كانت النظرية التقليدية والبحث عن الإمبراطورية التاريخية الملكية المتحدة-الإمبراطورية الساحرة لداود وسليمان- هي المشروع الأكثر إثارة لتراث الآثاريات الكتابية. ومن الواضح أن أورشليم كانت هي المكان الذي بدأ منه العلماء الأوائل البحث. ولكن أورشليم أثبتت أنها صعبة المنال على هذا الصعيد وجوزة صعبة الكسر. فطبيعة الموقع جعلت من الصعوبة بمكان قشر الطبقات السابقة التي تعود لعدة قرون ولطالما كانت منطقة جبل الهيكل بعيدة عن أيدي ومعاول علماء الآثار. لذلك، تم إعادة توجيه البحث عن المملكة المتحدة لداود وسليمان نحو مواقع أخرى؛ من بينها، أولاً وقبل أي موقع آخر، مجدّو في وادي يزرعيل التي ذكرت، على وجه التحديد، في سفر الملوك الأول كمدينة بناها سليمان9 :” 15وَهذَا هُوَ سَبَبُ التَّسْخِيرِ الَّذِي جَعَلَهُ الْمَلِكُ سُلَيْمَانُ لِبِنَاءِ بَيْتِ الرَّبِّ وَبَيْتِهِ وَالْقَلْعَةِ وَسُورِ أُورُشَلِيمَ وَحَاصُورَ وَمَجِدُّو وَجَازَرَ”. وأصبحت مجدّو، ومنذ أكثر من قرن، بؤرة الجهد والمناورات لإعادة الحياة للصورة الأدبية للمملكة السليمانية العظيمة الواردة في الكتاب بعظمها ولحمها. وبحكم موقعها الاستراتيجي على الطريق التي تربط مصر وبلاد ما بين النهرين، تم التنقيب في مجدّو بما لا يقل عن أربع بعثات منفصلة، وبذلك تكون قد تحصّلت على تسمية أكثر الصروح” الكتابية” اهتماماً أكثر من أي موقع آخر في الأرض المقدسة، بما في ذلك الجدران والبوابات والقصور وشبكات المياه، على سبيل المثال لا الحصر.

وكانت بعثة المعهد الشرقي التابع لجامعة شيكاغو إلى مجدو الأكثر شمولاً في تاريخ الآثاريات الكتابية. وكشف المنقبون على مسافة قريبة من سطح التل عن مجموعتين من المباني العامة الكبيرة، ينقسم كل منهما إلى ثلاثة أروقة مفصولة بمجموعتين من الأعمدة الحجرية والأحواض. وحدد أحد مدراء عمليات التنقيب هذه المباني استنادا إلى الربط بين مجدّو وسليمان الواردة في سفر الملوك الأول9: 15، والإشارة الورادة في الآية 19 من نفس الإصحاح:” 19وَجَمِيعَ مُدُنِ الْمَخَازِنِ الَّتِي كَانَتْ لِسُلَيْمَانَ، وَمُدُنَ الْمَرْكَبَاتِ وَمُدُنَ الْفُرْسَانِ، وَمَرْغُوبَ سُلَيْمَانَ الَّذِي رَغِبَ أَنْ يَبْنِيَهُ فِي أُورُشَلِيمَ وَفِي لُبْنَانَ وَفِي كُلِّ أَرْضِ سَلْطَنَتِهِ”. والتي تتحدث عن مدن سليمان والعربات والخيول. ويجري الآن إعادة التقصي من قبل فريق جامعة تل أبيب للتأكد بأن هذه المباني هي اسطبلات الخيل، ونسبها إلى الملك سليمان. ( انظر شكل 2).

وعلى مدى السنوات الثلاثين التالية لأولى البعثات التنقيبية في مجدّو، أصبحت كلمة اسطبلات تعكس تصوراً خاصاً عن انجازات سليمان العظيمة. وجاء هذا التغيير مع عمليات الحفر التي تمت في خمسينيات القرن الماضي ليغال يادين إلى الشمال قليلاً في حاصور. وكان يادين قد لاحظ التشابه بين بوابة المدينة ذات الحجرات الست التي كشفها في حاصور وبين تلك التي كشفها فريق جامعة شيكاغو في مجدّو. وعاد يادين إلى سفر الملوك الأول 9 : 15،  كما قرر التنقيب في جزر، ولكنه لم يقم بالحفر الميداني. وبدلاً من  البحث عن جزر القديمة، بحث في تقارير أعمال الحفر البريطانية منذ مطلع القرن العشرين.

شكل 2. الاسطبلات كما تظهر في القطاع الشمالي الشرقي لمجدو. الصورة من بعثة مجدو. جامعة تل أبيب.

اكتشف يادين، في واقع الأمر، تشابهاً حقيقياً لمسألة تماثل بوابة مدينة الملك سليمان تخفي تصميم المدينة لما كان يوصف سابقاً “الحصن المكابي”. وكان هذا الأمر بالنسبة له تطابقاً تاماً بين النص وعلم الآثار، مما جعله لا يتردد في وصف جميع البوابات الثلاث باعتبارها ” المخطط المعماري” لحقبة سليمان (انظر شكل 8). وشرع في القيام بأعمال سبر في مجدّو وتنقيح التوضع الستراتيغرافي والتفسير التاريخي لفريق معهد الدراسات الشرقية. لم تتمثل، وفقاً له، مجدّو السليمانية عن طريق بوابة المدينة فقط، بل أيضاً عن طريق اثنين من القصور الجميلة المبنية من حجر مربع -أحدهما اكتشفته فريق جامعة شيكاغو في العشرينيات (قصر 17 23) والآخر يعود جزئياً ليادين في عقد الستينيات (والذي تم التنقيب فيه بشكل كامل من فريق جامعة تل أبيب؛ قصر 6000 ؛ شكل 3).

عثر على مبنيين تحت مدينة “الاسطبلات”. وعثر على  اثنين آخرين،  في مجدّو، يبدو أنهما يدعمان تأويل يادين: معظم المدينة تحت مدينة القصور-تلك القصور التي لا تزال تحمل ملامح الثقافة المادية الكنعانية- دمرت بحريق هائل، وشيدت المدينة التالية فوق القصور، والتي تمثل” الاسطبلات” الشهيرة. ويبدو تفسير يادين متلائما مع الشهادة  الكتابية:

شكل 3. قصر 6000 في مجدو. الصورة لبعثة مجدو، جامعة تل أبيب

  1. مجدّو الكنعانية دُمّرت على يد داود .
  2. تمثل القصور العصر الذهبي للملك سليمان، ويتوجب انتساب تدمير هذه القصور، بحريق هائل، إلى حملة الفرعون شيشنق الأول على أرض إسرءيل، التي وردت على جدران معبد آمون في الكرنك، في صعيد مصر، وفي سفر الملوك الأول 14: “25وَفِي السَّنَةِ الْخَامِسَةِ لِلْمَلِكِ رَحُبْعَامَ، صَعِدَ شِيشَقُ مَلِكُ مِصْرَ إِلَى أُورُشَلِيمَ”.
  3. تم تأريخ الاسطبلات (التي سوف تمثل القصور) إلى عهد الملك آخاب، أوائل القرن التاسع ق.م، والذي يصور في النقوش الآشورية بأنه واجه الملك الآشوري العظيم شلمنصّر الثالث في سورية مع قوة كبيرة من ألفي مركبة.

لذلك لا عجب أن يتحول تفسير يادين إلى نظرية موحدة معيارية بشأن المملكة المتحدة.

لماذا النظرية التقليدية خاطئة

رغم كل ما سبق، اعترت نظرية يادين، منذ البداية، العديد من المشاكل. فأولاً، يبدو أن بوابة مجدّو بنيت في وقت لاحق لزمن بناء البوابات في حاصور وجزر، وببساطة أكثر، ترتبط البوابة بالجدار الممتد على طول القصرين. ثانياً، عثر على بوابات مشابهة في أماكن أخرى في المنطقة، من بينها مواقع تؤرخ للفترة المتأخرة من الحقبة الملكية، بعد سليمان بعدة قرون (على سبيل المثال، تل عراد في وادي بير السبع وأسدود على الساحل). ومواقع بنيت خارج حدود المملكة المتحدة العظيمة حتى على النحو المحدد في وجهة النظر التنقيحية (أسدود في فلستيا، وخربة مدينة الثمد في مؤاب). وليس بأقل أهمية حقيقة أن جميع الأسس الثلاثة لنظرية يادين- الستراتيغرافيا والكرونولوجيا والفقرات الكتابية- غير قادرة على الصمود أمام تفحص دقيق. والاقتباس التالي من يادين هو الأكثر محورية: قرارنا بنسبة تلك الطبقة إلى سليمان استند بصورة أولية على مقاطع سفر الملوك الأول، وعلى الطبقات وعلى الفخار. ولكن عندما اكتشفنا بالإضافة إلى ذلك بأن سوية الغرف ذات الحجرات الست، والبوابة ذات البرجين متصلة بالجدار المحصن متطابقة في التصميم والقياسات مع بوابة مجدّو، شعرنا بكل ثقة بأننا نجحنا في تحديد مدينة سليمان (Y. Yadin, “Megiddo of the Kings of Israel,” Biblical Archaeologist 33 [1970]: 67). ومن الواضح أن الستراتيغرافيا توفر لنا فقط كرونولوجية نسبية، أي ما هو سابق وما هو لاحق. وللأسف، ينطبق الأمر ذاته على الأواني القديمة.

لقد ارتكب الآثاريون أخطاء فظيعة في حالة التحقيب الفخاري. ويجادل العلماء بالقول إن الطبقات السليمانية في مجدّو وحاصور وجزر، أرخت وفقاً لعائلة محددة جيداً من الأوعية الفخارية، التي يرجع تاريخها إلى القرن العاشر ق.م . وفي ما يلي اقتباس من وليام ديفر: يتضمن الفخار من هذه الطبقة المدمرة أشكالاً مميزة من نمط فخار الحافة على شكل طوق red slipped. وكذلك فخار مصقول، أرخ دائماً لأواخر القرن العاشر ق.م. وهكذا، على أساس الفخار المقبول عموماً -وليس على أساس القبول الساذج لقصص الكتاب- نؤرخ أسوار وبوابات جزر إلى منتصف القرن العاشر ق.م. (W. G. Dever, What Did the Biblical Writers Know and When Did They Know It? [Grand Rapids, Mich.: Eerdmans, 2001], 132). غير أن الحقيقة عكس ذلك، يؤرخ ديفر هذا الفخار إلى القرن العاشر، لأنه عثر عليه في ما يسمى “الطبقات السليمانية”. بكلام آخر، كيف تسنى لديفر معرفة أن سليمان هو من بنى هذه المعالم؟ [الجواب] بالطبع من الكتاب. وهذه مسألة كلاسيكية أخرى لنمط التفكير الدائري.

وبذلك نعود إلى المربع الأول. لا تخبرنا طبقات أو كرونولوجيا يادين شيئاً عندما يتعلق الأمر بتأريخ مطلق. ومن أجل التوصل إلى تأريخ، نحن بحاجة إلى لقى أثرية من شأنها إسناد آثاريات إسرءيل إلى تأريخ آمن مستمد من تاريخ ممالك مصر وآشور. والمشكلة هي أنه لا يوجد مثل هذا الإسناد في القرن العاشر ق.م. وفي الواقع، هذا الإسناد غير موجود على مدار أربعة قرون كاملة من العصر الحديدي الممتدة من منتصف القرن الثاني عشر حتى أواخر القرن الثامن! ويمكن لنقش شيشنق الأول الذي عثر عليه في مجدّو منذ عشرينيات القرن الماضي أن تعطينا مثل هذا السند. ولكن عثر عليه، للأسف، خارج السياق. والشيء ذاته يصدق على نقش ميشع من ديبون في موآب، ونقش تل دان من شمال اسرائيل المنسوب إلى حزائيل. وهذا يعني أن ربط البقايا التي في الأرض والتعاقب التاريخي يستند على تأويل المادة الكتابية. ومن هنا، تدين نظرية يادين ببقائها لسفر الملوك الأول 9 : 15 ولا لشيء آخر سوى هذه الآية الكتابية. وهذا ما يجعل الأمر واضحاً: إعادة البناء الكامل للدولة السليمانية العظيمة من قبل يادين، وكذلك من قبل آخرين اقتات من آية واحدة من الكتاب. لذلك ينبغي لنا أن نلقي نظرة فاحصة على هذه الآية. مما لا شك فيه أن مادة سفري الملوك الأول والثاني دونت في وقت لا يتجاوز أواخر القرن السابع ق.م، أي بعد ثلاثة قرون من عصر سليمان، ووصف هذه المادة للملكة المتحدة يرسم صورة عهد ذهبي مثالي، ذلك الوصف المغلف بأهداف لاهوتية وإيديولوجية لزمن مؤلفيه،

ولكن هل من الممكن، بعد كل هذا أن يكون مؤلف السفرين على معرفة بنشاطات سليمان العمرانية في الشمال؟

سوف تكون الإجابة البديهية هي أن المؤلف لا بد أنه اطلع على الأرشيف السليماني في أورشليم. ولكن، وخلال قرن أو يزيد من التحقيقات الأثرية في يهوذا لم يتم الكشف عن أي نشاط ذو معنى على المستوى الكتابي التأليفي قبل أواخر القرن الثامن ق.م. ولذلك فإن فكرة وجود أرشيف سليماني ليست أكثر من تفكير مرغوب فيه. فإذا كان الأمر كذلك، فكيف ينبغي لنا أن نفهم سفر الملوك الأول 9 : 15؟ سوف أزعم أن الكاتب أشار إلى أهم ثلاث مدن تقع في الأراضي السهلية المنخفضة من إقليم المملكة الشمالية في القرن الثامن ق.م. وهي مجدو وحاصور وجزر، من أجل تبرير إيديولوجيته القومية الإسرءيلية الجامعة، التي ترى بأن سليمان حكم، من أورشليم، جميع أراضي البلاد بما في ذلك أراضي المملكة الشمالية (وإن كانت هذه المدن في زمن الكاتب مدمرة تماماً). والخلاصة، لا تخبرنا الطبقات ولا الفخار بأي شيء على الإطلاق عن المملكة المتحدة، كما أن ما ورد في سفر الملوك الأول9 : 15 لا يخبرنا بأي شيء عن عهد سليمان. وبقدر ما أستطيع ان أحكم، تقع النظرية التقليدية ضمن فضاء القراءة التبسيطية للنص الكتابي إلى حد ما، على أهمية ما تم تضخيمه عن طريق التفكير المرغوب فيه. وبالتالي هناك العديد من الأسباب لرفض النظرية التقليدية. فهي تثير مشاكل تاريخية وأثرية حادة.

وفيما يلي ثلاثة أمثلة:

1-بروز الدول الإقليمية في المشرق كان نتيجة توسع الإمبراطورية الآشورية غرباً في أوائل القرن التاسع، وفي واقع الأمر، تترك المصادر غير الكتابية مجالاً ضئيلاً للشك في أن جميع الدول الكبرى في المنطقة ظهرت في القرن التاسع ق.م، أي آرام دمشق، موآب، عمون، والمملكة الشمالية أي إسرءيل، ومن الصعوبة بمكان تصور إمبراطورية عظيمة حكمت من منطقة هامشية من المرتفعات الجنوبية قبل قرن من هذه  العملية.

2-نسب تدمير قصور مجدو إلى حملة الفرعون شيشنق الأول لا يترك لنا أي طبقة دمار في الشمال توثق اعتداء حزائيل ملك آرام دمشق على المملكة الشمالية في منتصف القرن التاسع.

3-الأمر الأكثر إشكالية من ذلك كله هو حقيقة أن ما يزيد على قرن من الاستكشافات الأثرية في عاصمة المملكة البراقة أورشليم الكتابية، لم يتم الكشف عن أية أدلة لنشاط عمراني هام يعود للقرن العاشر ق.م. البناء الحجري -الذي يذكر عادة على أنه أكثر البقايا الأثرية أهمية للملكة المتحدة ربما يكون قد بني في وقت لاحق. والفخار الذي يعود تاريخه إلى القرن التاسع ق.م، إن لم يكن في وقت لاحق، وجد بين دوراته. وقد فسر فريق البحث أساسات البناء التي كشفت مؤخراً على سلسلة تلال مدينة داود، فوق هذا المبنى، على أنها بقايا قصر الملك داود. ولكن فحصٍ متأنٍ لنمط العمارة وللبقايا يدل على وجوب تأريخ البناء إلى المرحلة الأخيرة من العصر الحديدي الثاني، إن لم يكن في وقت لاحق. وينبغي أن تنحى جانباً الذريعة الشائعة لغياب بقايا القرن العاشر ق.م في أورشليم -التي تقول بأنه تم القضاء على هذه البقايا بسبب نشاط عمراني لاحق- فالتحصينات الضخمة لكل من العصر البرونزي الوسيط (القرن السادس عشر ق.م) وزمن الملكية المتأخرة (القرن الثامن ق.م) أبقت، حية، في الحقيقة احتلالات أخرى للموقع. باختصار، لم تكن أورشليم القرن العاشر ق.م -مدينة عصر داود وسليمان- أكثر من قرية صغيرة نائية تقع على المرتفعات، وليست عاصمة، لإمبراطورية عظيمة، منمقة على تلك الصورة الرائعة التي تصور بها. وتعني الأدلة السلبية الكثيرة للنظرية البديلة؛ أنها معطيات واضحة أكثر عندما يتعلق الأمر بتأريخ معين للقى تأتي من موقعين يمتان بصلة إلى سلالة عُمْري العظيمة، التي حكمت المملكة الشمالية في القرن التاسع، وهما عاصمة هذه المملكة، أي مدينة السامرة التي تقع في المرتفعات، وموقع يزرعيل في الوادي، التي تعتبر بشكل عام القصر الشتوي للمملكة. وكشفت حجارة البناء في الأساسات لما دعي القصور السليمانية في مجدّو احتفاظها بعلامات البنائين المميزة على سطحها. وقد عير على مثل هذه العلامات في مبنى واحد آخر  فقط وهو قصر عُمْري بن آخاب الذي يعود للقرن التاسع في السامرة.

وأود أن أؤكد أننا لا نتحدث عن موقعين أو سويتين، بل عن مبنيين، وعلامات البنائين هذه مميزة بحيث لابد أنها نفذت من قبل المجموعة ذاتها من البنائين. ومع ذلك تم تأريخ أحدهما بالقرن العاشر ق.م والآخر بالقرن التاسع ق.م. ولا يوجد أمامنا سوى خيارين: إما أن ندفع بناء مجدو باتجاه القرن التاسع ق.م، أو نسحب قصر السامرة وراءً نحو القرن العاشر ق.م. وتكمن الإجابة على هذا اللغز في إشارة المصدر الكتابي إلى قصر السامرة الذي يعود لعُمْري ملك إسرءيل. وينبغي لهذا المصدر أن يكون موثوقاً يما يكفي لأنه مدعم بنصوص آشورية تشير إلى المملكة الشمالية باسم “بيت عُمْري”، وهي عبارة نمطية تستخدم عند الإشارة إلى دولة تسمى باسم مؤسس عاصمتها، لذلك، لا يوجد أدنى شك في تبني خيار القرن التاسع ق.م كزمن محتمل لقصور مجدو .

كشفت الحفريات الأنكلو الإسرائيلية الأخيرة في يزرعيل، على بعد نحو 16 كلم  إلى الشرق من مجدّو، عن نتائج مثيرة. تم تأريخ الطبقة المدمرة للمجمع الملكي هناك بمنتصف القرن التاسع ق.م. وأسفرت الحفريات عن مجموعة غنية من الأوعية مطابقة لما وجد في مجاميع مجدّو التي أرخت تقليدياً بأواخر القرن العاشر ق.م. وهكذا بحن بحاجة، من جديد، إما لدفع مجاميع مجدّو للأمام أو سحب مجاميع يزرعيل الى الوراء. وحيث أن ذخيرة موقع يزرعيل تتطابق معمارياً  مع ذخيرة السامرة، فمن الواجب تأريخها بالقرن التاسع ق.م. وفي هذه الحالة أيضاً، ليس هناك سوى خيار واحد: تأريخ قصور مجدو بالقرن التاسع ق.م، وحتى الآن تعاملت مع علم الآثار الكتابي والتفسير الكتابي. ولكن، هل يمكننا أن نضيف إلى هذه الاعتبارات الشرطية وسيلة أكثر دقة؟

الجواب: نعم. وهو يأتي من العلوم الدقيقة. خضعت -في السنوات الأخيرة- عينات تعود لطبقات العصر الحديدي من عدة مواقع من البلاد لاختبارات الكربون المشع من أجل تحديد عمرها. وأبدت التواريخ المتحصل عليها لعدد كبير من القراءات نتائج أقل من المتوقع بقرن تقريباً، وفقاً للكرونولوجيا التقليدية، علماً أن العينات المأخوذة كانت من مواقع دور/ الطنطورة على ساحل البحر المتوسط، وتل هادار ( سهل البطيحة؟) على  الشاطئ الشرقي لبحيرة طبرية، ومجدو، ويقنعام من وادي يزرعيل، وتل رحوف إلى الجنوب من بيسان، وحاصور في الشمال، ولقى بالقرب من روش زيت (خربة راس الزيتون) بالقرب من عكا. وثمة هناك دراسة شاملة لمعهد وايزمان ومختبرات جامعة أريزونا وضعت المرحلة الانتقالية من العصر الحديدي الأول إلى العصر الحديدي الثاني بين 920-900 ق.م، والذي يؤرخ تقليدياً حوالي 1000-980 ق.م. وأعطت الطبقات المدمرة، التي كانت تؤرخ تقليديا بأواخر القرن العاشر، تواريخ تعود لمنتصف وحتى أواخر القرن التاسع. وفسرت مجموعة القراءات من موقع تل رحوف من قبل عميحاي مزار كنتائج مؤيدة للتأريخ التقليدي. ولكن قراءة أكثر دقة لبيانات الكربون المشع لعينات تل رحوف (هذا يعني، الأخذ بعين الاعتبار جميع القراءات بدلاً من مجموعة مختارة من النتائج) يمكن أن يفسر على أنه تأييد للتأريخ المنخفض لسويات العصر الحديدي (أي ما يسمى الكرونولوجيا المنخفضة). وبالإضافة إلى ذلك مقارنة المجاميع الفخارية لتل رحوف ومجدّو تشير إلى ضرورة وضع قصور مجدّو في المرحلة الأخيرة من الفترة التي تسمى” العصر الحديدي الثانيA “. أي النصف الأول من القرن التاسع. وباختصار تؤكد نتائج الكربون المشع استنتاجاتي السابقة أي أن تأريخ الصروح السليمانية ينبغي أن يخفض بحوالي مئة وخمس وسبعون عاماً.

العودة إلى التاريخ

ما معنى كل هذا للدراسات الكتابية والتاريخية؟

لا تدع الإشارة إلى “بيت دود”، في نقش تل دان من القرن التاسع، مجالاً للشك في أن داود وسليمان هما شخصيتان تاريخيتان. وهناك سبب وجيه للقبول بالعديد من قصص داود الواردة في سفري صموئيل على ذكريات تاريخية حقيقية مبكرة (بشكل رئيسي السرديات التي تتحدث عن قصصه البطولية، ووصفه كقاطع طريق يعيش على هامش وتخوم المرتفعات اليهوذية). وكانت هذه القصص تنتقل، بدورها، شفوياً ولم تدون قبل أواخر القرن الثامن ق.م.

ولكن تبقى القصة الكتابية العظيمة عن المملكة المتحدة بدون دليل مادي.

إن أماكن مثل مجدّو في الشمال، في القرن العاشر ق.م، لا تنفك تحمل ميزات الثقافة المادية الكنعانية. ولم تزد مملكة داود وسليمان عن كونها مجرد مشيخة فقيرة قليلة السكان متمركزة في أورشليم، القرية المتواضعة. تؤرخ قصور مجدّو الجميلة – التي كانت حتى وقت قريب رمزاً للعظمة والأبهة السليمانية- إلى زمن يعود لسلالة عمري التي حكمت المملكة الشمالية بعد عصر سليمان بقرن تقريباً، وتم يناء هذه القصور، على الأرجح، على يد الملك آخاب وقد يكون هذا مثيراً للدهشة. وتشهد الملكيات المعاصرة جميعها -من شلمنصر الثالث الآشوري إلى ميشع المؤابي إلى حزائيل ملك دمشق- على قوة إسرءيل العظمى في القرن التاسع ق.م. وتشير القصة الكتابية، التي تدور حول حكم الأميرة  عثليا من سلالة عُمْري في أورشليم والتي اعتبرت بمثابة شهادة تاريخية موثوق بها، إلى سيطرة السلالة العُمْرية على يهوذا الهامشية والعاجزة الواقعة إلى الجنوب منهم. لقد كانت المملكة الشمالية -الدولة الإسرءيلية العظيمة والقوية والبراقة- المملكة الشريرة في نظر المؤرخين الكتابيين، ولم تكن مجرد إقليم صغير وفقير هيمنت عليه أورشليم القرن العاشر ق.م. وإذا كان هناك مملكة متحدة حكمت من دان حتى بئر السبع فهي مملكة أسرة عُمْري وهي حكمت من السامرة التي تعود للقرن التاسع ق.م.

فإذا كانت هذه هي الحقائق على أرض الواقع، فما أصل الحكاية الكتابية التي تتحدث عن مملكة متحدة لامعة؟ من أجل الإجابة على هذا السؤال، علينا أن نتذكر أن الرواية الكتابية عن إسرءيل -التاريخ التثنوي- دونت في أواخر القرن السابع ق.م، في أيام الملك يوشيا، الذي وصف في سفر الملوك كأكثر الملوك الصالحين من نسل داود. وكان القصد من التاريخ التثنوي تقديم خدمة لأجندة تدور حول مركزية العبادة في أورشليم والتوسع الإقليمي في الأراضي الشمالية لإسرءيل المهزومة بعد انسحاب آشور. وليس من الصعب التعرف على المشهد المكاني وعلى الثياب التي تعود لعصور الملكية المتأخرة -أي الزمن الذي جمعه فيه النص- كخلفية تقف وراء الحكاية الكتابية للملكية المتحدة. ويجب أن تعكس قصص مدن سليمان، التي تدور حول العربات والفرسان، ذكرى عن تربية الخيل الرائعة وحلبات التدريب لعصر المملكة المتحدة في القرن الثامن ق.م في مجدّو. ولا بد من مطابقة حيرام ملك صور مع حيرام الوحيد المعروف المعاصر للملك الآشوري تغلات بلاصر الثالث في القرن الثامن ق.م، من نصوص غير كتابية موثوقة. كما تم تصميم قصة العلاقات التجارية معه للمساواة بين عظمة سليمان مع قصص الملوك العظام للملكة الشمالية. ومما لاشك فيه تعكس الزيارة الباذخة لملكة سبأ الشريك التجاري لسليمان إلى أورشليم مشاركة يهوذا في أواخر القرنين الثامن والسابع ق.م في التجارة العربية الرائجة في ظل السيطرة الآشورية.

ويصدق الشيء نفسه على وصف الرحلات التجارية إلى الأراضي البعيدة انطلاقاً من  عصيون جابر على خليج العقبة -الموقع الذي لم يكن مأهولاً  قبل زمن الملكية المتأخرة. وكما ذكرت سابقاً، قد تحتوي بعضاً من قصص داود في سفري صموئيل على تقاليد مبكرة ربما  تعود إلى القرن العاشر ق.م. لكن هذه القصص دونت بعد ذلك بكثير. ربما في أواخر القرن الثامن، ومن ثم أقحمت  في تاريخ أكبر لإسرءيل في القرن السابع. وقد امتصت في تلك المرحلة وقائع وإيديولوجيا زمن متأخر. وينبغي أن يفهم إدراج جوليات مرتدياً، على سبيل المثال، دروعاً شبيهة بالدروع الإغريقية، التي تعود للقرنين السابع أو السادس ق.م (وليس محارباً إيجياً أبكر) على خلفية خدمة المرتزقة الإغريق في الجيش المصري في القرن السابع ق.م، في الوقت الذي كانت فيه يهوذا الصغيرة تواجه مصر القوية، التي يحكمها ملوك الأسرة السادسة والعشرين، التي ورثت الأراضي الآشورية في المشرق. لذا، فإن انتصار داود على العملاق جوليات -الذي وصف كمقاتل مدرع إغريقي (وبالتالي يرمز إلى قوة مصر)، يمكن أن يكون تصويراً لآمال يهوذا في عهد يوشيا.

ولكن لماذا كان من المهم جداً إسقاط هذه الصور الملكية التي تعود إلى زمن متأخر إلى وقت مبكر من تاريخ إسرءيل؟

كان لحكاية المملكة المتحدة الساحرة معنى واضح لدى شعب يهوذا في زمن جمع النص. في وقت لم تكن فيه المملكة الشمالية أكثر من ذكرى فضلاً عن أن جيش آشور القوي قد مضى إلى غير رجعة, ولذا فإن داوداً جديداً-الورع يوشيا- جلس على عرش أورشليم عازما على “استعادة” مجد أسلافه القدماء وهو على وشك “تكرار” تاريخ إسرءيل. ومن خلال تطهير يهوذا من رجس الأمم، والتراجع عن خطايا الماضي، استطاع وضع حد لدوامة الوثنية والفاجعة التي ميزت تاريخ إسرءيل القديمة، وبإمكانه “إعادة خلق” المملكة المتحدة بالطريقة التي ينبغي لها أن تكون، قبل أن تضل. لذلك شرع يوشيا في إعادة تأسيس المملكة المتحدة. وهو الآن على وشك “استعادة” الأراضي المدمرة للمملكة الشمالية، ويحكم من أورشليم كل الأراضي الإسرءيلية وكل الإسرءيليين. ويخدم الوصف المتعلق بالمملكة المتحدة الفاتنة مثل هذه الأهداف. وفي حين أن هذا كله قد يبدو نوعاً ما  تقليلاً من مكانة داود وسليمان التاريخيين، فإننا في ذات الوقت نحظى بلمحة خاطفة عن عظمة المملكة الشمالية-الحقيقة الأولى، دولة إسرءيل العظيمة. ولا يقل أهمية عن ذلك أننا حصلنا على نظرة لداخل العالم الساحر لمملكة يهوذا المتأخرة حيث قام مؤلفون لا نعرفهم بخلق تلك الصورة عن المملكة المتحدة العظيمة .

العنوان الأصلي: THE QUEST FOR THE HISTORICAL ISRAEL: Debating Archaeology and the History of Early Israel
المؤلف: Israel Finkelstein and Amihai Mazar
الناشر: 2017 Society of Biblical Literature

عن محمود الصباغ

كاتب ومترجم من فلسطين

شاهد أيضاً

البحث عن إسرءيل: مناظرات حول علم الآثار وتاريخ إسرءيل الكتابية (6-2)

ترجمة: محمود الصباغ استهلال يوافق مزار، إلى حد ما، في ملاحظاته الختامية، على أن “القيم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *