البحث عن إسرءيل: مناظرات حول علم الآثار وتاريخ إسرءيل الكتابية (3-2)

ترجمة: محمود الصباغ

استهلال
يرى عميحاي مزار بأن قصص التوطنات الكتابية، مثل مرويات الغزو، وجدت تأكيداً جزئياً لها في عمليات المسح الأثري الأخيرة التي أنجزت على مدى العقود القليلة الماضية، وهي عمليات توثق لنمط التوطن بأكمله في العصر الحديدي الثاني مع مئات من المواقع الصغيرة الجديدة في المناطق الجبلية في الجليل الأعلى والأدنى، وفي السامرة، وأفرايم وبنيامين وتلال يهوذا وفي النقب الشمالي وأجزاء من وسط وشمال شرق الأردن. وهذا لا يمنعه من الاعتراف بالمشاكل المصاحبة لمحاولة تحديد أي معلم “إثني” آثاري فردي لا لبس فيه مثل جرار التخزين الفخارية المؤطرة ذات الحواف أو المنزل ذو الغرف الأربع؛ كما كان الحال عليه في أحيان كثيرة في الماضي ، أو تلك المتعلقة بتابو أكل لحم الخنزير التي اقترحها فنكلشتين. وعوضا عن ذلك يخلص إلى أن تجمع المادة الثقافية بغالبيتها العظمى (أي أكثر من أشكال الفخار) لسكان منطقة الهضاب يختلف عن الثقافات الكنعانية والفلستية المعاصرة لها من منطقة الأراضي المنخفضة ومن وادي يزرعيل. ويذهب إلى استنتاج مفاده أن البناء الاجتماعي- الاقتصادي لمجتمع الهضاب في العصر الحديدي الأول يتفق مع وصف سفر القضاة الكتابي لإسرءيل، أي مجتمع غير حضري يضم جماعات سكانية زراعية مستقرة في مجتمعات صغيرة، وجماعات رعي بدون سلطة سياسية مركزية على الرغم من احتمال وجود مراكز عبادة رئيسية مثل شيلو. ويقترح، بصورة غير نهائية، بعد استعراضه للنظريات المختلفة المتعلقة بالأصول الجماعية لإسرءيل في منطقة الهضاب الوسطى وشرق الأردن خلال الفترة الانتقالية المتأخرة من العصر البرونزي إلى العصر الحديدي الأول، نموذجاً يرى فيه أن سكان مستوطنات العصر الحديدي الأول يتألفون من ثلاث عناصر رئيسية:
1. شعوب شرق الأردن غير المستقرة الذين دخلوا منطقة الهضاب والمعروفين من قبل المصادر المصرية المعاصرة تقريبا باسم الشاسو Shasu
2. رعاة محليين أجبروا بسبب ظروف مختلفة (مثل الاكتظاظ السكاني) للعودة إلى نمط حياتهم المستقر السابق في منطقة الهضاب الذي كان سائداً قبل 500 سنة
3. الفلاحين الكنعانيين الذي خرجوا مؤخراً من السهول المنخفضة في بحثهم عن فرص عيش أفضل في منطقة الهضاب الوسطى.
وكان اليهويين، بالنسبة له، على الأرجح من بين أولئك المستوطنين الذين كافحوا من أجل البقاء على قيد الحياة في هذه الظروف البيئية القاسية من جبال وغابات ومناطق شبه قاحلة، وهم من أشار لهم المصريون باسم “الشاسو”. ويظهر الاسم اليهووي في المصادر المصرية إلى جانب ذكر اسم الشاسو من سعير، وهذا بدوره يتفق مع الإشارة المذكورة في الإصحاح الخامس من سفر القضاة أ يهوه جاء من سعير، أي أدوم. ” 4يَا رَبُّ بِخُرُوجِكَ مِنْ سِعِيرَ، بِصُعُودِكَ مِنْ صَحْرَاءِ أَدُومَ، الأَرْضُ ارْتَعَدَتِ. السَّمَاوَاتُ أَيْضًا قَطَرَتْ. كَذلِكَ السُّحُبُ قَطَرَتْ مَاءً”.
……
الفصل الثالث: الأصول التاريخية لجموع بني إسرءيل
القسم الثاني: التوطن الإسرءيلي/ عميحاي مزار
تم تفسير المرويات الكتابية المتصلة بفترة الاستيطان الإسرءيلية (أو: عصر القضاة “الكتابي”) عبر مقاربة تقليدية للآثاريات الكتابية باعتبارها تعكس واقعاً حقيقياً تاريخياً للعصر الحديدي الأول (1000-1200 ق.م)، في حين يرى بعض العلماء في الوقت الحالي في هذه المرويات مجرد اختلاقات أدبية لم تعد تحظى بأي وجاهة شرعية. وعلم الآثار هو أداة بحث مهمة في هذه القضية لأنه قد يلقي الضوء على عملية التوطن وعلى طبيعة مناطقه وكذلك على مواقع محددة وردت في الرواية الكتابية وعلى طبيعة جيران إسرءيل وعلاقاتهم مع متوطني المرتفعات.
التوطن الإسرءيلي: نتائج السبر
سهّلت عمليات البحث، على مدى السنوات الخمسين الماضية، فهماً أفضل لعملية توطن القبائل الإسرءيلية باستخدام الطرق الحديثة لعمليات المسح المكثفة، والدراسات البيئية والإثنوغرافية المقارنة. وتعود عمليات البحث هذه بجذورها إلى ثلاثينيات القرن الماضي، عندما حدد وليم أولبرايت وزملائه ما اعتبروه الخصائص الأساسية للثقافة المادية الإسرءيلية في المرتفعات. وابتدأ المظهر الحديث لهذا البحث في العام 1950 بمسح سطحي قام به يوحنان أهاروني في الجليل الأعلى، وأعيدت عملية المسح بعد العام 1967، عندما بات بمقدور العلماء الإسرائيليين الوصول إلى الهضاب الوسطى في يهوذا والسامرة. كما أضافت عمليات المسح والتنقيب في الأردن الكثير من البيانات المتزايدة. وكشفت المسوحات عن نمط توطني جديد تماماً يعود للعصر الحديدي الأول، حيث أنشئت المئات من المواقع الصغيرة الجديدة في المناطق الجبلية في الجليلين الأعلى والأدنى، وفي تلال السامرة وأفرايم، وبنيامين وتلال يهودا، وفي شمال النقب، وأجزاء من وسط وشمال شرق الأردن. وقدمت المسوحات الأولية، في العام 1968، لأول مرة صورة عامة لهذه الظاهرة. كما أجريت مسوحات مكثفة أكثر، في السنوات التالية، للهضاب الوسطى وأراضي منسّى، وأفرايم، وبنيامين، ويهوذا. وحدد آدم زرطال، في إقليم منسّى، أكثر من 100 موقع يعود للعصر الحديدي الأول. وكان هناك العديد من المدن الكنعانية بالقرب من الوديان الداخلية في هذا الإقليم بالإضافة إلى شكيم عند حدوده الجنوبية. إلا أن عدداً قليلاً منها حدثت فيه عمليات حفر وتنقيب، كما أن البيانات المنشورة عن عمليات التنقيب هذه غير كافية بصورة ما، ويمكن القول، عن تأسيس مواقع توطنية جديدة، في التلال المحيطة بالوديان، بنيت في أماكن نائية في كثير من الحالات، وبعيداً من مصادر المياه، رغم استمرارية تلك المدن الكنعانية خلال العصر الحديدي الأول. كما عثر زرطال على عدد لا بأس به من هذه المواقع على طول تخوم وادي الأردن وتلال السامرة الشرقية شبه القاحلة، وفي المناطق الداخلية الغربية أيضاً، وصولاً الى التلال المطلة على ممر وادي عارة. كما تم استكشاف حوالي 100 موقع توطني إضافي في أرض أفرايم بواسطة إسرائيل فنكلشتين وفريقه. حيث كان التواجد الكنعاني متناثراً في هذه المنطقة ذات التضاريس الجبلية التي تقطعها الأودية العميقة. وتم تحديد توطنات العصر الحديدي الأول على طول الممر الرئيس، فضلاً عن المناطق النائية على حافة الصحراء، أو في المناطق الحرجية. ومعظم هذه المواقع كان صغير جداً، بمساحات تصل إلى نحو 0,5-0,8 هكتار من المساحة المبنية مع وجود عدد ضئيل من المنازل. وتقل كثافة المواقع كلما اتجهنا جنوباً نحو مرتفعات الخليل وبيت لحم. وعثر على حوالي 40 موقعاً توطنياً صغيراً خلال عمليات مسح في الجليل، في الأراضي المخصصة، كتابياً، لقبائل آشر ونفتالي في الجليل الأسفل، وقلبت المسوحات حوالي خمسة عشر موقعا يقع معظمها في المناطق الجبلية داخل أراضي قبائل زبولون. وعلى العكس من ذلك أظهر “زفي غال” أن القرن العاشر هو الذي بدأت فيه عملية التوطن في المرتفعات البازلتية لأراضي يسّاكر، ربما في أعقاب هجرة هذه القبيلة إلى هناك، خلال الفترة الملكية، من موقعهم الأولي في تلال السامرة. كما استقرت بعض الأسر من سبط منسّى في عدة مواقع متوضعة في منطقة جلعاد (منطقة عجلون في شمال الأردن) وفقاً للتقليد الكتابي.
تقدم نتائج مثل هذه الدراسات الاستقصائية صورة عن نمط التوطن، وبالتالي تجعل من الممكن تقدير حجم السكان ونوعية اقتصاد الكفاف، والتكيف البيئي للسكان. ونوقشت هذه المواضيع في العديد من الدراسات، لا سيما دراسات إسرائيل فنكلشتين، فضلاً عن سلسلة مقالات لمجموعة من الباحثين نشرت في كتاب ظهر في العام 1994 و يحمل عنواناً مثيراً: من البداوة إلى الملكية: الجوانب الأثرية والتاريخية لإسرءيل القديمةFrom Nomadism to Monarchy: Archaeological and Historical Aspects of Early Israel. ومن المعروف أن تقدير حجم السكان يتم حسابه من حاصل جداء مضاعفة المنطقة العمرانية المعروفة للمواقع مع معامل معين لعدد السكان لكل هكتار من المنطقة العمرانية، وعند استخدام معامل 250 شخصاً في الهكتار الواحد للمنطقة العمرانية، استطاع فنكلشتين تقدير عدد سكان الهضاب الوسطى وحدها بحوالي 60000 نسمة خلال العصر الحديدي الأول، ولكي يكون هذا الرقم صحيحاً، يشترط في هذه المواقع، ذات الحجم عينه تقريباً، أن يكون هذا الحجم دقيقاً وأن يكون المعامل صحيحاً.
كل هذه العوامل لا تزال غير مؤكدة إلى حد ما، وبالتالي ينبغي لمثل هذه التقديرات السكانية أن تبقى مؤقتة.
الثقافة المادية للمستوطنين .
يمكن الحصول، عن طريق التنقيب، على تفاصيل أكثر دقة عن هذه التوطنات. وقد تم التنقيب والحفر على نطاق ضيق في عدد قليل من المواقع، ولا تسمح النتائج المتاحة بإعادة بناء المعالم الرئيسية للثقافة المادية لهؤلاء السكان. بدأت عملية التوطن في أواخر القرن الثالث عشر وأوائل القرن الثاني عشر ق.م. في الهضاب الوسطى من [إسرائيل] والى حد ما في شرق الأردن وشمال النقب. في حين نشأت معظم المواقع في الجليل على ما يبدو في وقت لاحق من القرن الحادي عشر ق.م. وكانت في أغلبها مواقع صغيرة على شكل قرى مفتوحة مرتبة على طول سور دائري، مع مساحات مفتوحة واسعة داخل الموقع. وعثر في بعض المواقع على أسوار دفاعية، وإن كانت مبنية بطريقة سيئة في معظم الحالات. وقد أتيحت لي شخصياً فرصة الحفر في جيلوه، وهو أحد المواقع في منطقة الهضاب الوسطى، إلى الجنوب من القدس. وتبلغ مساحته حوالي 0,6 هكتار وهو محاط بسور خارجي يتكون من أقسام منفصلة، يمكن لكل قسم أن يخص عائلة أو مجموعة من الأفراد تعيش في المنطقة المتاخمة. مع وجود مساحات مفتوحة واسعة في القرية، ربما تلعب دور حظيرة مواشي. أما في الجليل، تم الكشف، بالإضافة الى مواقع صغيرة في الجبال، عن أدلة على توطنات قبلية في المواقع الرئيسية في المدن الكنعانية السابقة في وادي الحولة، مثل حاصور ودان.
هجر موقع حاصور الكنعاني خلال القرن الثالث عشر ق.م بعد دماره. وأنشأت مستوطنة صغيرة مؤقتة خلال العصر الحديدي الأول قد تعود لسكان جدد ينحدرون من أصول شبه بدوية. اللقى في هذا الموقع شحيحة وتتضمن العشرات من حفر التخزين، والموقع بدون بقايا معمارية تقريباً. وتبدو مستوطنة العصر الحديدي الأول في تل دان أكبر حجماً وأكثر أهميةً من الناحية الجوهرية. كما تم العثور هنا أيضاً على حفر تخزين كثيرة، فضلا عن مبانٍ رديئة وأدلة عن استخدام النحاس. كانت المساكن النموذجية من النوع المعروف باسم “البيوت ذات الأعمدة.” تتألف من مساحات مستطيلة عدة، وفي العديد من الحالات، من خطوط من أعمدة حجرية تفصل تلك المساحات. وهذا النمط من استخدام الأعمدة يمكن مشاهدته في عدة مدن وبلدات كنعانية في جنوب كنعان (على سبيل المثال، لخيش، تمنة [تل البطاش] وتل هراشم [خربة التليل]). وأصبح هذا النمط المعماري شائعاً في العمارة الإسرءيلية الخاصة والعامة في العصر الحديدي الأول، وظهر ليكون نموذجياً في الفترة الملكية. ويعتبر المنزل ذو الحجرات الأربع هو الشكل المفضل من بين هذه المساكن، التي أصبحت شائعة ابتداءً من القرن الحادي عشر، وهو، من الناحية النموذجية، مبنى مستطيل الشكل أو مربع، مع مدخل يؤدي عادة إلى فناء وسطي مستطيل محاطاً بغرف أو أروقة ذات أعمدة من ثلاث جوانب. ولم يثبت في هذه المواقع التوطنية وجود مبان عامة، والاستثناء كان بنيان أساس متين مربع (11,2×11,2مترا) من حجارة ضخمة غير مشغولة قمنا بكشفها في جيلوه، قد يكون أساس لبرج طويل مع غرف داخلية. تم ذكر الأبراج في سفر القضاة كسمة مشتركة في هذه الفترة. ففي شكيم يتطابق على سبيل المثال البرج مع معبد المدينة كما في الإصحاح التاسع من سفر القضاة: ” 46وَسَمِعَ كُلُّ أَهْلِ بُرْجِ شَكِيمَ فَدَخَلُوا إِلَى صَرْحِ بَيْتِ إِيلِ بَرِيثَ. 47فَأُخْبِرَ أَبِيمَالِكُ أَنَّ كُلَّ أَهْلِ بُرْجِ شَكِيمَ قَدِ اجْتَمَعُوا. 48فَصَعِدَ أَبِيمَالِكُ إِلَى جَبَلِ صَلْمُونَ هُوَ وَكُلُّ الشَّعْبِ الَّذِي مَعَهُ. وَأَخَذَ أَبِيمَالِكُ الْفُؤُوسَ بِيَدِهِ، وَقَطَعَ غُصْنَ شَجَرٍ وَرَفَعَهُ وَوَضَعَهُ عَلَى كَتِفِهِ، وَقَالَ لِلشَّعْبِ الَّذِي مَعَهُ: «مَا رَأَيْتُمُونِي أَفْعَلُهُ فَأَسْرِعُوا افْعَلُوا مِثْلِي». 49فَقَطَعَ الشَّعْبُ أَيْضًا كُلُّ وَاحِدٍ غُصْنًا وَسَارُوا وَرَاءَ أَبِيمَالِكَ، وَوَضَعُوهَا عَلَى الصَّرْحِ، وَأَحْرَقُوا عَلَيْهِمِ الصَّرْحَ بِالنَّارِ. فَمَاتَ أَيْضًا جَمِيعُ أَهْلِ بُرْجِ شَكِيمَ، نَحْوُ أَلْفِ رَجُل وَامْرَأَةٍ”. كما ذكرت الأبراج عند ذكر في الإصحاح الثامن من سفر القضاة أيضاً: “17وَهَدَمَ بُرْجَ فَنُوئِيلَ وَقَتَلَ رِجَالَ الْمَدِينَةِ”. وكذلك الحال في الإصحاح التاسع من ذات السفر حين يذكر تاباص: “50ثُمَّ ذَهَبَ أَبِيمَالِكُ إِلَى تَابَاصَ وَنَزَلَ فِي تَابَاصَ وَأَخَذَهَا. 51وَكَانَ بُرْجٌ قَوِيٌّ فِي وَسَطِ الْمَدِينَةِ فَهَرَبَ إِلَيْهِ جَمِيعُ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَكُلُّ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَأَغْلَقُوا وَرَاءَهُمْ، وَصَعِدُوا إِلَى سَطْحِ الْبُرْجِ. 52فَجَاءَ أَبِيمَالِكُ إِلَى الْبُرْجِ وَحَارَبَهُ، وَاقْتَرَبَ إِلَى بَابِ الْبُرْجِ لِيُحْرِقَهُ بِالنَّارِ”. بيد أنه من المستغرب أن نجد هذا الأساس لبرج ضخم في موقع جيلوه الصغير والنائي، كما يثير اكتشافه تساؤلات حول طبيعة مواقع التوطن الإسرءيلي في منطقة الهضاب. وينبغي لهذا البرج أن يكون مصمماً ليكون حصناً للسكان في حال تعرضهم لهجوم. وقد اقتضى من سكان الهضاب شديدة الانحدار المغطاة بالغابات، القيام بتنظيف الأرض لتهيئتها للزراعة، من خلال قطع الأشجار وإزالة الغابات، وهي بالتأكيد أحد المهام الأكثر صعوبة لهم. وينعكس هذا في قول يشوع لأفرايم: “15فَقَالَ لَهُمْ يَشُوعُ: «إِنْ كُنْتَ شَعْبًا عَظِيمًا، فَاصْعَدْ إِلَى الْوَعْرِ وَاقْطَعْ لِنَفْسِكَ هُنَاكَ فِي أَرْضِ الْفِرِزِّيِّينَ وَالرَّفَائِيِّينَ، إِذَا ضَاقَ عَلَيْكَ جَبَلُ أَفْرَايِمَ». (يشوع 17). وينبغي أن يعقب إزالة الغابات بناء المدرجات الزراعية على السفوح شديدة الانحدار التي كانت أساسية لسكان العصر الحديدي الأول الذين استمروا في إنشاءها في فترات لاحقة، كاشفة عن مشهد مكاني لهذه المدرجات لا يزال يمكن مشاهدته حتى يومنا هذا في منطقة الهضاب. نحتت صهاريج المياه في الصخور، وتظهر الصوامع والمدرجات الزراعية الوسائل التي تدبرها السكان مع الظروف البيئية الجديدة في الهضاب الوسطى .
شدد أولبرايت، ومن ثم أهاروني، على أهمية الصهاريج المجصصة، فيرى فيها أولبرايت، حسب زعمه، اختراع إسرءيلي لتسهيل توطنهم في الهضاب. إلا أننا نعرف الآن استخدام تلك الصهاريج قبل ذلك بكثير، كما عثر عليها، في واقع الأمر، في عدد قليل فقط من المواقع التي يمكن القول، باطمئنان، انتماءها إلى التوطنات الإسرءيلية. وتعتمد مصادر المياه في العديد من هذه المواقع بدرجة أقل أهمية على مصادر المياه الجوفية كالينابيع، التي غالباً ما تقع على مسافة بعيدة عن موقع السكن. واقترح زرطال أن وفرة الجرار الفخارية pithoi (التي تدعى الجرار ذات الحواف المؤطرة)، في هذه المواقع ينبغي أن يرتبط بالحاجة إلى عملية تخزين المياه. كما استخدمتـ وبشكل واسع، في هذه المواقع الصوامع المبطنة بالحجر أو الحفر المجصصة الملائمة لمحاصيل الحبوب. وعثر في موقع واحد -عزبة صرطة- في السفح الغربي لتلال أفرايم على هذه اللقى من هذه الشاكلة، وكان المراد من القدرة الاستيعابية لصوامع الغلال أن تكون أكبر من كمية الحبوب المفترضة المطلوبة من قبل السكان المحليين. وأدى هذا الدليل على وجود فائض من الحبوب إلى استنتاج يقضي باعتماد اقتصاد هذا الموقع، وربما المواقع المماثلة، على التجارة مع السكان الآخرين من منطقة الهضاب المتخصصين في زراعة البساتين والرعي.
شملت المنتجات اليومية لهذه المواقع التوطنية في الهضاب على أواني فخارية بسيطة وحجارة طحن مختلفة تستخدم لإنتاج الطعام. ويقتصر المجموع الفخاري، عموماً، على أشكال قليلة، لا سيما الضرورية لمعيشتهم الأساسية. وعثر على جرار تخزين متوسطة الحجم لنقل وتخزين السوائل مثل الزيت والنبيذ، وأواني الطبخ، ومجموعة محدودة لأشكال أخرى. تتماثل أشكال الأوعية مع تلك المستخدمة من قبل الكنعانيين في الأراضي المنخفضة، غير أن المجموع الكنعاني كان أكثر تنوعاً وشمل زخارف مطلية (ملونة؟) الأمر الذي تفتقره الذخيرة الفخارية لمنطقة الهضاب، فالمجموع ككل يختلف كثيراً عن المجموع المتعلق بالثقافة الكنعانية-الفلستية المعاصرة في السهل الساحلي وعن تلك السائدة في وادي يزرعيل. وساد في هذه المواقع التوطنية، بصورة استثنائية، نمط الجرار الكبيرة أو جرار التخزين (المؤطرة ذات الحواف). ويمكن لمثل هذه الجرار أن تتسع لحوالي80 لتراً من السوائل، وربما استخدمت لتخزين المياه. واعتبرت لسنوات عديدة سمة مميزة للتوطن الإسرءيلي، نظراً لشيوع استخدامها في المواقع الاستيطانية في منطقة الهضاب من وادي يزرعيل في الشمال وحتى منطقة الخليل في الجنوب، إلى درجة أن أفراهام بيران حددها كدليل على الهجرة الشمالية لقبيلة دان من مناطق توطنهم الأصلية -كما وردت في الكتاب، وذلك عندما اكتشفت في مواقع غير معروفة إلا في الجليل الأعلى، في تل دان. ولكن البحوث الحديثة التي أجريت مؤخراً أظهرت عدم اقتصار هذه الجرار على مواقع التوطن في منطقة الهضاب. فقد ظهرت لأول مرة في أواخر القرن الثالث عشر في سياقات كنعانية، في تل النعامة جنوبي حيفا [جزيرة النعامة على ساحل الطنطورة]، وفي أفيق [رأس العين] وبيسان. كما كانت شائعة في أوائل العصر الحديدي الأول في منطقة عمان في شرق الأردن (لا سيما موقع تل العميري، حيث عثر عليها في واحد من أقدم المنازل المعروفة بالمنازل ذات الغرف الأربع). كما شاعت في ذات الوقت في الهضاب الوسطى، في حين كانت نادرة في شفيلة [سهل الرملة]، ومفقودة في كل من النقب الشمالي وفلستيا. من الصعب تفسير هذا التوزيع غير العادي من حيث الهوية الإثنية، إلا أنه من الواضح حجم الفائدة التي وجدها فيها متوطني منطقة الهضاب لاقتصادهم المعيشي. أما في الجليل، حيث تختلف الثقافة المادية نوعاً ما عن الثقافة المادية لمنطقة الهضاب، لم يعثر على المنازل ذات الأعمدة، وعثر، بدلاً من الجرار المؤطرة ذات الحواف، على أنواع أخرى متميزة يمكن تسميتها بالنمط الجليلي المتطور عن الشكل الكنعاني الشمالي لعصر البرونز الحديث في حاصور وسوريا وقبرص .
يبدو افتقار متوطني الهضاب إلى تقاليد خاصة بهم لصنع الفخار، وحصلوا على معظم الأواني الفخارية اللازمة لهم من جيرانهم الكنعانيين. وربما أنتجت الجرار الكبيرة ذات الصلة الكنعانية محلياً من قبل الخزافين الجوالين الذين جلبوا معهم تقاليد الفخار وتقنية صنعه. وبدأ السكان هناك بإنتاج أشكال محددة من فخارهم استناداً إلى النماذج الأولية الكنعانية، ولكنهم لم يتبنوا الزخرفة الكنعانية، وإن كانت الأشكال الفخارية والفن والأعمال الفنية الحرفية القليلة مماثلة لتلك الأشكال والأعمال الخاصة بكنعانيي المنطقة المنخفضة.
إن طبيعة الثقافة المادية للمستوطنين تعد بمثابة مجموع يختلف إلى حد كبير عن المجموع الكنعاني للمنطقة المنخفضة.
الممارسات الدينية
لا يوجد بين أيدينا سوى تأكيدات ضئيلة عن طبيعة الممارسات الدينية لسكان الهضاب. تذكر التقاليد والإشارات الكتابية شيلو [خربة سيلون؟] كموقع للعبد ومركز ديني رئيسي للإسرءيليين عشية الفترة الملكية. كشفت الحفريات في موقع خربة سيلون، موقع شيلوه القديمة، عن مدينة صغيرة تعود للعصر الحديدي الأول دمّرها حريق هائل، وقد تكون هي نفسها الواردة في الأدبيات الكتابية مثل الإصحاح السابع من سفر إرميا: ” 12لكِنِ اذْهَبُوا إِلَى مَوْضِعِي الَّذِي فِي شِيلُوهَ الَّذِي أَسْكَنْتُ فِيهِ اسْمِي أَوَّلاً، وَانْظُرُوا مَا صَنَعْتُ بِهِ مِنْ أَجْلِ شَرِّ شَعْبِي إِسْرَائِيلَ”. والإصحاح 26 من سفر إرميا أيضاً: ” 6أَجْعَلُ هذَا الْبَيْتَ كَشِيلُوهَ، وَهذِهِ الْمَدِينَةُ أَجْعَلُهَا لَعْنَةً لِكُلِّ شُعُوبِ الأَرْضِ». 7وَسَمِعَ الْكَهَنَةُ وَالأَنْبِيَاءُ وَكُلُّ الشَّعْبِ إِرْمِيَا يَتَكَلَّمُ بِهذَا الْكَلاَمِ فِي بَيْتِ الرَّبِّ. 8وَكَانَ لَمَّا فَرَغَ إِرْمِيَا مِنَ التَّكَلُّمِ بِكُلِّ مَا أَوْصَاهُ الرَّبُّ أَنْ يُكَلِّمَ كُلَّ الشَّعْبِ بِهِ، أَنَّ الْكَهَنَةَ وَالأَنْبِيَاءَ وَكُلَّ الشَّعْبِ أَمْسَكُوهُ قَائِلِينَ: «تَمُوتُ مَوْتًا! 9لِمَاذَا تَنَبَّأْتَ بِاسْمِ الرَّبِّ قَائِلاً: مِثْلَ شِيلُوهَ يَكُونُ هذَا الْبَيْتُ، وَهذِهِ الْمَدِينَةُ تَكُونُ خَرِبَةً بِلاَ سَاكِنٍ؟». وَاجْتَمَعَ كُلُّ الشَّعْبِ عَلَى إِرْمِيَا فِي بَيْتِ الرَّبِّ”. ولا يمكن الكشف عن بقايا مركز عبادة في شيلوه نظراً لأن الجزء المركزي من الموقع دمر تماماً بسبب عوامل التآكل والتعرية وبسبب المباني البيزنطية. وكان آدم زرطال قد كشف في جبل عيبال، شمالي مدينة نابلس عن موقع غير عادي، حدده كموقع مذبح يشوع (سفر يشوع 8: “30حِينَئِذٍ بَنَى يَشُوعُ مَذْبَحًا لِلرَّبِّ إِلهِ إِسْرَائِيلَ فِي جَبَلِ عِيبَالَ، 31كَمَا أَمَرَ مُوسَى عَبْدُ الرَّبِّ بَنِي إِسْرَائِيلَ، كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ فِي سِفْرِ تَوْرَاةِ مُوسَى. مَذْبَحَ حِجَارَةٍ صَحِيحَةٍ لَمْ يَرْفَعْ أَحَدٌ عَلَيْهَا حَدِيدًا، وَأَصْعَدُوا عَلَيْهِ مُحْرَقَاتٍ لِلرَّبِّ، وَذَبَحُوا ذَبَائِحَ سَلاَمَةٍ. 32وَكَتَبَ هُنَاكَ عَلَى الْحِجَارَةِ نُسْخَةَ تَوْرَاةِ مُوسَى الَّتِي كَتَبَهَا أَمَامَ بَنِي إِسْرَائِيلَ. 33وَجَمِيعُ إِسْرَائِيلَ وَشُيُوخُهُمْ، وَالْعُرَفَاءُ وَقُضَاتُهُمْ، وَقَفُوا جَانِبَ التَّابُوتِ مِنْ هُنَا وَمِنْ هُنَاكَ مُقَابِلَ الْكَهَنَةِ اللاَّوِيِّينَ حَامِلِي تَابُوتِ عَهْدِ الرَّبِّ. الْغَرِيبُ كَمَا الْوَطَنِيُّ. نِصْفُهُمْ إِلَى جِهَةِ جَبَلِ جِرِزِّيمَ، وَنِصْفُهُمْ إِلَى جِهَةِ جَبَلِ عِيبَالَ، كَمَا أَمَرَ مُوسَى عَبْدُ الرَّبِّ أَوَّلاً لِبَرَكَةِ شَعْبِ إِسْرَائِيلَ. 34وَبَعْدَ ذلِكَ قَرَأَ جَمِيعَ كَلاَمِ التَّوْرَاةِ: الْبَرَكَةَ وَاللَّعْنَةَ، حَسَبَ كُلِّ مَا كُتِبَ فِي سِفْرِ التَّوْرَاةِ. 35لَمْ تَكُنْ كَلِمَةٌ مِنْ كُلِّ مَا أَمَرَ بِهِ مُوسَى لَمْ يَقْرَأْهَا يَشُوعُ قُدَّامَ كُلِّ جَمَاعَةِ إِسْرَائِيلَ وَالنِّسَاءِ وَالأَطْفَالِ وَالْغَرِيبِ السَّائِرِ فِي وَسَطِهِمْ”. وكذلك سفر التثنية 11: ” 29وَإِذَا جَاءَ بِكَ الرَّبُّ إِلهُكَ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي أَنْتَ دَاخِلٌ إِلَيْهَا لِكِيْ تَمْتَلِكَهَا، فَاجْعَلِ الْبَرَكَةَ عَلَى جَبَلِ جِرِزِّيمَ، وَاللَّعْنَةَ عَلَى جَبَلِ عِيبَالَ”. وسفر التثنية 27: ” 4حِينَ تَعْبُرُونَ الأُرْدُنَّ، تُقِيمُونَ هذِهِ الْحِجَارَةَ الَّتِي أَنَا أُوصِيكُمْ بِهَا الْيَوْمَ فِي جَبَلِ عِيبَالَ، وَتُكَلِّسُهَا بِالْكِلْسِ. 5وَتَبْنِي هُنَاكَ مَذْبَحًا لِلرَّبِّ إِلهِكَ، مَذْبَحًا مِنْ حِجَارَةٍ لاَ تَرْفَعْ عَلَيْهَا حَدِيدًا. 6مِنْ حِجَارَةٍ صَحِيحَةٍ تَبْنِي مَذْبَحَ الرَّبِّ إِلهِكَ، وَتُصْعِدُ عَلَيْهِ مُحْرَقَاتٍ لِلرَّبِّ إِلهِكَ. 7وَتَذْبَحُ ذَبَائِحَ سَلاَمَةٍ، وَتَأْكُلُ هُنَاكَ وَتَفْرَحُ أَمَامَ الرَّبِّ إِلهِكَ. 8وَتَكْتُبُ عَلَى الْحِجَارَةِ جَمِيعَ كَلِمَاتِ هذَا النَّامُوسِ نَقْشًا جَيِّدًا.» ويشغل الموقع مساحة 0,4 هكتار يحيطه سور حجري. شيّد في الموقع مبنى دائري في أعلى نقطة فيه، وذلك في مرحلة توطنه المبكرة التي تعود إلى أواخر القرن الثالث عشر ق.م. كما انتشلت عظام حيوانات محترقة، مصدرها على الأرجح في هذه المرحلة، من المبنى البديل الممتلئ الذي حل محلها. تم تشييد هذا المبنى المستطيل اللاحق (8 × 9 متر) من الجدران الخارجية الضخمة من دون فتحة، كما ملئت المساحة الداخلية بالحجارة والتراب والرماد، وعظام الحيوانات. وكان ملحقاً به على الجانب الجنوبي غرفتان كبيرتان أو باحتان يفصل بينهما جدار عريض. فسّر زرطال هذا البناء المستطيل على أنه مذبح كبير، وحدد بعض المكونات على أنها المتراس والمنحدر، إلا أن هذه التحديدات مستندة على الوصف الكتابي والمشناه. ولايزال هذا التفسير موضع سجال وجدل، نظراً لعدم العثور على مذبح آخر يعود للعصر الحديدي كله بهذا الحجم وهذه الضخامة. والتأويل البديل هو الوظيفة غير الدينية للمبنى، ربما يكون بمثابة منصة لبرج مراقبة مثل ذلك الذي وجدناه في جيلوه. وفي الوقت الذي قد يكون زرطال مخطئاً في تأويله للمعبد، فمن المحتمل على ما يبدو أن هذا البناء استخدم في الواقع لممارسة نشاط عبادة في المرحلة المبكرة له. ومن الممكن أن يكون الوصف الكتابي المتأخر جداً يحفظ ذاكرة قديمة متعلقة بهذا الجبل، بل حتى بهذا الموقع بصفة خاصة، وهو الموقع الوحيد على هذا الشكل الذي يعود للعصر الحديدي الأول. وفي هذه الحالة يكون الأدب التثنوي قد حفظ تقاليد تعود إلى فترة التوطن.
قمت بعمليات حفر في موقع عبادة آخر من هذه الفترة في سلسلة التلال المرتفعة من تلال السامرة الشمالية. وهو بمثابة مكان عبادة مفتوح يمكن تعريفه بأنه “المرتفع” الكتابي. وقد بنيت مثل هذه الأماكن عادة [23.. عَلَى كُلِّ تَلّ مُرْتَفِعٍ وَتَحْتَ كُلِّ شَجَرَةٍ خَضْرَاءَ.] (سفر الملوك الأول 14: 23). يتألف الموقع من دائرة من الحجارة الكبيرة، قطرها حوالي عشرين متراً. وتتوفر من الداخل على حيز حجري مسطح واحد كبير مفتوح. تم تعريفه على أنه “حجر النصب/ مصطبة” الكتابي massebah. وأصبح الموقع معروفا باسم “موقع الثور”، نسبة إلى تمثال فريد لثور من البرونز بطول 18 سنتيمترا عثر عليه هناك. ينسب الثور في الديانة الكنعانية إلى إيل كبير الآلهة، وإلى بعل إله العواصف. وقد ورثت ديانة القبائل الشمالية لإسرءيل رمز الثور من الديانة الكنعانية (قارن “العجول الذهبية” التي أقامها يربعام الأول في بيت إيل وفي دان). وتم النظر إلى الثور في شمال إسرءيل كرمز لإله إسرءيل أو تمثال للإله (استدعاء لوظيفة الملائكة الشيروبيم في معبد أورشليم). وتمثال الثور الذي نتحدث عنه قد يكون أنتج أو تم شراءه من ورشة كنعانية، إلا أن قرب الموقع لعدة مواقع توطنية من العصر الحديدي الأول يدل على استخدامه، ربما، كمكان عبادة للمواقع المجاورة، الأمر الذي يجعلنا نميل إلى اعتباره موقع توطن إسرءيلي .
مشكلة الهوية الإثنية: “الجرار[الفخارية] والشعب”
من هم سكان الهضاب الوسطى الذين عاشوا في العصر الحديدي الأول في فلسطين [أرض إسرائيل]؟ هل يمكن تحديدهم على أنهم إسرءيليين؟
يبدو مثل هذا التحديد مقبولاً لدى معظم أهل الاختصاص. غير أن ثمة أسئلة جديدة عديدة أثيرت على مدار العقد الماضي حول هذا الموضوع.
فهل كان هؤلاء، على سبيل المثال، يمتلكون إثنية محددة ذاتيا؟
فضلاً عن أسئلة أخرى أثيرت في البحوث الحديثة حول ما إذا كان يتواجد إثنيات “قومية” أم لا في ذلك الوقت. وسابقاً، أثيرت بعض الشكوك حول طبيعة الدين العام لسكان الهضاب فيما لو كان توحيدياً أم لا. رغم ابتعاد هذا الدين كثيراً عن كونه يمثل الطابع الرسمي للدين العام في العصر الحديدي الأول. ولذلك من المشكوك فيه نسبة مواقع التوطن في الهضاب الوسطى والجليل والنقب وشرق الأردن إلى “كيان” إثني واحد. وربما لا تمثل هذه المواقع سوى مظهر من مظاهر مماثلة للتغيرات الاجتماعية والاقتصادية في وسائل المعيشة التي نتجت عن انهيار النظم الاقتصادية والسياسية للعصر البرونزي الحديث. وثمة هناك وجهان لمسألة الهوية: هل من الممكن الافتراض أن تعرف الجماعات المختلفة التي استقرت في منطقة الهضاب خلال العصر الحديدي الأول نفسها كجماعات إسرءيلية؟ ومن ناحية أخرى، هل نحن، كعلماء حديثين، نستطيع تعريف متوطني الهضاب الوسطى كإسرءيليين؟
ومن الواضح أن كلا السؤالين قابلين للنقاش. ويستند تحديد سكان مواقع الهضاب الوسطى كإسرءيليين على التقاليد الكتابية بصورة أساسية التي دونت بعد عدة قرون كما يتفق على ذلك كل الباحثين. وربما يتم توجيه النقد عند استعمال المصادر الكتابية لتحديد إثنية هؤلاء الجماعات السكانية باعتبار هذا التحديد ينتمي إلى منطق الجدل الدائري. غير أنه وبرغم هذه المخاطر، يمكنني الزعم أن الوضع الاجتماعي والاقتصادي للمتوطنين والبيانات التاريخية والجغرافية تناسب هويتهم كإسرءيليين قدماء. ويتفق التركيب الاقتصادي-الاجتماعي للعصر الحديدي الأول لمجتمع منطقة الهضاب مع الوصف الكتابي لإسرائيل خلال فترة عصر القضاة. فقد كان هذا المجتمع مستقراً وغير حضري ويعيش فيه الناس في مجتمعات صغيرة للمزارعين والرعاة، بدون سلطة سياسية مركزية، وإن كان على الأرجح يتمتع بوجود مراكز عبادة مركزية مثل شيلوه. تظهر الأدلة الأثرية مؤشرات تدل على أن هذا المجتمع كان قائماً على المساواة حيث يكافح أفراده للعيش في ظروف بيئية قاسية في الجبال التي تغطيها الغابات والمناطق شبه القاحلة من أرض إسرائيل. وتظهر في السجلات الأثرية المواقع التي كانت قرى إسرءيلية كبيرة خلال عصر القضاة وفقاً للتقليد الكتابي مثل شيلوه، والمصفاة (تل النصبة)،كمواقع توطن هامة للعصر الحديدي الأول. ومن الممكن تحديد هذه المواقع كمواقع إسرءيلية، فضلاً عن مواقع أخرى بثقافة مادية مشابهة في نفس المنطقة. رغم أن هذه التحديدي يشير إلى صعوبات عديدة لجهة استخدام هذا المصطلح للتعبير عن الفترة المبكرة من التاريخ الإسرءيلي. وتصبح المشاكل أكثر وضوحاً عند محاولة تحديد الهوية الإثنية، حتى عندما يتم الأخذ في الاعتبار إشارات كتابية معينة، مثل أورشليم، والمدن الجبعونية الأربع التي تقع إلى الشمال الغربي منها كما هي مذكورة في الكتاب على أنها غير إسرءيلية وكذلك الإشارة إلى اليبوسيين والجبعونيين خلال الفترة ما قبل الملكية.
كشفت الحفريات في القدس من قبل ثلاث بعثات مختلفة (برئاسة كل من كاثلين كينيون، يغال شيلوه، وإيلات مزار) عن ثقافة مادية تعود للعصر الحديدي الأول (بشكل خاص، المجاميع الفخارية التي تعود للفترة من أواخر القرن الثالث عشر ق.م حتى أوائل القرن الحادي عشر ق.م) مماثلة للثقافة المادية في المواقع التوطنية للعصر الحديدي في منطقة الهضاب، والتي نعرفها عادة بمواقع مأهولة “بالإسرءيليين” أو “طلائع الإسرءيليين”. وهذه القضية تدل على التناقض بين النص الكتابي وعلم الآثار، إذ لا يوجد في السجل الأثري ما يلمح إلى اليبوسيين أو الجبعونيين ككيانات إثنية منفصلة. كما تم الكشف عن ثقافة مادية في موقع جيلوه، الذي يبعد نحو خمسة كيلومترات فقط الى الجنوب الغربي من القدس، على سلسلة التلال المطلة على القدس، مماثلة لتلك الموجودة في القدس وغيرها من مواقع الهضاب الوسطى من القرن الثاني عشر. فهل كانت جيلوه قرية إسرءيلية تقع قبالة أورشليم اليبوسية، أم كانت مستوطنة في منطقة أورشليم ؟ أو ربما يتعين علينا أن نعترف بحدود علم الآثار في صقل الهويات الإثنية في هذه الفترة لهويات الجماعة المتغيرة وإعادة بناءها في منطقة الهضاب في أرض إسرائيل. ويمكن طرح أسئلة مماثلة بشأن هوية المتوطنين في أجزاء أخرى من البلاد، كما هو الحال في الجليل الأعلى، أو في الموقع الهام لتل العميرية بالقرب من عمان في شرق الأردن. وقد اعتبر عدم وجود عظام الخنزير في منطقة الهضاب، على النقيض من وجود هذه العظام في مواقع فلستية معاصرة دليلاً على احترام حظر تناول لحم الخنزير والموجود أيضاً في التقاليد الكتابية. إلا أنه تم العثور على عظام الخنزير، وحيث أن عدد قليل جداً من عظام الخنزير وجدت في موقع من المواقع الكنعانية الكبيرة في الأراضي المنخفضة، فلا يبدو اختلاف منطقة الهضاب في العادات الغذائية، في هذا الصدد، كثيراً عن المناطق الكنعانية. وينبغي شرح التابو المفروض على استهلاك الخنازير بين الإسرءيليين باعتباره ضارباً في جذوره في العادات الغذائية التي تعود لتقاليد الألفية الثانية، التي ربما كان لها علاقة بالظروف البيئية وبالخلفية الرعوية أيضاً لكثير من متوطني الهضاب (حيث يتجنب الرعاة في العموم استهلاك لحم الخنزير). وفي الختام، عندما استخدم مصطلح “إسرءيلي” بالنسبة للعصر الحديدي الأول، فأنا أخص بالإشارة إلى عدة جماعات من الناس أو وحدات قبلية تعيش في وضع اجتماعي واقتصادي معين لنمط وأسلوب العيش في منطقة الهضاب، في الجليل والنقب الشمالي وهضبة شرق الأردن. وتشكل منطقة الهضاب معقل وقلب أرض إسرءيل. حيث أصبح مختلف فئات السكان هناك في نهاية المطاف جزء من إسرءيل خلال فترة الحكم الملكي، ومن المشروع من وجهة نظري استخدام هذا المصطلح للإشارة إلى مستوطني العصر الحديدي الأول أيضاً.
مسلة مرنبتاح
تعتبر مسلة مرنبتاح حجر الزاوية في دراسة أصل إسرءيل، وهي عبارة عن شاهدة نصر وتعرف باسم “مسلة إسرءيل”. أقامها الفرعون المصري مرنبتاح (1213-1203ق.م)، خليفة رعمسيس الثاني. ويصف هذا النص الشعري المصري غارة عسكرية ضد كنعان، يذكر فيها الاستيلاء على مدن مثل عسقلان وجزر وينعام، فضلاً عن الانتصار على إسرءيل، التي تظهر هنا للمرة الأولى والوحيدة في المصادر المصرية. حيث يظهر اسم إسرءيل في هذا النقش مع علامة التحديد الخاصة التي تشير للشعب، ويؤكد مرنبتاح على وجه الخصوص “انتهت إسرءيل، وفنيت ذريتها “(ترجمة جون ويلسون في نصوص الشرق الأدنى القديم المتعلقة بالعهد القديم Ancient Near Eastern Texts Relating to the Old Testament [تحرير. جيمس بريتشارد؛ برينستون: مطبعة جامعة برنستون]،378).[ يتحدث مزار هنا عن السطر 27 من النقش وتختلف ترجمته بين الباحثين: فيترجمه بيتري إلى: “قوم إسرائيل قد اتلفوا، وليس لديهم غلة أو بذر”، بينما يقول برستد : “لقد أبيدت إسرائيل واستؤصلت”. ويترجمه غاردنر إلى :”إسرائيل أقفرت وليس بها بذرة”. ويذهب فراس السواح إلى ترجمة السطر كما يلي: “إسرائيل صار خراباً وقطع دابره”. أما توماس طومسون وإنغريد هيلم يترجمان النص إلى: “إسرائيل مدمرّ، بذرته لم تعد موجودة”- المترجم].. وعلى هذا النحو، فإن إسرءيل هو “الشعب” الوحيد الذي ورد ذكره في هذا النقش الملكي، والإشارة إليه في هذا السياق محيّرة. فهل كانت إسرءيل في نهاية القرن الثالث عشر تشكل اتحاداً كبيراً من القبائل يشكل تهديداً على الإمبراطورية المصرية التي حكمت كنعان لما يقرب من 300 عاماً؟ وإذا كان الأمر كذلك، أين عاشت هذه الإسرءيل؟
لاتزال أجوبة هذه الأسئلة محل نزاع. فالتنقيحيون، الذين لا يقبلون إعادة البناء التقليدية لتاريخ إسرءيل القديمة، تحاشوا هذه الإشارة إلى إسرءيل في نص مرنبتاح، واقترح آخرون مثل مايكل هازل، على نحو مقنع، في دراسة حديثة، بأن إسرءيل في النص ينبغي أن يكون اسم لمجموعة سكانية مهمة في كنعان. وكما اقترح هو وغيره آخرون، من المغري مطابقة إسرءيل هذه مع مجموعة سكانية تتشارك العيش في توطنات واسعة في مرتفعات غرب الأردن فضلاً عن شرق الأردن منذ أواخر القرن الثالث عشر ق.م و ما يليه، على النحو الوارد في السجل الأثري.
أصل إسرءيل
هل يمكن لعلم الآثار أن يلقي ضوءً جديداً على مسألة أصل إسرءيل؟.
اقترحت العديد من النظريات المختلفة، وزعم كل من أهاروني وزرطال وغيرهم اتفاقهم مع مقترحات آلت التي طرحها في العام 1925 والتي تفترض أن سكان مواقع المرتفعات كانوا رعاة شبه بدو قدموا من شرق الأردن واستقروا في عملية بطيئة ابتدأت في وادي الأردن، وانتقلت تدريجياً نحو الغرب. كما اقترح مانفريد ويبرت ،في العام 1979، أنهم كانوا عبارة عن رعاة محليين عاشوا على مرتفعات جانبي وادي الأردن شرقاً وغرباً، وورد ذكرهم في المصادر المصرية باسم الشاسو. ويصورهم المصريون مرتدين غطاء رأس معين (أو ربما تسريحة) ويظهر زعيم هؤلاء الشاسو على نصب منقوش كبير، عثر عليه في مؤاب، واقفاً أمام إله مصري، ويبدو أن الأسباب التي فسرت من قبل ويبرت كانت ناتجة عن الزيادة السكانية للقبائل البدوية. كما عرف دونالد ريدفورد الإسرءيليين القدماء، بوصفهم بدواً من الشاسو. وأشار فنكلشتين إلى التشابه بين عملية التوطن في منطقة الهضاب في العصر الحديدي الأول والظاهرة الموازية في هذه المنطقة التي وقعت في العصر البرونزي الوسيط قبل حوالي خمس مائة سنة. واقترح عودة سكان العصر البرونزي الوسيط المستقرين إلى الحياة المستقرة عندما تغيرت الظروف في نهاية العصر البرونزي الحديث، بعد أن أجبروا على اعتماد نمط حياة رعوي وشبه بدوي. كل هذه التفسيرات تجسّد الاعتراف بظهور الإسرءيليين من جماعات غير مستقرة معروفة في المصادر المدونة للعصر البرونزي الحديث، مثل الشاسو المذكورين في المصادر المصرية. واقترح تأويل آخر من قبل جوزيف كلوي ووليم ديفر، الذين يتبعون النظريات الاجتماعية التاريخية لجورج مندنهول ونورمان غوتوالد. ويزعم هذا التأويل بأن المتوطنين ليسوا سوى فلاحين كنعانيين معدمين، هجروا المجتمع الكنعاني المتدهور لمنطقة الأراضي المنخفضة ومضوا للبحث عن فرص عيش أفضل في الهضاب. ولا يوجد في اللقى الأثرية، من هذه الفترة، ما يشير إلى أصل أجنبي لسكان المرتفعات. كما لا يوجد ما يشير إلى تقاليد ربما جلبها هؤلاء من خارج البلاد، أما القطع الأثرية الفقيرة المؤكدة فقد كانت مستوحاة من مثيلاتها الكنعانية. ويمكن لهذه الحالة أن تدعم جميع النظريات الثلاث. وإذا ما كان هؤلاء السكان عبارة عن شعوبٍ شبه بدوية، فمن المنطقي قيامهم بتدابير معيشة إجرائية لموائمة التقاليد والعادات المحلية، وربما شراء السلع من المدن الكنعانية، أو التجار المتجولين والحرفيين خلال عملية التوطن. ولعل مجمل مكونات النظريات الثلاث، قادرة، من وجهة نظري، على تفسير موجة التوطن في الهضاب وأصل ومنشأ إسرءيل. ولنا أن نتخيل التوطن على أنه عملية معقدة تجد فيها مختلف العشائر والجماعات ضرورة البحث عن أساليب جديدة للعيش في ظل تضاريس جبلية قاسية. وكما قال كل من بنيامين مزار وآن كيلبرو، وغيرهما، بأن أصل مثل هذه الجماعات يمكن أن يكون مختلفاً تماماً، فقد يكون أصل البعض من الرعاة المحليين، وأصل البعض الآخر ربما أتى من الرعاة القادمين من شرق الأردن أو من أجزاء أخرى من البلاد.
وتبدو جوانب من الأدلة الأثرية كأنها تصف عملية التوطن التي انخرطت فيها الجماعات القبلية التي عاشت ذات يوم نمط حياة رعوي وقبلي. ولا يوجد فعلياً أي دليل مادي يمكن تحديده لنمط الحياة السابق هذا، ولكن يمكن لتراثهم أن يتراءى في توزيع المواقع التوطنية، وفي تنظيمهم واقتصادهم. وبالإضافة إلى ذلك، يمكن أن يشمل بعض هؤلاء السكان كنعانيين مشردين أو مهاجرين قادمين من شمال سوريا أو أبعد من ذلك من جهة الشمال، حيث انهار النظام السياسي لعصر البرونز الحديث حوالي 1200 ق.م، مما أدى إلى تشتيت اللاجئين عبر المشرق. ومازال يتوجب علينا طرح عدة أسئلة، من قبيل: ما أصل الجماعة النواة التي ابتدأت العبادة اليهووية Yahwism؟ ومن كان مسؤولا عن تقاليد الإقامة في مصر والخروج وجبل سيناء وشخصية موسى؟ وأخيراً، أين هي كل هذه الفبركات المتأخرة؟
يمكن للدليل أن يكون بحوزتنا في عبارة “الشاسو من سعير” الواردة في نقش مصري من أيام رعمسيس الثاني، إلى جانب اسم العلم “شاسو يهويShasu Yahwi”. ونظر العديد من الباحثين إلى التلميح لمباركة موسى: “2فَقَالَ: «جَاءَ الرَّبُّ مِنْ سِينَاءَ، وَأَشْرَقَ لَهُمْ مِنْ سَعِيرَ، وَتَلأْلأَ مِنْ جَبَلِ فَارَانَ، وَأَتَى مِنْ رِبْوَاتِ الْقُدْسِ، وَعَنْ يَمِينِهِ نَارُ شَرِيعَةٍ لَهُمْ”. (سفر التثنية 33). وأغنية دبورة على أنهما النصوص الكتابية الأقدم، حيث نرى في أغنية دبورة معادلة سعير مع أدوم باعتبارها المكان الذي يأتي منه يهوه: ” 4يَا رَبُّ بِخُرُوجِكَ مِنْ سِعِيرَ، بِصُعُودِكَ مِنْ صَحْرَاءِ أَدُومَ، الأَرْضُ ارْتَعَدَتِ. السَّمَاوَاتُ أَيْضًا قَطَرَتْ. كَذلِكَ السُّحُبُ قَطَرَتْ مَاءً”. (سفر القضاة5)، وينتمي الشاسو، في العديد من المصادر المصرية، إلى أدوم. واقترح العديد من العلماء، لاسيما فرانك كروس، بأن “جماعة موسى” هاجرت خلال القرنين الثالث عشر والثاني عشر ق.م. على طول الطريق من مصر إلى مدين، وأدوم، جالبين معهم ديانة جديدة أي اليهووية. غير أن مساهمة علم الآثار مازلت ضئيلة في هذه المسألة.
جيران إسرءيل
يمكنني، بإيجاز، أن أذكر في إطار هذا المقال الكم الهائل من البيانات المتعلقة بجيران إسرءيل القديمة التي تتوفر عليها السجلات الأثرية كما سأعالج هنا فقط تفاصيل ضئيلة متعلقة بتقويم الجوانب التاريخية من النص الكتابي، وبالعلاقات المتبادلة بين إسرءيل وهذه الشعوب، أي الكنعانيون وأحفادهم، والفينيقيون، الفلستيون، والآراميون، وشعوب الأردن (الموآبيين، عمّون، وأدوم)، فضلاً عن سكان الصحراء مثل المديانيين.
الكنعانيين والفينيقيين
استمر تواجد المدن الكنعانية في أجزاء معينة من البلاد طوال القرنين الثاني عشر والحادي ق.م (العصر الحديدي الأول)، لاسيما في أودية بيسان ويزرعيل والسهل الساحلي من تلال الكرمل نحو الشمال. وتعتبر مجدّو القرن الحادي عشر ق.م (السوية VIA) مثالاً ممتازاً لمدينة ذات كثافة عمرانية ومزدهرة التي دمرت بحريق هائل حوالي العام 1000 ق.م، ربما بسبب زلزال. وأسفر التنقيب في هذه السوية عن العديد من اللقى كالقطع المعدنية والمجوهرات والتحف الصغيرة المختلفة، ووفرة من الفخار الملون ذو التقاليد الكنعانية، فضلاً عن بعض الملامح المتعلقة بعالم شعوب البحر. بالإضافة إلى الإشارات الواضحة عن تجارة محدودة مع قبرص. وتختلف هذه الثقافة المادية جداً عن ثقافة المواقع التوطنية في منطقة الهضاب، الأمر الذي يعزز الوصف الكتابي الوارد في الإصحاح الأول من سفر القضاة على النحو المذكور في الجزء الثاني من هذا الكتاب: “27وَلَمْ يَطْرُدْ مَنَسَّى أَهْلَ بَيْتِ شَانَ وَقُرَاهَا، وَلاَ أَهْلَ تَعْنَكَ وَقُرَاهَا، وَلاَ سُكَّانَ دُورَ وَقُرَاهَا، وَلاَ سُكَّانَ يِبْلَعَامَ وَقُرَاهَا، وَلاَ سُكَّانَ مَجِدُّو وَقُرَاهَا. فَعَزَمَ الْكَنْعَانِيُّونَ عَلَى السَّكَنِ فِي تِلْكَ الأَرْضِ. 28وَكَانَ لَمَّا تَشَدَّدَ إِسْرَائِيلُ أَنَّهُ وَضَعَ الْكَنْعَانِيِّينَ تَحْتَ الْجِزْيَةِ وَلَمْ يَطْرُدْهُمْ طَرْدًا. 29وَأَفْرَايِمُ لَمْ يَطْرُدِ الْكَنْعَانِيِّينَ السَّاكِنِينَ فِي جَازَرَ، فَسَكَنَ الْكَنْعَانِيُّونَ فِي وَسَطِهِ فِي جَازَرَ”. ويمكن تحديد استمرارية الحياة الكنعانية في بيسان أيضاً وفي تل رحوف ودور، ومواقع أخرى إضافية في المنطقة. ويعد تطور المدن الساحلية القديمة، مثل صور وصيدا (في لبنان الحديث)، جانباً جديداً من جوانب الثقافة الكنعانية في الألفية الأولى ق.م، يشار لها عادة باسم “الحضارة الفينيقية”، وهو مصطلح يعود إلى كلمة يونانية لوصف أحفاد الكنعانيين الذين طوروا حضارة خاصة بهم، وأسسوا مستعمرات في شرق المتوسط، ولاحقاً في غربه. تم التنقيب في المواقع الفينيقية التي تعود للقرن الحادي عشر ق.م وما يليه على طول ساحل الكرمل (في دور- الطنطورة) وفي وادي عكا. وتم العثور على لقى من هذه المواقع، تشمل مجموعات فخار خاصة وأساليب دفن. وجد الفخار الفينيقي طريقه إلى فلستيا عن طريق التجارة كما عثر على هذا الفخار في شمال النقب ومصر وقبرص. الأمر الذي يقدم دليلاً قوياً على انتشار التجارة الفينيقية، كما تم العثور على بعض المؤشرات لاتصالات مع المدن الفينيقية في المواقع التوطنية في الجليل الأعلى (وخاصة مع صور) حيث عثر على شكل غريب من الفخار دعي النمط “الصوري”.
الفلستيون
تم التعرف على الحضارة الفلستية بفضل عمليات التنقيب المكثفة في أربع من المدن الخمس الكبرى للفلستيين المذكورة في الكتاب وهي عسقلان وأشدود وعقرون، وجت. وبالتوافق مع التقليد الكتابي، كانت الحضارة الفلستية التي ظهرت من الحفريات الأثرية الحديثة عبارة عن حضارة حضرية لمهاجرين وصلوا من الغرب إما من اليونان نفسها أو من الجزر الإيجية الشرقية، وآسيا الصغرى أو قبرص. جالبين معهم التقاليد الإيجية، التي كانت محفوظة في كثير من جوانب الحياة اليومية مثل العمارة، وإنتاج الفخار والأساليب الفنية والنسيج، والعادات الغذائية (على سبيل المثال، تربية الخنازير، على عكس الكنعانيين ومستوطني المرتفعات). ولايمكن للمرء أن يتصور فرقاً عظيماً في نمط الحياة بين الفلستيين وبين مواقع التوطن الإسرءيلي. ويحدد الكتاب وطن الفلستيين بأنه “كفتور Kaphtor” التي تشير على الأرجح إلى كريت، أو أنها كانت تستخدم كقاعدة لتسمية أكثر عمومية للعالم الإيجي( انظر مثلاً: عاموس 9: 7 وإرميا 47: 4. وقارن أيضاً صفنيا2: 5 وحزقيال 25: 16). هذه الإشارات الكتابية، بالإضافة إلى غيرها من الإشارات التي تذكر المدن الخمس الرئيسية للفلستيين، فضلاً عن مدن صغيرة أخرى مثل تمنة (تل البطش) تجد لها تأكيدات في الصورة الأثرية الحالية بطريقة مفاجئة إلى حد ما. وبعبارة أخرى، يجب أن تكون القصص التي تذكر الفلستيين في سفري القضاة وصموئيل، وكذلك التقاليد الكتابية الأخرى المتصلة بالفلستيين مستندة على المعيش التاريخي للقرنين الثاني عشر والحادي عشر ق.م.
النقب الشمالي
أسست القليل من مواقع العصر الحديدي الأول في أماكن لم يكن فيها وجود للمدن الكنعانية في العصر البرونزي الحديث مثل عراد وأودية بئر السبع شبه القاحلة، أبرزها تل ماسوس، أحد أكبر مستوطنات هذا العصر في كامل البلاد. توضعت المباني السكنية التي توصف عادة بالمنازل ذات الغرف الأربع في الجزء الشمالي من الموقع، بينما شيدت مبانٍ مختلفة في الجزء الجنوبي عبارة عن مبنى بفناء من النمط الكنعاني وبناء محصن يبدو أنه مبنىً إدارياً. ويمكن إرجاع تركز السكان في جهة مركزية واحدة إلى مجموعة من العوامل البيئية (بشكل خاص مصادر المياه المتاحة)، والاعتبارات الأمنية، والدور الاقتصادي لهذا الموقع في النظام التجاري الذي كان يربط بين شرق الأردن ووادي عربة مع السهل الساحلي. وتبدي الثقافة المادية في تل ماسوس تقارباً وثيقاً مع مثيلتها في السهل الساحلي. وتشير اللقى إلى اتصالات مع فلستيا وفينيقيا ووادي عربة. واستقر هناك الكنعانيون وربما الفلستيون بجانب السكان القبليين المحليين، وربما كان يضم جزءً من مجمع القبائل الإسرءيلية. وتدل اللقى على الثراء ويبدو أن الجزء الجنوبي من الموقع كان مخصصاً لخدمة التجار الذين ربما زاولوا أنشطتهم التجارية مع الجماعات المسيطرة على صناعة إنتاج النحاس في وادي العربة.
ولكن، إلى أي مدى يمكن للقى الأثرية أن تعكس التنوع الإثني للشعوب الموجودة في شرق الأردن، حسب الرواية الكتابية، أي قبائل رؤوبين وجاد ونصف سبط منسى في شرق الأردن الى جانب أدوم، والموآبيين، وعمون، والأموريين؟
تلمح العديد من النصوص القديمة إلى العصور القديمة في التقاليد الكتابية، ولكنها لا تذهب أبعد من القرن التاسع ق.م. فقد أشار نقش الملك المؤابي ميشع (من القرن التاسع ق.م) إلى جاد كسكان قدماء إلى الشمال من مؤاب والأرض شمال نهر أرنون [وادي الموجب]، مما يؤكد بعضاً من وصف الكتاب. وتؤكد النصوص الأدبية نقلاً عن كتابات بلعام بن بعور التي وجدت مكتوبة على جدار كنيسة من القرن الثامن عشر ق.م، ومنزل في تل دير علّا في شرقي وادي الأردن أن التقاليد المرتبطة بهذا المتنبئ (بلعام) الذي يظهر بصورة بارزة في سفر العدد (الإصحاحات 22 -24) كان معروفاً في شرق الأردن في العصر الحديدي. وتعتمد المعلومات الإضافية عن العصور القديمة لشعوب ودول شرق الأردن في مجملها على الشهادات الأثرية الصامتة. وبصورة عامة نقول أننا نمتلك معرفة جزئية عن ثقافة العصر الحديدي الأول لشرق الأردن. وكشفت الحفريات في إقليم عمّون القديمة في مواقع سحاب وتل العميرية عن مدن تتمتع بثقافة مادية لها العديد من الصفات التي تتشارك فيها مع مستوطنات منطقة الهضاب الغربية. فقد عثر، على سبيل المثال، بغزارة على المنازل ذات الأعمدة والجرار المؤطرة ذات الحواف التي نوقشت سابقاً. وتثير هذه النتائج مرة أخرى مسألة الانتماءات الإثنية لهذه الجماعات السكانية.
ويقترح لاري هير بأن تل العميرية ينتمي إلى مستوطنة سبط رؤوبين في أوائل القرن الثاني عشر ق.م، رغم أن مثل هذا التحديد يمكن الطعن فيه، حيث يمكن للبعض الزعم بعدم تحديد أي كيان إثني أو سياسي في هذه المنطقة خلال الفترة المذكورة. وأسفرت عمليات الاستكشاف في مؤاب القديمة في مدينتين رئيسيتين تمت الإشارة لهما في الكتاب، وهما ديبون وحشبون عن بقايا ضئيلة تعود للعصر الحديدي الأول. بيد أن مواقع عدة على طول نهر أرنون [وادي الموجب] لاسيما لحون وخربة المدينة العالية نمت وتطورت بشكل مثير في أواخر القرن الحادي. وكان كلا الموقعين محاطاً بسور محصن. وتشير هذه المواقع إلى ظهور كيان جديد في المنطقة ربما مبشراً بمؤاب. وبالكاد يمكن التأكيد على أدوم العصر الحديدي، ولكن الاكتشافات الأخيرة في مناجم النحاس في [خربة] فينان Feinan تشير إلى عمليات تعدين وصهر واسعة في العصر الحديدي الأول، لتحل محل مناجم النحاس الأقدم في تمنا إلى الجنوب. يزعم توماس ليفي، مدير عمليات الاستكشاف في موقع خربة النحاس في منطقة فينان بأن هذا الاكتشاف الجديد ربما يشير إلى ظهور أدوم كدولة في وقت أبكر بكثير مما كان مفترضاً في السابق. وبمقدور هذه الاكتشافات الحديثة أن تبدل من فهمنا لظهور دول شرق الأردن. الصورة الأثرية عن دول معقدة وغير متجانسة، كما هو حال التركيبة الإثنية للمنطقة.
ويبدو، في نهاية المطاف، أن الأدبيات الكتابية المتعلقة بشرق الأردن بما في ذلك ظهور أدوم وموآب والتوطنات الإسرءيلية في جلعاد في وادي سكوت لم تكن خيالية تماماً، فهي منغرسة جزئياً في ذكريات فعلية عن الماضي.
…..
العنوان الأصلي: THE QUEST FOR THE HISTORICAL ISRAEL: Debating Archaeology and the History of Early Israel
المؤلف: Israel Finkelstein and Amihai Mazar
الناشر: 2017 Society of Biblical Literature

عن محمود الصباغ

كاتب ومترجم من فلسطين

شاهد أيضاً

البحث عن إسرءيل: مناظرات حول علم الآثار وتاريخ إسرءيل الكتابية (6-2)

ترجمة: محمود الصباغ استهلال يوافق مزار، إلى حد ما، في ملاحظاته الختامية، على أن “القيم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *