الرئيسية > تاريخ > الأركيولوجيا بين العلم والإيديولوجيا: العثور على أورشليم مثالاً (1)
غلاف الكتاب

الأركيولوجيا بين العلم والإيديولوجيا: العثور على أورشليم مثالاً (1)

ترجمة: محمود الصباغ

تمهيد

يعود اهتمامي القديم بالقدس إلى العام 1983، عندما وجدت نفسي لأول مرة في خنادق الحفريات قرب السور العثماني للمدينة. ودفعتني الرغبة في فهم تعقيدات جذوري -الدينية والثقافية والقومية- إلى ممارسة مهنة مكرسة لاستكشاف الحضارات القديمة من زاوية أكاديمية وتجريدية ومبعثرة تماماً  ومتطورة وعملية وملموسة في ذات الوقت، ولعب ماضي القدس وحاضرها دوراً مركزياً وثابتاً في تشكيل هذا المنظور المزدوج. ومن هنا، سمحت لي الأبعاد المادية والبصرية لمجالات علم الآثار والعمارة وتاريخ الفن بالتغلغل بعمق في الحقائق الملموسة للثقافات المتلاشية، والحفاظ، في الوقت عينة، على مسافة معينة وغموض فيما يتعلق بالواقع.  يمكن رؤية آثار القدس ولمسه، المادية منها والمجردة. ومع ذلك، فإن معرفتنا بالمواقع والمعالم الأثرية والمصنوعات تستند إلى بيانات غير كاملة وأفكار متصورة، وخلقت بعض هذه الأفكار والمعتقدات ذات الصلة إرثٌ عمره مئات وآلاف السنين، وأنتجت إبداعات دينية وفنية قيمة. ومع ذلك، فإن بعض منها تسبب في الصراع والعنف. هذا هو التفاعل والازدواجية التي أحاول تحريها في هذا الكتاب.

بدأت تدريس مادة علم الآثار في القدس في العام 1996، في مؤسستين أكاديميتين مختلفتين، المدرسة التوراتية والآثارية الفرنسية في القدس École biblique et archéologique française de Jérusalem ، التي أسسها في العام 1890 كاهن دومينيكي متخصص في علم الآثار والتفسير الكتابي، وفي مدرسة روثبرغ للدراسات الخارجية في الجامعة العبرية Rothberg School of Overseas Studies at the Hebrew University، أول جامعة يهودية في المدينة، التي تأسست في العام 1918. وجعلتني، هذه الفرصة الفريدة، على اتصال بطلاب من خلفيات قومية ودينية مختلفة، بما في ذلك إسرائيليين وفلسطينيين ويهود ومسيحيون ومسلمون. وقادني هذا التنوع إلى التعامل مع موضوع مثير للجدل إلى حد كبير بطريقة تتطلب التفحص الدقيق لجميع الحقائق والبيانات، باستخدام مجموعة من الأساليب التقليدية والمبتكرة للتحقيق وتقديم مجموعة متنوعة من التفسيرات التكميلية والمتباينة والمتعارضة. كان هدفي -وربما خوفي- أن أبقى موضوعيّةً دون الإساءة إلى النظرة الدينية و/أو السياسية لأي شخص. وشكّل هذا النموذج التعليمي أيضاً طبيعة فكتابي الذي شاركت في تأليفه هانز وولف بلدويدهورن (مع Hanswulf Bloedhorn) والذي كان بعنوان آثار القدس: من الأصول حتى العثمانيين، The Archaeology of Jerusalem: From the Origins to the Ottomans الصادر عن مطبوعات جامعة يال في العام 2013 . وعلى مدار سنين عديدة، علمتني المهمة الصعبة المتمثلة في التفاوض على الحقائق والخيال والبيانات والتفسير والموضوعية والتحيز مدى أهمية تأثير السياق الديني والاجتماعي والسياسي في القدس على النشاط الأثري والتفسير، وكيف أن العلم والإيديولوجيا كيانان مترابطان بشكل مدهش. لقد سمحت لي تجربة العيش والعمل والتعليم في كل من منطقتي القدس (الشرقية والغربية) والحفاظ على الحوار المستمر مع المجتمعات الأثرية الإسرائيلية والفلسطينية والدولية في المدينة، سمحت لي هذه التجرية باختبار واستكشاف وتحليل الأوضاع بشكل مباشر. بدلاً من إبعاد الأمور المثيرة للجدل والنزاع -الدينية والسياسية منها على حد سواء- والنأي بالنفس عنهما، وكان ذلك هو الهدف الأساسي لكتابي المشترك ذاك، آثار القدس  . أما هذا: الأركيولوجيا بين العلم والإيديولوجيا: العثور على أورشليم مثالاً Finding Jerusalem: Archaeology between Science and Ideology فهو محاولة لدراسة هذه الموضوعات بشكل مباشر، من أجل عرض وجهات النظر المختلفة وإدخالها في حوار. وأدرك، ومع ذلك، أن الموضوعية في حالة القدس هي مجرد وجهة نظر بصورة كبيرة، على الرغم من جهدي المستمر ورغبتي في أن أبقى، من ناحية، موضوعيّةً وعادلةّ في عرضي التقديمي وتحليلي, ومن ناحية أخرى، لا تقابل الموضوعية بطريقة ما نعنى الحيادية، ومن هذه الزاوية تمثل آثار القدس تشابكًا مشحونًا ومتعدد الأوجه عندما يتم الحديث عن  الحقائق والقيم.

انغمست منذ طفولتي وشبابي/ في ألمانيا وفرنسا، في الفكر الصهيوني، لكن سرعان ما تحطمت قناعاتي حول أحقية امتلاك اليهود يمتلكون لأرض إسرائيل عندما هجرت إلى إسرائيل وأنا في سن الثانية والعشرين. لقد علمت  مدى الارتباط التاريخي والديني-المشابه جداً لارتباطي في المنطقة- للفلسطينيين المسيحيين والمسلمين، الذين كانوا حاضرين بشكل متواضع فقط في السردية الذي تعرضتً لها. كما أدركتً أيضاً الظلم المتمثل في منحي الأولوية بسبب انتمائي الديني بكوني يهودية، بغض النظر عن تاريخ العائلة (الذي يمكنني تتبعه حتى القرن السادس عشر في أوروبا الشرقية)، لقد منحت امتيازات حرم منها  الفلسطينيون، الذين عاشوا في الأرض لعدة أجيال. وهكذا، على الرغم من جهودي المخلصة لدراسة ماضي القدس بطريقة مستنيرة وموضوعية، فإن نتيجة هذه الدراسة تعكس رحلتي الشخصية في البحث عن أهمية التقاليد والأساطير والدين والسجلات التاريخية والبيانات الأثرية والحزبية السياسية لجميع تلك الأمم التي تدعي التحالف وملكية أرض إسرائيل/فلسطين.

تعتبر الطبيعة المنحرفة والغموض لمصطلحات معينة أحد المجالات التي تعكس الطبيعة المتنازع عليها للصراع الإسرائيلي الفلسطيني الحالي، وغالباً ما تشير إلى رأي إيديولوجي أو سياسي أو ذاك. دون الخوض في المناقشات حول المصطلحات، إليكم سرد موجز للكلمات والتعابير التي أستخدمها في هذا الكتاب:

  1. تشير فلسطين إلى الكيان الجغرافي للمنطقة الأكبر التي تقع فيها القدس. منذ ظهور الاسم لأول مرة، في وثيقة قديمة كتبها هيرودوت في القرن الخامس ق.م، وصولاً لإحيائه كاسم مكان رسمي في بداية فترة الانتداب البريطاني، تغيرت الحدود الدقيقة بشكل متكرر.
  2. إسرائيل هو اسم المملكة المذكورة في الكتاب المقدس. كما هو اسم يشير إلى الدولة الحديثة، التي تأسست عام 1948. تغيرت حدود دولة إسرائيل مراراً وتكراراً منذ إنشائها وهي محل نزاع شديد.
  3. كان الإسرائيليون شعباً سامياً عاش، وفقاً للرواية التوراتية، في أجزاء من [أرض] كنعان منذ [زمن] الخروج (حوالي القرن الثاني عشر ق.م) وما بعده. حالياً يطلق اسم الإسرائيليون على مواطنين أو رعايا دولة إسرائيل الحديثة.
  4. في السياق الأحدث والمعاصر لهذه المخطوطة، أستخدم مصطلح فلسطيني للأشخاص الذين عاشوا في هذه المنطقة قبل إنشاء دولة إسرائيل، لأولئك الذين طردوا في عامي 1948 و 1967، للمسيحيين والمسلمين الذين استمروا في العيش داخل الحدود الحالية لإسرائيل، وأخيراً، لأولئك الذين يعيشون في الأراضي الفلسطينية (قطاع غزة والضفة الغربية، بما في ذلك القدس الشرقية).
  5. أستخدم المصطلح اليهودي المسيحي لتحديد الأصول المشتركة لليهود والمسيحيين في العصور القديمة، كما تشكلت على وجه التحديد بين القرنين الأول والرابع ق.م ، قبل صياغة أشكال أكثر تميزاً من الطقوس والمعتقدات. وسأستخدمه أيضاً، وبالتالي أشير إلى استخدامه، في السياق المعاصر لنشرها من قبل الإنجيليين الأمريكيين لتوفير أساس قائم على القيم لاهتمامهم باليهودية وتعاطفهم السياسي مع دولة إسرائيل. على الرغم من أن اهتمامهم بالإرث المسيحي للمدينة يتداخل بشكل واضح مع اهتمام المسيحيين الفلسطينيين، إلا أن الاصطفافات السياسية المختلفة لهاتين المجموعتين تؤثر على نظرتهم التراثية وبالتالي سياساتهم التراثية.
  6. اليهود والمسيحيون والمسلمون، المعروفون أيضاً باسم الديانات الإبراهيمية الثلاثة -مما يشير إلى أصولهم المشتركة ومعتقداتهم التوحيدية المتداخلة- يحددون الهويات الدينية للأبطال الرئيسيين لهذه الدراسة. على الرغم من استخدامهم بشكل متكرر في سياق سرد حصري (يهودي أو مسيحي أو مسلم) أو كمؤشر على تراث موحد، فلا ينبغي هذا الاستخدام أن يشير إلى تصنيفهم كفئة مجموعة متجانسة أو مصلحة متجانسة.
  7. على الرغم من أن النضالات الدينية والإيديولوجية في القدس خلال القرن الماضي عارضت في كثير من الأحيان العرب واليهود، فقد تأثر سكان القدس الآخرون أو شاركوا في هذه النزاعات، على سبيل المثال، الأرمن واليونانيين واليهود. الجاليات الاثيوبية. وبالتالي سأحدد الجماعات الإثنية والدينية المعينة قيد المناقشة.
  8. أعرّف الصراع بين الإسرائيليين والفلسطينيين على أنه “الصراع الإسرائيلي الفلسطيني” وأشير إلى المنطقة على أنها إسرائيل/فلسطين.
  9. مصطلح التطبيع، كما فهمته الغالبية العظمى من المجتمع المدني الفلسطيني منذ تشرين الثاني (نوفمبر) 2007 ، يعكس نية إسرائيل لتقديم الاحتلال على أنه دولة “طبيعية”.
  10. أستخدم مصطلح القدس الغربية للإشارة إلى الجزء من المدينة الذي ظل تحت السيطرة الإسرائيلية بعد الحرب العربية الإسرائيلية في العام 1948، والتي حددت خطوط وقف إطلاق النار الخاصة بها الحدود مع القدس الشرقية وبقية المدينة. وقعت القدس الشرقية بين عامي 1948 و 1967 تحت الوصاية الأردنية. وأدى احتلالها من قبل إسرائيل في حقبة ما بعد 1967 إلى تطور وتوسع هامين في المدينة (64 كم2).
  11. أقر الكنيست (البرلمان الإسرائيلي) في العام 1980 قانون القدس، الذي أعلن القدس عاصمة “كاملة وموحدة” لإسرائيل. أعلن قرار مجلس الأمن الدولي رقم 478 أن هذا الإجراء “باطل ولاغٍ”، ويعرّف القانون الدولي القدس الشرقية على أنها جزء من الضفة الغربية وأرض محتلة. ويعكس استخدامي لمصطلح “القدس الشرقية المحتلة” وجهة النظر الدولية.
  12. كثيراً ما يستخدم من قبل علماء الآثار العاملين في إسرائيل مصطلح “فترة لهيكل الأول” لتعريف الثقافة المادية للعصر الحديدي الثاني (حوالي القرن العاشر إلى 586 ق.م ) ومصطلح “فترة الهيكل الثاني” للإشارة إلى الثقافة المادية للفترات الهلنستية والرومانية المبكرة (حوالي 332 ق.م إلى 70 ق.م ). ونظراً لأن هذه المصطلحات تستند إلى مصادر مكتوبة لا تعكس المنطقة الجغرافية الأكبر المرتبطة بالتطورات المميزة والتغيرات في الثقافة المادية، فإن معظم الباحثين الأوروبيين، بالإضافة إلى عدد متزايد من العلماء الأمريكيين يتجنبون استخدام هذه المصطلحات. وأستخدم المصطلحين “فترة الهيكل الأول” و “فترة الهيكل الثاني” فقط في الأماكن التي يمثلان فيها التسمية التي اختارها عالم الآثار أو الباحث أو القيم الفني المرتبط بتفسير القطعة الأثرية أو الموقع المعني.

يبلغ حجم الأدبيات التي تتناول سياسات القدس والصراع الإسرائيلي الفلسطيني مدىً واسعاً للغاية بحيث لا يمكن الرجوع إليها هنا. غير أن الأكثر صلة بالدراسة الحالية هو الاهتمام المتزايد بين العلماء من خلفيات مختلفة في سياسة علم الآثار والتاريخ والتراث الثقافي للمدينة. ووأد تسليط الضوء على بعض المصادر المفيدة من بين المقالات والكتب العديدة التي نظرت فيها بشكل خاص والتي أغنتني ووجهتني، فعلى سبيل المثال: يبحث كتاب نيل آشر سيلبرمان “بحثاً عن إله ووطن” Digging for God and Country: Exploration, Archaeology and the Secret Struggle for the Holy Land, 17991917، في الاكتشافات الأثرية في المنطقة من وجهة نظر ثقافية واجتماعية سياسية نقدية، مع التركيز على الفترة العثمانية المتأخرة. وتستخدم ناديا أبو الحاج التحقيق الأنثروبولوجي للأعمال الأثرية الحديثة في المنطقة في كتابه حقائق على الأرض Facts on the Ground: Archaeological Practice and Territorial Self- Fashioning in Israeli Society ، بتطبيقها الرؤى المنهجية والنظرية المستقاة من الأدبيات العلمية الفلسفية والاجتماعية. أحد فصول أبو الحاج مخصص بشكل خاص للنشاط الأثري في القدس، مع التركيز على فترة ما بعد 1967 مباشرة حتى عام 1982.  أما راز كلتر فيدرس في كتابه صنع علم الآثار الإسرائيلي Just Past? The Making of Israeli Archaeology ، وثائق من أرشيف دولة إسرائيل حول الإعداد الإداري للنشاط الأثري في إسرائيل والضفة الغربية ويحلل الآليات التي تحكمت في تشكيل العمل الميداني والتفسير من خلال العوامل الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، ولا سيما خلال العقود الثلاثة الأولى بعد إنشاء دولة إسرائيل في العام 1948. أما المنشورات الأخرى الهامة التي تتناول الأدوار التي يلعبها علم الآثار والتراث الثقافي في الصراع الإقليمي بين إسرائيل وفلسطين فتشمل عمل المؤرخ ميرون بنفينيستي مدينة الحجر: التاريخ الخفي للقدس City of Stone: The Hidden History of Jerusalem ، وعمل الباحث السياسي مايكل دومير سياسات الفضاء المقدس Politics of Sacred Space: The Old City of Jerusalem in the Middle East Conflict  وكذلك الصراع على الأماكن المقدسة في القدس The Struggle for Jerusa­lem’s Holy Places لكل من ويندي بولان وماكسميليان ستيرينيرغ وليفكوس كيرياكو وكريغ لاركين ومايكل دومير, ويتحرى هذين الكتابين، بنجاح، دور العمارة والهوية العمرانية الحضرية فيما يتعلق بالاقتصاد السياسي للمدينة من منظار الأماكن المقدسة. ويبحث كتاب شموئيل بيركوفيتز حروب الأماكن المقدسة The Wars of the Holy Places: The Struggle Over Jerusalem and the Holy Sites in Israel, Judea, Samaria and the Gaza District  في أهم المواقع والمعالم الدينية والصراع الديني والسياسي ذي الصلة من وجهة نظر النظام القانوني الإسرائيلي. كما كانت المنشورات العديدة لرفائيل غرينبيرغ ويوناثان مزراحي حول دور علم الآثار في المجتمع الإسرائيلي وفي الصراع الإسرائيلي الفلسطيني مفيدة بشكل خاص لفهمي للعديد من القضايا في جوهر هذا الكتاب. وقد زودتني أعمال غرينبيرغ ومزراحي – بالإضافة إلى العديد من العلماء الآخرين الذين يعملون على القضايا ذاتها، بالبيانات والتأملات القيّمة، بخلاف العديد من المؤلفات التي نشرها علماء آثار، و معظم الدراسات الأخرى التي تتناول الجوانب السياسية للعمل الميداني الأثري والتفسير والعرض (التي أنتجها في الغالب المؤرخون وعلماء الأنثروبولوجيا والمهندسون المعماريون والمخططون الحضريون والعلماء الاجتماعيون والسياسيون)

تواريخ مهمة

العصر البرونزي: 3300-1200 ق.م

العصر الحديدي: 1200-586 ق.م

الفترات البابلية والفارسية: 586-539 ق.م

الفترة الهلنستية: 332 ق.م- 70 م

الفترة الرومانية: 70-324

الفترة البيزنطية: 324-638

الفترة الإسلامية المبكرة: 638-1099

الفترة الصليبية والأيوبية: 1099-1250

الفترة المملوكية: 1250-1516

الفترة العثمانية: 1516-1917

فترة الانتداب البريطاني: 1917-1947

التقسيم بين إسرائيل والأردن: 1947-1967

الحرب العربية الإسرائيلية: 1948 (بالعبرية المعروفة باسم حرب الاستقلال מלחמת ה’עצמאות ، وباللغة العربية باسم النكبة)

معركة القدس: 1948

اتفاقيات الهدنة: 1949

الحرب العربية الإسرائيلية: 1967 (بالعبرية المعروفة باسم  מלחמת ששת היא ימים، أو حرب الأيام الستة، وبالعربية باسم النكسة)

قانون القدس: 1980 (سنته إسرائيل لكن لم يعترف به القانون الدولي)

الانتفاضة الأولى: 1987-1991

اتفاق أوسلو الأول: 1993

اتفاقية أوسلو الثانية: 1995

قمة كامب ديفيد: 2000

الانتفاضة الثانية: 2000-2005 (المعروفة أيضاً باسم انتفاضة الأقصى)

بناء الجدار الفاصل: 2000–

المقدمة

آثاريات علم الآثار

لا يعني هذا الكتاب ” الأركيولوجيا بين العلم والإيديولوجيا: العثور على أورشليم مثالاً”، البتة، إعادة الحياة إلى الحجارة والجدران القديمة المدفونة تحت الأرض، ولا هو مغامرة البحث عن  كنوزٍ وآثار مدينة تبجلّها الديانات والتقاليد الإبراهيمية الثلاثة. والأهم من ذلك، لا يزعم أنه يحاول كشف الحقائق الكتابية، لكنه، كتابٌ، يقع بين العلم والإيديولوجيا، ويهتم بعلماء لآثار وأهل الاختصاص والباحثين والمؤسسات والهيئات الحكومية التي تعمل في تنقيب وتأويل ماضي مدينة القدس [أينما ورد الاسم Jerusalem، سوف نستخدم المقابل العربي “القدس” دون النظر إلى المقابل العبري” أورشليم” إلّا إذا اقتضت الضرورة- المترجم]، كما يتعامل مع من يدعمون ويراقبون ويعززون مساعي الإرث الثقافي، كما أنه يتحرّى الآثار المترتبة على الأفراد والمجتمعات والدول المتأثرة بعمليات النشاط الأثري. وأخيراً، يطمح، قدر الإمكان، إلى التفريق بين ما هو واقع وملموس ومادي من جهة، وبين ما هو متخيل ومخلوق ومحسوس من جهة أخرى. ويستطلع، بتعابير أكثر بعداً عن التجريد، تاريخ البعثات الأركيولوجية والمكتشفات وتأويلاتها في المدينة، في سياق السجالات الاجتماعية والسياسية والدينية، منذ منتصف القرن التاسع عشر حتى الوقت الحاضر، مع التركيز على مرحلة ما بعد العام 1967.

الشكل 1. منظر جوي لمدينة القدس القديمة ، باتجاه الشمال الشرقي. تصوير: حنان إسخار

فيدرس الأطر القانونية والمبادئ الأخلاقية التي حكمت النشاط الأركيولوجي، والخطاب المتنامي للإرث الثقافي، وكذلك مكانة علم الآثار في مختلف النظم و المؤسسات التعليمية في المدينة. كما يعمل على تحليل الصراع المستمر لاكتشاف وتعريف ماضي المدينة، بإظهار إرثها المادي والتاريخي وتعزيز مزاعم الشرعية العلمية والموضوعية إزاء تحديات الحماسة الدينية والتحزب السياسي المرتبطين ببعضهما البعض بصورة وثيقة، بطرق لا تقتصر بالضرورة على الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، الذي مازال قائماً حتى الساعة. ويمكن القول أن هدف وبؤرة هذه الدراسة، إنما تنصب بالدرجة الأولى، على موقع القدس التاريخية أو الحوض (المقدس)، الذي (يحتوي على البلدة القديمة والمنطقة المحيطة بها), والتي تعدُّ من أكثر مناطق العالم تعرضاً للتنقيب والبحث الكثيفين، وأحد أكثر المناطق المعقدة على الصعيدين الثقافي و التاريخي(1). (انظر شكل 1). وقاد وترأس عمليات التنقيب والبحث، على مدى حوالي قرن ونصف قبل اليوم، آثاريون  بارزون برعاية مؤسسات أكاديمية كبرى، متسلحين بمعايير وإجراءات مهنية سواء في العمل الميداني أو البحثي، بالإضافة إلى تنظيم مؤتمرات تعليمية وندوات وعروض لغير المختصين. ولم يمنع هذا، في ذات الوقت، من ظهور النزاعات الدينية والقومية بصورة مطّردة، التي ساهمت بدورها في طمس الخطوط بين الماضي والحاضر، وبين الحقيقة والخيال. فنادراً ما يتم تحدي مزاعم الإسرائيليين المعاصرين بأنهم أحفاد بني إسرائيل أو الحشمونيين، وأن المسيحيين الأوائل وطلائع الفاتحين المسلمين، هم الأسلاف المباشرين للفلسطينيين المعاصرين. فالعديد من عمليات النفي [السبي] والهجرة والتهجير والغزو والدمار والفناء، بالإضافة إلى العدد اللانهائي من الزيجات المختلطة والتداخل الثقافي والتحول الديني تجعل من الافتراضات السابقة نتاج واضح للتقاليد والمعتقدات الدينية بدلاً من كونها تستند إلى الاحتمال التاريخي. وبدلاً من تقديم مزاعم النسب المباشر، ينبغي إيلاء اهتمام أكبر للتشابهات الثقافية والدينية واستمراريتها، والتي غالباً ما تكون أكثر أهمية بين المجموعات الدينية المختلفة في السياق الجغرافي والزمني ذاته, وبدرجة أقل في نطاق عقيدة واحدة أو تقاليد دينية على مر مئات أو آلاف السنين.

وإذن، هذا الكتاب محاولة لخلق وضوح داخل المتاهة المربكة للمبادرات الأركيولوجية المستخدمة والتلاعب بها لتشكيل رأي عام محلي ودولي. ومثل هذا الأمر يدعونا، من خلال وضع مخطط لسجل الوقائع، إلى المشاركة في رحلة، متعددة الأوجه، عبر الزمن، والتي تعرف مكانياً بالعديد من الحدود والطبقات المتشابكة عمودياً وأفقياً، واستكشاف الفضاء المتخلل ضمن الآثار والصروح واللقى المادية المتلونة بالعديد من الثقافات والشعوب. تشكلت عمليات الحفر والمسح والبحوث في المدينة، منذ منتصف القرن التاسع وحتى بدايات القرن العشرين، بفضل الاهتمامات الاستعمارية الغربية في المنطقة، وجمعت ما بين الفضول العلمي والرغبة في تكريس الواقع المادي للكتاب المقدس العبري، وسرديات العهد الجديد. وكان لهذا النموذج من علم الآثار الكتابي، الذي بدأه مستكشفو القدس الكاثوليك والبروتستانت، أثرٌ كبير على المساعي الصهيونية المبكرة الطامحة إلى تكريس صلة مادية ملموسة تربط بين الجذور اليهودية المحلية والحضور اليهودي المتزايد في المدينة والمنطقة. وكان لمتابعة التحقيقات الأثرية تأثيراً، في بادئ الأمر، ثم بصورة مطّردة عبر  القرن العشرين، ليس فقط على الدوائر الأكاديمية والمتخصصة فحسب، بل على المجتمع بصورة أوسع، بشقيه المحلي والدولي. واكتمل هذا التأثير بعد قيام إسرائيل في العام 1948، ثم ازداد اكتمالاً بعد استيلاء إسرائيل على القدس الشرقية في العام 1967. وكان للواقع السياسي الجديد للاحتلال عواقب عملية وإدارية وقانونية وسياسية مختلفة على مجال عمل علم الآثار. فاحتكرت إسرائيل حصرياً، ومنذ العام 1967، أعمال التنقيب في المواقع الأثرية في القدس، مما سمح لهيئة آثار إسرائيل (عرفت قبل العام 1990 باسم دائرة إسرائيل للآثار والمتاحف)، باعتبارها وكالة حكومية، من العمل الميداني في القدس الشرقية وفقاً للمبادئ القانونية السارية في القدس الغربية(2). وأدانت اليونيسكو (منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم) هذه المبادرات الإسرائيلية واعتبرتها غير قانونية وفقاً لأحكام القانون الدولي، الذي يعتبر القدس الشرقية أرضاً محتلة.

وبسبب هذا الإطار السياسي للمدينة، مٌنع الفلسطينيون من القيام بأعمال حفر وتنقيب فيها، لرفضهم، بطبيعة الحال، للاحتلال، وفرض السيادة الإسرائيلية والإدارة الأثرية والتحكم بها. وهذا ما جعل المبادرات الفلسطينية المعنية بالتراث الثقافي الفلسطيني تتجه بالكامل، تقريباً، لإبراز الصروح ،لاسيما المباني المملوكية (1250-1516) والعثمانية(1516-1917)، المهيمنة حتى يومنا هذا على المشهد العمراني للبلدة القديمة. ومنذ تسعينيات القرن الماضي أخذ علم الآثار الإسرائيلي يأخذ منحىً تطورياً بالاستناد إلى معايير مهنية عالية(3)، بخلاف العديد من الحفريات الواسعة التي أجريت في القدس الشرقية في أعقاب حرب حزيران\يونيو 1967 مباشرةً، والتي سلطت الضوء على التراث اليهودي وصنفها بعض العلماء بأنها جهود قومية واستعمارية لبناء الدولة. وباتت تتميز أعمال الحفريات الأخيرة بمعالجة أكثر للحقب والثقافات المختلفة، وأظهرت، أيضاً، ووثّقت ملامح الإرث الثقافي الفلسطيني المميز، واشتملت على لقى ذات صلة بالمسيحيين والمسلمين على حد سواء(4). ومع ذلك سوف تبقى نتائج بحوث هذه المشاريع الميدانية متاحة، في أغلب الحالات، لدائرة صغيرة من الباحثين الآثاريين المتخصصين. كما لا تزال السردية الأكثر انتشاراً لتأويل للقى الأثرية، لاسيما، كما تم عرضها للعامة، واجتهد في طرحها، تتاخم الطموح الصهيوني القديم في تأمين صلة مباشرة بين ماضي بني إسرائيل وحاضر اليهود في المدينة. كانت الجهود الفلسطينية لإشراك علم الآثار كوسيلة للمطالبة بالسيادة على المدينة متواضعة نسبياً بالمقارنة مع الجهود الإسرائيلية، وساهمت عوامل عدة في الحد من نجاح فرصة تعزيز تقدير مادة وإرث ثقافي فلسطينية متميز(5)، ومن بين هذه العوامل: عدم وجود بلدية خاضعة للسيطرة الفلسطينية الرسمية، فضلاً عن التنسيق السيء والجهود التنافسية التي تبذلها كل من السلطة الفلسطينية والأوقاف المحلية والأردنية(6) دون أن ننسى الصعود الواضح للحركة الإسلامية في إسرائيل- وتعرف باسم الحركة الإسلامية في أراضي الـ 48-، وبالتالي، يقتصر النشاط الآثاري الفلسطيني في القدس على المسح والدراسة ومناقشة الصروح المعمارية الموجودة فوق الأرض أكثر من أعمال الحفر والتنقيب تحت الأرض في المواقع الأثرية.

……

تعتمد مقاربتي في هذا العمل على تقديم وتحليل آثار المدينة من حيث تاريخ الاستكشاف، بدلاً من فحص البقايا الأثرية وفقاً للتحقيب الزمني، وتاريخ توطن المدينة تسلسلياً: أفقياً تبعاً للمنطقة أو الموقع، وعمودياً تبعاً للطبقات والسويات- كما يقوم بذلك معظم علماء الآثار-. كما تبرز دراستي جهود علماء الآثار الذين استكشفوا الثقافة المادية للمدينة: مدارسهم وتدريبهم, وسياقاتهم الشخصية والثقافية والدينية والمهنية والمؤسساتية والقومية. بدلاً من افتراض أن الموضوعات المعروضة والبنى، وبشكل أكثر عمومية، الثقافة المادية لها طبيعة حقيقية ثابتة وجوهرية غير قابلة للجدل، يمكن عرضها وفهمها بطريقة متجانسة. وأزعم-هنا- أن معنى وتمايز اللقى والمواقع الأثرية يصاغ ويتشكل وفقاً للشخصية المميزة والفريدة للباحث الآثاري وسياقات التغير الاجتماعي الثقافي والسياسي الثابت. وبالتالي، سوف أستعرض تاريخ الحفريات في مستويات تراكمية وحقب وفترات ونماذج معرفية حصلت فيها أحدث الإنجازات بناء على إنجازات أقدم منها تعتمد عليها، بدلاً من سرد قصة الاستكشاف الأثري للقدس بطريقة تدريجية التي ينتج عنها رواية تنمو فيها المعرفة و المهنية باطراد، وفي الواقع, لا تحرر، تلك الإنجازات، نفسها تماماً من المكوّنات التي لا تنفصل عن العلم والإيديولوجيا.

ثبت أنه من الصعوبة بمكان أن يقوم التحفيز المتأصل لعلم الآثار لإظهار البينات المادية والملموسة، يهدف إلى إنتاج تحليل علمي للاكتشافات تقديم استعراض غير متحيز للبيانات والنتائج. فالأدلة الأثرية، بحد ذاتها، جزئية على الدوام وغير نقية، وتعتمد معرفتنا في المقام الأول -بغض النظر عن كيفية دقة وشمولية تحقيقاتنا- على الاستقراء والتأويل والخيال(7). وعلاوة على ذلك، ترتبط طموحاتنا، في حالة القدس، لتحسين معرفتنا عن تطور ثقافة المدينة، على الدوام باستيطان المدينة وامتلاك الأرض: للاستحواذ- قانونياً وذهنياً-ليس على ما هو مرئي وملموس من الأرض, بل وربما الأهم من ذلك، على الجذور الخفية المدفونة تحت الأرض، مجازاً وفعلياً على حد سواء. وترتبط المعرفة والتقدم والفضول العلميين باستمرار في ممارسة السلطة والسيادة اجتماعياً ودينياً وسياسياً. واعتمدت لتنقيبات الأثرية والتأويلات منذ نشأتها، في القدس، كما هو الحال في أماكن أخرى، على تطبيق العلم والممارسات الإقصائية. واحتفظ هذا الترابط بين العلم والسلطة والإيديولوجيا -الذي حدّد شكل المجال وعلاقته بالكيانات السياسية والدينية والقومية المختلفة- على تقدمه، بدلاً من التراجع بمرور الوقت، وفي الواقع, وصل إلى آفاق جديدة في الصراع المتصاعد بين الإسرائيليين والفلسطينيين. ولا يزال من الصعوبة بمكان السيطرة على فئات العلم والإيديولوجيا، ومما يزيد من ذلك عندما -كما هو الحال هنا- التراكب المتبادل. وسوف أسمح لنفسي، بعيداً عن أي استهلال تأملي في المؤلفات الضخمة المتعلقة بهذا الموضوع، أن اصف استخدامي لمصطلح “العلوم” لوصف الممارسة أو الخطاب الذي يوضح البحث عن الموضوعية من خلال إخضاع نفسه للمراجعة والتصحيح والتحقق أو التحقق من الصحة أو التزوير.  تتفهم المزاعم العلمية أسباب زوالها، كما يجادل ماكس ويبر في “العلم كمهنة”(8). وتسعى، من ناحية أخرى، الإيديولوجيا إلى المصداقية لجهة تمثلها لباس العالم، لكن مزاعمها الحقيقة الخاصة بها تستند إلى استراتيجيات الاهتمام أكثر منها إلى استراتيجيات التحليل الموضوعي, وهذه فجوة يمكن أن تكون مقصودة أو غير مقصودة, واعية أو غير واعية.

…….

يتم تأطير استفساري تحقيبياً من خلال أربع مراحل, بدءّ من علم الآثار الاستعماري  ما بين 1850-1851 و1948، وصولاً إلى مرحلة علم الآثار القومي (النيو كولونيالي) من 1948 حتى1967، ويندرج فهمي للعقود ما بين 1967 و 1996 ضمن إطار الازدواجية بين علم الآثار والاحتلال، يليها فترة علم آثار الاحتلال وهي الفترة التي تمتد حتى الوقت الحاضر. ويبدأ الإطار التاريخي لـ علم الآثار الكولونيالي  مع أعمال التنقيب الأولى في مدينة القدس على يد جامع العملات الفرنسي فيليكس دو سولسي في الفترة 1850-1851، وينتهي مع قيام إسرائيل في العام 1948، وتتميز هذه الفترة من التنقيب الأثري بالحكم الاستعماري لفلسطين، والانتقال من العقود القليلة الأخيرة من الحكم العثماني إلى الانتداب البريطاني الكامل (الإدارة المدنية البريطانية في فلسطين بين 1920 و1948). أجريت معظم الحملات الاستكشافية، طوال هذه الفترة، في القدس على يد رجال غربيين متعلمين ومميزين, وبدون أي مشاركة من السكان الأصليين، وخلال هذه الفترة ومن سياقها وُلد علم الآثار الكتابي وصورة المستكشف الذي يحمل “المعول بيد والكتاب المقدس باليد الأخرى”. يصف نيل آشر سيلبرمان العلاقة بين المعتقد الديني والطموح السياسي في حيز عمليات التنقيب في الحقبة العثمانية الأخيرة بأنها علاقة ” تنقيب بحثاً عن إله ووطن”, وهي علاقة مزج استمرت تصوغ العمل الأثري خلال فترة الانتداب، على الرغم من تميزه بأكثر الممارسات تنظيماً ومهنية. وخلال الفترة ما بين 1948 و1967، وهي الفترة التي شهدت ظهور علم الآثار القومي (النيوكولونيالي) شهدت أيضاً انقسام المدينة إلى قدس شرقية تحت الحكم الأردني وقدس غربية تسيطر عليها إسرائيل(9). لم تتغير أحكام وإجراءات علم الآثار خلال هذه السنوات إلّا قليلاً، على الرغم من التحول السياسي والإداري، وبقي قسم الآثار في الأردن في يد علماء الآثار البريطانيين، كما عملت الإدارة الإسرائيلية للآثار والمتاحف بقيادة وتوجيه علماء آثار يهود. واستمر حقل علم الآثار الكتابي منصباً في تركيزه على الاستكشافات، مع زاوية الرؤية الأصلية، الكاثوليكية والبروتستانتية شبه الحصرية تقريباً، والتي وقفت رسمياً مع الجانب الإسرائيلي بتبنيها وجهات نظر واهتمامات يهودية. وتابع علم الآثار عمله باعتباره مؤسسة غربية سواء في شكل نموذجه أم في أسس عمله، على الرغم من أن  إسرائيل والأردن يريان أنفسهما مالكين أصليين للأرض وأصحاب حق في الحفر، واستمر الأفراد المتخصصون في الخارج هم من يقودوا العمل الميداني والبحوث بالدرجة الأولى.

يبدأ علم آثار الاحتلال في العام 1967 عندما استولت إسرائيل على القدس الشرقية ومدّدت حدود بلدية المدينة إلى المناطق القريبة منها، وإلى قرى فلسطينية أخرى. وأدارت ونفذت دائرة الآثار والمتاحف الإسرائيلية (هيئة آثار إسرائيل اعتباراً من العام 1990) جميع عمليات التنقيب والمسوحات الأثرية في المدينة منذ ذلك الحين. وتركزت غالبية المشاريع الميدانية على المدينة القديمة ومحيطها المباشر الذي يقع داخل القطاع المحتل من المدينة، وترافقت المشاريع الأثرية الضخمة في المدينة مع سياسات الاحتلال الإسرائيلي، التي حرضت على إنشاء المستوطنات اليهودية وهدم منازل الفلسطينيين وبناء المنتزهات والمؤسسات القومية [الإسرائيلية]، وأظهرت ناديا أبو الحاج في كتابها “حقائق على الأرض”  كيف كان يتم تسليط الضوء على الطبقات والاكتشافات ذات الصلة، في الغالب، بالرواية اليهودية\ الإسرائيلية للمدينة، ولاسيما في القدس الشرقية، وكيف يقوم علماء الآثار بإنتاج اكتشافات غالباً ما يتم تقديمها على أنها دليل ملموس على حق إسرائيل في العودة إلى وطن الأجداد. وكان الصراع الإسرائيلي الفلسطيني قد وصل إلى آفاق جديدة مما عزز من صعود الحركات الدينية والقومية المتطرفة من كلا الجانبين، رغم الجهود المتكررة من قبل المجتمع الدولي لتعزيز مفاوضات السلام في المنطقة (اتفاقيات أوسلو 1993 و1995 وقمة كامب ديفيد 2000) خلال الفترة التي أعقبت فوز بنيامين نتنياهو بانتخابات العام 1996. وظل الجزء الأكبر من مفاوضات الوضع النهائي للقدس على الطاولة، ولكن استمر تنسيق الاستثمار في المستوطنات اليهودية وهدم منازل الفلسطينيين والمواقع الأثرية وتطوير السياحة في القدس الشرقية بما يشير إلى تمسك إسرائيل بسياستها الاحتلالية.

يتم مطابقة علم آثار الاحتلال منذ العام 1996 وحتى الوقت الحالي، مع إنشاء الهيئة الإسرائيلية للمنتزهات والطبيعة وهيئة آثار إسرائيل ومؤسسة إلعاد (وتعرف بمؤسسة “عير دافيد”)  والمنظمات الإسرائيلية الاستيطانية غير الحكومية والتي تتعاون وتنسق بشكل وثيق لتحديد المواقع الأثرية في القدس الشرقية. وتضاءلت على نحو متزايد قدرة اليونيسكو على مواجهة احتكار إسرائيل لقرارات التراث الثقافي في سياق المناخ السياسي المتقلب. وظهر الفلسطينيون كمشاهدين سلبيين رغم انخراطهم في مسائل التراث الثقافي، وظلت مناطق قليلة متاحة للتنقيب مع توسع المناطق السكانية والأبنية في البلدة القديمة ومحيطها المباشر. وبدلاً من خلق “الحقائق على الأرض” حدث تحول بإنتاج “الحقائق على الأرض”. في معظم الأنشطة وكانت الحفريات الواسعة لإنشاء الأنفاق التي أجريت تحت رعاية سلطة الآثار الإسرائيلية من بين أكثر الأعمال إثارة للجدل لأنها ساهمت في تحوّل المشهد التاريخي في القدس، فضلاً عن الأبنية تحت المصلى المرواني بمبادرة من الحركة الإسلامية في إسرائيل (الحركة الإسلامية في أراضي الـ 48). وعلى الرغم من إصرار إسرائيل بأن جميع الحفريات التي تم إجراؤها في القدس الشرقية منذ العام 1967 هي “حفريات إنقاذ أو نجدة”- وتقول أنها تتم فقط لحماية أو إنقاذ موقع مهدد بالتخريب بسبب الأشغال المتنامية- أصبح من الواضح جداً أن جميع جهود التنقيب، تقريباً، في الحوض التاريخي مرتبطة، بشكل مباشر أو غير مباشر، بسياسة الاحتلال الإسرائيلية، واتخذ العمل السياسي للاحتلال والملكية المزعومة أبعاداً جديدةً تتجاوز سطح الواقع الحالي لمدينة مزدحمة العمران وكثيفة السكان.

……..

انتظمت الفصول التسعة لهذا لكتاب على خلفية هذا الإطار، في ثلاثة أجزاء، كُرّس كل جزء إلى فك تشابكات التعقيد حول أصل المدينة المتنازع عليها عالمياً وعلى تراثها -المواجهة بين العلم والدين والعقيدة وعلم الآثار. ويوضح الجزء الأول الخلفية المادية والتاريخية للدراسة، حيث يقدم الفصل الأول وصفاً للمشهد الطبيعي، يلخص الخصائص الطوبوغرافية والجغرافية للحوض التاريخي، ويرسم حدود المدينة المتغيرة باستمرار وكذلك الحواجز والجدران التي تعود للعصر البرونزي وحتى الوقت الحاضر، ويظهر الفصل الثاني استطلاعات عملية مأسسة التنقيب الأثري في المدينة، وتوضيح التداخل المستمر بين علم الآثار والعلوم والتكنولوجيا من خلال تسليط الضوء على العديد من الحفريات والمسوحات الرئيسية، وبعض الأفراد والمؤسسات والهيئات الحكومية الأكثر اسطورية الذين أداروا العمل في هذا المجال.

ويتعمق الجزء الثاني في قضايا التراث متعدد الأوجه للمدينة، استناداً على خلفية المعلومات المقدمة في الجزء الأول، لاسيما ازدياد هذه القضايا، من بين أمور أخرى، من خلال الدعاوى الدولية الأخيرة التي تشكك في ملكية الآثار حول العالم. وقد يساهم تزايد الوعي لمضار النشاط الأثري على المناظر الطبيعية والحضرية، في الدعوة إلى القيام بأعمال التنقيب إجراءاته والترميم وفقاً للمعايير الدولية المتعلقة بالمبادئ الثقافية والعلمية والإثنية، لاسيما ازدياد الاهتمام بهذا الأمر في الأوساط الأكاديمية في أمريكا الشمالية وأوروبا، نتيجة الدمار الهائل الذي تسببت فيه الحربين العالميتين الأولى والثانية. تأخرت إضافة البلدة القديمة في القدس إلى قائمة التراث العالمي لليونيسكو حتى العام 1981، على الرغم من الاعتراف بأهمية الإرث الثقافي للقدس في سياق التراث العالمي منذ أمد طويل من بداية الاستكشاف الأثري. وعلى الرغم من أن الانخراط الدولي في إدارة التراث الثقافي للقدس، إلّا أن القوات الإسرائيلية واصلت العمل بطريقة مستقلة تماماً. ويبدو أن سياسات التدمير والاحتفاظ تعكس  السياسية المحلية الندية المتنافسة  أكثر ما تعكس موروثات التراث العالمي.

يبحث الفصل الثالث في الأدوار التي لعبتها هيئة آثار إسرائيل، ومؤسسة الوقف ومنظمة اليونيسكو- بالإضافة إلى العديد من المنظمات الإسرائيلية والفلسطينية والدولية- في تشكيل تصورات التراث الثقافي وبرامج الحفظ. ويوضح أيضاً نظام الحكم الإداري المعقد للتراث الثقافي للمدينة في سياق نهجين مختلفين: التنقيب والتدخل المتطفل المحتمل في حالة المواقع تحت الأرض, والعمل السطحي الترميمي إلى حد كبير الذي ينطوي عليه التراث المبني، سواء كان مباني محلية أم صروح.

ويستعرض الفصل الرابع عرض المواقع الأثرية والتحف كوسيلة فعالة لنشر العمل الاحترافي والعلمي للجمهور الأوسع، ويتحرى الطرق المختلفة للعرض التي تعكس أنماط السجالات الدينية والإيديولوجية. تم دمج المواقع والمعالم الأثرية -بعضها داخل المدينة القديمة، وبعضها يقع في المنتزهات الوطنية المحددة في القدس الغربية- في المشهد الحضري العمراني للمدينةـ، وبالتالي، باتت تشكل جزءً حيوياً من المدينة المعاصرة، ويمكن مشاهدة العديد من القطع الأثرية ذات الأصل المقدسي الواضح في سياق العديد من المعروضات الدائمة أو الدوارة المعروضة في المتحف الإسلامي للحرم الشريف، ومتحف الآثار الفلسطيني، ومتحف إسرائيل، ومتحف أرض الكتاب المقدس ومتحف برج داود.

يتعرض الفصل الخامس إلى كيفية مساهمة التاريخ الحديث للمدينة وتقسيماتها الجغرافية والثقافية في تعقيد النظم التعليمية العاملة في مجال علم الآثار والتي تشمل المؤسسات الأجنبية العديدة في المدينة المكرسة لدراسة وبحوث علم الآثار مثل المدرسة الفرنسية للكتاب المقدس والآثار École biblique et archéologique français؛ ومعهد وليام فوكسويل أولبرايت؛ والمعهد الألماني البروتستانتي لآثار الأرض المقدسة Deutsches Evangelisches Institut für Altertumswis¬senschaft des Heiligen Landes ؛ ومعهد كينيون؛ ومدرسة الفرنسيسكان التوراتية Studium Biblicum Franciscanum ؛ وهذه جميعها أنشأت في مطلع القرن العشرين وما زالت مراكز تعليمية نشطة حتى يومنا هذا. وأول المؤسسات اليهودية في المدينة المخصصة لمجال الآثار، كانت الجمعية العبرية لاستكشاف أرض إسرائيل وآثارها Hebrew Society for the Exploration of Eretz-Israel and Its Antiquities  والتي صار اسمها منذ العام 1948، جمعية استكشاف إسرائيل Israel Exploration Society ، وكذلك معهد الآثار في الجامعة العبرية Institute of Archaeology at the Hebrew University ، وكلاهما لا يزالان يشتركان في العمل الميداني والبحث والتعليم في هذا المجال. ويمثل معهد الآثار بجامعة القدس Al-Quds University’s Institute of Archaeology ومركز دراسات القدس Center for Jerusalem Studies ووحدة الدراسات الأثرية في القدس Jerusalem Archaeological Studies Unit من المؤسسات الأكاديمية الفلسطينية الرائدة المكرسة للتعلم والتدريس في هذا المجال. مناهج معهد ياد إسحاق بن تسفي Yad Izhak Ben-Zvi Institute؛ بالإضافة إلى أقسام التعليم في هيئة آثار إسرائيل، ومتحف إسرائيل، ومتحف أرض الكتاب المقدس، ومتحف برج داوود، وميغاليم Megalim (المعروف أيضاً باسم معهد مدينة داوود لدراسات القدس City of David Institute for Jerusalem Studies) ، يتم استثمارها جميعها، بشكل أساسي في نشر المعرفة بين أوسع جمهور يهودي وإسرائيلي. ومنذ أن أصبح العمل الميداني والأنشطة الأخرى ذات الصلة في القدس اعتباراً من العام 1967 مجالاً حصرياً تقريباً لعلماء الآثار الإسرائيليين، أصبح الخبراء الإسرائيليون مسؤولون تقريباً عن تقديم أهم المساهمات في التثقيف الأثري والمعرفة العامة والرأي.

يركز الفصل السادس على الأخلاقيات الأثرية، وتحري التدقيق في الأساليب والسياسات الحالية للتنقيب والتوثيق والحفظ؛ وفحص قوانين وممارسات تجارة الآثار وسوق المنتجات المقلدة والمزورة المرتبطة بها، وأخيراً، تحليل الخلافات حول حفر المدافن القديمة. ومنذ أوائل الثمانينيات من القرن الماضي، وضعت الجمعيات العديدة مدونات قواعد السلوك التي تصوغ المعايير العلمية والأخلاقية للبحث في الآثار. وتعرضت العديد من المشاريع الأثرية في القدس إلى انتقادات واسعة لعدم اتباعها لهذه الإرشادات والمبادئ التوجيهية. من بينها الحفريات في مدينة داود / سلوان، التي استؤنفت في أوائل التسعينيات، وكان هذا الحدث المروع قد تعرض لعدة انتقادات بسبب أساليبه القديمة، بما في ذلك حفر الأنفاق، وما نتج عنها من زعزعة استقرار البناء الحديث وإقصاء وحتى مضايقة السكان الفلسطينيين في الحي. وتتعلق المسائل الأخلاقية، أيضاً، بالجوانب التجارية للقطع الأثرية. ووفقاً لقانون تم تطبيقه في العام 1978، تعتبر تجارة الآثار في إسرائيل قانونية، وهو وضع يشجع، وفقاً للبعض، على التجريف غير القانوني للآثار ونهبها. أثر هذا النشاط أيضاً على السوق المحلية في المنتجات المقلدة والمزورة، والتي تمثلت أهم فصولها في القصة الأثرية سيئة السمعة عن تابوت عظام “يعقوب (البار)، شقيق يسوع”. لا تعزز ازدهار تجارة الآثار، الذي تحفزه الادعاءات المثيرة للاكتشافات والتحف اليهودية والمسيحية، صناعة السياحة فحسب، بل تظهر أيضاً عواقب إيديولوجية كبيرة. وأخيراً، هناك مبادرات أخرى تثير مخاوف أخلاقية تتمثل في التنقيب عن الرفات البشرية والتدنيس المحتمل وإعادة دفن الرفات البشرية في القدس، مما أدى إلى مناقشات ساخنة واحتجاجات متكررة وأعمال عنف عرضية. ووصلت الأعمال العدائية بين علماء الآثار والجماعات اليهودية الأرثوذكسية المتطرفة، التي حرضت عليها أعمال التنقيب عن المقابر اليهودية من العصر الروماني في حي التلة الفرنسية بالقدس الحديثة، إلى ذروتها في العام 1992. وأصدرت الحكومة الإسرائيلية، بعد هذه الاشتباكات، توجيهات قانونية جديدة، تقييد بشدة الدراسة العلمية لعظام الإنسان. ووافقت السلطات، في غضون ذلك في العام 2011، على بناء متحف التسامح من قبل مركز سيمون فيزنتال على رض المقبرة الإسلامية التاريخية “مأمن الله”. تعرض المشروع لإدانات واسعة لإنكاره الأثر الديني والثقافي والتاريخي لموقع ذي أهمية للمسلمين.

بناءً على المناقشات الواردة في الجزء الثاني، ينتقل الجزء الثالث، بعد ذلك، إلى تقديم نظرة أكثر تفصيلاً لثلاثة مواقع مثيرة للجدل للغاية -مدينة داود/سلوان، وكنيسة القيامة، وجبل الهيكل/الحرم الشريف -لاستكشاف مدى تأثير المعتقدات الدينية والخطابات الإيديولوجية على التنقيب والتفسير الأثريين، ويقدم الفصل السابع تقارير عن الحفريات المبكرة والحديثة والحالية في مدينة داود/سلوان تفند مزاعم الحياد العلمي لهذه الحفريات. ويعتمد جزء من المناقشة على نتائج العمل الميداني من وجهة نظر مهنية، وتقويم الخطاب الأكاديمي حول الثقافة المادية وكذلك التقويمات الطوبولوجية والتحقيبية ذات الصلة. كما يدرس  الطريقة التي ساهمت بها المسوحات والحفريات التي أجريت في المنطقة على مدى أكثر من 150 عاماً بمعرفتنا عن القدس في العصرين البرونزي والحديدي، وكيف تغيرت المفاهيم بمرور الوقت، ولماذا أدت نفس الأدلة المادية إلى تفسيرات متنوعة وأحياناً متعارضة. وتم تخصيص الجزء الأكبر من هذا الفصل لتحليل متعمق للسبل التي أدت إلى تعرض المقاربات الأثرية للمخاطر بسبب الأجندات الدينية والسياسية. ويتابع هذا الفصل استعراض وتقويم الأنشطة الأخيرة لمنظمة إلعاد -وانخراطها في العمل الميداني، والبحث العلمي، وإدارة الموقع، والتعليم- بشكل مستقل، وأيضاً في ضوء الانتقادات الأخيرة التي أطلقتها منظمة غير حكومية إسرائيلية أخرى، عمق شبيه[עמק שווה] (وتترجم بمعنى “وادي المساواة”، في إشارة إلى سفر التكوين 14:17. 17 فَخَرَجَ مَلِكُ سَدُومَ لِاسْتِقْبَالِهِ بَعْدَ رُجُوعِهِ مِنْ كَسْرَةِ كَدَرْلَعَوْمَرَ وَالْمُلُوكِ الَّذِينَ مَعَهُ الَى عُمْقِ شَوَى (الَّذِي هُوَ عُمْقُ الْمَلِكِ).). ويتم، أخيراً، فحص علاقة كلا المؤسستين مع الجمهور الإسرائيلي والفلسطيني وتأثيرهما على الآراء والسياسات المحلية والدولية.

يستعرض الفصل الثامن تحولات الموقع الرئيسية والتحريات الآثارية التي نفذت في وقرب كنيسة القيامة واستكشاف تأثير الكنائس الشرقية والغربية على تاريخ الموقع منذ إنشائه على يد قسطنطين الكبير في العصر البيزنطي (القرن الرابع الميلادي) وحتى الوقت الحاضر. وحددت دراسة تفصيلية للبقايا الأثرية والمعمارية المحفوظة تحت الأرض وفوقها تسلسل البناء الرئيسي، وألقت الضوء على التفسيرات والخلافات العلمية ذات الصلة. وتتعلق هذه المسألة بقضية أصالة موقع الكنيسة. وتميز بشكل تقليدي مكان صلب ودفن المسيح. ومقارنة تمييز التقليد الكاثوليكي لتعريف كنيسة القيامة كموقع دفن المسيح بالتقليد البروتستانتي الأكثر تهميشاً، أي ما يعرف بموقع بستان قبر المسيح. ويعطى بعض الاهتمام، أيضاً، إلى الدور المتنامي الذي قامت به الطوائف المسيحية المختلفة في كنيسة القيامة وفي المدينة. والتصعيدات الأخيرة والحالية تعتمد إلى حد كبير على السيطرة المسيطرة على الكنيسة بين الروم الأرثوذكس واللاتين (الروم الكاثوليك) والأرمن والقبط والسريان اليعاقبة والإثيوبيين. وهذا التقسيم يعود بجذوره إلى اتفاقية طويلة الأمد أكدها فرمان عثماني يعود للعام 1852م يثبت الواضع الراهن للأماكن المقدسة المسيحية. ويظهر الفصل أيضاً أن تورط  أعضاء من الطوائف الدينية المختلفة في الحوادث المتكررة من المواجهات اللفظية والجسدية قد يتطلب دخل الشرطة وينتج عنه تغطية إعلامية محلية وعالمية. على الرغم من أن الطوائف المسيحية في القدس لا تمثل سوى أقلية صغيرة في المدينة، فقد تم تعريف دورها باعتباره يمتلك حساسية دينية سياسية، وبالتالي تم اعتباره دوراً هاماً في سياق الرأي العام العالمي.

يستعرض الفصل التاسع جميع الحفريات والمسوحات التي أجريت قرب وتحت جبل الهيكل\تلة الحرم الشريف التي بناها في الأصل الملك هيرودوس (القرن الأول ق.م) لدعم الهيكل اليهودي الثاني وتحول إلى واحد من أهم المقدسات الإسلامية خلال الفترة الأموية (القرن السابع الميلادي). ويقوم الفصل بتقويم كل من الافتراضات العلمية والمزاعم السياسية ذات الصلة مع هذا المبنى المعماري وصروحه الملحقة. الحرم الذي يتربع على قمته قبة الصخرة والمسجد الأقصى، الذي يكن له المسلمون تبجيلاً منذ منتصف القرن السابع، ومنذ ذلك التاريخ وحتى الآن، انبهر الرحالة والمستكشفون بعلاقته المعمارية بالهيكل اليهودي السابق له. أدت الحفريات والمسوحات للموقع ومحيطه إلى الاضطراب والتوتر السياسي والعنف الجسدي، وقد أدى افتتاح أنفاق الحائط الغربي في العام 1996 إلى حدوث مواجهات مسلحة بين الفلسطينيين والإسرائيليين أسفرت عن أكثر من 100 ضحية. ويُنظر إلى النشاطات الأخرى لهيئة آثار إسرائيل بما في ذلك مشاريع التنقيب والترميم المطلة على الركن الجنوبي الغربي من الحرم على أنه يقصد منها تقويض هذا المجمع الإسلامي سياسياً ودينياً وبنياناً. ونشطت العديد من المظاهرات المحلية والاحتجاجات الإقليمية فضلاً عن محاولات اليونيسكو لوقف هذه الأنشطة، بائت جميعها بالفشل وأثبتت عدم فعاليتها، واستمرت التحقيقات الآثارية دون إبطاء يذكر.

إن القيام برحلة آثارية لعلم الآثار في القدس في إطار فصول الكتاب هذا هي محاولة غير تقليدية إلى حد ما للتخلص وإظهار الطبقات المختلفة من الاستكشاف والتحيز، أكثر منه محاولة إظهار لرواسب الثقافية في طبقات المدينة الأثرية، كما أنها، أي الرحلة، وسيلة للكشف عن الصراع المتزايد للمعرفة والعلوم والتخصص والدين والعقيدة والسياسة.

…..

الجزء الأول

مشهد المدينة المكاني والتاريخ

يتناول الجزء الأول من هذه الدراسة مساهمة علم الآثار في الفهم المتطور لتاريخ القدس ومكوناتها الملموسة وغير الملموسة. وسوف يعتمد الجزءان الثاني والثالث، بتركيزهما الأحدث والمعاصر، على هذا الأساس. مع احترام الاهتمامات الأساسية  لعلم الآثار، لا سيما تجاوره مع التربة والحجر والنص، يجد “مشهد المدينة المكاني والتاريخ” أيضاً جذور التشابك العنيد للواقع المادي، والأحداث الواقعية، والتراث المكتوب. يسلط  هذا الفصل الضوء على التفاعل المستمر بين الممارسة الأثرية والأيديولوجية، باعتبارهما مزيج يزداد قوة في سياق إضفاء الطابع المؤسسي المتطور للنظام.

الفصل الأول

الحدود والحواجز والجدران

تولد المناظر الطبيعية الفريدة في القدس تفاعلاً حيوياً بين الميزات الطبيعية والعمرانية، حيث تتوافق الاستمرارية والتقطعات مع التعقيد والتقلبات التي ميزت معظم تاريخ المدينة. تتناقض نعومة معالمها الجبلية وتناغم الألوان اللطيفة مع حدودها، والتي تعمل على تحديد المباني والأحياء والأشخاص والأمم وفصلهم عنها. فتفصل أسوار المدينة العثمانية (انظر الشكل 2) القديم عن الجديد. في حين يفصل الجدار (انظر الشكل 3)، الإسرائيليون عن الفلسطينيين(1). يعمل الأول كتذكير مرئي بالماضي، والثاني كتعبير ملموس عن الصراع السياسي الحالي.

يسعى هذا الفصل إلى فحص الحقائق المادية للحاضر وفهمها بشكل أفضل: كيف تعكس هذه الحقائق الماضي، وكيف تحفز المادة القديمة الذاكرة والمعرفة الواعية والإدراك اللاواعي. إن تاريخ القدس، كما يتجلى في أشكالها المادية وأزمنتها المتعددة، يبرز فترات الازدهار والانحدار، من الخلق والدمار.

الشكل 2. مقطع من سور المدينة العثمانية جنوب القلعة. صورة كاثرينا غالور.

الجغرافيا والطوبوغرافيا

ظلت السمات الطبوغرافية لمدينة القدس القديمة ثابتة نسبياً منذ العصور القديمة (انظر الشكل 4). بخلاف الوادي الأوسط (من وقت مؤرخ القرن الأول يوسيفوس المعروف أيضًا باسم الواد Tyropoeon، والذي تم توطنه وتطويره إلى حد كبير، وحافظت معظم ارتفاعات المدينة ونتوءاتها وانحداراتها على نسبها التقريبية منذ ذلك الوقت الذي تم فيه استيطان المدينة لأول مرة. وفي المقابل، تغير النسيج الحضري وحدوده باستمرار، متكيفًا مع الظروف الديموغرافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية المتغيرة باستمرار(2).

تقع إسرائيل/فلسطين على الشريط الضيق المعروف باسم الهلال الخصيب، في الطرف الجنوبي من ساحل بلاد الشام. في وسطها، تمثل تلال يهوذا الخط الفاصل بين حوض تصريف البحر الأبيض المتوسط ​​وحوض وادي الأردن(3). في هذا السياق، تنتصب القدس على نتوء صخري، محاطاً من كلا الجانبين بالوديان التي تلتقي بالقرب من حدها الجنوبي بنتوء يستمر حتى البحر الميت. في العصور القديمة، غالباً ما كانت المستوطنة تعمل كعاصمة للمنطقة الأكبر(4). جغرافيّاً، كان هذا أمراً مثيراً للدهشة إلى حد ما، حيث لم يكن من السهل الوصول إليها، ولم تكن هناك خطوط اتصال بسيطة بين المنطقة الساحلية والهضاب الداخلية والمكان الذي سيشهد بناء المدينة في نهاية الأمر.

الشكل 3. الجدار الفاصل الذي يفصل بين حيين من أحياء القدس، التلة الفرنسية (معظمهم من السكان اليهود)
عن العيسوية (مع سكان فلسطينيين فقط). هنا ما وراء الجدار مبان مرئية في العيسوية. صورة كاثرينا غالور.

 امتدت القدس القديمة على عدة تلال أو روابٍ (انظر الشكل 4)، محاطة بجبال مرتفعة قليلاً. من الشمال إلى الجنوب، وتقسم البلدة القديمة بالوادي الأوسط، الذي يفصل ما يسمى التلة الغربية، أو المدينة العليا (765 متراً) -التي تحتلها الآن الأحياء الأرمينية واليهودية وجبل صهيون جنوباً (770 متراً) -من التلة الشرقية، أو المدينة السفلى. وتشمل الأخيرة منطقة جبل الهيكل، أو الحرم الشريف (745 متراً)، وجنوبها (التل الجنوبي الشرقي)، قرية سلوان الحديثة (660 متراً)، والتي يشار إليها شعبياً باسم مدينة داود(5). تم تحديد شكل المدينة القديمة من الشرق والجنوب والغرب من خلال الأخاديد والوديان العميقة. الحد الشرقي يتميز بوادي قدرون الذي يفصله عن سلسلة جبال الزيتون. حدودها الغربية هي وادي جهنم Hinnom، الذي يمتد من الشمال إلى الجنوب، متاخماً لجبل صهيون [ويعرف أيضاً بجبل النبي داود]، ثم يتجه شرقاً على طول الحدود الجنوبية للمدينة القديمة حتى تقاربها مع وادي قدرون. اليوم، ليس للحدود الشمالية للمدينة ترسيم طبوغرافي واضح المعالم. في الماضي، كانت السمة المورفولوجية الوحيدة التي تفصل المدينة عن التلال الشمالية هي الوادي العرضي (المملوء الآن). امتدت حدود المدينة، منذ أواخر الفترة الهلنستية فصاعداً، إلى ما وراء هذه الميزة الطبيعية. وخلال الفترات المبكرة من عمر المدينة، اعتمد السكان حصرياً على نبعها الدائم الوحيد، نبع جيحون، الواقع على المنحدرات الشرقية السفلى للتل الجنوبي الشرقي. ولم تتمكن المدينة من التوسع في اتجاهات أخرى، إلّا عندما تم تحقيق قدر أكبر من الكفاءة في استغلال مياه الأمطار وتحويل مصادر الينابيع البعيدة.

حدود المدينة القديمة

يمكن تتبع حدود المدينة المتغيرة بدقة نسبياً لمعظم الفترات، حيث تم مسح العديد من الجدران القديمة وحفرها ودراستها. ويمكن أيضاً تحديد المعلومات المتعلقة بالتنمية الحضرية وحدود المدينة من خلال تحديد موقع ومدى مقبرة القدس(6). وتعكس المخططات الواردة في (الشكل 5) الآراء الأكثر شيوعاً حول امتداد المدينة خلال فترات مختلفة من تاريخها. تتراوح تقديرات عدد السكان، بناءً على الأدلة التاريخية والأثرية، من حوالي ثمانمائة شخص خلال العصر البرونزي (3300-1200 ق.م) إلى ما يقرب من ثمانين ألفاً في أواخر العصر الهلنستي (منتصف القرن الأول ق.م)(7). وكانت أقدم المستوطنات الدائمة، من العصر البرونزي حتى بداية العصر الحديدي (3300 – 960 ق.م)، تقع خارج أسوار مدينة القدس القديمة على التل الجنوبي الشرقي، في منطقة سلوان الحالية. ومع ذلك، لم يتم تشييد أقدم تحصينات المدينة حتى حوالي عام 1850 ق.م(8).

الشكل 4. خريطة طبوغرافية للقدس.
رسم مستعاد، عن الأصل فنسنت وستيف، القدس، 1 لوحة 1.

ومن المعتقد أن المدينة لم تمتد شمالاً لتطويق جبل موريّة،(الموقع التقليدي لمكان التضحية بإسحاق، كما هو مذكور في سفر التكوين)(9) إلّا بعد بناء معبد الملك سليمان في القرن العاشر ق.م. امتدت المستوطنة إلى التلة الغربية حتى نهاية القرن الثامن ق.م، مما يشير إلى تحول التركيبة السكانية، الذي يرتبط عادةً بتدمير العديد من المستوطنات في شمال مملكة إسرائيل من قبل الآشوريين وإعادة توطين اللاجئين في جنوب مملكة يهوذا، والتي استقر معظمها في القدس(10). وطوال العصور البابلية والفارسية وأوائل الحقبة الهلنستية لم تمتد إلى ما وراء سلسلة التلال الجبلية الشرقية. وامتدت لمستونة مرة أخرى باتجاه التلة الغربية في حدود القرن الثاني ق.م، والتي ظلت بعد ذلك مأهولة بشكل مستمر. وشهدت المدينة نمواً كبيراً خلال العقود التي سبقت تدمير الرومان للمعبد الهيرودي في العام 70 ق.م، وعلى الرغم من مناقشة مدى التوسع شمالاً. يرى البعض أن خط التحصين الشمالي هو المكان الذي يقع فيه الجدار العثماني الحالي. ووفقاً لآخرين، كان يقع في أقصى الشمال بشكل ملحوظ(11).

ومنذ العام 70 ميلادي فصاعداً، شكلت المنطقة المحاطة بالمدينة القديمة قلب مدينة القدس، مع امتدادات باتجاه الجنوب (خلال الفترات الرومانية والبيزنطية والإسلامية المبكرة). كان امتداد القدس خلال أواخر العصر الروماني والفاطمي والصليبي والأيوبي والمملوكي يتوافق تقريباً مع أسوار المدينة القديمة الحالية التي بنيت خلال الحكم العثماني في القرن السادس عشر.

الحدود الحديثة والحالية

يعود التقسيم الإثني والديني للمدينة القديمة، كما ظهر في الأصل في خرائط القرن التاسع عشر، إلى الفترة الصليبية، عندما استوعبت القدس مجموعات سكانية غير متجانسة من دول أوروبية وشرقية مختلفة، استقروا في مجموعات تحددها اللغات والثقافية والدينية(12). وعاش، منذ ذلك الحين، الروم الأرثوذكس والروم الكاثوليك في المنطقة المحيطة بكنيسة القيامة في الشمال الغربي، وقطنت الجالية الأرمنية بالقرب من كاتدرائية القديس  يعقوب في الجنوب الغربي. حدثت التحولات السكانية بعد الفتح الأيوبي في العام 1187، عندما عاد المسلمون للسكن في المدينة، ثم عادوا للسكن مرة ​​أخرى في العصر المملوكي، مع تزايد أعداد الحجاج القادمين من جميع أنحاء العالم الإسلامي(13). ومنذ القرن الثاني عشر، كان معظم المسلمين يتطلعون إلى الاستقرار في المناطق المتاخمة للأسوار الشمالية والغربية للحرم. وفي منتصف القرن الثاني عشر، بدأ اليهود في الاستقرار في الجزء الجنوبي من المدينة، إلى الغرب من منطقة صغيرة تسكنها جالية إسلامية من أصل شمال أفريقية.

حدثت تغييرات ديموغرافية طفيفة فقط خلال القرون الأولى من الحكم العثماني، والتي أسست منذ البداية نظاماً إدارياً جديداً يدعى شبكة الحارة “الأحياء” (انظر الشكل 6)(15). ويحتوي دليل إرشادي للحجاج المسيحيين يعود لأواخر القرن التاسع عشر مكتوب باللغة العربية على خارطة لتقسيم الحارات إلى أحياء وشوارع، وهو تكوين يعكس التنظيم المكاني المألوف للمدينة لدى السكان المحليين في ذلك الوقت(16). يستند التقسيم الحالي للمدينة القديمة إلى أربعة أحياء إثنية دينية وفقاً لخرائط استقصائية للمدينة تعود  للقرن التاسع عشر رسمها رحّالة أوروبيون وضباط جيش ومهندسون معماريون، وهي النسخة التي اعتمد عليها غالبية الحجاج والزوار منذ ذلك الحين.

الشكل 5. خرائط توضح المناطق المستقرة طوال الفترة قيد المناقشة.
أعيد رسمه بواسطة فرانز ليمان، المصدر، بروش ، “توسع القدس ، ’12-15

تم تسمية ثلاثة من أحياء المدينة الأربعة باسم الجماعات الدينية الرئيسية التي عاشت في القدس منذ العصور القديمة -مسلمة ومسيحية ويهودية. وتم تعريف الحي الرابع إثنياً من خلال لغته وثقافته، أي الحي الأرمني، على الرغم من كونه مسيحياً، (انظر الشكل 7)(18). تشمل التركيزات الإضافية للمجموعات العرقية أو الدينية الجيب السرياني القريب من الحي الأرمني، وحاة المغاربة داخل الحي الإسلامي، ومنطقة بروتستانتية منفصلة بالقرب من الحي اليهودي.

تتراوح التقديرات السكانية للقدس في سبعينيات القرن التاسع عشر بين 14000 و 22000 نسمة(20). وفقاً لتعداد السكان العثماني للعام 1905، وكان يعيش في المدينة 32400 مواطن عثماني، منهم 13400 يهودي و11000 مسلم و8000 مسيحي. تشمل أعداد السكان الذين يعيشون خارج حدود البلدة القديمة، وهي لا تعكس الأفراد ذوي الجنسية الأجنبية الذين يعيشون في القدس في ذلك الوقت، الأمر الذي من شأنه، وفقاً لمعظم العلماء، أن يزيد من نسبة السكان اليهود والمسيحيين(22). ومن الواضح أن عدم تجانس السكان، بغض النظر عن دقة الأرقام، والاختلافات الإثنية الدينية، بالإضافة إلى نظام الملل (سياسة العثمانيين التي منحت الحكم الذاتي لبعض المجتمعات غير المسلمة)، هو ما أدى إلى الإنشاء الرسمي للجيوب الدينية والإثنية للمدينة(23). وعلى هذا النحو، لم يكن التنظيم المكاني للقدس مختلفاً تماماً عن التنظيم المكاني في العديد من المدن الأخرى في الشرق الأوسط، والتي تم تعريف سكانها بالشكل الاكر شيوعاً, أي الدين والثقافة والمجتمع(24). تنبثق الحدود المادية لأحياء القدس بشكل أساسي من شبكة الشوارع أو المباني العامة أو الساحات الصغيرة. تم تحديد اختيار مكان الإقامة في سياق المدينة في الغالب من خلال موقع الأماكن المقدسة وأماكن العبادة، والانتماء الديني، والميول الثقافية، وتوافر الأرض، والاعتبارات السياسية. على عكس بعض مدن الشرق الأوسط، في القدس العثمانية، كان لكل حي وجيب مزيج مماثل من السكان من مختلف المجموعات الاجتماعية والاقتصادية(25).

تأسست الضواحي الأولى للمدينة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، عندما بدأت مجموعات دينية وعرقية مختلفة في بناء المعاهد والممتلكات والمنازل الخاصة خارج البلدة القديمة. الأرقام الدقيقة غير متوفرة لهذه الفترة، لكن من المعروف أنه مع بداية الانتداب البريطاني، كانت المساحة المأهولة بالسكان في المدينة الجديدة، كما أصبحت تُعرف، أكبر بأربعة أضعاف من مساحة المدينة القديمة(26). وكانت الجماعات المسيحية المختلفة أول من استقر خارج الأسوار، والتي تنافست، بدعم من الحكومات الأوروبية في الغالب، في إقامة مجمعات سكنية كبيرة ومثيرة للإعجاب، بما في ذلك الأديرة والكنائس والمستشفيات وبيوت الحجاج والمدارس(27). وتم التخلي عن نظام الحارات العثماني في فترة الانتداب، على الرغم من استمرار تقسيم المدينة القديمة إلى أربعة أحياء رئيسية.

الشكل 6. المدينة القديمة مقسمة إلى أحياء “حارات”، القرن التاسع عشر
. أعيد رسمها فرانز ليمان عن الأصل ( أرنون) ، “أحياء القدس من العهد العثماني” ، 14.

ومع ذلك، لم تكن أي من هؤلاء مأهولة بشكل حصري ومتجانس من قبل مجموعة دينية واحدة فقط، لم تكن الحدود محددة بوضوح، في معظم الأحيان،

وظهرت المدينة القديمة تدريجياً على أنها أكبر بقليل من حي فقير أقدم، على الرغم من المعالم التاريخية العديدة وأهميتها للطوائف الإثنية والدينية المختلفة، خلال فترة الانتداب. في 29 تشرين الثاني\ نوفمبر1947، وافقت الجمعية العامة للأمم المتحدة على خطة تقسيم الانتداب البريطاني لفلسطين إلى كيانين: دولة يهودية ودولة عربية(28). ووفقاً لهذه الخطة، كان من المقرر أن تقع القدس تحت السيطرة الدولية. لم يتم وضع اقتراح الأمم المتحدة بشأن القدس، مع إعلان قيام دولة إسرائيل في 14 أيار\مايو 1948، وبعد انتهاء معركة القدس (كانون أول\ديسمبر 1947 إلى 18 تموز\يوليو 1948)، منحت اتفاقيات الهدنة في العام 1949 سيطرة المملكة الهاشمية على شرق الأردن (التي أصبحت بعد فترة وجيزة المملكة الأردنية الهاشمية) على القدس الشرقية، بما في ذلك البلدة القديمة، واحتلت إسرائيل القدس الغربية وأعلنتها عاصمة للدولة (انظر شكل 8)(29). وبحلول نهاية العام، تم إجلاء جميع السكان العرب من غرب المدينة بشكل كامل، والذين بلغ عددهم قبل العام 1948 حوالي ثمانية وعشرين ألفاً، وتم استيطان معظم منازلهم على يد إسرائيليين(30).  كما طُرد حوالي ألفي ساكن يهودي من البلدة القديمة ولم يعد يحق لهم زيارة أماكنهم المقدسة، والتي تم تدنيس العديد منها(31). وعلى النقيض من ذلك، ظل الوصول إلى الأماكن المقدسة المسيحية متاحاً(32) .وتم تحويل حائط المبكى إلى موقع إسلامي حصري، حيث يقال إن محمداً ربط فرسه المجنح “البراق” هناك، قبل صعوده إلى السماء(33). وفي حزيران / يونيو 1967، استولى الجيش الإسرائيلي على البلدة القديمة ووسّع قانونه وسلطته القضائية لتشمل القدس الشرقية والمنطقة المحيطة بها، ودمجها في بلدية القدس(34). وصار الوصول إلى الأماكن المقدسة اليهودية والمسيحية داخل البلدة القديمة متاحاً، على الرغم من احتفاظ الأوقاف الإسلامية بسلطتها الإدارية على منصة الحرم الشريف، فتمت مصادرة معظم ممتلكاتها داخل البلدة القديمة وخارجها(35). وهدمت حارة المغاربة، الواقعة بالقرب من الحائط الغربي، لإنشاء ساحة مفتوحة مواجهة للجدار، وطرد السكان العرب في كل من حارة المغاربة والحي اليهودي(36). تم تنفيذ مبادرات إعادة ترميم حضرية رئيسية أخرى في الحي اليهودي، مما أدى إلى تغيير تركيبتها الدينية الاقتصادية والاجتماعية بالكامل والشكل المعماري وتحويلها إلى منطقة منفصلة عن باقي المدينة القديمة(37). وتم تحويل المنطقة الأقل كثافة والتي تمتد بين المدينة القديمة والحدود الشرقية للبلدية إلى حدائق وطنية(38). وعلى مدار العقد التالي، بدأ الفلسطينيون من الضفة الغربية بالانتقال إلى القدس، مما أدى إلى زيادة السكان العرب بأكثر من 100%. وكإجراء مضاد، تم إنشاء سبع مناطق يهودية، يُشار إليها عادةً باسم “الأحياء الدائرية”، أنشأت حول الأطراف الشرقية للمدينة لمنع القدس الشرقية من أن تصبح جزءً من كتلة فلسطينية حضرية تمتد من بيت لحم إلى رام الله. ومنذ ذلك الحين، خصصت الحكومة الإسرائيلية مناطق إضافية داخل القدس الشرقية لبناء مناطق سكنية لليهود، واستقر بعض اليهود الإسرائيليين داخل الأحياء العربية(39). ومنذ العام 1967، عندما احتلت إسرائيل القدس الشرقية -إلى جانب الضفة الغربية وسيناء ومرتفعات الجولان – اعتبرت المدينة بأكملها عاصمة للدولة اليهودية. ولم يتغير هذا الوضع حتى الثلاثين من تموز\يوليو 1980، عندما أقر الكنيست مشروع قانون رسمي لإضفاء الطابع الرسمي على ضم القدس الشرقية العربية. وهو ما يسمى بقانون القدس، كإضافة لقوانينه الأساسية، فأعلنت القدس بموجبه عاصمة “كاملة وموحدة” لإسرائيل(40). ورداً على ذلك، أصدر مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بالإجماع القرار رقم 478، الذي ينص على أن “سن” القانون الأساسي “القانون” من قبل إسرائيل يشكل انتهاكًا للقانون الدولي”، ويؤكد أن “جميع الإجراءات والقرارات التشريعية والإدارية التي اتخذتها إسرائيل، الدولة المحتلة، والتي غيرت أو زعمت تغيير طابع ووضع مدينة القدس الشريف، ولا سيما “القانون الأساسي” الأخير بشأن القدس، باطل ولاغٍ ويجب إلغاؤه على الفور”. وأكد القرار علاوة على ذلك، أن “هذا الإجراء يشكل عقبة خطيرة أمام تحقيق سلام شامل وعادل ودائم في الشرق الأوسط”. وبعبارة أخرى، وفقاً للقانون الدولي، فإن احتلال إسرائيل للقدس الشرقية غير قانوني(42).

الشكل 7. مخطط للمدينة القديمة يضم الأحياء الأربعة. رسم فرانشيسكا ليمان

أدرجت القدس القديمة واسوارها في قائمة التراث العالمي في العام 1981، على الرغم من عدم ارتباطها رسمياً بالانقسام السياسي. وطلبت المملكة الأردنية، في العام 1982، إضافتها إلى قائمة التراث العالمي المعرض للخطر(43). واقترحت إسرائيل، في العام 2000، توسيع المنطقة المعترف بها من قبل اليونسكو كتراث محمي لتشمل جبل صهيون بالإضافة إلى تلك الأماكن والمعالم الأثرية التي تحمل شهادة فريدة على التقاليد الثقافية لليهودية والمسيحية والإسلام، وهي المنطقة التي يشار إليه أحيانًا باسم الحوض التاريخي. وأحدث مبادرة لفصل سكان القدس هي الجدار الفاصل (انظر الشكل 9)، الذي بني في القدس الشرقية وحولها. يعد قسم القدس (بطول 202 كيلومترًا) جزءً من جدار أطول بكثير (عند اكتماله، بطول 708 كيلومترات تقريباً) يمر عبر الضفة الغربية. يتم بناؤه بالتناوب كجدار خرساني وسور متصل بسلسلة، ويتم تحديد مساره فيما يتعلق بالحدود البلدية للقدس وكذلك فيما يتعلق بالمستوطنات المحيطة بالمدينة(44).

الشكل 8. القدس المقسمة ، 1949-1967. رسم فرانشيسكا ليمان

بحجز الجدار خلفه مناطق منفصلة مكتظة بالسكان باستثناء سكان فلسطينيون (يسكنون حوالي سبعين ألف فرد) من أحياء ذات أغلبية يهودية، ويعكس هذا التطلعات الإسرائيلية لتوسيع أراضي بلدية القدس، وفي الوقت نفسه الحفاظ على أغلبية يهودية في المدينة. إلى جانب الآثار النفسية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي نوقشت كثيراً على السكان المحليين، فإن بناء هذا الجدار يقيد وصول الفلسطينيين، المسيحيين والمسلمين، إلى التراث الثقافي والأماكن المقدسة. وهكذا، حددت حواجز وجدران القدس، بخصائصها الطبيعية والبنائية، مساحاتها ومبانيها وشعبها مادياً ورمزياً. على الجانب الإيجابي، فقد ساهمت هذه الحواجز والجدران في التطويق والتوحيد والحماية؛ وعززت، من الناحية السلبية، العزلة والعزل والمواجهة. أما بالنسبة للمستكشف، فهي تعمل كعلامات هامة ملموسة ومؤسسة علمياً  للزمان والمكان في آنٍ واحد، بل تبدو مرنة ومراوغة، لأنها تؤدي أدواراً مختلفة في العديد من الروايات التي تربط الماضي بالحاضر. في هذه الدراسة، سوف تسعد الحواجز والجدران في تأطير تاريخ القدس من البحث الأثري، بالإضافة إلى أراضي المدينة المأهولة بالسكان والمستقرة والمطالبة والمتنازع عليها.

الشكل 9. خريطة القدس مع الحدود البلدية، والخط الأخضر، والتكوينات اليهودية
والفلسطينية، والجدار الفاصل. رسم فرانشيسكا ليمان عن الأصل عير عميم: القدس الكبرى 2013

هوامش المقدمة:

  1. للحصول على آراء مختلفة بشأن الحدود الدقيقة للحوض التاريخي (أو المقدس) انظر، R. Lapidoth, The Historic Basin of Jerusalem: Problems and Possible Solutions (Jerusalem: Jerusalem Institute for Israel Studies, 2010), 16. وعن الطرق التي ترى كيف أصبح هذا المفهوم محورياً في تخطيط السياسات والمصالح السياسية، انظر، W. Pullan and M. Sternberg, “The Making of Jerusalem’s ‘Holy Basin,’ ” Planning Perspectives 27, no. 2 (2012): 225–48.
  2. يعتبر الإطار الإداري لسكان القدس الشرقية على درجة عالية من التعقيد، على النقيض من مفهوم الاستمرارية القانونية بين العمل الميداني الأثري في القدس الشرقية والغربية، وفي حين تحتفظ الحكومة الإسرائيلية بالتمييز الإداري بين المواطنين الإسرائيليين وغير المواطنين في القدس الشرقية، فإن بلدية القدس لا تفعل ذلك.
  3. تركز [ناديا] أبو الحاج بشكل أساسي على العقدين الأولين الذين تلى العام 1967 من العمل الميداني. انظر، N. Abu El-Haj, Facts on the Ground: Archaeological Practice and Territorial Self-Fashioning in Israeli Society (Chicago: University of Chicago Press, 2001), 2, 8, 16, 19, 45, 74; T. Oestigaard, Political Archaeology and Holy Nationalism: Archaeological Battles over the Bible and Land in Israel and Palestine from 1967–2000, Gotarc Series C, no. 67 (Gothenburg, Sweden: Gothenburg University Press, 2007); and N. Masalha, The Zionist Bible: Biblical Precedent, Colonialism, and the Erasure of Memory (London: Routledge, 2013). ارتبطت اتجاهات مماثلة لجهود الاستعمار وبناء الدولة بالعمل الأثري في الأردن. انظر، E. D. Corbett, Competitive Archaeology in Jordan: Narrating Identity from the Ottomans to the Hashemites (Austin, University of Texas Press, 2014).
  4. وفقًا لسليجمان، تتعارض المعايير المهنية المُحسَّنة مؤخراً مع الحجة القائلة بأن علم الآثار الإسرائيلي “تحركه أجندات استعمارية وقومية وإقصائية”. انظر، J. Seligman, “The Archaeology of Jerusalem—Between Post-Modernism and Delegitimization,” Public Archaeology 12, no. 3 (2013): 181–99.
  5. حول الهياكل السياسية والإدارية للسلطة الفلسطينية والأوقاف المحلية والأردنية، انظر، M. Dumper, “The Palestinian Waqfs and the Struggle over Jerusalem, 1967–2000,” Annuaire Droit et Religions 3 (2008/09): 199–221; M. Dumper, “The Role of Awqaf in Protecting the Islamic Heritage of Jerusalem, 1967–2010,” in Hamam Al Ayn / Hamam Al Hana’: Essays and Memories in Celebration of a Historic Public Bath House in Jerusalem’s Old Arab City. Al-Quds University, Jerusalem, ed. D. Emtiaz (Jerusalem: Al-Quds University, 2011); and C. Larkin and M. Dumper, “In Defense of Al-Aqsa: The Islamic Movement inside Israel and the Battle for Jerusalem,” Middle East Journal 66 (2012): 31–52.
  6. الأوقاف Waqfs صيغة الجمع للاسم الأكثر شيوعاً في اللغة الإنجليزية، على الرغم من استخدام الأوقاف أيضاً، وهي الصيغة العربية لصيغة الجمع.
  7. إن الأدبيات المتعلقة بذاتية التأويل الأثري واسعة للغاية بحيث لا يمكن مراجعتها هنا. وهي تستند إلى الحركة ما بعد العملياتية post-processual في منهج علم الآثار، التي نشأت في إنجلترا في أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات، والتي ارتبطت في الغالب بـ “إيان هودر”. ومن اجل أحدث ما نشر عن ها الموضوع، انظر،I. Hodder, Entangled: An Archaeology of the Relationships between Humans and Things (Malden, MA: Wiley-Blackwell, 2012)
  8. “العلم كمهنة” نُشر في الأصل بعنوانWissenschaft als Beruf,” Gesammelte Aufsätze zur Wissenschaftslehre (Tübingen 1922), 524–55
  9. الاسم الرسمي للأردن (منذ العام 1949) هو المملكة الأردنية الهاشمية. وكانت تعرف بين عامي 1946 و 1949، باسم المملكة الهاشمية في شرق الأردن.

…..

هوامش الفصل الأول:

1-بدأ بناء الجدار الفاصل (المشار إليه أيضاً بالجدار الإسرائيلي في الضفة الغربية، والجدار الأمني​​، وجدار الفصل، وجدار الفصل العنصري، وجدار الأبارتيد) في العام 2000، خلال الانتفاضة الثانية. وتعتبره إسرائيل آلية دفاع ضد الإرهاب بينما يعتبره الفلسطينيون أداة أخرى للفصل العنصري أو كتعبير عن سياسات الفصل العنصري الأبارتيد. لا تميز معظم المصادر بين اسم قطاع القدس والأجزاء الأخرى من الجدار الأطول. ويشير البعض إلى قسم القدس الشرقية باسم غلاف القدس. تشير إليه محكمة العدل الدولية باسم “الجدار”، انظر، (www.icj-cij.org/docket/index.php؟pr=71&code=mwp&p1=3&p2=4&p3=6)؛ ويشار إليه بالعبرية باسم شومات ها هافرادا כעמט היא-הפרדה بمعنى جدار الفصل، وفي العربية يطلق عليه في الغلب “جدار”.

  1. من أجل وصف أكثر تفصيلاً قليلاً لتضاريس مدينة القدس القديمة ، انظر K. Galor و H. Bloedhorn، The Archaeology of Jerusalem: From the Origins to the Ottomans (New Haven، CT: Yale University Press، 2013)، 10-15 …

3- فيما يتعلق بموقع القدس، انظر، J. Simons, Jerusalem in the Old Testament: Researches and Theories (Leiden: Brill, 1952), 6–26; and W. H. Mare, The Archaeology of the Jerusalem Area (Grand Rapids, MI: Baker Book House, 1987), 21–23.

4- عن دور القدس كعاصمة، من العصور القديمة حتى الوقت الحاضر، انظر، C.F. Emmett، “The Capital Cities of Jerusalem،” The Geographical Review 86 (1996): 233–58.

  1. انظر، G. Dalman, Jerusalem und sein Gelände (Gütersloh, Germany: Bertelsmann, 1930), 21–151.
  2. فيما يتعلق بحجم القدس عبر التاريخ، انظر، K. J. Asali, Jerusalem in His­tory: From 3,000 B.C. to the Present Day, rev. ed. (London: Kegan Paul International, 1997), 204; and F. E. Peters, Jerusalem: The Holy City in the Eyes of Chroniclers, Visitors, Pilgrims, and Prophets from the Days of Abraham to the Beginnings of Modern Times (Princeton: Princeton University Press, 1985), 408, 564–65.

7- في المدافن الوثنية واليهودية، كان الفصل بين “مدينة الأحياء” و “مدينة الموتى” -المقبرة- واضحاً بدقة. ولكن التغيرات حدثت خلال الفترات البيزنطية والإسلامية المبكرة. انظر، G. Avni, “The Urban Limits of Roman and Byz­antine Jerusalem: A View from the Necropoleis,” Journal of Roman Archaeology 18 (2005): 373–96.

8- انظر، Galor and Bloedhorn, Archaeology of Jerusalem, 14–17 وللحصول على نسخ مختلفة من الخرائط التي تصور القدس خلال الفترات قيد المناقشة، انظر، D. H. K. Amiran, A. Shachar, and Kimhi, Atlas of Jerusalem (Jerusalem: Massada, 1973); D. Bahat, The Illus­trated Atlas of Jerusalem (London: Simon and Schuster, 1990); and M. Ben-Dov, Historical Atlas of Jerusalem (New York: Continuum, 2002).

9- وفقاً لـ E. A. Knauf, “Jerusalem in the Late Bronze and Early Iron Ages. A Pro­posal,” Tel Aviv 27 (2000): 75–90, ، ربما تم تضمين جبل موريا في سور المدينة في وقت مبكر من العصر البرونزي الوسيط.

10- دمر البابليون القدس في عهد الملك نبوخذ نصر الثاني في العام 586 ق.م.

  1. تمت مناقشة تفسير سوكنيك-ماير وآثاره على مدى الفترة الهيرودية في القدس من قبل Galor and Bloedhorn, Archaeology of Jerusa­lem, 52–55.

12- انظر، A. Boas, Jerusalem in the Time of the Crusades: Society, Landscape, and Art in the Holy City under Frankish Rule (London: Routledge, 2001), 35–40, 83–93.

13- انظر، D. Gold, The Fight for Jerusalem: Radical Islam, the West, and the Future of the Holy City (Washington, DC: Regnery Publishing, 2009), 111; and A. Arnon, “The Quarters of Jerusalem in the Ottoman Period,” Middle Eastern Studies 28 (1992): 5.

14- للمزيد، انظر، Arnon, “The Quarters of Jerusalem,” 7.

15- استخدم مجير الدين هذا المصطلح لأول مرة في العام 1495، أي قبل الغزو العثماني بحولي عشرين عاماً لوصف الأحياء والشوارع المختلفة التي سميت باسم جماعات وجاليات معينة استقرت في المدينة.

16- انظر، Arnon, “The Quarters of Jerusalem,” 13.

17- انظر، Arnon, “The Quarters of Jerusalem,” 5.

18- انظر، R. Kark and M. Oren-Nordheim, Jerusalem and Its Environs: Quarters, Neighbor­hoods, Villages, 18801948 (Detroit: Wayne State University Press, 2001), 45.

19- انظر، Y. Ben-Arieh, “The Growth of Jerusalem in the Nineteenth Century,” Annals of the Association of American Geographers 65 (1975): 252.

20- انظر، A. Schölch, “Jerusalem in the 19th Century (1831–1917),” in Jerusalem in History (New York: Olive Branch Press, 1990), 254

21-  انظر، J. McCarthy, The Population of Palestine: Population History and Statistics of the Late Ottoman Period and the Mandate (New York: Columbia University Press, 1990); and R. A. Davis, “Ottoman Jerusalem,” in Jerusalem: 1948: The Arab Neighborhoods and Their Fate in the War, ed. S. Tamari, 30–67 (Jerusalem: Institute of Jerusalem Studies and Badil Resource Center, 1999), 11.

22- انظر، See U. O. Schmelz, “Notes on the Demography of Jews, Muslims and Christians in Jerusalem,” Middle East Review 13 (1981): 17; R. Kark and S. Landman, “The Establishment of Muslim Neighbourhoods in Jerusalem, Outside the Old City, during the Late Ottoman Period,” Palestine Exploration Quarterly 112 (1980): 131; Y. Ben-Arieh, Jerusalem in the 19th Century: Emergence of the New City (New York: St. Martin’s Press, 1986), 241, 354, and 366; and Y. Ben-Arieh, Jerusalem in the 19th Century: The Old City (New York: St. Martin’s Press, 1984), 354–55.

23-  سمح نظام الملة العثماني للطوائف الدينية المختلفة بالحكم وفقاً لأحكامها الدينية، بما في ذلك قوانين الشريعة الإسلامية والقانون الكنسي المسيحي والهالاخاه اليهودية.

24- انظر، B. Slae، R. Kark، and N. Shoval، “Post-War Reconstruction and Conservation of the Historic Jewish Quarter in Jerusalem، 1967–1975،” Planning Perspectives 27 (2012): 380.

25- انظر، Kark and Oren-Nordheim, Jerusalem and Its Environs, 45.

26- انظر، Davis, “Ottoman Jerusalem,” 17; Ben-Arieh, New City, 241 and 354; and Kark and Landman, “Establishment of Muslim Neighbourhoods,” 131.

27- انظر، Arnon, “Quarters of Jerusalem,” 26.

28- ظلت الأراضي الواقعة غربي نهر الأردن تحت الحكم البريطاني المباشر حتى العام 1948 وعرفت باسم فلسطين، بينما أصبحت الأرض الواقعة شرق الأردن منطقة شبه مستقلة عفت باسم شرق الأردن، تحت حكم الاسرة الهاشمية التي نالت استقلالها في العام 1946.

29- في السادس من آب\ أغسطس 1953 أعلن البرلمان الأردني القدس عاصمة بديلة المملكة، ربما في محاولة لإرضاء الأقلية الفلسطينية الكبرة في الأردن، وأعلن البرلمان عن خططه للاجتماع في القدس من حين لآخر، ولكنه لم يجتمع في الواقع سوى مرة واحدة هناك. انظر, Emmett, “Capital Cities of Jerusalem,” 237.

30-  انظر،  N. Krystall, “The De-Arabization of West Jerusalem 1947–50,” Journal of Pales­tine Studies 27, no. 2 (1998); and M. Dumper, The Politics of Jerusalem Since 1967 (New York: Columbia University Press and the Institute for Palestine Studies), 67.

31- انظر، B. Slae, R. Kark, and N. Shoval, “Post-War Reconstruction and Conservation of the Historic Jewish Quarter in Jerusalem, 19671975,” Planning Perspectives 27 (2012): 380.

32- حول كيفية قيام الأردن بإعادة تشكيل هوية وطنية بعد العام 1948، وعن الدور الذي لعبنه الأماكن المقدسة المسيحية والإسلامية في هذا السياق، انظر، K. Katz, Jordanian Jerusalem: Holy Places and National Spaces (Gainesville: University Press of Florida, 2005), 121.

33- S. Ricca, Reinventing Jerusalem: Israel’s Reconstruction of the Jewish Quarter after 1967 (London: I. B. Tauris, 2007), 21–22; and N. al-Jubeh, “Bab al-Magharibah: Joha’s Nail in the Haram al-Sharif,” Jerusalem Quarterly File 18 (2003): 17–24.

34- تغيرت حدود بلدية القدس عدة مرات في التاريخ الحديث، لمزيد من التحريات التفصيلية حول التغييرات المتكررة، انظر، S. Dellapergola, “Jerusalem’s Population, 1995–2020: Demography, Multiculturalism and Urban Policies,” European Journal of Population / Revue Européenne de Démographie 17 (2001): 168–69.

35- حول تدمير ومصادرة ممتلكات الوقف من قبل دولة إسرائيل، انظر، Dumper, “The Palestinian Waqf,” 208–10.

36- تتراوح تقديرات عدد الأشخاص الذين تم إجلاؤهم بين 600 و1000، بالإضافة إلى حوالي 125 منزلاً وتم تدمير مسجدي البراق والأفضلية، انظر، N. Abu El-Haj, “Translating Truths: Nationalism, the Practice of Ar­chaeology, and the Remaking of Past and Present in Contemporary Jerusalem,” American Ethnologist 25 (1998): 175; M. Dumper, “Israeli Settlement in the Old City of Jerusalem,” Journal of Palestine Studies 21, vol. 4 (1992): 33–34; T. Abowd, “The Moroccan Quarter: A History of the Present,” Jerusalem Quarterly File 7 (2000).”

37- طيقا لأبو الحاج، هذا الاختلاط الملحوظ بين الاحياء اليهودية والأحياء الأخرى في البلدة القديمة، فضلاً عن الحدود الواضحة التي تفصل بين الأحياء المختلفة، غنما ظهر في فترة متأخرة نسبياً، انظر، Abu El-Haj, “Translating Truths,” 180.

38- حول التداعيات السياسية لإعلان هذه المناطق كمنتزهات وطنية، انظر، Y. Miz­rachi, Between Holiness and Propaganda: Archaeology and Political Claims over the Old City of Jerusalem (Jerusalem: Emek Shaveh, 2011); and R. Greenberg, “Towards an Inclusive Archaeology in Jerusalem: The Case of Silwan/The City of David,” Public Archaeology 8 (2009): 42.

39- للحصول على لمحة عامّة عن التغيرات الديموغرافية الأخيرة في القدس، انظر، Del­lapergola, “Jerusalem’s Population.” On the policies regarding the demographic balance and the redrawing of municipal boundaries, see M. Benvenisti, City of Stone: The Hidden History of Jerusalem (Berkeley: University of California Press, 1996), 50–68.

40- للحصول على قائمة بجميع القوانين بما في ذلك التعاريف، انظر، www.knesset.gov.il/ description/eng/eng_mimshal_yesod1.htm  (English version); and http://main.knesset.gov. il/Activity/Legislation/Pages/BasicLaws.aspx (Hebrew version).

41- ويحتفظ المجتمع الدولي بسفاراته في تل أبيب، بما في ذلك الولايات المتحدة.

42- أدانت هيئات دولية مثل الأمم المتحدة القانون الأساسي الإسرائيلي المتعلق بالقدس باعتباره انتهاكاً لاتفاقية جنيف الرابعة، وبالتالي اعتبرت أن الإعلان عن  المدينة كعاصمة لإسرائيل مخالف للقانون الدولي. على عكس اتفاقية المعاهدة، لا يُكتب القانون الدولي العرفي عادةً. وأكدت محكمة العدل الدولية (الفرع القضائي الأساسي للأمم المتحدة) في رأيها الاستشاري للعام 2004 بشأن شرعية الجدار الفاصل، أن الأراضي التي احتلتها إسرائيل في حرب العام 1967 ، بما في ذلك القدس الشرقية، هي أراضٍ محتلة. حول تعقيد القانون الدولي وأهميته المتنازع عليها، انظر، E. Cotran, “The Jerusalem Question in International Law: The Way to a Solution,” Islamic Studies 40 (2001); and Weiner, “The NGOs, Demolition of Illegal Building in Jerusalem, and International Law,” Jewish Political Studies Review 17, no. 1–2 (2005).

43- أيدت اللجنة في دورتها الخامسة والعشرين (هلسنكي، 2001) توصية الدورة الخامسة والعشرين لمكتبها (باريس، حزيران / يونيو 2001) “بإرجاء مواصلة النظر في اقتراح الترشيح هذا إلى حين التوصل إلى اتفاق بشأن الوضع. لمدينة القدس بما يتوافق مع القانون الدولي ، أو حتى تقدم الأطراف المعنية ترشيحاً مشتركاً “(القدس ، قائمة اليونسكو للتراث العالمي http://whc.unesco. org/en/tentativelists/1483)

44- تم بناء الأجزاء الأولى من الجدار في عام 2000. حول كيفية تأثير تقسيم القدس على الانقسامات العرقية والدينية واللغوية للسكان، انظر، M. Dumper, “A False Dichotomy? The Binationalism Debate and the Future of Divided Jerusalem,” International Affairs 87 (2011). وحول الغرض السياسي للجدار في القدس، مقابل دوره الدفاعي أو الأمني الذي تؤكد عليه الحكومة الإسرائيلية ، انظر، M. Klein, “Jerusalem as an Israeli Problem—A Review of Forty Years of Israeli Rule over Arab Jerusalem,” Israel Studies 13, no. 2 (2008): 66; and Ir Amim’s statements regard­ing the “separation barrier”: www.ir-amim.org.il/en/issue/separation-barrier. See also I. Kershner, The Seam of the Israeli-Palestinian Conflict (New York: St. Martin’s Press, 2005); and F. Chiodelli, Shaping Jerusalem: Spatial Planning, Politics and the Conflict (New York: Routledge, 2017).

عن محمود الصباغ

محمود الصباغ
كاتب ومترجم من فلسطين

شاهد أيضاً

سؤال وجواب: دليل “برامج التجسس”

كيف يعمل برنامج بيغاسوس Pegasus ؟ ومن هو الأكثر عرضة للخطر؟ ولماذا من الصعب حماية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *