البحث عن إسرءيل: مناظرات حول علم الآثار وتاريخ إسرءيل الكتابية (3-1)

ترجمة : محمود الصباغ

استهلال
يشدد فنكلشتين على ضآلة أهمية الأدلة التي يذكرها أهل الاختصاص الموجودة في العهد القديم (لاسيما سفري يشوع والقضاة [ ينظر فنكلشتين إلى سفر القضاة باعتباره سفراً تثنوياً]) عند البحث عن الأصول “القومية” ومنشأ إسرءيل القديمة، نظراً للتدوين المتأخر لهذه الأسفار (القرن السابع ق.م) وعوض عن ذلك يحاول الاستعانة بالمصادر غير الكتابية والمعطيات الأثرية لما يسميها شهادات “الزمن الحقيقي” لظهور إسرءيل في مرتفعات شرق الأردن في القرنين الحادي عشر والثاني عشر ق.م، فيطرح عدداً من الأمثلة في هذا السياق، مثل “مسلة مرنبتاح” التي تؤكد -حسب رأيه- على وجود “إسرءيل” في كنعان في أواخر القرن الثالث عشر ق.م، لينتقل بعد ذلك للإشارة إلى ما كشفته البحوث الآثارية من موجة توطن “غير مسبوقة” في مرتفعات كنعان التي ابتدأت تقريباً في الوقت عينه، واستمرت هذه الموجة حتى العصر الحديدي الثاني حيث شكلت في مرحلة لاحقة نقطة الانطلاق لظهور إسرءيل ويهوذا. وبناء على هذا يرى فنكلشتين بوجوب التركيز على اكتشاف أصول أولئك السكان الذين شغلوا منطقة الهضاب، وما هي العوامل التي دفعتهم للوصول إلى توطنها، ويعرض النظريات الثلاث التي تفسر ذلك، أي الغزو العسكري الذي يقول به وليم أولبرايت، والتسلل السلمي لألبريخت آلت، ونموذج الثورة الاجتماعية لكل من غوتوالد ومندنهول. غير أن ثمة أوجه قصور خطيرة تعتري هذه النظريات لعل أهمها أنها تفترض مسبقاً التفرد المطلق لهذا الحدث، وهو ما ينكره فنكلشتين، إذ لا ينبغي لنا النظر إلى ظهور إسرءيل في منطقة المرتفعات على أنه حدثاً فريداً ووحيداً،. فمواقع الهضاب الوسطى التي نمت في نهاية العصر البرونزي الحديث، كانت تكراراً بطريقة ما لعمليات مماثلة سابقة تم تأكيدها في فترات العصر البرونزي الوسيط باعتبارها جزء من استراتيجية طويلة الأمد -حسب مفهوم مدرسة الحوليات الفرنسية للتاريخ- متمركزة ومتكررة لعمليات الاستقرار الزراعي والبداوة المتعاقبة التي تنطوي على استجابة السكان المحليين (أي الكنعانيين) للتغيرات الاقتصادية والسياسية والظروف البيئية. وفي كل دورة متكررة من هذه الدورات كان يتشارك فيها استخدام تقنيات جديدة مثل قطع الغابات (لتحويلها إلى مسطحات زراعية) والتعدين وتجصيص صهاريج المياه وبناء المدرجات، وهي تقنيات ساهمت بلا شك في تسهيل عمليات التوطن على نطاق واسع في الهضاب الوسطى. ويعتقد فنكلشتين أن الإشكالية تكمن في محاولة تعريف سكان الهضاب الوسطى استناداً لانعكاسات لاحقة مذكورة في المصادر القديمة أو البنى “المعرفية” الحديثة في تعريفها للدلالات الإثنية، وأي اقتراحات تربط بين الثقافة المادية (المنزل ذو الغرف الأربعة أو جرار التخزين ) بتلك الجماعة السكانية، واعتبار هذه الثقافة المادية معالم هوية إسرءيلية هي اقتراحات لا تلقى الآن تجاوبا كبيراً من قبل العديد من أهل الاختصاص، بل يمكن اعتبار هذه “العلامات” كنوع من استجابة السكان للمحيط، وبالتالي تعتبر كمثال جيد عن المميزات الناتجة عن التأثيرات البيئية والاقتصادية. وبذات الطريقة يؤكد فنكلشتين على استحالة التمييز بين الحدود الإثنية للسكان وسمات ثقافتهم المادية في مرتفعات غرب الأردن عن مستوطني مرتفعات شرق الأردن استناداً إلى هاتين الخاصتين” أي المنزل ذو الغرف الأربع وجرار التخزين الفخارية”. ولكنه يقترح اعتبار التحريم الواضح لأكل لحوم الخنزير كمعلم إثني بديل للهوية الإسرءيلية في العصر الحديدي الأول (1200 – 900 ق.م) في منطقة الهضاب، كما تشير إلى ذلك عدم وجود بقايا هذه الحيوانات في مواقع العصر الحديدي الأول . وهذا العنصر الواحد هو فريد من نوعه ويتناقض فيه سكان هضاب العصر الحديدي الأول مع أسلافهم الذين استوطنوا المنطقة في عصور سابقة ومع معاصريهم من كنعانيي العصر الحديدي الأول في الأراضي المنخفضة (وربما أولئك الموجودين في مرتفعات شرق الأردن). وهؤلاء السكان أو طلائع الإسرءيليين هم الذين قيض لهم لاحقاً القيام بتوطن مواقع العصر الحديدي الثاني وإنشاء الدولة-الأمة في يهوذا وإسرءيل .
……
الفصل الثالث: الأصول التاريخية لجموع بني إسرءيل
القسم الأول: متى وكيف ظهر الإسرءيليون/ إسرائيل فنكلشتين
تهيئة المكان
انتهى غزو كنعان، وفقاً لرواية الكتاب، بنجاح جزئي، ويروي سفر يشوع ( 13 : 2-6) أن أجزاء كبيرة من كنعان لا يزال يتعين احتلالها: “2هذِهِ هِيَ الأَرْضُ الْبَاقِيَةُ: كُلُّ دَائِرَةِ الْفِلِسْطِينِيِّينَ، وَكُلُّ الْجَشُورِيِّينَ 3مِنَ الشِّيحُورِ الَّذِي هُوَ أَمَامَ مِصْرَ إِلَى تُخُمِ عَقْرُونَ شِمَالاً تُحْسَبُ لِلْكَنْعَانِيِّينَ أَقْطَابِ الْفِلِسْطِينِيِّينَ الْخَمْسَةِ: الْغَزِّيِّ وَالأَشْدُودِيِّ وَالأَشْقَلُونِيِّ وَالْجَتِّيِّ وَالْعَقْرُونِيِّ، وَالْعَوِيِّينَ. 4مِنَ التَّيْمَنِ كُلُّ أَرْضِ الْكَنْعَانِيِّينَ، وَمَغَارَةُ الَّتِي لِلصِّيدُونِيِّينَ إِلَى أَفِيقَ إِلَى تُخُمِ الأَمُورِيِّينَ. 5وَأَرْضُ الْجِبْلِيِّينَ، وَكُلُّ لُبْنَانَ نَحْوَ شُرُوقِ الشَّمْسِ، مِنْ بَعْلَ جَادَ تَحْتَ جَبَلِ حَرْمُونَ إِلَى مَدْخَلِ حَمَاةَ. 6جَمِيعُ سُكَّانِ الْجَبَلِ مِنْ لُبْنَانَ إِلَى مِسْرَفُوتَ مَايِمَ، جَمِيعُ الصِّيدُونِيِّينَ. أَنَا أَطْرُدُهُمْ مِنْ أَمَامِ بَنِي إِسْرَائِيلَ. إِنَّمَا اقْسِمْهَا بِالْقُرْعَةِ لإِسْرَائِيلَ مُلْكًا كَمَا أَمَرْتُكَ”. ويضم الإصحاح الأول من سفر القضاة قوائم المدن الكنعانية التي بقيت بمثابة جيوب في المناطق القبلية، أي داخل الأراضي التي تم غزوها. ويمثل هذا هي مرحلة إعداد مسرح الأحداث التالية، وهي الفترة التي تسمى بعصر القضاة والممتدة ما بين الغزو وتأسيس الحكم الملكي في إسرءيل، وحكم إسرءيل خلالها زعماء يتمتعون بشخصيات كاريزمية أطلق عليهم لقب القضاة الذين هملوا على حماية الشعب من أعدائهم. ووفقاً للمنطق الداخلي للسردية الكتابية، وعندما نضع عصر القضاة إزاء التاريخ القديم للشرق الأدنى، سنجد أن هذه المرحلة تغطي نحو قرنين من الزمن ما بين 1000- 1200 ق.م. ولا يصور عصر القضاة واقع عصر الحديد الأول على الرغم من احتوائه، ربما، على مواد مبكرة نشأت من مصادر إسرءيلية شمالية (التي من الممكن أن تكون قد دونت قبل انهيار المملكة الشمالية)، ويبدو سفر القضاة في صياغته الحالية سفراً تثنوياً متأخر نسبياً، يمثل إيديولوجية يهوذا في القرن السابع ق.م، ويصف أحداثاً مزعومة بعد مئات من السنين من زمن وقوعها. ويمكن ملاحظة ذلك في عدة مجالات:
1. سلاسل الخطيئة والعقاب والثواب والفداء التي تميز بوضوح اللاهوت التثنوي.
2. تدور معظم القصص غالباً في أراضي القبائل الشمالية، كما هي في متن الإصحاح الأول من سفر القضاة، والذي ينتمي -في اعتقادي- لعملية جمع تعود للقرن السابع ق.م، وتظهر، هذه القصص، بوضوح فشل القبائل الشمالية في تطهير الكنعانيين الزناة من وسطهم، باستثناء سبط يهوذا الذي نجح في ذلك وحده، وهو ما جعل يهوذا بعيدة عن إغواء الآلهة الكنعانية التي وقع فريستها القبائل الشمالية عدة مرات.
3. يعد ظهور القضاة بمنزلة مقدمة لظهور السلالة الداودية في أورشليم.
ويصوّر سفر القضاة قتامة الوضع قبل النظام الملكي -بما في ذلك العلاقة بين شعب إسرءيل وإلهه-. ويتنبأ في نهايته بظهور الملكية [25 فِي تِلْكَ الأَيَّامِ لَمْ يَكُنْ مَلِكٌ فِي إِسْرَائِيلَ. كُلُّ وَاحِدٍ عَمِلَ مَا حَسُنَ فِي عَيْنَيْهِ.] (قضاة21). ولذلك، وعلى الرغم من إمكانية احتفاظ الأساطير والحكايات الواردة في سفر القضاة ببعض من ذكريات غامضة سابقة لأحداث محلية، تحتفظ معظم هذه الأساطير والحكايات بقيمة تاريخية ضئيلة حين نحاول البحث في نشأة إسرءيل القديمة، ولذلك نحن بحاجة، إذن، للالتفات إلى مصادر غير كتابية وإلى علم الآثار، حيث يزودنا كلاهما بشهادة تنتمي إلى “الزمن الحقيقي” عن الأيام الأولى لإسرءيل القديمة. وتقف مسلة الفرعون مرنبتاح على رأس هذه المصادر، وتصف حملة مرنبتاح في العام1207 ق.م على كنعان، ويذكر غزوه واحتلاله ثلاث مدن وإخضاعه -في الحقيقة إبادة- جماعة من الناس تحمل اسم “إسرءيل”. ولا يشير النقش إلى حجم هذه الجماعة، ولا إلى موقعها بالضبط، كل ما في الأمر أنها تقول يوجود جماعة معينة تسمى إسرءيل كانت حاضرة في كنعان في أواخر القرن الثالث عشر ق.م. وقد كشفت البحوث الآثارية عن موجة غير مسبوقة من التوطن في مرتفعات كنعان بدأت في ذلك الوقت. ففي سياق العصر الحديدي الأول -من القرن الثاني عشر حتى العاشر ق.م- تم إنشاء نحو 250 بؤرة سكنية في المنطقة الواقعة بين وادي بئر السبع ووادي يزرعيل. ونظراً لاستمرار التوطن في معظم هذه المواقع دون انقطاع في العصر الحديدي الثاني عندما شكلت هذه المواقع معقلاً لدولة يهوذا وإسرءيل، فيمكن الإشارة، بكل ثقة، إلى سكان هذه المواقع على أنهم “إسرءيليين”، أو “طلائع الإسرءيليين” (على حد تعبير وليم ديفر).
يشكل ما سبق الخلفية المادية لصعود إسرءيل المبكرة. وقد هيمن سؤالان رئيسان على دراسة نشأة إسرءيل القديمة.
-ما هو أصل قرويي العصر الحديدي الأول: سكان الهضاب- طلائع الإسرءيليين؟ ونظراً لحدوث عملية مماثلة في الوقت عينه جرت في مرتفعات شرق الأردن، ينبغي لنا طرح السؤال ذاته عن طلائع العمونيين وطلائع الموآبيين وطلائع الأدوميين.
-ما هي القوى التي عملت على تحفيز تأسيس مئات مجتمعات العصر الحديدي الأول المعزولة والصغيرة في منطقة الهضاب الوسطى؟
لم يستطع الباحثون، في السابق، التوصل إلى إجابات متوافقة على هذه الأسئلة، وتحولت النظريات من الاعتماد الكامل على النص الكتابي إلى الإنكار التام لقيمته كسجل تاريخي. غير أن السنوات الأخيرة أظهرت اختزال طيف وجهات النظر هذه بصورة ملحوظة. فبادىء ذي بدء، يتفق المعظم اليوم على ما لا نقبل به، وهذا إنجاز بارز، بحد ذاته، في مسائل البحث التاريخي. وليس مستغرباً وقوف معظم العلماء اليوم، دون تعقيد، وراء رفض النظريات الثلاث المقترحة التي هيمنت على دراسة نشوء إسرءيل المبكرة منذ حوالي عقدين سابقين. وكنت قد شرحت في الفصل الثاني، من هذا الكتاب، كيف أن إخفاق البحوث الآثارية في العقور على تأكيدات السردية الكتابية لغزو الكتاب ينبغي أن يكون سبباً لاستبعاد نظرية وليم أولبرايت عن الغزو العسكري، كما لا يمكننا قبول أجزاء هامة من نظرية التسلل السلمي لألبريخت آلت، التي تقول بوجوب النظر إلى ظهور إسرءيل المبكرة كعملية توطن واستقرار تدريجي لسكان السهوب من البدو الرعاة، وسبب رفض هذه الأجزاء الهامة من فرضية آلت إنما يأتي بسبب التغيير الواضح لفهمنا طبيعة الحياة البدوية الرعوية في الشرق الأدنى القديم، التي يجمع الآن على أن نمط حياة البدو رعاة الأغنام والماعز انبثق من الحياة المستقرة، وأن سبيل الاستقرار-الرعي مفتوحاً من الجانبين، أي التبدي والاستقرار، وفقاً للتغير السياسي والاقتصادي والعوامل الاجتماعية.
باختصار، لم يكن هناك “منبع” بدو في السهوب قادر على تأمين مد متواصل لجموع المتسللين السلميين إلى كنعان. كما فسرت نظرية مندنهول- غوتوالد حول الثورة الاجتماعية (التوليفة الساذجة للتيارات الماركسية التي كانت سائدة في الجامعات الأميركية في مرحلة الستينيات الطوباوية) ظهور إسرءيل المبكر على خلفية مقولات الصراع الطبقي؛ باعتبارها انتفاضة الفئات الريفية الكنعانية ضد استغلال ساداتهم، مما أدى إلى انسحابهم من الأراضي المنخفضة نحو الهضاب الفارغة، وقاموا هناك بتأسيس مجتمعات المساواة. ولكن علم الآثار لا يقدم سوى مقدار ضئيل من المؤشرات لتتبع أي دليل يشير إلى مثل هذا التحول الدرامي في الانتقال للتوطن في الهضاب في فترة زمنية قصيرة نسبياً، سواء في الثقافة المادية لمواقع الهضاب، أم في أنماط التوطن في الأراضي المنخفضة. من ناحية أخرى، وفي ما يتعلق بأنماط التوطن، لم يكن هناك ما يكفي من مواقع توطن العصر البرونزي الحديث في الأراضي المنخفضة لتوفير مثل هذا العدد المقنع من الناس المنسحبين. في الواقع، استمر العديد من مواقع هذا العصر التي شغلت بسكان العصر الحديدي الأول. ومن الجدير بالذكر أن كل النماذج “الكلاسيكية” الثلاث تصف ظهور إسرءيل المبكرة باعتباره حدثاً فريداً من نوعه في تاريخ فلسطين.
وبعبارة أخرى، تتبع هذه النماذج الثلاثة، سواء كان ذلك بوعي أم بدون وعي، البناء اللاهوتي الأساسي للرواية الكتابية. وقد أثبتت الأبحاث الحديثة خطأ هذه الفرضية الأساسية.
وسوف أقوم، فيما يلي، بتقديم نموذجاً لفهم نشوء إسرءيل المبكرة مستنداً إلى جهد عقدين من العمل الميداني المكثف في منطقة الهضاب، سبراً وتنقيباً على حد سواء. وتوظيف البحث الميداني الأثري الحديث في دراسة ظهور إسرءيل.
أجريت حفريات دقيقة، للمرة الأولى، ليس فقط في التلال الكبيرة في الأراضي المنخفضة، بل أيضاً في المواقع الريفية للمرتفعات. ألقت هذه الحفريات الضوء على الثقافة المادية والاستراتيجيات الاقتصادية لسكان العصر الحديد الأول. وحدثت الانعطافة الهائلة المتمثلة في “القفزة الكبيرة للأمام” في دراسة منشأ إسرءيل المبكرة في ثمانينيات القرن الماضي، من خلال القيام بعمليات المسح الشاملة في منطقة الهضاب. وهذا ما جعل من الممكن إعادة بناء كاملة تقريباً لأنماط التوطن في العصور القديمة. مشطت معظم منطقة الهضاب في شرق الأردن بشكل كامل في سياق عمليات المسح الجغرافي الإقليمي للمنطقة. كما تمت عمليات مسح مكثفة في هضبة شرق الأردن. وقد زودتنا عملية السبر هذه بمعلومات لا تقدر بثمن عن عدد المواقع وحجمها وعدد سكانها، وموقعها الجغرافي, بما في ذلك العوامل الاقتصادية التي يمليها انتشارها. وأود البدء في الاستنتاجات الرئيسية، وباعتبار إدراكنا أن الخلاصة سوف تجعل من السهل متابعة التفاصيل الأثرية المعقدة وحشد التفاصيل النصية والأنثروبولوجية والإثنوغرافية هنا.
وبقدر ما أستطيع الحكم، لم يكن ظهور إسرءيل المبكرة حدثاً فريداً في تاريخ كنعان. بل كان ظهورها، بالأحرى، دورة أخرى من دورات متكررة طويلة الأجل، وصيرورة من صيرورات اجتماعية واقتصادية وديموغرافية بدأت في الألفية الرابعة. وكانت موجة التوطن في منطقة الهضاب في أواخر الألفية مجرد فصل آخر من فصول التحولات المتناوبة لأنماط العيش المستقرة والرعوية في مجمل السلسة الاجتماعية-الاقتصادية للشرق الأدنى النموذجي.
البيئة
شكلت طبيعة التضاريس القاسية والتكوينات الصخرية التي يصعب استغلالها وطبيعة الغطاء الكثيف من النباتات الطبيعية، التي غطت المنطقة في ذلك الماضي البعيد، منبعاً لظهور العديد من المعيقات المقيدة للاستقرار في الهضاب الوسطى، الأمر الذي دفع بالبعض إلى اقتراح يرى بعدم إمكانية ظهور أنشطة توطن واسعة في مرتفعات العصر الحديدي دون تدخل واحد أو أكثر من الابتكارات التقنية، مثل: استخدام الحديد، وبناء خزانات المياه، والخزانات المجصصة، وتسوية وعورة منحدرات التلال. ولكن لا ينبغي قبول هذه الاقتراحات. فقد أظهرت الأعمال الميدانية في الآونة الأخيرة كثافة سكانية عالية في هضاب كنعان الوسطى خلال الألفين الثالثة والثانية ق.م. كما أن معرفة نحت صهاريج المياه وإقامة المدرجات كانت سائدة بالفعل في العصر البرونزي الأوسط، بل ربما قبل ذلك، في العصر البرونزي المبكر. وينظر إلى نحت وتجصيص صهاريج المياه وبناء المدرجات كنتيجة تغلغل الإنسان إلى منافذ معينة من المرتفعات أكثر من كونه حدث حصل مرة واحدة وفتح الطريق أمام التوسع في هذه المجالات والاقتراب أكثر من مناطق السهوب في الشرق والجنوب، وتوافر المراعي الخضراء في الصيف الجاف. وحقيقة عدم تمتع المرتفعات بكثافة سكانية عالية ومزروعة حتى في فترات توسع التوطن، جعل هذه المناطق مثالية للنشاط الرعوي للأغنام والماعز، وملائمة بصورة خاصة “للترحل المغلق” (بعبارة مايكل راوتن) بمعنى الهجرة الروتينية بين السهوب في فصل الشتاء والمرتفعات في الصيف. وبالإضافة إلى ذلك، مثلت خاصرة الهضاب الشرقية، على وجه الخصوص، بيئة مناسبة لنشاط جماعات مستقرة نشأت أصلاً من خلفيات رعوية، لأنه كان بإمكانهم أن يستمروا في ممارسة تربية الحيوانات إلى جانب عملهم بالزراعة الجافة (البعلية؟). ويمكن لمجتمعات الهضاب الاستفادة من التخصص في اقتصاد البستنة الموجه والمتضمن التصنيع الزراعي عندما ملائمة الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية. وفعلاً تخصصت، في عصور حديثة تالية، بعض القرى في مناطق معينة لبعض أجزاء وسط منطقة الهضاب، لا سيما المنحدرات الغربية، في زراعة الزيتون وإنتاج الزيت، فأنتجوا فائضاً كبيراً منه قابل للمقايضة بالحبوب، لصعوبة وعدم جدوى زراعة الحبوب في هذه الأجزاء من المرتفعات. ومن الضروري الإشارة، كمقدمة لعرض نتائج المسح، إلى إمكانية تقسيم الهضاب الوسطى لوحدتين جغرافيتين فرعيتين رئيسيتين: مرتفعات السامرة بين القدس ووادي يزرعيل في الشمال، وتلال يهوذا في الجنوب، بين القدس ووادي بئر السبع. وتبدو مرتفعات السامرة هي الأكثر ملاءمة للسكن في منطقة الهضاب، لاسيما هضبة بيتئيل والوديان الخصبة بين الجبال شمالاً. وكانت هذه المناطق في الواقع، ذات كثافة سكانية أكثر في العصر الحديدي الأول. أما تلال يهوذا التي تحدها التخوم الصحراوية من الشرق والجنوب فقد اعتمدت أسلوب الرعي كاستراتيجية اقتصادية مفضلة، فالنطاق المركزي لهذه التلال عبارة عن تصاريس مسطحة نسبيا وتمتاز خاصرته الغربية بوعورتها وشدة انحدارها، وأشارت عمليات المسح الحديثة إلى قلة عدد السكان المستقرين في تلال يهوذا حتى وقت متأخر جداً من العصر الحديدي الثاني.
القدور والعظام، والناس: من هم إسرءيليو العصر الحديدي الأول؟
تعكس الثقافة المادية لمجموعة معينة من الناس البيئة التي يعيشون فيها؛ كظروفهم الاجتماعية والاقتصادية، وتأثير الثقافات المجاورة والثقافات السابقة، والتقاليد التي يتم جلبها من الموطن الأصلي في حالات الهجرة؛ وبنفس القدر من الأهمية، إدراكهم للعالم. ويقود التحليل الدقيق لهذه العوامل، في منطقة الهضاب في العصر الحديدي الأول، بالإضافة إلى الفحص الدقيق للتوزيع الجغرافي، والكمي، للقى الأثرية إلى نتائج مشكوك فيها إلى حد ما فيما يتعلق بإمكانية تحديد “علامات أو معالم إثنية” تعود للإسرءيليين. ولا تظهر علامات استمرار تقاليد صناعة الفخار وغيرها من سمات الثقافة المادية في العصر البرونزي الحديث سوى تأثيرات منعزلة من مواقع العصر الحديدي الأول. وتعكس علامات الانقطاع لمواقع السهول التي لا تزال قائمة في ذلك الوقت في تقاليد فترات سابقة حقيقة أن الناس عاشوا في مجتمعات ريفية صغيرة ومعزولة وقائمة على الاكتفاء الذاتي تقريباً (بالمقارنة مع دويلات المناطق المنخفضة في العصر البرونزي الحديث). ولكي تتعقد الأمور أكثر، لا توجد طريقة للتمييز بين الثقافة المادية لطلائع الإسرءيليين وأقرانهم في شرق الأردن، أي طلائع العمونيين وغيرهم. ومع ذلك، تم استخدام اثنتين من ميزات تلك الفترة كمؤشرات على “الإثنية” الإسرءيلية: الفخار (لاسيما الجرارة المؤطرة ذات الحواف) والعمارة، (لا سيما المنزل ذو الغرف الأربع). ويميل الآثاريون إلى وضع تسميات إثنية للأنماط. وهكذا، فإننا نشير إلى [إثنية] “فلستية، و”أدومية”، و”مديانية”. وبذلك نتجاهل عوامل الأسلوب والتجارة والمكانة. لذلك لا يمكن للفخار، في معظم الحالات، أن يشير إلى الإثنية في ظل وجود العديد من المتغيرات الفاعلة خلف الكواليس. ويتجلى هذا في العديد من الأمثلة، لا سيما الحالات التي تتوفر على وثائق تاريخية يمكن الاعتماد عليها والوثوق بها لاستكمال المعطيات الآثارية. ومن الأمثلة الجيدة لمنطقة المرتفعات هو فخار العصور الوسطى، الذي لا يسمح لنا بالتمييز بين المجتمعات الإسلامية الموثقة بشكل جيد، والمجتمعات المسيحية المحلية (الشرقية) ومجتمع الفرنجة، باستثناء عدد قليل من الحالات الإثنية. وإذن، لا توجد سمات خاصة في فخار المرتفعات في العصر الحديدي الأول، لا في التجمعات ككل، ولا في أنواع معينة. وثمة عوامل عدة كان لها تأثير حاسم على الذخيرة الفخارية لسكان الهضاب مثل المسافة التي تفصل المناطق البحرية عن المناطق البرية، والعزلة الاجتماعية للمجتمعات المحلية الصغيرة المفصولة بحواجز طبوغرافية، والصراع المستمر في مواجهة العقبات البيئية، وهو ما كان له، في المقابل، تأثيراً محدوداً، إن لم نقل فقيراً على نمط الفخار ونوعيته. وتم اقتراح الجرار المؤطرة ذات الحواف على أنها مؤشر يعبر عن المواقع “الإسرءيلية”، التي وجدت بشكل متواتر في منطقة المخفضات. وانتشارها بغزارة في كل موقع من مواقع العصر الحديدي الأول في عمّون ومؤاب. وينبغي أن تعزى هيمنة هذا النوع في مواقع الهضاب الوسطى إلى العوامل الاقتصادية والبيئية والاجتماعية، مثل الاقتصاد القائم على البستنة، وأيضاً إلى المسافة البعيدة لبعض المجتمعات المحلية للعصر الحديدي الأول عن مصادر المياه الثابتة، بدلاً من الخلفية الإثنية للسكان. وفي حالات معينة، قد تشير الأشكال المعمارية إلى الأصل، وبالتالي، إلى إثنية السكان في الماضي.
يناقش روني إلنباوم استخدام العلامات الخاصة بالبناء وسمات مواقع البناء التي وجدت في القرون الوسطى في [إسرائيل] لتمييز مستوطنات الفرنجة، بل حتى لتمييز المنازل الفردية التي سكنت من قبل الفرنجة عن [منازل] المجتمعات الإسلامية. لسوء الحظ ليس هذا هو حال العصر الحديدي. ووصف العديد من العلماء للبيت ذو الغرف الأربع على أنه نمط البيت الإسرءيلي، رغم أن مخطط البيت الكامل لم يظهر قبل العصر الحديدي الثاني، كما تم العثور عليه في المواقع المعاصرة في الأراضي المنخفضة ومواقع شرق الأردن. في هذه الحالة أيضاً، ينبغي أن يكون لشيوعه في منطقة الهضاب ارتباطاً بالعوامل البيئية والاجتماعية، بدلاً من الحدود الإثنية. وأظهرت الدراسات الإثنوغرافية إمكانية تحول بعض العلامات الإثنية، في كثير من الحالات، إلى رموز أفضل لتحديد هذه الإثنية مثل الطقوس الجنائزية والعبادة وأساليب الغذاء، أي العادات الغذائية. بيد أن علم الآثار لم يقدم لنا أية معطيات عن الطقوس الجنائزية وطقوس العبادة. ولم يتم العثور قط على مقبرة أو حرم مقدس في منطقة المرتفعات في العصر الحديدي الأول. ولذلك سوف نستنجد هنا بأساليب الغذاء أو ممارسة الطهي ممثلة في المرتبة الثانية الأوسع انتشاراً للقى الأثرية التي وجدت في أعمال الحفريات والتنقيب، وهي، تحديداً هنا، العظام. ومن المقبول بصورة عامة القول بأن أساليب الغذاء تميل لأن تكون رموزاً محافظة للإثنية. وتقاوم بعض الجماعات التغيير في أساليب الغذاء حتى في وجه الاستيعاب المحتمل. فما يأكل الناس، وكيف يأكلون، يعد جانباً هاماً من جوانب هويتهم. ويجادل علماء الأنثروبولوجيا في اعتبار أساليب الغذاء، في كثير من الأحيان، نوع من إيديولوجية متنافسة ودين بلغة النزعة الثقافية المحافظة، والغذاء هو أحد الرموز الأساسية المفصلية من قبل الناس سعياً للحفاظ على هويتهم الثقافية وتضامن الجماعة. وتراكمت -لدينا- خلال السنوات الأخيرة مجموعة كبيرة من البيانات عن تربية الحيوانات في العصرين البرونزي والحديدي. واكتسبت المعطيات المتعلقة بنسبة عظام الخنزير أهمية خاصة لدراسة الإثنية في العصر الحديدي فيما يتعلق بالتجمعات الحيوانية في مواقع مختلفة. وأظهر كل من بريان هيس وبولا وابنيش بارتفاع هذه النسبة في المواقع الفلستية أكبر بكثير من المتوسط -“العادي”- للعصر البرونزي. وقد يعود شيوع استهلاك لحم الخنزير في العصر الحديدي الأول في السهل الساحلي الجنوبي إلى ممارسة تربية الحيوانات التي جلبت من موطن الفلستيين. كما كانت تربية الخنزير في المرتفعات تمارس في العصر البرونزي وفي فترات أخرى. في حين تختفي عظام الخنزير من التجمعات الحيوانية ابتداءً من العصر الحديدي الأول. والحقيقة الأكثر إثارة للاهتمام هي استمرار عظام الخنزير المتزامنة في الظهور بأعداد كبيرة في حشبون، على الحدود بين عمون ومؤاب في شرق الأردن. وتعكس تجمعات الحيوانات في العصر الحديدي الثاني السمات عينها. وبغض النظر عن العوامل المعقدة التي قد تؤثر على توزيع الخنازير، يبدو أن هذا الأمر عنى ممارسة تابو أكل لحم الخنزير كفعل محرم في منطقة الهضاب في العصر الحديدي الأول.
لم توجد الخنازير في مواقع طلائع الإسرءيليين في منطقة الهضاب، بينما كانت شائعة تماماً في مواقع تعود لطلائع العمونيين، وفي العديد من المواقع الفلستية. وثمة سببين محتملين وراء هذه الظاهرة: يمكن النظر إلى الشيوع الواسع لاستهلاك لحم الخنزير في فلستيا كمؤشر إثني فلستي من قبل طلائع الإسرءيليين في المرتفعات، الذين تجنبوا تربية الخنازير كردة فعل. وبما لا يقل أهمية عن ذلك ربما يأتي تجنب تربية الخنازير من خلفية رعوية لهؤلاء الناس الذين استقروا في المرتفعات في العصر الحديدي الأول، نظراً لعدم إمكانية تربية الخنازير على هيئة قطعان وضمن مسافات شاسعة. ويزعم العديد، لهذا السبب، تحول الخنازير إلى رمز للحياة المستقرة، وإلى تجنب الرعاة البدو في الشرق الأدنى القديم تربية الخنازير.
العمليات الدورية ومنشأ إسرءيل القديمة
بات من الصواب النظر إلى العمليات التاريخية المعقدة من منظور المدة الطويلة la longue durée حسب المدرسة الحولية الفرنسية. ويتطلب منا تحري العمليات التي وقعت في العصر الحديدي الأول، في واقع الأمر، النظر من منظور تاريخي أوسع بكثير: بدءً من موجة التوطن الأولى في المرتفعات في بداية العصر البرونزي المبكر (أي النصف الثاني من الألفية الرابعة ق.م) حتى نتائج التحول في العصر الحديدي الأول-ظهور الدول الإقليمية في أوائل الألفية الأولى. وتشير عمليات المسح الواسعة التي أجريت في المنطقة في ثمانينيات القرن الماضي إلى تمييز ثلاث موجات توطنية في المرتفعات مع فترتين فاصلتين من فترات الأزمات الاجتماعية بينهم وذلك في الإطار الزمني المحدد أعلاه. تكاثف نشاط التوطن من فترة ذروة إلى أخرى.
أدت هذه الدورات الثلاث في المجمل إلى بروز تشكيلات إقليمية معقدة. وفي حين تلاشت الموجتين الأوليتين، فقد أسفرت الذروة الثالثة عن حالة تكوين كامل للدولة، أي مملكتي يهوذا وإسرءيل. وكان لفترات الذروات الثلاث (فضلاً عن فترتي الأزمة) الكثير من القواسم المشتركة، لا سيما في الأنماط الديموغرافية، وكذلك في تموضع المواقع وبعض جوانب معينة من الثقافة المادية. وبلغت الموجة الأولى ذروتها في العصر البرونزي المبكر الأول، في أواخر الألفية الرابعة ق.م. في حين لوحظ انخفاض في عدد المواقع والمساحة الإجمالية المأهولة على حد سواء في العصر البرونزي المبكر الثاني والثالث، أو الألفية الثالثة ق.م، ولم يمنع هذا من ظهور مراكز كبيرة محصنة ميزت نظاماً سياسياً أكثر تعقيداً، وأعقب تلك الفترة أزمة دراماتيكية كبيرة في العصر البرونزي المتوسط (أواخر الألفية الثالثة)، عندما تم التخلي عن معظم مواقع العصر البرونزي المبكر. ولم يكن هناك سوى عدد قليل من مواقع التوطن محدودة الحجم في معظمها في تلك الفترة، مع تسجيل وجود عدد من المقابر لا علاقة لها بالمواقع القريبة المستقرة، وبالتالي فهي تمثل، ربما، جماعات رعوية. واستمرت أزمة التوطن، بل ازدادت حدة في العصر البرونزي الوسيط الأول، أي أوائل الألفية الثانية ق.م. وحدثت الموجة الثانية من التوطن في العصر البرونزي الثاني والثالث (القرون 18 و 17 و 16 ق.م). وتم تسجيل حوالى 250 موقع في منطقة الهضاب. وبدأت عملية التوطن في العصر البرونزي الثاني عندما أقيمت العشرات من المواقع الصغيرة في أنحاء المنطقة. ولوحظ نمو العديد من المواقع المتقدمة في العصر البرونزي الوسيط الثالث، من خلال وجود أعمال بناء حجرية مثيرة ملفتة للنظر تقوم مقام مراكز حكومية موسعة للنخبة الحاكمة. ومع نهاية العصر البرونزي الأوسط انهار نظام التوطن المثير هذا ليسجل العصر البرونزي الحديث (من أواخر القرن السادس عشر ق.م إلى القرن الثاني عشر ق.م) أزمة ديموغرافية ثانية في منطقة المرتفعات، بوجود حوالي ثلاثين موقعاً مأهولاً في ذلك الوقت فقط. بالإضافة إلى تقلص حجم بعض المواقع الموجودة.
وفي الفترة ما بين القرن الثاني عشر إلى القرن العاشر ق.م حصلت الموجة الثالثة من التوطن المميزة لظهور “طلائع الإسرءيليين”. وسجلت عمليات المسح الشاملة لأكثر من 250 موقع من مواقع العصر الحديدي الأول في منطقة الهضاب الوسطى. وتوسع نظام التوطن هذا بشكل مثير في العصر الحديدي الثاني من خلال تضاعف عدد المواقع ومجموع المساحة المبنية (وبالتالي، السكان) إلى ثلاثة أضعاف تقريباً. وتميز العصر الحديدي الثاني، على غرار فترات الذروة السابقة، بارتفاع عدد المراكز الحضرية الكبيرة لنظام التوطن التراتبي المعقد. غير أن هذه التأويلات السابقة لم تكن مقنعة لتفسير هذه الظاهرة المتمثلة في التذبذب الاستيطاني نتيجة هجرات جماعات جديدة من مناطق بعيدة من المشرق، أو التوسع الديمغرافي المتعاقب والانسحاب من المناطق المنخفضة القريبة، فأولاً: أظهرت الدراسات الحديثة أن عدد سكان الأراضي المنخفضة لم يقترب بلا شك من “قدرة الاستيعاب”، وبالتالي لم يكن هناك فائض سكاني في الأرض الشحيحة يدفعهم للتوسع نحو حدود جديدة. وثانياً، يظهر الطابع العام للثقافة المادية في المرتفعات ملامح محلية واضحة دون أي إشارة إلى هجرات واسعة لجماعات جديدة قادمة من الخارج. ومن ثم فالأمر الأكثر عقلانية هو تفسير هذه التقلبات التوطنية بمنحى التغير الاجتماعي والاقتصادي، أي التحول إلى مجتمع مستقر أكثر، أو رعوي أكثر بالتوافق مع التحولات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية. وقد سجل كل من دافيد غروسمان في منطقة الهضاب ونورمان لويس وأوستين لابينكا تحولات مماثلة في شرق الأردن في أزمنة مبكرة حديثة للسلسة الرعوية-المستقرة.
هذه هي المناطق الهامشية الأكثر نموذجية في الشرق الأوسط: المرتفعات وأراضي السهوب على حد سواء. وتتمثل هذه التغييرات للسلسة الرعوية-المستقرة بصورة جيدة في مجاميع الذخيرة الحيوانية لموقعين في الهضاب الوسطى: شيلوه [خربة سيلون؟] وعميق رافايم Emeq Refaim [حي القطمون؟]. تتوافق البيانات مع التحولات بين اقتصاديات الضرورة الزراعية التي تعتمد على الحراثة (أي ماشية أكثر) في فترات توسع التوطن وبين المجتمعات الرعوية (وهذا يعني، أغنام وماعز أكثر) في سنوات الأزمة. وثمة مؤشرات إضافية عن الخلفية الرعوية للجزء الأكبر لجماعات طلائع الإسرءيليين في المرتفعات.
-أولاً، عدم وجود ترابط بين مواقع العبادة القليلة في العصر البرونزي الحديث والمجتمعات المستقرة الدائمة.
-ثانياً، يبدو أن ثمة نصوصاً من العصر البرونزي الحديث، لاسيما رسائل تل العمارنة من القرن الرابع عشر، تشير إلى مكون رعوي هام من السكان وصفوا باسم الشاسو أو “اللصوص”. في الواقع، ألمحت عدة إشارات إلى أن الإسرءيليين الأوائل ينحدرون من جماعات الشاسو هذه.
-ثالثاً، تتركز العديد من مواقع طلائع الإسرءيليين في المرتفعات التي تناسب، على نحو أفضل، المزج بين تربية الحيوانات والاقتصاديات الزراعية الجافة (البعلية).
-رابعاً، ربما يشير تجنب تربية الخنازير إلى الأصول الرعوية لسكان مرتفعات العصر الحديدي الأول.
-خامساً، قد تشير بعض المميزات المعينة لعمارة مواقع طلائع الإسرءيليين في المرتفعات إلى الاتجاه ذاته.
وأود أن أشير هنا إلى أوجه التشابه بين الفناءات المفتوحة لمواقع من العصر الحديدي الأول وبين خيم الرعاة في المشرق في الأزمنة الحديثة المبكرة .حيث يمتاز كلاهما بوجود فناء واسع (لحماية القطعان) محاطاً بحزام من وحدات رئيسية هي: الغرف الحجرية في الماضي البعيد والخيام في الماضي الأكثر حداثة. ولم يتم هنا معالجة العوامل الكامنة وراء هذه التحولات على مجمل السلسلة الرعوية-المستقرة بالتفصيل. ويكفي أن نذكر أنه ليس لدينا خيار في غياب أي مادة تاريخية متاحة من الألفية الثالثة، وبمساعدة مصادر محدودة للغاية من الألفية الثانية سوى الانغماس في نماذج أنثروبولوجية تأملية، مدعمة في بعض الأحيان بمعطيات إثنوغرافية لأزمنة مبكرة أحدث التي تأخذ في الاعتبار الصعوبات السياسية والكوارث الاقتصادية والاضطرابات الاجتماعية. وتجدر الإشارة إلى أن البداوة الرعوية هي التخصص المعتمد على قدرة المجتمعات المستقرة في إنتاج فائض من الحبوب يكفي للمقايضة مع مجتمعات الرعي. وبناء على ذلك، ينبغي أن يكون انهيار النظام الاقتصادي العالمي في العصر البرونزي الحديث قد لعب دوراً رئيساً في توطن الرعاة بصورة أوسع من رعاة المشرق في العصر الحديدي الأول. وبانعدام فائض من الحبوب لدى المجتمعات المستقرة، أجبر الرعاة على إنتاج الحبوب، أي، التحول إلى شكل أكثر توازناً ومكتفياً ذاتياً من اقتصاديات الضرورة والكفاف، الأمر الذي أدى إلى التوطن. وكنت قد ذكرت للتو الاختلاف الإيكولوجي في منطقة الهضاب الوسطى بين شمال أكثر ملاءمة وجنوب أكثر قسوة. ونتج عن هذا التفاوت البيئي اختلافات ديموغرافية وتوطنية ذات شأن. وكان شمال السامرة [الضفة الغربية] أكثر كثافة ويمتاز بمواقع أكبر وأدلة محدودة للنشاط غير المستقر. وعلى العكس من ذلك، سكنت مجموعة من السكان المستقرين تلال يهوذا حتى العصر الحديد الثاني، غير أن عدداً من الجماعات الرعوية كانت لها أهمية خاصة. صاغت هذه الميزات شكل وطبيعة الكيانات السياسية التي نشأت في العصر البرونزي الأوسط حتى فترات العصر البرونزي الحديث، وكذلك العصر الحديدي الثاني. كما تشير فترات ازدهار التوطن الثلاث في الهضاب الوسطى إلى تمدد ديموغرافي تدريجي من الشرق إلى الغرب. وعندما تكون المنطقة ذات كثافة سكنية متناثرة، يمكن -حينها- للمستوطنين اختيار موضع ومكان قراهم في بداية كل عملية توطنية، ولذلك قام هؤلاء باختيار المناطق الشرقية، التي كانت، من الناحية الطوبوغرافية، معتدلة وملائمة بيئياً، وواعدة زراعياً. وبالإضافة إلى ذلك، تمكن المنافذ الشرقية سكانها من أداء استراتيجيات اقتصادية متوازنة ومكتفية ذاتياً. وتدعم حقيقة أن المستوطنون انجذبوا إلى مناطق مناسبة لمزج مجموعة من الأنشطة الزراعية الجافة وتربية الحيوانات، الاقتراح الذي يقول أن العديد منهم ينحدر من خلفية رعوية.
لم يكن بمقدور وحدات المنحدر الغربي (التي تعتبر نموذجية للبستنة) إنتاج الفواكه إلا بعد فترة طويلة نسبياً من النشاط الزراعي الذي لم يعمل به السكان إلا في الأطوار الأخيرة من العصر الحديدي الأول. وبدأ إنتاج الفاكهة عندما كان المجموع السكاني مستقراً تماماً وبدؤوا بالتحول إلى اقتصاد تخصصي، بما في ذلك إنتاج كميات كبيرة من منتجات البستنة الثانوية. وكان التوسع غرباً عاملاً بارزاً في تنمية التطورات اللاحقة للكيانات الإقليمية في المرتفعات. وبالعودة إلى الفترات الثلاث موضوع المناقشة، أدى نمو المجموعات السكانية المستقرة، والتوسع الإقليمي، والطلب على منتجات البستنة من منطقة الهضاب لصالح المناطق المنخفضة إلى ظهور تدريجي لمجتمعات معقدة ومتعددة الطبقات. كما أدت الخلفية المميزة الإيكولوجية للهضاب إلى تشكيل وحدات إقليمية واسعة، مع بعض أوجه التشابه الواضحة بين تلك الفترات الثلاث: وأبرزها، تميز كل منها باثنين من الأنظمة السياسية الحاكمة في الإقليم: شمال أكثر استقراراً ومنفتحاً على المؤثرات الحضارية من المناطق المنخفضة، وجنوب أكثر رعوية ومعزول طبيعياً.
خلاصة
امتلكت عمليات التوطن في مرتفعات كنعان، في العصر الحديدي الأول، الكثير من القواسم المشتركة مع اثنتين من موجات توطن سابقة في هذه المناطق. وتعزز هذه المقارنات الفرضية القائلة بأن مقداراً كبيراً من أنشطة التوطن في هذا العصر كانت جزءً من آليات دورية طويلة المدى لعمليات التوطن والتبدي المتعاقبة لمجموعات السكان الأصلية كاستجابة لتبدل الظروف الاقتصادية والسياسية والاجتماعية. وبترجمة هذه الكلمات إلى لغة بسيطة، يمكن القول أن الإسرءيليين القدماء هم في الواقع كنعانيين. وتتمثل أنشطة التوطن في العصر الحديدي الأول-ظهور الدول الإقليمية الإسرءيلية واليهوذية- في بعض الصفات بتشكيل أنظمة سياسية إقليمية كبيرة خلال العصر البرونزي الوسيط والعصر البرونزي الحديث وربما العصر البرونزي المبكر في منطقة الهضاب، لكن صعود المملكة الشمالية لإسرءيل، التي تمكنت من الانسياب من المرتفعات باتجاه السهول وتشكيل دولة إقليمية حقيقية، مثلت ظاهرة جديدة -ثورة- في التاريخ الاجتماعي لـ “كنعان-إسرءيل”. بعبارة أخرى، لم تكن “المستوطنات الإسرءيلية” للتقاليد الكتابية الحدث الاستثنائي حقاً في مرتفعات فلسطين، بل كان الظهور التاريخي لدولة إسرءيل حوالي900 ق.م في المرتفعات الشمالية.
ويبدو أن التصوير الأدبي لظهور إسرءيل القديمة في العصر الحديدي الأول تمت صياغته بعد عدة قرون من قبل تاريخ الدولة اليهوذية في أواخر العصر الحديدي الثاني باعتباره حدثاً فريداً في تاريخ المنطقة. ويخدم الوصف الكتابي لظهور إسرءيل القديمة من قبل المؤرخ التثنوي، بطريقة ما، الجنوب، والإيديولوجية المركزية ليهوذا المتمحورة حولها، والتطلعات التاريخية والقومية، وتحمل رسالتها اللاهوتية. وقد بقيت مثل هذه الرواية سائدة حتى وقت قريب، عندما احتل علم الآثار مركز الصدارة في البحث التاريخي في أرض كنعان -إسرءيل.
…..
العنوان الأصلي: THE QUEST FOR THE HISTORICAL ISRAEL: Debating Archaeology and the History of Early Israel
المؤلف: Israel Finkelstein and Amihai Mazar
الناشر: 2017 Society of Biblical Literature

عن محمود الصباغ

كاتب ومترجم من فلسطين

شاهد أيضاً

البحث عن إسرءيل: مناظرات حول علم الآثار وتاريخ إسرءيل الكتابية (6-2)

ترجمة: محمود الصباغ استهلال يوافق مزار، إلى حد ما، في ملاحظاته الختامية، على أن “القيم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *