البحث عن إسرءيل: مناظرات حول علم الآثار وتاريخ إسرءيل الكتابية (2-2)

ترجمة: محمود الصباغ

استهلال
ينظر عميحاي مزار إلى الأهمية التاريخية للنص الكتابي من أجل بناء المراحل المبكرة من تاريخ إسرائيل، ويشير بذلك إلى الرأي القائل بأن التقاليد القديمة من الألفية الثانية كانت تمرر شفويا بشكل أساسي ثم دونت في الألفية الأولى، كتقليد (دائماً هنا بمعنى الإرث) كتابي، سواء كان ذلك على أساس من القصص البطريركية ، قصة خروج ، أو قصص الغزو والاستيطان، يعبر عن ثقافة حضرية مزدهرة مبكرة سادت في كنعان ضمن العشائر الرعوية التي تعيش في المدن المحصنة وهو يشير بصورة خاصة إلى المخزون المشترك العموري لأسماء الأشخاص المعروفة من ذلك العصر. وبانتقال الرواية الشفوية وتثبيتها في نص مكتوب فهذا يعني فقدان العديد من الجوانب السردية لها أو ربما تعرض، قبل عملية التدوين، للتشويه عبر الزمن أو حتى التغيير بالتقادم مع مرور الوقت. وكانت المصادفة البحتة في حالات أخرى السبيل لما نعرفه عن هذه الفترة. وعموما لا يفترض مزار أن قصص الكتاب بحد ذاتها هي بالضرورة صحيحة من الناحية التاريخية أو أن الشخوص فيها هم رموز تاريخية حقيقية، وفي حين أن بعض العناصر الهامة تبدي ارتباطات مباشرة مع التقاليد الكتابية، فإن البعض الآخر يقف معزولاً وفي تناقض مباشر لبعض السرديات الكتابية، ومع ذلك فهو لا يشك في القصص الكتابية، (بمعنى إمكانية تأويل النص لصالح إعادة بناء الماضي وكتابة التاريخ) فهو يحاول البرهان على صحة مناظرته في استمرارية وجود بعض التقاليد الكتابية بما في ذلك ” أرض كنعان” كثقافة حضارية مزدهرة ضمن العشائر الرعوية التي تعيش في المدن المحصنة، ويتحدث هنا عن المخزون المشترك العموري لأسماء الأشخاص، وإمكانية الوصول إلى الطرق الدولية في مجمل منطقة الهلال الخصيب. ومن الواضح أن مزار ليس لديه أي تأكيد من أي مصدر على وجه التحديد لدعم وجهة نظره هذه، لذلك نراه يتحول إلى تفكيك سرديات الخروج والغزو والتوطن الكتابية لتوضيح صحة مقاربته، فيطرح، من خلال سبره للمقترحات المقدمة من قبل العلماء السابقين لدعم موازيات عصر البرونز المتوسط في الألفية الثانية مع القصص البطريركية، مثال السلالة السامية الغربية “يقصد ما يعرف تقليدياً باسم الهكسوس” في الدلتا الشرقية ووصولها إلى سدة الحكم في مصر والمشاريع المعمارية العظيمة للملك رعمسيس الثاني، وهجرة العبيد من مصر المثبتة في السجلات التاريخية والآثارية، كل هذه القرائن تجد نظائر لها في التقاليد الكتابية لسفر الخروج. علاوة على ذلك، ما ورد من ذكر لشعب “إسرءيل” في أرض كنعان في مسلة الفرعون مرنبتاح (ابن رعمسيس الثاني) في نهاية القرن الثالث عشر ق.م . ومثل هذه الأمثلة تجد نظائر لها في التقاليد الكتابية بما يشير بطريقة أكثر احتمالاً إلى موجات من البشر تم التأكد من وجودهم في السجلات الآثارية والذين استقروا في منطقة الهضاب وشرق الأردن في ذلك الوقت وهجرة العبيد من مصر باعتبارها جميعها مثبتة في السجلات الآثارية والتاريخية. و يتابع القول، على نحو مماثل، بأن سرديات الغزو حفظت لنا الذكريات القديمة لأحداث “وقعت فعلا”، مثل غزو مواقع مسكونة مثل “عاي” و “حاصور” في سفر يشوع. في حين أن الأدلة الأثرية والتاريخية تشير إلى عملية معقدة تكمن وراء هذه التقاليد الكتابية الخاصة، وهي في نهاية المطاف تمثل، بالنسبة لمزار، ذكريات عن أحداث تعود إلى الألفية الثانية تم الحفاظ عليها شفهيا على مدى عدة قرون، ليتم تحريرها وتدوينها على هيئة نصوص مكتوبة في وقت لاحق. غير أنه يعترف بحالات الخلاف والخصومة الصريحة التي تسود، في بعض الحالات الأخرى، بين علم الآثار والتقاليد الكتابية. فعلى سبيل المثال، يصف الكتاب العديد من المدن على أنها دمرت أو هوجمت، ولكن يبين علم الآثار، في العديد من هذه الحالات، أن هذه المدن إما لم تكن موجودة في المرحلة الانتقالية، بين نهاية العصر البرونزي المتأخر وبداية العصر الحديدي الأول، (مثل: حشبون وعراد)، أو أنها لم تعانِ من أي دمار واستمر التوطن فيها أثناء التاريخ المفترض للغزو (مثل: لخيش). وبهذا المعنى يريد مزار القول بأن القصة الكتابية تلقي الضوء على الطريقة التي وجدت بها الذكريات القديمة والتأويلات الشفوية القديمة طريقها نحو نص مدون متأخر (نعرفه الآن كسفر يشوع) لأحداث أو حدث ينفي علم الآثار الآن تاريخيته. فإذا كان الأمر كذلك فإن هذه الأحداث المختلفة وتقاليد الماضي البعيد الذي يمتد لفترة طويلة من التحول والاضطراب، والتي ووصلت لنا، أي الأحداث، ونجت من الضياع تعكس- في حقيقة الأمر بصورة متداخلة- الذاكرة الجمعية لمن يصفهم إسرءيليي القرن السابع ق.م عن هذا الماضي الأقدم الذي يتحدث عن أو يصف أو يفسر الدمار الذي عانت منه المدن الكنعانية والصراعات بين القبائل والعشائر البدوية الكنعانية وبين بني إسرءيل وكنعانيي الحواضر الفلسطينية آنذاك.
……
الفصل الثاني: دور علم الآثار في تقويم الإرث الكتابي عن “الأزمنة الأولى”
القسم الثاني: سرديات الآبار والخروج والغزو في ضوء علم الآثار/ عميحاي مزار
تبدو اليوم، مسائل أصول ونشأة إسرءيل وتبلورها، ككيان إثني أو جيوسياسي إثني، من بين أكثر المواضيع إثارة للجدل في تاريخ الكتاب. وكان شائعاً قبل سبعينيات القرن الماضي مطابقة فترة الآباء، وطريق الخروج، والغزو الإسرءيلي لكنعان من خلال العلاقة المباشرة مع المكتشفات الأثرية، بما يمثل ذلك من تفشي أجندة سائدة مهيمنة بين علماء كبار مثل وليم أولبرايت وأتباعه، وكذلك رولاند دو فو، ومؤسسي علم الآثار الكتابي في إسرائيل من بينهم بنيامين مزار، ويغال يادين، وغيرهما. وتعرضت هذه المقاربة، على مدى السنوات الثلاثين الماضية، إلى نقد شديد، وبات الكثير من العلماء ينظرون اليوم إلى هذه القصص باعتبارها إبداعات أدبية متأخرة مثقلة برسالة لاهوتية وإيديولوجية واضحة بقليل من القيمة التاريخية أو حتى بدونها. ولايزال يزعم المحافظون بأن العديد من هذه القصص تعكس الأحداث التاريخية الحقيقية، في الوقت الذي يؤكد فيه آخرون أنها تعكس وتحفظ مكونات معينة تضرب بجذورها في معيش الألفية الثانية ق.م. وما هو مقبول اليوم، من قبل معظم أهل الاختصاص، اعتبار هذه القصص، التي وصلتنا، على أنها نتاج عمل أدبي إسرءيلي ينتمي لعهد الملكية المتأخرة أو بعد ذلك. ومازال بالإمكان طرح أسئلة على شاكلة : إلى أي حد تحفظ هذه الأعمال الأدبية قصصاً قديمةً انتقلت شفوياً عبر الأجيال؟ وإلى أي مدى يمكننا مطابقة أي معيش من الألفية الثانية ق.م لهذه الروايات التوراتية في ضوء البحوث الأثرية الواسعة التي تجري في المنطقة؟
التقليد (الإرث) البطريركي
اشترك العديد من العلماء في السنوات السابقة لسبعينيات القرن الماضي في الاعتقاد السائد بأن البيئة الثقافية للعصر البرونزي الوسيط الثاني (حوالي 1800/1750–1550 ق.م) قدمت خلفية مناسبة لمعظم القصص البطريركي الواردة في سفر التكوين. وتظهر أرض كنعان، في هذه القصص، بامتلاكها ثقافة مزدهرة في المناطق الحضرية عبر وجود عشائر رعوية تسيح بين المدن المحصنة، وفي واقع الأمر كانت هذه هي الحالة خلال العصر البرونزي الوسيط الثاني. لقد كانت معظم المدن المذكورة في القصص البطريركية مثل، شكيم، بيتئيل، أورشليم، حبرون تشكل مواقع توطن حصينة في العصر البرونزي الوسيط. وتتماشى وقائع الألفية الثانية مع خلفية السرديات البطريركية: فالأسماء الشخصية في هذه الروايات ذات نمط “عموري” معروف منذ الألفية الثانية ق.م، ومن ثم فاسم يعقوب يظهر كمكون في اسم أحد حكام الهكسوس في مصر، فضلاً عن اسم مكان في قائمة تحتمس الثالث للمدن التي احتلها في كنعان، ولكن الاسم غير معروف في الألفية الأولى. وأظهر أرشيف الوثائق المسمارية في ماري على الفرات الأوسط (القرن 18 أو 17 ق.م) ونوزي (القرن 15 ق.م) وإيمار (القرن 13 ق.م) عن معلومات وفيرة حول البنية الإجتماعية، والعادات اليومية والطقوس والقوانين السائدة في ذلك الوقت. بعض منها تجد نظائر لها في سفر التكوين وغيره من أسفار التناخ، وتم تفسير رحلة إبراهيم من أور إلى حران ومن هناك إلى كنعان، كانعكاس للتواصل على طول الهلال الخصيب خلال العصر البرونزي الوسيط الثاني، وتم النظر إلى المكانة الرفيعة ليوسف في مصر على أنها تتناسب مع فترة الهكسوس عندما حكم الأمراء الساميون مصر السفلى، وأسسوا حكم الأسرة الخامسة عشر هناك في منتصف القرن السادس عشر إلى منتصف القرن الخامس عشر ق.م .كما اعتبرت العديد من الظواهر الأخرى في سفر التكوين، التي تنطبق على فترات لاحقة من المفارقات التاريخية التي أدخلها لاحقاً محررو وجامعو التقاليد الشفوية القديمة مثل: الاستخدام الواسع للجمال وظهور الآراميين والفلستيين في القصص البطريركية. غير أن، بذور هذه القصص اعتبرت، على وجه العموم، مرويات تضرب بجذورها عميقاً في أزمان العصر البرونزي الوسيط الثاني. وبصدد الاختلاف في هذه الفرضية، ظهر اقتراح من قبل الباحثين مثل مانفريد ويبيرت في ورقة نشرت في العام 1979 ق.م، يرى فيها أن الآباء ربما هم رعاة فعليين عاشوا على طريقة الشاسو Shasu، أو بدواً رحلاً كأولئك المشار إليهم في النصوص المصرية في العصر البرونزي الحديث، وهو عصر الدولة الحديثة في مصر من منتصف القرن السادس عشر إلى القرن الثاني عشر ق.م، الموازي لمعظم العصر البرونزي الحديث. وقوبلت هذه المقاربة بالاعتراض من طرف باحثين رأوا بأن هذه القصص تشكلت في فترة متأخرة جدا قريبة من زمن كتابتها. وكان بنيامين مزار قد اقترح، في العام 1963، جمع مادة سفر التكوين في بلاط الملكين داود وسليمان، وهي تعكس واقع عصرهما، أو من الفترة التي تسبق قليلاً عصر القضاة. وفي اثنتين من الدراسات التفصيلية خلال سبعينيات القرن الماضي اقترح كل من جون فان سيتر وتوماس طومسون، فترة السبي أو ما بعد السبي كتواريخ لإتمام التقاليد الكتابية، وتركز جدالهما في نفي أي تقارب بين هذه التقاليد مع أي خلفية تعود للألفية الثانية ق.م. وكان لوجهة نظرهما هذه تأثيراً واضحاً فيما بعد. ويحدد اليوم معظم العلماء، في واقع الأمر، التقليد البطريركي كابتكار متأخر لا يحمل أي صفة تاريخية.
ولكن ما زال هناك العديد من الأسئلة التي يمكن طرحها، مثل: متى ومع من نشأت هذه القصص؟ ما هي الخلفية التي أدت إلى تأليفها؟
ما زلت أعتقد بتقارب، لا يمكن تجاهله، بعض أوجه التشابه بين ثقافة الألفية الثانية ق.م للمشرق والخلفية الثقافية الواردة في قصص الآباء على النحو المذكور أعلاه. وأود الإشارة إلى أن بعض مكونات القصص الكتابية، التي ربما هي استذكار لذكريات راسخة من الألفية الثانية ق.م حفظت عن طريق ذاكرة مشتركة وتقاليد شفوية. وكان مقدراً لهذه القصص والتقاليد أن تنتقل شفوياً، على مدى عدة أجيال، حتى تم إقحامها في الرواية الكتابية في وقت ما خلال الألفية الأولى. والبعض الآخر، من هذه المكونات، يعكس الكثير من الحالات التاريخية اللاحقة المضافة. غير أن هذا لا يعني وجوب أخذ القصص في ظاهرها على أنها تعكس أعمال الناس الفعلية، ولا ينبغي أن تؤخذ حرفياً كانعكاس للتاريخ الفعلي لأسلاف الإسرءيليين. بل على العكس من ذلك، ربما يكون، في الواقع، هذا المظهر من جوانب القصص ابتكار لاحق. وأزعم هنا بأن بعض عناصر بيئة الألفية الثانية التي ذكرت أعلاه، مثل الأسماء الشخصية، وأسماء الأماكن، وموقع الأمير السامي في البلاط المصري [يقصد قصة يوسف الكتابية- المترجم]، ربما تلمح إلى احتواء هذه القصص على بذور تقاليد قديمة وقصص تضرب بجذورها في معيش الألفية الثانية، وكما سنرى أدناه فإن هذا الخط من الفكر يمكن أن يطبق على تقاليد الخروج والغزو .
الخروج
لا يتوفر لدينا دليل مباشر على إقامة الإسرءيليين في مصر، ولا على إمكانية استخراج قصة الخروج من الآثار. والدليل الوحيد الذي يمكن للمرء أن ينظر إليه بجدية يتوقف على الظروف، فضلاً عن اشتراطه توفر القرينة. فالقصة الكتابية عن العبرانيين الذين يعيشون في أرض جاسان (الدلتا الشرقية لمصر) في زمن الدولة المصرية الحديثة يمكن أن تفهم في سياق الأدلة الغنية عن السكان الساميين الغربيين الذين عاشوا في هذه المنطقة في معظم الألفية الثانية ق.م. وكما هو معروف الآن، أسس هؤلاء الساميون الغربيون الأسرة الخامسة عشر أو الهكسوس في مصر. كما عمل رعمسيس الثاني، الفرعون العظيم من الأسرة التاسعة عشر، خلال القرن الثالث عشر، ببناء مدينة جديدة دعيت “بي رعمسيس” قرب الموقع القديم لعاصمة الهكسوس في أفاريس. وكانت مدينة كبيرة مبنية من الطوب في منطقة عاش فيها أعداد كبيرة من الساميين الغربيين لعدة قرون. ربما تعكس القصة المذكورة في سفر الخروج تصوير اليهود كبناة لمدينة رعمسيس في القرن الثالث عشر. كما أن موضوع الهروب إلى صحراء سيناء أمر معروف هو أيضاً خلال هذه الفترة. حيث تصف البرديات مجموعات صغيرة من العبيد الهاربين إلى سيناء عبر منظومة التحصينات الشرقية لمصر، والتي تتطابق، قليلاً أو كثيراً، مع خط قناة السويس الحديثة. ومن المحتمل أن مصطلح الطريق “إلى أرض الفلستيين” المذكور في الإصحاح 13 من سفر الخروج يشير إلى الطريق المعروف عند المصرين باسم ” طريق حورس” الذي يمتد من أقصى الفرع الشرقي لدلتا النيل (الفرع البيلوسي Pelusiac ،وهو جاف اليوم) إلى غزة، المعقل الرئيس للمصريين في كنعان. [17 وَكَانَ لَمَّا أَطْلَقَ فِرْعَوْنُ الشَّعْبَ أَنَّ اللهَ لَمْ يَهْدِهِمْ فِي طَرِيقِ أَرْضِ الْفَلَسْطِينِيِّينَ مَعَ أَنَّهَا قَرِيبَةٌ، لأَنَّ اللهَ قَالَ: «لِئَلاَّ يَنْدَمَ الشَّعْبُ إِذَا رَأَوْا حَرْبًا وَيَرْجِعُوا إِلَى مِصْرَ»]. ويمثل الرسم الجداري النافر على السور الخارجي لمعبد أمون العائد للملك سيتي الأول (حوالي 1300 ق.م) أحد خرائط الطرق المبكرة في السجلات التاريخية الذي يصف أكثر من عشرين محطة على طول هذا الطريق شمال صحراء سيناء، ويتواجد في كل محطة حصن صغير وخزان للمياه. وكشفت، بالفعل، الأبحاث الأثرية في شمال سيناء وجنوب غزة عن بعض هذه الحصون. فالطريق كانت معروفة للمؤلفين الكتابيين، الذين، مع ذلك أطلقوا عليها اسم الفلستيين الذين احتلوا الساحل الجنوبي الغربي لفلسطين في وقت تأليف الكتاب. وقد كان على الإسرءيليين تجنب هذه الطريق المحصنة في شمال سيناء، كما فعل العبيد الهاربون من مصر المشار لهم في برديات يرجع تاريخها إلى نهاية عهد الدولة الحديثة المصرية.
ويمكن اعتبار هذه الإشارات كموازيات طوبولوجية لنشأة رواية حادثة الخروج. وعلى الرغم من ذخيرة أواخر الألفية الثانية من المرويات الكتابية، وبعض السمات الجغرافية في القصة المعروفة، تعد قصة الخروج أحد أبرز التقاليد في الذاكرة المشتركة الإسرءيلية التي لا يمكن قبولها كحدث تاريخي، ويجب أن تعرف بوصفها ملحمة وطنية. ولا نستطيع تصور أمة كاملة تجول في الصحراء لمدة أربعين عاما تحت قيادة موسى، كما وردت في التقليد الكتابي. ومع ذلك قد يكون تخميناً بأن هذا التقليد له جذور في تجرية جماعة معينة من العبيد الساميين الغربيين كانوا قد فروا من منطقة دلتا النيل إلى شمال سيناء في أواخر القرن الثالث عشر ق.م، مثلما يتوازى مع أحداث سجلت على برديات تعود لفترة الدولة الحديثة من مصر. وقد ضمت مثل هذه الجماعة ما يمكن أن يصبح الاتحاد الإسرءيلي جالبة معها قصة الخروج إلى جانب أفكار ديانة جديدة. ونحن كباحثين، لا يمكننا، على كل حال، تقديم أي أدلة على قصة الخروج كواقعة حدث بالفعل. كما لا يمكننا تحديد جبل سيناء وغيره من أسماء الأماكن في القصة، ولا أي بقايا من تلك الحقبة لا تزال موجودة في مكان ما في سيناء، بما في ذلك واحة قادش برنيع، التي تلعب دوراً مهماً في القصة. غير أنه يمكننا القول بأن قصة الخروج تعكس معرفة جيدة في الجغرافيا والظروف الطبيعية لشرقي الدلتا وشبه جزيرة سيناء والنقب وشرق الأردن. الأمر الذي دفع بمختلف العلماء للقيام بمحاولات عديدة لتحديد ملامح سمات جغرافية محددة تتعلق بمسار الخروج، مثل موقع جبل سيناء. إلا أنها قد تقدم تلميحاً عن أبكر تاريخ لظهور هذه القصة.
وفي نهاية المطاف، تم تحويل وتكييف القصة كمروية رئيسية عن عموم إسرءيل. وكانت تتوسع وتتغير هذه الرواية باستمرار خلال قرون عدة من التحول، حتى وصلت إلى ما نعرفه الآن بالكتاب بالعبري.
استمر البحث عن جبل سيناء منذ العصر البيزنطي، ويوجد على الأقل خمسة مواقع مختلفة مرشحة من مناطق سيناء والنقب وشمال غرب شبه الجزيرة العربية كمكان مقترح لهذا الجبل، ولكن أي منها لم يكن مقنعاً. وينبغي أن تترجم عبارة “البحر الأحمر Red Sea” الكتابية من العبرية إلى بحر القصب Sea of Reeds، وبالتالي فإن هذا الأخير يشير على الأرجح إلى بحيرة مياه عذبة. وهو ما ناقشه جيمس هوفماير في الآونة الأخيرة، حين اقترح مطابقة هذا البحر مع بحيرة مياه عذبة قديمة حدد موقعها بالقرب من الطرف الشمالي لقناة السويس. ولكن، حتى لو كانت هذه المطابقة صحيحة، فهي تؤكد فقط الخلفية الجغرافية والبيئية لهذه القصة، غير أنه لا يمكن التحقق من تاريخيتها كحدث مؤسس رئيس في تاريخ إسرءيل. وما يمكن قوله هنا في المجمل، هو أن قصة الخروج تتكأ على بعض ذكريات لها جذور تصل إلى وقائع القرن الثالث عشر ق.م. كما تستند إلى معرفة جيدة أكثر بالظروف الجغرافية و البيئية للأراضي التي تشتمل عليها الرواية. وتشير المكونات الأخرى لأدبيات الخروج المتعلقة بالنقب وشرق الأردن إلى ملامح لاحقة لم تنشأ قبل زمن الملكية الإسرءيلية (مثل مملكة أدوم) أو غير معروفة تماما في التاريخ الفعلي (مثل مملكة سيحون الأمورية). وبالتالي، تمتد جذور بعض التفاصيل في معيش القرن الثالث عشر مع أنها لا تؤكد تاريخية قصة الخروج.
تقليد الغزو
انجذب الآثاريون طويلاً لسرديات الغزو الوارد في سفر يشوع والقصص المشابهة في سفري العدد والقضاة. فالمدن المدمرة هي من بين الأشياء التي ينبغي على الآثاريين أن يكونوا قادرين على كشفها. وإذا كانت إسرءيل دمرت العديد من المدن الكنعانية حقاً، وفقا لمرويات الغزو المختلفة، (كما في سفر يشوع على وجه الخصوص، وليس الحصر)، فمن واجب الآثاريون أن يمتلكوا، إذن، القدرة على كشف تلك المدن المدمرة. ومال المؤرخون والآثاريون، في السنوات الأولى للآثاريات الكتابية، إلى قبول رواية الغزو كقيمة منيعة مقنعة. وعرض آثاريون مثل جون غارستانغ، وويليم أولبرايت ويغال يادين، وآخرين، الغزو الإسرءيلي للبلد كحدث قصير الأجل يمكن تحديده آثارياً. وربما كان يادين آخر من استعرض يشوع كبطل عسكري حقيقي قام بغزو مدينة إثر أخرى في كنعان حسب المرويات الكتابية. وبات واضحاً، منذ ستينيات القرن الماضي، أن هذا لم يكن واقعاً تاريخياً. فقد أظهرت التحقيقات الأثرية أن العديد من المواقع المذكورة في قصص الغزو لم تكن مأهولة خلال الفترة المفترضة للغزو حوالي 1200 ق.م. كما هو الحال لمواقع عراد وحشبون وعاي ويرموت Yarmuth [يتم مطابقتها تقليدياً مع موقع خربة يرموك على بعد 11 كم تقريباً إلى الشمال الشرقي من بيت جبرين]. وبعض المواقع الأخرى لم تكن سوى مواقع توطن صغيرة وغير مهمة في ذلك الوقت، مثل أريحا وربما حبرون. أما مواقع مثل لخيش وحاصور فقد كانت مدناً كنعانية مهمة فعلاً، بيد أن تدميرهما لم يكن جزء من عمل الجيش نظراً لأن هناك ما يقرب من مئة عام تفصل بين تدمير حاصور(منتصف القرن الثالث عشر ق.م) وتدمير لخيش (منتصف القرن الثاني عشر ق.م). علماً بأن الأدلة الأثرية في مواقع أخرى على درجة عالية من الضآلة. وبناء على ذلك بات من المقبول الآن للجميع تعارض علم الآثار في الواقع مع الوصف الكتابي للغزو الإسرءيلي كحدث تاريخي بارز بقيادة زعيم واحد. وينظر معظم علماء الجيل الأخير إلى مرويات الغزو كعمل أدبي يعود إلى زمن متأخر جدا الهدف منه تكريس قومية إسرءيلية وملحمة وطنية. ولكن، حتى هذه الرؤية لا تستبعد احتمال أن قصص غزو معينة تعكس صدى أحداث تاريخية معزولة فردية ربما وقعت خلال أواخر الألفية الثانية، ولو أن ذلك ربما لا يعني على وجه التحديد إسرءيل كأمة أو يشوع كقائد عسكري. وتمتلك قصصاً أخرى جوانب سببية تمتد جذورها في بعض الحالات التي تتعلق بفترة الاستيطان.
هناك عدة أمثلة يمكنها أن تقدم حالات اختبار أكثر تحديداً عن الكيفية التي تأخذ فيها ذكريات الماضي طريقها نحو السرد الكتابي لاحقاً. وفي معرض وصف الكتاب لتفاصيل غزو عاي، يشير إلى موقعها: “2 وَأَرْسَلَ يَشُوعُ رِجَالًا مِنْ أَرِيحَا إِلَى عَايَ الَّتِي عِنْدَ بَيْتِ آوِنَ شَرْقِيَّ بَيْتِ إِيلَ، وَكَلَّمَهُمْ قَائِلًا: «اصْعَدُوا تَجَسَّسُوا الأَرْضَ». فَصَعِدَ الرِّجَالُ وَتَجَسَّسُوا عَاي” (سفر يشوع7)، مفترضين صحة تطابق عاي مع موقع “التل” الحالي، وهو الموقع البارز الوحيد إلى الشرق من بيتئيل. غير أن اللقى الأثرية تنكر قصة غزوها المذكورة في كامل الإصحاح الثامن من سفر يشوع. فلم توجد أي مدينة تعود إلى العصر البرونزي الحديث في هذا المكان أو في الجوار، وبالتالي لا يمكن أن تكون رواية هذا الإصحاح عن الغزو مبنية على سند واقع تاريخي لموقعها الطبوغرافي أو المعقولية التكتيكية. ومع ذلك يمكن تفسير القصة في ضوء الأدلة الأثرية للموقع باعتبارها قصة سببية Aetiology. وقد بنيت قرية العصر الحديدي الأول فوق أطلال بارزة لمدينة أبكر محصنة تعود للألفية الثالثة ق.م (أو البرونزي الثالث)، ولا بد أن يكون سكان هذه القرية على علم بالحصن الأقدم، الذي دمر قبل أكثر من ألف عام مضى، والذي يمكن أن تكون بعض أجزاءه لم تنقب حتى اليوم. فمن المعقول أن نفترض بأن قصة غزو عاي تم اختلاقها من قبل مستوطني العصر الحديدي الثاني كنوع من تفسير البقايا الأثرية التي بنيت عليها قريتهم. وحيث أن الموقع قد هجر في نهاية العصر الحديد الأول، فربما تكون القصة السببية قد اختلقت خلال فترة التوطن (من القرن الثاني عشر حتى الحادي عشر ق.م) وانتقلت شفوياً لعدة قرون حتى وجدت طريقها الى السرد الكتابي للغزو. والمثال الثاني هو حاصور التي تعد أكبر مدينة كنعانية بمساحة تصل إلى نحو70 هكتار وأكبر بعدة مرات من أي مدينة كنعانية أخرى في المنطقة، وكانت عاصمة لدويلة تشهد عليها وثائق مصر وماري من الألفية الثانية ق.م. وتعريف حاصور بأنها رأس جميع الممالك في الإصحاح 11 من سفر يشوع: (10 ثُمَّ رَجَعَ يَشُوعُ فِي ذلِكَ الْوَقْتِ وَأَخَذَ حَاصُورَ وَضَرَبَ مَلِكَهَا بِالسَّيْفِ، لأَنَّ حَاصُورَ كَانَتْ قَبْلًا رَأْسَ جَمِيعِ تِلْكَ الْمَمَالِك) إنما يناسب وضعها في الألفية الثانية قبل الميلاد، وربما لم تكن مختلقة أثناء تأليف سفر يشوع في القرن السابع ق.م، أو في وقت لاحق حيث لم يكن لحاصور أهمية تذكر حينها. والإشارة إلى إحراق حاصور في سفر يشوع 11 :11 11 “وَضَرَبُوا كُلَّ نَفْسٍ بِهَا بِحَدِّ السَّيْفِ. حَرَّمُوهُمْ، وَلَمْ تَبْقَ نَسَمَةٌ، وَأَحْرَقَ حَاصُورَ بِالنَّارِ”. (وهي في هذا الصدد استثناء عن كل المدن الأخرى التي “غزيت”) تم تدعيمه عن طريق الأدلة الأثرية التي تشير إلى حدوث حريق هائل دمّر القصر الكنعاني والمعابد في المدينة في وقت ما خلال القرن الثالث عشر (ربما خلال النصف الأول منه). ولم يتردد يادين في تعريف الغزاة بالإسرءيليين بقيادة يشوع؛ ولم يجد أمنون بن تور المنقب الحالي للموقع أي مرشح مسؤول عن تدمير حاصور أكثر ملاءمة من الإسرءيليين أو “طلائع الإسرءيليين”. وسوف أقوم بتفسير الوصف الكتابي كانعكاس لذكريات تاريخية حول الحدث الأليم الذي أدى إلى دمار حاصور، أكبر مدينة في كنعان.
لقد كان من الممكن الإبقاء على هذه الذكريات بين السكان الكنعانيين الذين بقوا في البلد خلال القرنين الثاني عشر والحادي عشر ق.م، والتي دمجت في نهاية المطاف في تقليد إسرءيلي يعود للفترة الملكية المتأخرة، عندما كان ينسب الغزو الى يشوع. والمميز في الأمر هما هو أقدمية الذاكرة بحد ذاتها بالرغم من أن تحديد المسؤول عن تدمير حاصور القرن الثالث عشر ق.م لا يزال غامضاً. وثمة قصص غزو أخرى ليس لديها إثبات أو تفسير من أي نوع. وأحد الأمثلة على ذلك قضية عراد، حيث يصف سفر العدد الإسرءيليين كعابرين لمرتفعات النقب من قادش برنيع ويهاجمون “ملك الكنعانيين الذي في عراد في النقب” (الإصحاح 11 من سفر العدد: 3 فَسَمِعَ الرَّبُّ لِقَوْلِ إِسْرَائِيلَ، وَدَفَعَ الْكَنْعَانِيِّينَ، فَحَرَّمُوهُمْ وَمُدُنَهُمْ. فَدُعِيَ اسْمُ الْمَكَانِ «حُرْمَةَ».. 11 وَارْتَحَلُوا مِنْ أُوبُوتَ وَنَزَلُوا فِي عَيِّي عَبَارِيمَ فِي الْبَرِّيَّةِ، الَّتِي قُبَالَةَ مُوآبَ إِلَى شُرُوقِ الشَّمْسِ.). وطوال سنوات عديدة من البحث الأثري لم يتم الكشف في عراد، والمناطق المجاورة لها، عن توطن كنعاني في العصر البرونزي الحديث. وحاول يوحنان أهاروني، المنقب في عراد، عبثاً البحث عن موقع بديل لعراد الكنعانية. وكان جلّ ما وجده، بلدتين كنعانيتين صغيرتين تعودان للعصر البرونزي الوسيط في المنطقة. ومن السابق لأوانه ربطهما بقصة الغزو. أما بنيامين مزار فقد اقترح أن عبارة “ملك عراد” تشير إلى زعيم السكان البدو وشبه البدو، حيث لا بقايا مادية استمرت في الوجود. وهو التفسير المحتمل جداً. ومن المجدي أكثر القول بأن القصص الكتابية صيغت كابتكار أدبي متأخر دون أي قيمة تاريخية عندما ابتدأ الإسرءيليون بالتوطن في هذه المنطقة. وكما سنرى تالياً، تم توطن كل من قادش برنيع ومرتفعات النقب وعراد على نطاق واسع خلال القرن العاشر وخلال فترات الملكية المتأخرة، وهكذا ربما تكون قصة الغزو قد اختلقت ما يتعلق بعملية التوطن اللاحقة هذه. ويمكن دراسة أدبيات الغزو بشأن شرق الأردن على ضوء البيانات الأثرية المحدودة المتاحة. يسجل الإصحاح 21 من سفر العدد حروب الإسرءيليين ضد سيحون ملك الأموريين، وغزو حشبون.:(21 وَأَرْسَلَ إِسْرَائِيلُ رُسُلاً إِلَى سِيحُونَ مَلِكِ الأَمُورِيِّينَ قَائِلاً: 22«دَعْنِي أَمُرَّ فِي أَرْضِكَ. لاَ نَمِيلُ إِلَى حَقْل وَلاَ إِلَى كَرْمٍ وَلاَ نَشْرَبُ مَاءَ بِئْرٍ. فِي طَرِيقِ الْمَلِكِ نَمْشِي حَتَّى نَتَجَاوَزَ تُخُومَكَ». 23فَلَمْ يَسْمَحْ سِيحُونُ لإِسْرَائِيلَ بِالْمُرُورِ فِي تُخُومِهِ، بَلْ جَمَعَ سِيحُونُ جَمِيعَ قَوْمِهِ وَخَرَجَ لِلِقَاءِ إِسْرَائِيلَ إِلَى الْبَرِّيَّةِ، فَأَتَى إِلَى يَاهَصَ وَحَارَبَ إِسْرَائِيلَ. 24فَضَرَبَهُ إِسْرَائِيلُ بِحَدِّ السَّيْفِ وَمَلَكَ أَرْضَهُ مِنْ أَرْنُونَ إِلَى يَبُّوقَ إِلَى بَنِي عَمُّونَ. لأَنَّ تُخُمَ بَنِي عَمُّونَ كَانَ قَوِيًّا. 25فَأَخَذَ إِسْرَائِيلُ كُلَّ هذِهِ الْمُدُنِ، وَأَقَامَ إِسْرَائِيلُ فِي جَمِيعِ مُدُنِ الأَمُورِيِّينَ فِي حَشْبُونَ وَفِي كُلِّ قُرَاهَا. 26لأَنَّ حَشْبُونَ كَانَتْ مَدِينَةَ سِيحُونَ مَلِكِ الأَمُورِيِّينَ، وَكَانَ قَدْ حَارَبَ مَلِكَ مُوآبَ الأَوَّلَ وَأَخَذَ كُلَّ أَرْضِهِ مِنْ يَدِهِ حَتَّى أَرْنُونَ. 27لِذلِكَ يَقُولُ أَصْحَابُ الأَمْثَالِ: «اِيتُوا إِلَى حَشْبُونَ فَتُبْنَى، وَتُصْلَحَ مَدِينَةُ سِيحُونَ. 28لأَنَّ نَارًا خَرَجَتْ مِنْ حَشْبُونَ، لَهِيبًا مِنْ قَرْيَةِ سِيحُونَ. أَكَلَتْ عَارَ مُوآبَ. أَهْلَ مُرْتَفَعَاتِ أَرْنُونَ. 29وَيْلٌ لَكَ يَا مُوآبُ. هَلَكْتِ يَا أُمَّةَ كَمُوشَ. قَدْ صَيَّرَ بَنِيهِ هَارِبِينَ وَبَنَاتِهِ فِي السَّبْيِ لِمَلِكِ الأَمُورِيِّينَ سِيحُونَ. 30لكِنْ قَدْ رَمَيْنَاهُمْ. هَلَكَتْ حَشْبُونُ إِلَى دِيبُونَ. وَأَخْرَبْنَا إِلَى نُوفَحَ الَّتِي إِلَى مِيدَبَا». 31فَأَقَامَ إِسْرَائِيلُ فِي أَرْضِ الأَمُورِيِّينَ. 32وَأَرْسَلَ مُوسَى لِيَتَجَسَّسَ يَعْزِيرَ، فَأَخَذُوا قُرَاهَا وَطَرَدُوا الأَمُورِيِّينَ الَّذِينَ هُنَاكَ). وفي واقع الأمر تم تأريخ التوطنات المبكرة في حشبون (تل حسبان) إلى سويات العصر الحديدي الأول، غير أنه كانت هناك توطنات متفرقة. ولا توجد أدلة على “دولة” عمورية من أي نوع في هذه المنطقة، كما لا يوجد دليل على مملكة مؤابية تعود لنهاية العصر البرونزي الحديث، على الرغم من كشف البحوث الحالية في موآب عن عدة مواقع محصنة تعود بتاريخها إلى القرنين الثاني عشر والحادي عشر (انظر الفصل الثالث من هذا الكتاب).
ويقودنا هذا في بعض الحالات ربما إلى استنتاج مفاده وجود صراع صريح بين الاكتشافات الأثرية والمرويات الكتابية، بينما تظهر حالات أخرى عدم وجود تعارض بين المعطيات الأثرية وقصص الغزو. ولا يمكن لعلم الآثار أن يثبت أن قبائل بني إسرءيل هي المسؤولة عن تدمير مدن كنعانية معينة. فلم يحدث الدمار في كنعان نتيجة حملة عسكرية واحدة وواسعة. ويمكن القول، بدلاً من ذلك، بأن تدمير المدن الكنعانية جاء نتيجة عملية طويلة من الصراعات الإقليمية، الأمر الذي لا يمكن تحديده في الوقت الحاضر. ويبدو دمار المناطق المحلية مثل حاصور ناجم عن عوامل غير معروفة، أو عن صدامات بين العشائر المحلية أو المجموعات القبلية التي ربما شكلت لاحقاً جزءً من سكان المناطق الحضرية الكنعانية والإسرءيلية، ربما وجدت في نهاية المطاف طريقها إلى الذاكرة الجماعية للإسرءيليين. ويمكن فهم تقليد الغزو كانعكاس متداخل لعملية تاريخية طويلة ومعقدة للعديد من الدويلات الكنعانية التي أضعفت وأفقرت بسبب الهيمنة المصرية التي استمرت طوال ثلاثة قرون، دمرت هذه المدن خلال القرنين الثالث عشر والثاني عشر ق.م. وتجدر الإشارة إلى مثالين إضافيين للذكريات التاريخية الممكنة في السرد الكتابي. الأول هو المفهوم الذي يعبر به عن كنعان كبلد مقسم إلى العديد من الدويلات، وينعكس هذا المفهوم في مختلف قصص الغزو التي تشير إلى مدن و”ملوكها”، بالإضافة إلى أن الإصحاح 12 من سفر يشوع يسرد أسماء 31 ملكاً من ملوك كنعان: 7وَهؤُلاَءِ هُمْ مُلُوكُ الأَرْضِ الَّذِينَ ضَرَبَهُمْ يَشُوعُ وَبَنُو إِسْرَائِيلَ فِي عَبْرِ الأُرْدُنِّ غَرْبًا، مِنْ بَعْلِ جَادَ فِي بُقْعَةِ لُبْنَانَ إِلَى الْجَبَلِ الأَقْرَعِ الصَّاعِدِ إِلَى سَعِيرَ. وَأَعْطَاهَا يَشُوعُ لأَسْبَاطِ إِسْرَائِيلَ مِيرَاثًا حَسَبَ فِرَقِهِمْ، 8فِي الْجَبَلِ وَالسَّهْلِ وَالْعَرَبَةِ وَالسُّفُوحِ وَالْبَرِّيَّةِ وَالْجَنُوبِ: الْحِثِّيُّونَ وَالأَمُورِيُّونَ وَالْكَنْعَانِيُّونَ وَالْفَرِزِّيُّونَ وَالْحِوِّيُّونَ وَالْيَبُوسِيُّونَ. 9مَلِكُ أَرِيحَا وَاحِدٌ. مَلِكُ عَايَ الَّتِي بِجَانِبِ بَيْتِ إِيلَ وَاحِدٌ. 10مَلِكُ أُورُشَلِيمَ وَاحِدٌ. مَلِكُ حَبْرُونَ وَاحِدٌ. 11مَلِكُ يَرْمُوتَ وَاحِدٌ. مَلِكُ لَخِيشَ وَاحِدٌ. 12مَلِكُ عَجْلُونَ وَاحِدٌ. مَلِكُ جَازَرَ وَاحِدٌ. 13مَلِكُ دَبِيرَ وَاحِدٌ. مَلِكُ جَادَرَ وَاحِدٌ. 14مَلِكُ حُرْمَةَ وَاحِدٌ. مَلِكُ عِرَادَ وَاحِدٌ. 15مَلِكُ لِبْنَةَ وَاحِدٌ. مَلِكُ عَدُلّاَمَ وَاحِدٌ. 16مَلِكُ مَقِّيدَةَ وَاحِدٌ. مَلِكُ بَيْتِ إِيلَ وَاحِدٌ. 17مَلِكُ تَفُّوحَ وَاحِدٌ. مَلِكُ حَافَرَ وَاحِدٌ. 18مَلِكُ أَفِيقَ وَاحِدٌ. مَلِكُ لَشَّارُونَ وَاحِدٌ. 19مَلِكُ مَادُونَ وَاحِدٌ. مَلِكُ حَاصُورَ وَاحِدٌ. 20مَلِكُ شِمْرُونَ مَرَأُونَ وَاحِدٌ. مَلِكُ أَكْشَافَ وَاحِدٌ. 21مَلِكُ تَعْنَكَ وَاحِدٌ. مَلِكُ مَجِدُّو وَاحِدٌ. 22مَلِكُ قَادَشَ وَاحِدٌ. مَلِكُ يَقْنَعَامَ فِي كَرْمَلَ وَاحِدٌ. 23مَلِكُ دُوَرٍ فِي مُرْتَفَعَاتِ دُوَرٍ وَاحِدٌ. مَلِكُ جُويِيمَ فِي الْجِلْجَالِ وَاحِدٌ. 24مَلِكُ تِرْصَةَ وَاحِدٌ. جَمِيعُ الْمُلُوكِ وَاحِدٌ وَثَلاَثُونَ”. ويتوافق مثل هذا التركيب الجيوسياسي جيداً مع واقع كنعان في الألفية الثانية، بيد أنه من الصعوبة بمكان التعرف على هذا الواقع في فترة الحكم الملكي أو بعدها، حيث تم تدوين سفر يوشع. كما يصعب تصور قيام كاتب متأخر باختلاق مثل هذه الفكرة دون امتلاك بعضاً من ذكريات الماضي. وفي ذات الوقت، لا بد من الإشارة إلى عدم تلميح سفر يشوع أو أي تقليد إسرءيلي آخر بالإشارة إلى الواقعة “الحقيقة” التاريخية الكبرى من الألفية الثانية قبل الميلاد، وهي وقوع كنعان تحت السيطرة المصرية لمدة ثلاث مائة عاماً. والمثال الثاني هو قوائم الأراضي التي لم يتم غزوها في كنعان (كما هي مذكورة في سفر القضاة 1:27-35؛ وكذلك سفر يشوع 13 :2-6 ). وتشمل أساساً بيت شان وأودية يزرعيل والسهل الساحلي. إن مدناً مثل بيت شان، تعنّك، دور، جبلاعيم، مجدو، جزر، وعكا تجد مكاناً لها لدى محرري السفرين، فضلاً عن مدن في وادي أيالون وغيرهم. وأكدت التنقيبات الأثرية في العديد من هذه المدن، مثل تنقيبات بيت شان وتل رحوف Reḥov ومجدو ودور وجزر على استمرارية الثقافة الحضرية الكنعانية خلال العصر الحديدي الأول (القرنين الثاني عشر والحادي عشر ق.م). وبالتالي تمت مثل هذه التقاليد الكتابية بشكل يدعو للدهشة للواقع التاريخي لفترة ما قبل الملكية. كما تعتبر شكيم مثال آخر، رغم أنه أقل أماناً، فهذه المدينة التي تقع في قلب المنطقة المخصصة لعشائر وقبائل سبطي منسّى وأفرايم هي حسب التقليد الإسرءيلي المكان الذي تم فيه العهد بين أسباط إسرءيل وربهم [1 وَجَمَعَ يَشُوعُ جَمِيعَ أَسْبَاطِ إِسْرَائِيلَ إِلَى شَكِيمَ. وَدَعَا شُيُوخَ إِسْرَائِيلَ وَرُؤَسَاءَهُمْ وَقُضَاتَهُمْ وَعُرَفَاءَهُمْ فَمَثَلُوا أَمَامَ الرَّبِّ.2 وَقَالَ يَشُوعُ لِجَمِيعِ الشَّعْبِ: «هكَذَا قَالَ الرَّبُّ إِلهُ إِسْرَائِيلَ: آبَاؤُكُمْ سَكَنُوا فِي عَبْرِ النَّهْرِ مُنْذُ الدَّهْرِ. تَارَحُ أَبُو إِبْرَاهِيمَ وَأَبُو نَاحُورَ، وَعَبَدُوا آلِهَةً أُخْرَى.] (سفر يشوع 24). وتشير قصة أبيمالك (سفر القضاة 9) إلى بقاء السكان الكنعانيين المحليين في شكيم حتى مرحلة متأخرة من عصر القضاة. وقد واصلت شكيم، في واقع الأمر ،من وجهة نظر المنقبين، نموها وازدهارها حتى القرن الحادي عشر ق.م. وإذن، يمكن القول بإيجاز، أن علم الآثار الكتابي ينفي “الغزو الإسرءيلي” كحدث تاريخي، إلا أنه قد يلقي بعض الضوء على مختلف السبل التي تجذرت من خلالها ذكريات فعلية وأحداث تعود للألفية الثانية ق.م. لقد وجدت القصص المختلقة المبكرة وسببيتها، في مجملها، سبيلها لاحقاً لأن تكون “وعاء الذوبان” التالي الذي ندعوه اليوم بالخماسية وسفر يشوع.
……
العنوان الأصلي: THE QUEST FOR THE HISTORICAL ISRAEL: Debating Archaeology and the History of Early Israel
المؤلف: Israel Finkelstein and Amihai Mazar
الناشر: 2017 Society of Biblical Literature

عن محمود الصباغ

كاتب ومترجم من فلسطين

شاهد أيضاً

البحث عن إسرءيل: مناظرات حول علم الآثار وتاريخ إسرءيل الكتابية (4-1)

ترجمة: محمود الصباغ استهلال يفضل المؤرخ والآثاري الكتابي أن يتحرك في فضاءات أوائل العصر الحديدي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *