الرئيسية > تاريخ > الأركيولوجيا بين العلم والإيديولوجيا: العثور على القدس مثالاً (9)
غلاف الكتاب

الأركيولوجيا بين العلم والإيديولوجيا: العثور على القدس مثالاً (9)

ترجمة: محمود الصباغ

 الفصل التاسع

جبل الهيكل / الحرم الشريف

أفضل منظر يطل على جبل الهيكل (הר ה- בית)، أو الحرم الشريف، إما من جبل الزيتون من جهة الشرق أو من منتزه هاس على ما يسمى تلة محامي الشر في جنوبها [منتزه هاس، يطل على مدينة القدس القديمة من جهة الجنوب، اكتمل مشروع المنتزه في العام 1987 بتمويل من والتر وإليز هاس، ويتصل بمنتزه شيروفر في الشمال والغرب، ومنتزه غولدمان من جهة الشرق (تُعرف المتنزهات الثلاثة مجتمعة باسم منتزه أرمون هنتسيف) – المترجم]. تهيمن هذه الهضبة المرتفعة بصرياً على المدينة القديمة، وهي المتوجة بالقبة الذهبية لقبة الصخرة، بالإضافة إلى العديد من المعالم الأثرية التي شُيدت طوال 1300 عام من الحكم الإسلامي للمدينة (انظر الشكلين 1 و 36) .

شكل 36: منظر جوي للحرم الشريف باتجاه الشرق. تصوير حنان إسخار.

ويعوّض حجمها الهائل ومظهرها الصلب عن اخفاض ارتفاعها مقارنةً بالتلة الغربية -الأحياء الأرمنية واليهودية والمسيحية اليوم، والتي يبلغ ارتفاعها حوالي خمسة وعشرين متراً فقط -وبالتالي لا تزال تستحق لقب الأكروبوليس، حيث يكون عادة في أكثر مواقع المدينة علواً.  ولاشك، ثمة انطباعات متناقضة، جديدة أو قديمة، تنبع من هذه المكان عند رؤية هذا الصرح أكثر من أي نصب أثري آخر في المدينة، حيث  تمتزج مشاعر القداسة والسلام والخلاص بمشاعر الكراهية والتوتر والعنف. تعرف التلة التي تقع عليها الهضبة تقليدياً بجبل مُريّا[جبل الصخرة أو هضبة الحرمٍ] (انظر الإصحاح 22 من سفر التكوين: 2 فَقَالَ اللهُ: «خُذْ إسْحَاقَ ابْنَكَ وَحِيدَكَ الَّذِي تُحِبُّهُ. وَاذْهَبْ إلَى أرْضِ المُرِيَّا. وَهُنَاكَ قَدِّمْهُ لِي ذَبِيحَةً عَلَى جَبَلٍ سَأُرِيهِ لَكَ.»). وبحسب الرواية التوراتية، اشترى داود العقار من أرونا[أرنان] اليبوسي وأقام مذبحاً (سفر صموئيل الثاني 24: 16-25 وسفر أخبار الأيام الأولى 21: 15-22)، استبدله ابنه سليمان بالهيكل الأول (سفر أخبار الأيام الثاني 3: 1). يرتبط نفس الموقع أيضاً بالموضع الذي أمر فيه إبراهيم بذبح ابنه اسحق (سفر المزامير24: 3 ؛ سفر إشعياء 2: 3 و 30:29 ؛ وسفر زكريا 8: 3). ويقول التقليد أن موقع الهيكل الثاني، الذي بني بعد السبي البابلي، ومعبد هيرود المجدد شيدا في نفس المكان تماماً مثل الهيكل الأول. لا توجد آثار مادية لأي من المعبدين، على الرغم من أن المعابد القديمة بنيت في كثير من الأحيان في ذات الأماكن المقدسة أو الآثار القديمة، حتى عندما يتم استبدال الآلهة أو الأديان، وبالتالي تتعد وتتنوع التكهنات والآراء المتعلقة بالموقع الدقيق لهما(1). توثق المصادر التاريخية عن الفترة الإسلامية المبكرة، اختيار بناء قبة الصخرة في المكان المفترض للمعبد اليهودي المدمر(2). قدّس المسلمون، لاحقاً، الموقع  باعتباره “المسجد الأقصى” المذكورة في القرآن (الإسراء: 1)، وباعتباره موضع رحلة محمد الإعجازية الليلية إلى الجنة[ الإسراء والمعراج] (سورة الإسراء). وتشير التقاليد الإسلامية  إلى أن إسماعيل، جد العرب، وليس إسحاق، هو الذي قدمه إبراهيم للتضحية به (الصافات: 100-106). أما بالنسبة لليهود، حدد موقع المعابد السابقة اتجاه العبادة في جميع أنحاء العالم من العصور القديمة وحتى الوقت الحاضر. وبالنسبة للمسلمين، كانت القبلة الأصلية (اتجاه الصلاة) باتجاه الحرم الشريف. ثم استبدلت بالكعبة المشرفة  في مكة في السنة الثانية لهجرة النبي محمد إلى المدينة في العام 624 م. (البقرة: 142 – 144)(3).

يمكن ربط معظم البقايا الأساسية للسور المحيط بالتجديدات التي بدأت في عهد الملك هيرود الكبير في النصف الثاني من القرن الأول ق.م، والتي اكتملت قبل وقت قصير من اندلاع الثورة اليهودية الأولى في العام 66 ق.م، بخلاف بعض مكونات البناء الجوفية، والتي تتكون أساساً من صهاريج وقنوات مائية، يعود العديد منها إلى الفترة الهلنستية.. تعرض المجمع الهيرودي لأضرار فادحة على يد الرومان في العام 70 ق.م، ولا سيما المعبد اليهودي والمعبد الملكي الواقع على قمة الهضبة. غير الواضح ما إذا كان المبنى الذي بني في مكان المعبد اليهودي السابق خلال الفترة الرومانية المتأخرة يمثل معبداً وثنياً، أو أنه مجرد صرح مخصص للإله جوبيتر(4). لكن من المتفق عليه أن المعبد تحول إلى محجر ومكب للقمامة  في العصر البيزنطي، بما يمثل رغبة واضحة في محو ذاكرة الهيكل اليهودي(5).

تم إحياء الموقع كمكان مقدس رئيسي بعد الفتح الإسلامي للمدينة في العام 638 م، وأتى هذا أولاً من خلال بناء مسجد بدائي في الطرف الجنوبي من الهضبة، لكن الأهم من ذلك أتى لاحقاً في العصر الأموي حين بنيت قبة الصخرة في عهد [الخليفة] عبد الملك [بن مروان] في العام 691 م والمسجد الأقصى في ظل حكم ابنه الوليد [بن عبد الملك] في العام 715 م(6). ويمكن ملاحظة الدور المهم للصرح، الذي يصور كمركز عبادة نشط، والاعتراف بمكانته كثالث أقدس موقع للحج في الإسلام بعد مكة والمدينة، من خلال أعمال الترميم وإعادة البناء، بالإضافة إلى العديد من مبادرات البناء الجديدة على قمة الهضبة في مراحل الحكم الإسلامي كافة(7). واحتفظت الديانة اليهودية بدور مركزي حتى يومنا هذا لذكرى إلغاء ممارسة الطقوس الكهنوتية وطقوس التضحية واختفاء الحضور المادي الكبير للمعبد، على الرغم مما يمثله تدمير المعبد الهيرودي في القدس من نقطة تحول هامة في العبادة اليهودية، ليس فقط بسبب القضاء على هذه الطقوس، ولكن أيضاً على مستوى التغييرات الدينية والسياسية والثقافية المهمة الأخرى.  اقتصرت المساحة المقدسة في حرم هيرود على المعبد نفسه، بما في ذلك الساحات المتنوعة داخل السور المنخفض soreg، وبالتالي فصل هذه المنطقة عن معظم الهضبة والسور المحيط، الذي ظل في متناول الأغيار Gentiles. واكتسبت البنية التحتية للموقع قداستها، بعد تدميره على يد القائد الروماني تيتوس في العام 70 ق.م، مما أدى إلى طمس أسوار المبنى الأصلي من بقية المجمع في وقت مبكر يعود للعصرين الروماني والبيزنطي(8).

اقتصر الوصول إلى الهضبة على المسلمين، طوال أو معظم فترات الحكم الإسلامي للمدينة. وبقي هذا المنع سائداً على غير المسلمين خلال القرون  الأولى من الحكم العثماني، غير أن هذه القيود خففت في أوائل القرن التاسع عشر، عندما سمح لعدد قليل من الغربيين بزيارة الصرح ودراسته. أما في فترة الانتداب الانتدابي، فقد منحت السلطات البريطانية، رسمياً، غير المسلمين حق الوصول إلى الحرم لأول مرة، وامتد الوضع العثماني الراهن إلى حائط المبكى، مما سمح لليهود بالعبادة في هذا الموقع. وفي ظل الحكم الهاشمي، لم يعد بإمكان اليهود دخول القدس الشرقية، لكن الهضبة ظلت متاحة للزوار المسيحيين والمستكشفين. وبعد احتلال القدس الشرقية في العام 1967، ادعت إسرائيل السيادة السياسية على المجمع، لكنها منحت الوصاية الوقفية على هضبة الحرم(9). واستمر نفس المسؤولين ورجال الدين الفلسطينيين والأردنيين الذين أداروا الموقع قبل الاحتلال الإسرائيلي في إدارة الموقع من عمان، بموافقة إسرائيل الضمنية(10). على الرغم من اقتصار الصلاة على المسلمين فقط -وهي قاعدة فرضتها الحكومة الإسرائيلية، والتي غالباً ما كانت تتحداها الجماعات اليهودية الهامشية الدينية والقومية اليهودية- سُمح لأتباع الديانات الأخرى بالوصول إلى منطقة الحرم(11) ومنذ ذلك الحين، ظلت اللوائح والنزاعات المتعلقة بالحرم القدسي الشريف، بما في ذلك هضبة الحرم وحائط المبكى، خاضعة لسلطة الحكومة والمحكمة العليا الإسرائيلية، مما يتطلب رقابة شرطية وعسكرية مستمرة(12). وبالنظر إلى حقيقة أن المجمع لا يعتبر مكاناً مقدساً فحسب، بل موقعاً أثرياً أيضاً، فهو يخضع لقانون الحفاظ على الأماكن المقدسة للعام 1967 وقانون الآثار للعام 1978(13). وكثيراً ما كانت تظهر أصوات تطعن شرعية السلطات الإسرائيلية وهيئاتها الرسمية على الموقع، نظراً لأن سيطرة إسرائيل على القدس الشرقية موضع خلاف، سواء على المستوى الدولي، أو المحلي من قبل مؤسسة الوقف الإسلامي ومعظم السكان المسلمين والفلسطينيين في المنطقة، وغالباً ما كتن الفلسطينيون يواجهون السيطرة الإسرائيلية هذه بالرفض أو بعدم تنفيذ الإجراءات المترتبة عليها، ولاشك أن هذه العلاقة المتبادلة الأكثر تقلباً بين السلطات الإسرائيلية والفلسطينية والأردنية، وتعاملها مع الجماعات الناشطة المتطرفة التي تعتبر المجمع كرمز لتطلعاتها الدينية والوطنية، لا تؤثر فقط على الأحكام اليومية من حيث صلتها بالزوار والمصلين. بل تؤثر، أيضاً، على أعمال الصيانة المادية لصرح تاريخي رئيسي -يعد أحد المعالم التي تتطلب اهتماماً ورعاية مستمرين. إن موقع جبل الهيكل / الحرم الشريف يجسد، بالتالي، تناقضاً بين التبجيل المستمر الذي يتجاوز الحدود الدينية والقومية، والرغبة إما في تعطيل ذاكرة الهيمنة اليهودية أو التعدي على الحرية الدينية والاستحقاقات القانونية للمصلين المسلمين والمسؤولين.

عمليات التنقيب والمسوحات

كان المهندس المعماري فريدريك كاثروود أول غربي معروف قام بعمل رسومات تفصيلية للحرم وقبة الصخرة في العام 1833(14) (انظر الشكل 37).

الشكل 37.مقطع عرضي لقبة الصخرة (طبعت عن المصدر: الرسومات التفصيلية الأولى التي رسمها فريدريك كاثروود في العام 1833
Dehio and von Bezold, Die kirchliche Baukunst des Abendlandes, 1887, Pl. 10

وأجرى تشارلز ويلسون وتشارلز وارن مسحهما للمجمع، بين عامي 1865 و1869، بما في ذلك مسح العديد من المنشآت تحت الأرض وبعض المواقع المختلفة للسور المحيط، ولا تزال نتائج عملهما، سواء كانت مادية أو منشورة، تستخدم كدليل إرشادي لعلماء الآثار والباحثين الذين يدرسون المجمع(15). أولى المساهمات المهمة في معرفتنا بالهندسة المعمارية الإسلامية والتسلسل الزمني للبناء التي أجريت خلال السنوات الأخيرة من الحكم العثماني تلك التي تعود لكل من كيبل أرشيبالد كاميرون كريسويل، لقبة الصخرة والمسجد الأقصى، ومجموعة ماكس فان بيركيم للنقوش العربية للحرم(16). وبعد الأضرار التي لحقت بالمنطقة الجنوبية للهضبة أثناء زلزال العام 1927، أجرى روبرت هاملتون تحقيقاً مفصلاً للمسجد الأقصى وفتح عدة خنادق تنقيب داخل المبنى وبالقرب منه (انظر الشكل 38).(17).

 

شكل 38. مخطط الحرم الشريف مع مناطق التنقيب. رسم فرانسيسكا ليمان

كان هاملتون في ذلك الوقت مديراً لإدارة الآثار الانتدابية البريطانية،، وقام بعمله بالتنسيق بين دائرته ومؤسسة الوقف الإسلامي. نشر هاملتون دراسته للمسجد، بما في ذلك العديد من المخططات والأقسام والارتفاعات، لكنها للأسف تفتقر إلى التوثيق المفصل للخنادق المحفورة، والتي كشفت عن العديد من أجزاء الأرضيات الفسيفسائية. ومازال تحديد أصل هذه الأرضيات موضع جدل ودون حل، حيث يقترح البعض أن تلك الأرضيات تشكل جزء من مسجد يعود للعصر الأموي المبكر، بينما يرى البعض الآخر أن أسلوب تصميم هذه الأرضيات يتوافق مع العصر البيزنطي المتأخر على ما يبدو، وقد يشير إلى وجود كنيسة غير موثقة أعلى الهضبة، كما تم اقتراحه مؤخراً -وهي أطروحة من شأنها أن تغير فهمنا تماماً للموقع خلال السنوات التي سبقت الفتح الإسلامي- (18). ومع هذا، يمكننا أن نذكر، أن مشروع هاميلتون كان فرصة نادرة ويائسة للتوثيق الصحيح للحفريات على قمة الحرم.

 سرعان ما بدأت، بعد احتلال إسرائيل للقدس الشرقية مباشرةً، الحفريات الأكثر شمولاً بالقرب من الحرم القدسي (الحفريات الجنوبية لجبل الهيكل)، المحيطة بالزاوية الجنوبية الغربية للسور المحيط وعلى طول الطريق إلى الزاوية الجنوبية الشرقية. وقام بنيامين مزار من الجامعة العبرية بإدارة الحملات بين عامي 1967 و 1982(19). واستمر العمل بعده بإشراف روني رايش وياكوب بيليغ وبشكل أكبر بإدارة إيلات مزار(20). ترتبط أحدث الاكتشافات بما يسمى بحفريات شارع هيرود ونفق التل الجنوبي الشرقي والتعديات على المنطقة القريبة من الطرف الجنوبي لحائط المبكى [حائط البراق](21). ويترازح تأريخ البقايا الموثقة إلى الفترة الممتدة بين العصرين الحديدي والإسلامي المبكر. وتشمل أهم الهياكل التي تم الكشف عنها العديد من منشآت العصر الحديدي والمباني والجدران المحصنة العديد من مرافق الوصول إلى الهضبة من الفترة الهيرودية من الجنوب والغرب، وكذلك الصهاريج وأحواض الطقوس من نفس الفترة؛ المساكن والورش والمنشآت الصناعية البيزنطية؛ وأخيراً، مجمع قصر أموي ضخم. و بدأ مشروع آخر مباشرة بعد العام 1967 وهو أعمال الحفر على طول الجدار الغربي (حفريات أنفاق الحائط الغربي)، مما يشكل امتداداً للعمل الذي بدأه العديد من الباحثين في مؤسسة صندوق استكشاف فلسطين  في القرن التاسع عشر(22). أشرف عالم الآثار مئير بن دوف على بعض المبادرات المبكرة و نشر نتائجها. ثم استبدل بالعالم دان باهات في العام 1985(23). وواصل ألكسندر أون، بين عامي 2007 و 2010، أعمال التنقيب برعاية هيئة الآثار الإسرائيلية(24). وتقع اللقى المكتشفة، التي يتراوح تاريخها بين أواخر الفترة الهلنستية والعصر الحديث، داخل شريط، يبلغ طوله حوالي مائة متر وعرضه أحد عشر متراً، ويمتد شمال الحائط الغربي على طول السور المحيط. والأكثر أهمية، من بينها، بقايا جسر مقوس من الفترة الهيرودية، يشار إليه أحيانًا باسم الجسر العظيم، ويمتد بدءً من الشرق، عند قوس ويلسون ويصل غرباً عبر الوادي الأوسط. وتجدر الإشارة إلى العديد من المباني التي تقع بالقرب من الجسر من بينها مبنى المحكمة Masonic Hallمن العصر الهيرودي والمدرسة التنكزية التي بنيت في العام 1329 واستُخدمت كمحكمة خلال العصرين المملوكي والعثماني(25).

على الرغم من استمرار استخدام الحرم كموقع ديني عبر تاريخ الاستكشاف العلمي -وعلى الرغم من حقيقة أنه لم يتم إجراء حفريات شاملة في قمة الهضبة أو تحتها- فقد تم تجميع قدر مذهل من الوثائق على مر السنين مما يسمح لنا بإعادة بناء تاريخ هذا المجمع المعماري بشكل موثوق به، والتعرف على تسلسلات بنائه المختلفة، والتعديلات التي أجريت عليه، وعمليات التدمير، والترميم، وهذا ما يساعدنا على تتبع ليس فقط العلاقة المتبادلة المتغيرة للموقع مع المباني المحيطة المختلفة وطرق الوصول ولكن أيضاً تأثيره على الملف الحضري في القدس حيث تطورت من العصور القديمة إلى الوقت الحاضر. وتكاد تكون الخلافات معدومة فيما يتعلق بالتاريخ البنيوي لجبل الهيكل\ الحرم الشريف، على عطس المنطقة الواقعة جنوب شرق التل، حيث لا يزال هناك تضارب في التسلسل الزمني والتفسيرات يطغى على البحوث الأكاديمية -إلى حد كبير ناتج عن استخدام الروايات التوراتية كمرجع لإعادة بناء التغييرات الثقافية-. علماً أنه لم يصاحب أي صرح آخر في القدس مثل هذه الأوصاف التفصيلية والمنتظمة التي قدمها المعاصرون الذين زاروا المكان أو عاشوا فيه أو شاركوا بشكل مباشر أو غير مباشر في التغييرات التي أثرت على مظهره المادي واستخدامه.

يزودنا يوسيفوس فلافيوس بوصفين مفصلين عن بناء هيرود لمجمع جبل الهيكل(26) كما وثّق المسيحيون الأوائل، ولاحقاً حجاج العصور الوسطى استخدامه كمزار إسلامي، ثم تحوله إلى معقل صليبي، ثم عودته من جديد كمكان عبادة إسلامي.. وتُستكمل هذه التوصيفات بالعديد من النصوص المعاصرة التي كتبها المؤرخون والجغرافيون وعلماء الدين والمسؤولون الحكوميون(27)،  كما عثر في الموقع على العديد من النقوش المكتوبة باللغة العبرية واليونانية واللاتينية والعربية، بالإضافة إلى عدد لا يحصى من المخطوطات المخزنة على مدار مئات السنين في الحرم، لتستكمل  بدورها البيانات التي يمتلكها علماء الآثار ومؤرخو الفن والمؤرخون(28), ثمة خلافات حول بعض سمات الموقع، لكنها طفيفة نسبياً. فعلى سبيل المثال، هناك نقص فيما يتعلق بتأكيد تأريخ وتفسير ما يسمى بجدار سليمان في الحفريات في جبل الهيكل الجنوبي، وهناك خلافات طفيفة بشأن تاريخ تجديد توسعات السور المحيط الهيرودي وطرق الدخول. والبوابات، وكما أنه مازال تأريخ الإنشاءات الأيوبية مقابل الصليبية محل جدل. ومع ذلك، فإن هذه الخلافات تبدو باهتة مقارنة بالنزاعات التي تؤثر على فهمنا للتاريخ المبكر للتل الجنوبي الشرقي(29).

حملات البناء والتدمير والإنقاذ

نظراً لحقيقة أن وظيفة الحرم كانت مركز عبادة نشط، على الدوام، فقد كانت تجري المسوحات والتحقيقات الأثرية في ظروف صعبة للغاية(30). ولم يخلو الأمر من توترات متكررة واشتباكات عرضية بين حراس المجمع والعلماء الذين يعملون في الموقع، وذلك قبل احتلال إسرائيل للقدس الشرقية. غر ـن هذه المشاكل، الطفيفة نسبياً، لم تؤثر كثيراً على أعمال الصيانة البنيوية للصرح وعلى العلاقة بين مختلف الممثلين المؤسسيين المشاركين فيه. لكن الحال اختلف بدءً من العام 1967، مع التعديلات المادية الرئيسية -التي شملت التدمير والبناء والحفر- التي أثرت على الحرم ومحيطه المباشر، واتخذت النزاعات بين الجماعات الدينية والقومية المختلفة أشكالًا جديدة. ما جعل ذلك من الصعب، إن لم يكن من المستحيل، إجراء أي نوع من التحري العلمي دون التأثير على طبيعة الوضع السياسي شديدة الحساسية والقابل للانفجار بسهولة. ومهدت مبادرتان، بعد حرب 1967 مباشرة، الطريق لكيفية تغيير إسرائيل للمناظر الطبيعية المحيطة بالحرم بشكل دائم، ليس فقط تغيير الطبيعة المادية للموقع، بل أيضاً التفاعلات الاجتماعية والسياسية بين جميع الجماعات الدينية المعنية التي تشترك في الاهتمام بهذا الصرح. تمثلت المبادرة الأولى بتدمير حي المغاربة لغرض إنشاء ساحة الحائط الغربي. أما الثانية فكانت سلسلة الحفريات المستمرة الواسعة التي أجريت على طول جدران السور الجنوبي والغربي. وعلى الرغم من الطبيعة المختلفة لهاتين المبادرتين، إلا أنهما كانتا سبباً وراء العديد من التوترات المتكررة بين الإسرائيليين والفلسطينيين، والتي غالباً ما تتصاعد من مظاهرات واحتجاجات لتتحول إلى أعمال عنف يؤدي بعضها إلى الموت، بما يحمل هذا من تداعيات إقليمية ودولية.

دعت التعديلات المكانية التي أجرتها هاتان المبادرتان الجمهور اليهودي والإسرائيلي للمشاركة في هذا التحول الحضري بأبعاد مختلفة: أولاً، ثقافياً، من خلال تجربة واختبار، أي الاحتكاك المباشر مع الآثار المكشوفة في سياق الحديقة الأثرية، وثانياً، دينياً، من خلال الزيارة والصلاة عند الحائط الغربي؛ وأخيراً، سياسياً، من خلال مراقبة أو المشاركة في مراسم تعريف جيش الدفاع الإسرائيلي في الساحة، فضلاً عن المناسبات والاحتفالات الأخرى، والتي غالباً ما كان يحضرها، أو يحضر معظمها، الرئيس الإسرائيلي(31). نظر المسلمون الفلسطينيون، في المقابل، إلى هذه المبادرات على أنها محاولات عدوانية واضحة لتقويض روابطهم الدينية والتاريخية والثقافية مع أحد أقدس المواقع الإسلامية -وهو موقع كان يخضع لحكمهم الحصري لما يقرب من 1400 عام- بالإضافة إلى الخطوات الأولى للتعدي المادي على المجمع أو تدمير بعضه أو حتى كله بصورة نهائية.

لكن المثير للدهشة، على الرغم من السخط العام داخل العالم الإسلامي بشأن التحولات المادية حول منطقة الحرم، وعلى الرغم من الصراعات العديدة وحتى الاشتباكات العنيفة بين الإسرائيليين والفلسطينيين حول القضايا المتعلقة مباشرة بإدارة واستخدام المجمع خلال العقود الثلاثة الأولى من الاحتلال الإسرائيلي للقدس الشرقية، كان هناك قدر من التعاون بين الهيئات الإدارية المختلفة المعنية بالجهود الأثرية وجهود المحافظة على الموقع(32). علماً أن كل من الانتفاضة الأولى، التي اندلعت في كانون الأول\ ديسمبر 1987، ومذبحة الأقصى في تشرين الأول\  أكتوبر 1990، والتي يشار إليها على أنها أكثر الأحداث عاصفة في تاريخ العنف الفلسطيني الإسرائيلي في مجمع الحرم، قد حولتا، بالفعل، الساحة المقدسة إلى موقع مركزي للصراع القومي(33). وهكذا، بحلول العام 1996 انتهت الاتصالات غير الرسمية، التي كانت قائمة منذ العام 1967، بين الوقف الإسلامي وهيئة الآثار الإسرائيلية. والأحداث الرئيسية الثلاثة التي أثرت بشكل كبير على هذا التغيير كانت، أولاً، قرار رئيس الوزراء نتنياهو بفتح الطرف الشمالي لأنفاق الحائط الغربي في العام 1996، وثانياً، أعمال ترميم المصلى المرواني بين عامي 1996 و 1999. وأخيراً، زيارة زعيم حزب الليكود أرييل شارون إلى الحرم القدسي في العام 2000. وقد اعتبر الفلسطينيون الحدثين الأول والثالث على أنهما يهدفان إلى تعزيز المزاعم اليهودية المطالبة بالحرم القدسي، وبصورة عامة مدينة القدس. في المقابل، نظر الإسرائيليون إلى الثانية على أنها تعبير عن إنكار الفلسطينيين لسيطرة إسرائيل على الحرم والقدس الشرقية. ومنذ ذلك الحين، ونتيجة لتصاعد التوترات السياسية بين الإسرائيليين والفلسطينيين، إلى جانب الوعي المتزايد، محلياً ودولياً، بأن علم الآثار يستخدم كأداة سياسية، كررت سلطة الآثار تصنيفها لجميع المشاريع الأثرية الجديدة والمستمرة بالقرب من الحرم على أنها أعمال إنقاذ. بعبارة أخرى، بدلاً من إجراء هذه المشاريع من أجل استكشاف التسلسل الأثري والتاريخي للموقع لغرض المعرفة فقط -كما يمكن القول بسهولة في حالة الحفريات في جبل الهيكل الجنوبي- فقد عملت هيئة الآثار الإسرائيلية على تبرير جميع المشاريع التي بدأت بعد العام 1996 بشكل مفصل ونشرها على نطاق واسع باعتبارها متطلبات أساسية ضرورية لأعمال الصيانة أو الإصلاح أو التطوير المطلوبة.

أدى افتتاح الطرف الشمالي لأنفاق الحائط الغربي في العام 1996 إلى سلسلة من الأحداث الكارثية وكان من المحتمل أن يكون نقطة التحول التي أدت إلى قيام سلطة الآثار بتطبيق إجراءات مهنية أكثر علمية ومنهجية واستخدام وسائل اتصال عامة مصممة بعناية أكبر. فهم الفلسطينيون سلوك الحكومة الإسرائيلية على أنه عمل متعمد واستفزازي، لا يهدف فقط إلى خلق رابط مادي بين الأحياء اليهودية والمسلمة، ولكن يعتبر، أيضاً، تعدياً على موقع مقدس للمسلمين وربما تدميره، وأدى فتح النفق إلى انفجار العديد من الاحتجاجات. وبدا، بصورة علنية، أكثر من أي وقت سابق، قيام العديد من الوكالات الحكومية الإسرائيلية المدعومة من حزب الليكود بزعامة نتنياهو، ومؤسسة تراث الحائط الغربي، وسلطة الآثار الإسرائيلية- بخلط المصالح السياسية والأثرية. وهو ما أدى إلى تكثيف الإهانة المزدوجة من الخداع والاستفزاز. وتطورت الإدانات اللفظية من قبل المسلمين الفلسطينيين في نهاية المطاف إلى معارك بالأسلحة النارية، أولاً في القدس الشرقية ثم امتدت إلى الضفة الغربية وقطاع غزة، مما أسفر عن مقتل نحو سبعة وخمسين فلسطينياً وخمسة عشر إسرائيلياً(34). ويُشار عادةً إلى الأنشطة الفلسطينية المناوئة لفتح أنفاق الحائط الغربي باسم “انتفاضة الأقصى”، مما يسلط الضوء على الدور المهم الذي لعبه علم الآثار والدين في الانتفاضة الشعبية ضد الاحتلال الإسرائيلي. وكانت الحركة الإسلامية في إسرائيل، قد نظمت، على إثر هذه الاشتباكات الدامية، أول مهرجان لها تحت شعار “الأقصى في خطر”، تحذر فيه الجمهور الفلسطيني بأن الحفريات الإسرائيلية تشكل تهديداً مادياً على المسجد الأقصى وأن إسرائيل تسعى، بطريقة متعمدة ومنهجية، إلى تدمير المسجد من أجل بناء الهيكل الثالث في مكانه(35). وعلى الرغم من أن الحفريات لم تُجر قط بهدف تقويض المجمع مادياً، فقد دعت عدة مجموعات يهودية متطرفة مراراً وتكراراً إلى وضع خطط ومبادرات تدمير المسجد الأقصى واستبداله بالهيكل الثالث، الأمر الذي ساهم في سوء التفاهم وتصعيد الخوف بين المسلمين(36).

يرتبط كنيس أوهيل يتسحاق، الذي افتتح في العام 2008، بشكل مباشر بأنفاق حائط المبكى من خلال ممر تحت الأرض تم بناؤه مؤخراً(37) وتديره أيضاً مؤسسة تراث الحائط الغربي، علماً أن هذا الكنيس أنشأ أصلاً في العام 1904، وهجر في غضون الثورة العربية 1936-1939، وتعرض للتدمير خلال حرب عام 1948 (37). نُفِّذت حفريات ميدانية بين عامي 2004 و2005 ، بقيادة هيرفيه باربي وتوفيق دعدلي من هيئة الآثار الإسرائيلية بالتزامن مع ترميم وإعادة افتتاح الكنيس في العام 2008 . وبخلاف المعلومات القيمة التي توفرت عن شبكة الشوارع الرومانية والبيزنطية، فقد أعن الكشف عن حمام محفوظ جيداً يعود للفترة المملوكية، والذي تم تحديده باسم مستحم درج العين(38). كرس هذا المشروع التزام وقح  ومتواصل لهيئة الآثار الإسرائيلية بإجراء أعمال أثرية مجاورة للحرم مع تجاهل الحساسيات والمخاوف الإسلامية بشأن تقييد وصولهم إلى موقعهم المقدس وممارسة طقوسهم الدينية بحرية. وثمة مشروع آخر حديث يزعم إعداد مبادرة إنمائية ضرورية هو حفريات ساحة الحائط الغربي, ويتعلق الأمر بمبنى بيت هاليبا، المصمم للإشراف على الصلاة والسياحة في الساحة وأنفاق الحائط الغربي، بالإضافة إلى تأمين مساحة كافية لإنشاء مكتب وأماكن مؤتمرات تتبع لمؤسسة تراث الحائط الغربي. وغطت الحفريات الإنقاذية، التي أجريت بين عامي 2005 و 2009 ، بقيادة شلوميت ويكسلر بدولاه وألكسندر أون من هيئة الآثار الإسرائيلية، الجزء الشمالي الغربي من ساحة الصلاة، على بعد حوالي مائة متر من السور المحيط. وتشمل البقايا الهيكلية الهامة مسكناً من العصر الحديدي من النوع المكون من أربع غرف (القرن السابع ق.م)، وقسم من أعمدة كاردو الشرقية من الفترتين الرومانية والبيزنطية، ومبنى إسلامي متأخر مزين بلوحات جدارية فريدة من نوعها على طراز قصر الأبلق ومجهزة بفرن (يعود للفترة من القرن الثالث عشر إلى القرن الخامس عشر)، وأخيراً بناء عثماني متأخر مع محراب (بين القرنين التاسع عشر والعشرين). يُشار إلى أن التوثيق الأثري يتضمن إشارة إلى طبقات التدمير الأخير لحي المغاربة عام 1967 بهدف إنشاء ساحة حائط المبكى(39). ويعود التأخير في تشييد المبنى الجديد بسبب احتجاجات الجمهور والشكاوى القانونية التي قدمها علماء الآثار الإسرائيليون. وتتعلق الانتقادات بحقيقة أن مبنى بيت هاليبا سوف يغير المشهد المكاني الحالي للبلدة القديمة. وكما هو الحال مع معظم جهود التنمية الطموحة الأخرى المتعلقة بعلم الآثار والسياحة في القدس الشرقية، يعتبر المبنى ضرورة حصرية من وجهة نظر سياسة الاحتلال الإسرائيلي.

وتقع بالقرب من باب المغاربة، أحدث الحفريات المثيرة للجدل في القدس الشرقية، والتي بدأت في العام 2007، ويعد باب المغاربة المدخل الوحيد للحرم الذي يستخدمه غير المسلمين (انظر الشكل 39)(40). ووفقاً لبيان عام صادر عن هيئة الآثار الإسرائيلية، نشر على موقع وزارة الخارجية في 12 شباط2007، كانت الدوافع وراء  الحفريات تصب في مصلحة جميع الأطراف المعنية -الإسرائيليين والفلسطينيين وزوار جبل الهيكل الأجانب(41).

شكل 39. أعمال التنقيب والحفر في باب المغاربة. تصوير كاثرينا غالور

غير أن انهيار المنحدر [في العام 2004] شكّل خطراً على السياح الذين يصعدون إلى جبل الهيكل وعلى المصلين في منطقة النساء في أدنى ساحة الحائط الغربي. وأعلن القسم الهندسي في المدينة مباشرة بعد هذا الانهيار أن الموقع بات خطيراً. وتعد القدس الكبرى، في مجملها، موقعا أثرياً مُعلناً. ووفقاً لقانون الآثار، يُطلب من سلطة الآثار الإسرائيلية حفر جميع المواقع الأثرية التي تعرضت لضرر متعمد أو بسبب كوارث طبيعية، بحيث يمكن لأي خطة هندسية (بناء جسر جديد أو تعزيز منحدر موجود) أن تتطلب حفريات إنقاذ أثرية كاملة. وتستدعي مثل هذه الخطط الهندسية، كتعزيز المنحدر الحالي أو بناء جسر جديد، إعداد وبناء البنى التحتية التي تتطلب بدورها حفريات أثرية كاملة. إن أهمية الحفاظ على مظهر ساحة الحائط الغربي كموقع مقدس، تملي إعادة بناء مناسبة لمدخل بوابة المغاربة المتضرر. ويجب أن يوفر الوصول الجديد ممراً مريحاً وآمناً لزوار جبل الهيكل، بمن فيهم الأشخاص ذوو الإعاقة. وإدراكًا منها تماماً لطبيعة الموقف شديدة الحساسية والمثير للتحريض، فقد تقدمت هيئة الآثار الإسرائيلية بأسلوب يتسم بأقصى قدر من الوعي، معلنةً ” ضمانة قيام العمل المهني على أعلى مستوى”. والتزاماً منها بـ “المبادئ التوجيهية” و “الاعتبارات بين الأديان”، فقد أصدرت الهيئة تصريحاً نُشر، أيضاً، على موقع وزارة الخارجية الإسرائيلية، جاء فيه: ” لم تقم هيئة الآثار قط بالتنقيب في مجمع جبل الهيكل، كما أنها لن تسمح بذلك أبداً. فجبل الهيكل، موقع ذو قيمة تاريخية عليا يحظر فيه الحفر. وسوف تتم جميع الأعمال البناء خارج موقع جبل الهيكل، مع الحرص على الحفاظ على الوضع الراهن. وسوف تكون المسافة بين أعمدة الجسر وجبل الهيكل  ثمانين متراً. وسوف يجري العمل في منطقة خاضعة للسيادة الإسرائيلية وتحت مسؤولية بلدية القدس وحكومة إسرائيل. تم إطلاع الأطراف المسؤولة عن الشؤون الدينية في جبل الهيكل، بما في ذلك الأوقاف الإسلامية، على نية إسرائيل إعادة الوصول، من خلال الحوار الجاري القائم بينهما. يجب الحرص على ألا يضر تشييد الجسر الجديد بالحساسيات الدينية أو الأماكن المقدسة أو الاهتمامات ولمصالح الدينية الأخرى.”

أدى التداخل المستمر لسياسات الاحتلال الإسرائيلي وتوسع استثماراتها في الآثار العامة والمواقع السياحية في القدس الشرقية، والتي أثرت بشكل متزايد على استحقاقات الفلسطينيين في العيش في المدينة والمطالبة بجزء من تراثها التاريخي والديني، إلى تشويش تام على المشاريع الأثرية التي تعود بالفائدة على جميع الطوائف الدينية والقومية والمشاريع ذات الدوافع السياسية. إن الطبيعة المضنية لإجراءات التخطيط والتأكيد على اتباع أعلى المعايير المهنية لم تؤد سوى إلى القليل على خطوات ردم هوة عدم الثقة لدى السكان الفلسطينيين، أو ربما لم تفعل شيء يذكر على صعيد العديد من الحفريات الإنقاذية السابقة التي أجريت في القطاع المحتل من المدينة.

أدانت كل من حماس وحركة فتح، من جديد، هذه الحفريات، ودعتا الفلسطينيين إلى التوحد للاحتجاج. كما أبدت الأردن وسوريا والمملكة العربية السعودية وماليزيا معارضتهم لمثل هذه الحفريات، فضلاً عن سبعة وخمسين عضواً في منظمة المؤتمر الإسلامي، معتبرين هذه الأعمال تهديداً خطيراً لثالث المساجد المقدسة في الإسلام. ونفت إسرائيل الاتهامات ووضعت كاميرات لتصوير الحفريات في محاولة أخرى لتحقيق الشفافية التامة في هذا المسعى. وبثت اللقطات مباشرة على شبكة الإنترنت، حيث كان من يأمل لها أن تخفف من حدة الغضب المنتشر. وعلى الرغم من تبرئة اليونسكو للجانب الإسرائيلي من المخالفات، مؤكدة أنه لم يلحق ضرر بالحرم وأن الحفريات تتم وفق المعايير المهنية، إلا أن تقريرها أوصى بوقف العمل. ونتيجة الاحتجاج المحلي والدولي، توقف العمل بعد فترة وجيزة من إطلاقه، على الرغم من استئنافه في العام 2013، على أن يكتمل في العام 2015 (42). ورداً على إجراءات السيادة السياسية المفروضة والأنشطة الأثرية ذات الصلة التي تمس الحرم، توجت الجهود الفلسطينية للمطالبة بالصرح الإسلامي المقدس بترميم المصلى المرواني. وعلى الرغم من التغطية الواسعة في وسائل الإعلام المحلية، ومعظمها من وسائل الإعلام الإسرائيلية، فقد  لاقى الموضوع اهتماماً قليلاً نسبياً على الصعيد الدولي. وبين عامي 1996 و 1999، تم تحويل مبنى قديم مقبب أسفل الركن الجنوبي الشرقي من هضبة الحرم -يُشار إليه عموماً باسم إسطبلات سليمان، على الرغم من أنه يرجع تاريخه إلى العصر الهيرودي -، إلى مسجد تحت الأرض يتسع لعشرة آلاف مصلي. تم تنفيذ البناء رسمياً من قبل الأوقاف الإسلامية، برعاية مالية ومساعدة لوجستية من الحركة الإسلامية في إسرائيل تحت إشراف الشيخ رائد صلاح، رئيس بلدية أم الفحم -وزعيم الفرع الشمالي للحركة، والتي يعتبر التزامها بإعادة تأهيل وترميم الأماكن المقدسة، أحد أركان العقيدة المركزية لنشاطها داخل إسرائيل، فضلاً عن تأييدها لعملية ترميم المسجد الأقصى ودعم الاحتجاجات الشعبية ضد الاحتلال والدعوة إلى إحياء الأعياد الدينية في الحرم القدسي. وبخلاف تجديد المبنى المقبب تحت الأرض هذا، تم بناء منحدر وصول جديد ودرج لتسهيل الدخول والخروج(43). تعرضت عملية التنظيف والبناء لانتقادات شديدة من قبل مجموعة من علماء الآثار الإسرائيليين (الذين يدعمون استمرار الاحتلال) لاستخدام الجرافات وإتلاف الآثار والقضاء عليها دون إشراف آثاري مناسب(44). ففي عدة مناسبات، في العام 1999 وكذلك في العام 2000 تم التخلص من مخلفات البناء في مواقع مختلفة وطرحها خارج البلدة القديمة. وفي العام 2000، بدأ علماء الآثار من سلطة الآثار الإسرائيلية بفحص مواد الحطام بحثاً عن القطع الأثرية القديمة(45). ومع ذلك، لم يتم تشكيل مشروع غربلة جبل الهيكل حتى العام 2005، كمنصة لعلماء الآثار الإسرائيليين والناشطين المكرسين للاحتجاج على البناء داخل صرح تاريخي دون إشراف آثاري واستعادة القطع الأثرية الإضافية من المكبات(46). بعد نقل حطام البناء المهملة إلى حديقة وادي تسوريم الوطنية، تم فرز المواد بشكل منظم من قبل موظفي إلعاد والمتطوعين والسياح(47). وبالنسبة للجزء الأكبر، فإن التصورات والأجندات الدينية والأيديولوجية التي تعيد التناغم مع الإرث التاريخي للمجمع على جبهتي اليهود الإسرائيليين والمسلمين الفلسطينيين هي إما دعم للاحتلال (بالنسبة للأول) أو كرد فعل على الاحتلال (بالنسبة للأخيرة). واستجابةً للزيادة التدريجية في حجم الحفريات الإسرائيلية في الحرم وبالقرب منه، بدءً من العام 1967، والتزامهم العام المتزايد بالمعايير المهنية الأثرية منذ منتصف التسعينيات، كانت محاولات تنديد اليونسكو  والجهود الفلسطينية للتصدي غير فعالة إلى حد كبير.

صرح واحد، وسرديتان من التراث

يلخص جبل الهيكل / الحرم استمرارية الفضاء المقدس ويمثل صرحاً يتجاوز تغيير الانتماء والممارسة الدينية، حيث تطور، عبر تاريخه، من مكان عبادة يهودي إلى مزار مسلم -وبشكل مؤقت إلى موقع مسيحي مقدس. ولكن منذ احتلال إسرائيل للقدس الشرقية، تحول إلى موقع توتر ديني وقومي رئيسي في المدينة، وساحة صراع، وعنف متكرر بين اليهود والمسلمين، ومؤخراً بين الإسرائيليين والفلسطينيين، وهو وضع أثر على كل من الدراسة والحفاظ على صرح تاريخي ذي قيمة مشتركة: لأكثر من ألف عام، لم يتعرض الموقع للانتهاك أو الطعن في انتمائه كمكان عبادة للمسلمين إلا خلال فترة الحكم الصليبي. وخلال الفترات الإسلامية المبكرة والمتأخرة، أكد التقارب الديني -السياسي في المنطقة على وظيفة الهضبة التي لا جدال فيها كمكان إسلامي للصلاة والدراسة والنشاط القانوني والمدني. لم تتدخل العبادة اليهودية- التي نُقلت، في معظمها، إلى حائط المبكى -أو تهدد استخدامه الحصري (انظر الشكل 40). حدث نقل القداسة من الهيكل إلى محيطه قبل الفتح الإسلامي بقرون في العام 638  بعد أن بدأ نتيجة تدمير الرومان للمعبد اليهودي في العام 70 ق.م. لم تحدث أحداث التوتر الأولى بين المسلمين واليهود حتى الانتداب البريطاني. كانت هذه الخلافات الدينية مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالصراع الإقليمي الناشئ بين اليهود والعرب، ولا سيما في سياق الأماكن المقدسة المشتركة. اشتدت الأعمال العدائية خلال فترة الحكم الأردني، ولكن نادراً ما تم تفعيلها على أساس المجمع، وذلك في الغالب نتيجة عدم إمكانية وصول اليهود إلى جبل الهيكل.

الشكل 40. الحائط الغربي [حائط البراق]. تصوير كاثرينا غالور

بدأ فصل جديد في تاريخ المجمع ودوره في الصراع الإسرائيلي الفلسطيني بعد احتلال إسرائيل للقدس الشرقية، الأمر الذي وضع جميع الأضرحة والمباني الإسلامية في الموقع تحت السلطة السياسية الإسرائيلية، فضلاً عن مراقبة الشرطة والجيش. ومنذ العام 1996، تحول جبل الهيكل / الحرم الشريف بالفعل إلى نقطة محورية في المنطقة، حيث ظهرت ردات الفعل والصدمات المتبادلة والتعبيرات العنيفة للمقاومة الفلسطينية للاحتلال الإسرائيلي في أكثر الأشكال العسكرية. إن النشاط الأثري المكثف الذي قام به المهنيون الإسرائيليون، وعدم وجود إشراف آثاري مناسب أثناء مبادرات البناء والتجديد من قبل سلطات الوقف، وغياب خطة منسقة لجهود الحفظ والصيانة للمجمع بأكمله هي نتيجة لما يمثله الموقع من عمق مضامين الصراع الإسرائيلي الفلسطيني. لقد لعبت الروايات المتنافسة للتقاليد السابقة والأنشطة الحالية المحيطة بجبل الهيكل / الحرم الشريف دوراً قوياً بشكل خاص في الاشتباكات العنيفة المتزايدة بين اليهود والمسلمين، بين الإسرائيليين والفلسطينيين.

أحد أكثر النقاط إثارة للجدل في المجمع هو الحائط الغربي [حائط البراق]، وهو مقطع قصير -حوالي سبعين متراً- من الجزء الجنوبي من السور المحيط الغربي، الذي يبلغ طوله الإجمالي 488 متراً. تشير الأدبيات إلى أن الارتباط اليهودي بالحائط الغربي يعود إلى القرنين العاشر والحادي عشر الميلاديين، على الرغم من وجود بعض الغموض فيما يتعلق بالموقع الدقيق لذلك الارتباط المبكر(48). ويعود تاريخ أقدم تقليد إسلامي لربط حائط المبكى بالبراق إلى القرن الرابع عشر(49). ومع ذلك، لم يكن الجدار، حتى ظهور الحركة الصهيونية في أوائل القرن العشرين، مصدر احتكاك كبير بين المسلمين واليهود، حيث ظهرت أعمال العنف في عامي 1928 و 1929 وتعيين لجنة دولية في العام 1930 من قبل الحكومة البريطانية لتحديد حقوق ومطالب المسلمين واليهود فيما يتعلق بالموقع(50). وكان البارون روتشيلد أو من طرح، في العام 1887، فكرة شراء وتفكيك حي المغاربة المجاور لتسهيل العبادة اليهودية عند السور، وهي خطة تم تنفيذها فقط في العام 1967 (51). وعلى النقيض من الاهتمام الطفيف الذي أعاد الحي المجاور للجدار من سكان وزوار وعلماء القدس القديمة، وهي منطقة كانت تضم أبنية تعود إلى الممتدة من الفترة الأيوبية المبكرة حتى أواخر العصر العثماني، بما في ذلك دور العبادة. بدأ الجدار نفسه ينال اهتمام ورعاية المجتمعات المحلية والمهنيين منذ بدايات القرن العشرين. وبدأت السلطات الإسلامية، في العام 1920، في إجراء إصلاحات طفيفة للطبقات العليا من حائط المبكى. على الرغم من موافقة الجالية اليهودية على أن العمل ضروري، إلا أنهم ناشدوا السلطات البريطانية، مطالبين بتنفيذ مبادرات الحفظ تحت إشراف إدارة الآثار المنشأة حديثاً، مع الاعتراف بالجدار كجزء من صرح تاريخي يتطلب معالجة متخصصة(52) فاتخذ القرار بإخضاع صيانة المسارات الحجرية العلوية الصغيرة لسلطة المجلس الإسلامي الأعلى، في حين كان من المقرر الحفاظ على البناء الهيرودي والأموي السفلي من قبل دائرة الآثار، شجب مفتي القدس هذا القرار. وتكررت عملية تقسيم المسؤوليات هذه عدة مرات، ولكن نادراً ما أثبت نفسها كوسيلة قابلة للتطبيق لحل مشاكل الحفظ(53).

يمثل جبل الهيكل، بالنسبة لليهود، موقع الهيكلين الأول والثاني المدمرين. على الرغم من حقيقة أن الفاتحين المسلمين الأوائل للمدينة وبناة قبة الصخرة كانوا يعتزمون تحديد المكان الدقيق للمعبد اليهودي السابق، فقد كان وجود المعبد، في العقود الأخيرة، محل نزاع في العالم الإسلامي، وهو رأي يتغذى من التهديد الذي تمثله سيادة إسرائيل على ثالث الأماكن قدسية في الإسلام. والسيطرة على جبل الهيكل، بالنسبة للإسرائيليين، في العام 1967 يتجاوز بكثير الاستعادة المادية له، فالسيطرة تمثل استعادة أقدس موقع في اليهودية، والذي ظهر، وفقاً للرواية التوراتية، قبل حوالي 1600 عام من ولادة الإسلام. إن السوابق اليهودية للإسلام، بصرياً ومادياً في هذا المكان بالذات، تعتبر من قبل الإسرائيليين دليلاً قاطعاً على حقهم في إعادة استيطان الأرض، واحتلال القدس الشرقية، واستعادة الصرح بعد ألفي عام من تدميره. وهذه النتائج بالذات، وليست الوقائع المعزولة، هي التي يعتبرها المسلمون الفلسطينيون تهديداً لأحقيتهم في العبادة والملكية المستمرة. لذلك، فإن العبارة الشائعة في مختلف المنتديات التعليمية والإعلامية الفلسطينية، هي أن وجود المعبد اليهودي هو أسطورة ذات دوافع أيديولوجية وليست حقيقة تاريخية. وقد لقي هذا الاعتقاد صدىً حتى داخل الأوساط العلمية، تجلى في تصريح المؤرخ الفلسطيني الأردني كميل العسلي بأن “علم الآثار الحديث لم ينجح في إثبات أن الموقع الذي أقيم عليه الهيكل يقع في هذا المكان، حيث لا توجد بقايا من الهيكل”(54). على الرغم من قبول تحقيب المعابد اليهودية والأضرحة الإسلامية، غير أن الأمر من الناحية الإيديولوجية ليس أقل راديكالية بخصوص الجدل السائد بين بعض الجماعات اليهودية الهامشية حول وجوب إعادة بناء الهيكل اليهودي. هذه الرؤية، التي ستشمل بالضرورة تدمير قبة الصخرة، أيدتها حركة مؤمني جبل الهيكل وكذلك المنظمات الأخرى التي تأسست في العقود الأخيرة(55). وعلى الرغم من أن هذه الفكرة تأتي من عنصر راديكالي في المجتمع الإسرائيلي، فقد أدى رواجها إلى إجراءات استباقية واستجابة بين المسلمين الفلسطينيين، مما أدى إلى تصعيد الجو العام من عدم الثقة والمشاركة العدائية ، التي تنطوي في كثير من الأحيان على العنف من كلا الجانبين.

وكان القادة المسلمون ووسائل الإعلام العربية قد زعموا في مرات كثيرة، في سياق  محاولة لمواجهة جهود إسرائيل المقنّعة إلى حد ما لترسيخ سيطرتها السياسية والعسكرية على الحرم من خلال الحفريات الأثرية، أن علماء الآثار الإسرائيليين يحفرون أنفاقاً تحت الحرم لتقويض استقرار المجمع وتدمير المسجد الأقصى(56). وهذا هو الحال بالفعل، فقد شهدت العقود الأخيرة تصدعات وانتفاخات ملحوظة على طول جدران السياج الجنوبي والغربي بالإضافة إلى الأضرار التي لحقت بالمباني الواقعة فوق أنفاق الحائط الغربي. ومع ذلك، يجب الإشارة إلى أنه حتى لو كانت الحفريات متاخمة مباشرة لجدار أو منصة السياج، فإنها لا تمتد تحتها. علاوة على ذلك، يتم تنفيذ جميع الأعمال بحذر شديد، باستخدام أنظمة تقوية ودعم متطورة مصنوعة من الفولاذ والخرسانة. الاهتمام الأساسي، مما لا شك فيه، هو الكشف والتأكيد على العناصر المرتبطة بالمعابد اليهودية. لكن التدمير المادي للحرم من شأنه أيضاً أن يتسبب في إعاقة أقدس المواقع اليهودية، مما يجعل تدمير الحرم دافعاً غير معقول إلى حد ما. على الرغم من أن الحفريات التي أجريت بالقرب من الحرم وتحت المباني المجاورة قد أثرت على استقراره، إلا أنه من المستحيل تقويم مدى الأضرار الهيكلية التي سببها النشاط الآثاري. وثمة عوامل عديدة، يجب أخذها بعين الاعتبار، فقد ساهمت عدة قرون من الاستخدام والتآكل، وتدابير الترميم غير الملائمة في كثير من الأحيان المستخدمة في تلك المباني، والزلازل المتكررة. وهناك ادعاء آخر يؤثر على التراث الثقافي للموقع والطريقة التي تنظر بها الطوائف الدينية المختلفة إليه يتعلق بأعمال البناء والصيانة الأخيرة التي لم يتم اتخاذها على قمة هضبة الحرم. لقد أوقف مشروع غربلة جبل الهيكل أعمال صيانة المصلى المرواني بين عامي 1996 و 1999، وكذلك استبدال الكابلات الكهربائية في العام 2007، باعتبارها أعمال تؤدي إلى محو آثار كل من الهيكل اليهودي الأولى والثاني(57). على الرغم من أن كلاً من الحركة الإسلامية في إسرائيل والمؤسسة الوقف يهتمان حقاً بالتراث الإسلامي للموقع بشكل حصري، إلا أن هذه الأعمال الأخيرة أثرت بشكل هامشي فقط على البقايا الأثرية من فترات مرتبطة بالهيكل الأول والثاني اليهوديين(58). معظم المواد التي تمت إزالتها  في سياق ترميم المصلى المرواني وأعمال الكابلات كانت عبارة عن حطام ومواد تعبئة تعود للعصر الأيوبي والفترات اللاحقة، مما أثر -إن وجد- على الطبقات الإسلامية وتراث الموقع(59). نظراً للمساهمة العلمية المشكوك فيها للغاية لمشروع الغربلة، فإن الأهمية الوحيدة لهذا المسعى ذو طبيعة سياسية، من خلال لفت الانتباه إلى الإهمال الذي قام به الوقف مؤخراً بالعمل على الحرم. ولا يهم حقاً، الطبيعة المفرطة لإجراءات العمل الآثاري قرب من السور المحيط الذي يقوم به الإسرائيليون، أو بالأحرى عدم كفاية الإشراف على الآثار أثناء مبادرات الإصلاح أو البناء من قبل الفلسطينيين. ففي نهاية المطاف، يعتبر عدم التنسيق، إلى جانب الاختلافات الدينية والإيديولوجية والسياسية بين مختلف الأطراف المشاركة في إدارة وتنفيذ هذه المساعي، هو جوهر حالة الحفظ غير الملائمة للموقع. وبدلاً من الاستثمار في الكشف عن العناصر المخفية والتنقيب عنها، يجب على المتخصصين والباحثين التركيز على صيانة ودراسة المناطق المكشوفة التي يسهل الوصول إليها، وهي تشمل المباني واللقى التي تمتد لأكثر من الفي عام عبر التاريخ، بخلاف قبة الصخرة والمسجد الأقصى و أسوار المدينة. ولا يمكن تصور مثل هذا التغيير في مسار العمل، الذي لن يفيد جميع الطوائف المعنية، بل  الصرح نفسه أيضاً، في سياق احتلال إسرائيل للقدس الشرقية.

خاتمة واستنتاج

إن المهمة الرئيسية لهذا الكتاب وروايته لكيفية اندماج التراث المادي للقدس في المصالح والنضالات الدينية والوطنية هو إقناع القارئ بخطورة التشابكات العديدة بين الحقيقة والخيال، والحقائق والتفسيرات، وبالتالي الأرضية الوسط المراوغة بين العلم والأيديولوجيا. لا يمكننا ببساطة التفريق بين الممارسة العلمية والإيديولوجية للتحري لاستعادة الواقع المادي الفعلي للمدينة، سواء فوق الأرض أو تحتها. في الواقع، قد يؤدي التقاط البقايا المادية لأولئك الذين مروا أو استقروا في المدينة والتحقيق فيها بدقة وخبرة إلى تقريبنا من بعض العناصر الحقيقية غير الملوثة للوجود الماضي، وهي صفة مرتبطة بسهولة أكبر بالقطع الأثرية والمباني بدلاً من الكلمات أو الأفكار. ومع ذلك، فإن المعتقدات الدينية والأجندات السياسية لديها القدرة على ربط نفسها بمهارة بالأشياء والآثار والأماكن كما تفعل في الشهادات المكتوبة والبيانات الروحية. لذلك، وبغض النظر عن المصادر التي نستخدمها لإعادة بناء قابلة للحياة لماضي القدس، فإن أفكارنا ستبقى دائماً جزئية وغير كاملة. ومع ذلك، فإن المعرفة والقبول بهذه الذاتية يشكلان الخطوة الأولى في عملية بناء الجسور اللازمة للتغلب على التفاوت في الإدراك والرأي والعقيدة في جذور معظم النزاعات حول القدس. إن الكشف عن الطبيعة الخاصة للممارسات الأثرية في القدس، بدلاً من كشف أسرار الماضي، يمكن أن يحررنا بالتالي من العبء الذي نميل غالباً إلى فرضه على الإرث الثقافي للمدينة.

سياقات علم الآثار الإسرائيلي

كان أحد أهداف هذه الدراسة هو كشف السياق الاجتماعي والسياسي والأيديولوجي للتحقيقات الآثارية الأولى في القدس، لفهم الإطار التاريخي والديني الذي أنتج وشكّل مجال علم الآثار التوراتي، في البداية كانت مسألة اهتمام متقطع، ولكنها سرعان ما تطورت بسرعة لتصبح شأناً منظماً للمظهر المؤسسي والقومي. كرّس هذا التساؤل طريقة التقدم البطيئة، لكن الثابتة، لميدان التنقيب الآثاري لمسعى يحفزه فضول العلماء وليس أقلّه الإيمان والمغامرة. في البداية، كان العثمانيون يحكمون هذا المسعى بطريقة فوضوية، ثم لاحقاً، بشكل أكثر صرامة ووعياً في فترة الانتداب البريطاني، وازدهرت أخيراً في آلية الخبرة المهنية في ظل الإسرائيليين. كما تتضح من هذا المسح والتحليل، حققت المعايير المهنية والعلمية تقدماً كبيراً بمرور الوقت، مع التحكم بالحفريات مروراً من مستكشفين مستقلين وصولاً إلى مؤسسات تم إنشاؤها في الخارج ، ومن ثم من المؤسسات المحلية إلى الهيئات الحكومية، مما أمّن السلطة الازمة لصياغة علم الآثار على يد  كيان قوي باطراد إدارياً وسياسياً. وهكذا انتقل تشكيل حقل علم الآثار من القناعات الفردية إلى معتقدات المجتمع وإيديولوجيا الدولة، حيث لعب إضفاء الطابع المؤسسي والتنفيذي على هذه الاستراتيجيات دوراً متزايد الهيمنة. ومع ذلك، فإن السياق المشرعن و المنظم تدريجياً، وغير المؤسسي، للنشاط الأثري لا يقلل أو يلغي سلطة ومسؤولية الفرد أو المجتمع المنخرطين في اكتشاف وعرض، وحتى، إلى حد ما، استهلاك المكتشفات الأثرية. وكما نعلم، لا يعد علم الآثار علماً دقيقاً، وبالتالي، فإن كل فرد يشارك في عملية هذه المعرفة وآلية إنتاج القصة، يتحمل جزءً من المسؤولية، للأفضل أو للأسوء(1). وهذا يعني، بشكل ملموس، أن موظفاً\ موظفةً  مجهول\ مجهولة يعمل \ تعمل لدى سلطة الآثار الإسرائيلية ويقوم\ تقوم بتصنيف العملات المعدنية التي عثر عليها من إحدى عمليات التنقيب التي أجريت في القدس الشرقية لا يقل\ تقل  تورطاً في التطلعات الإيديولوجية لبلده\ بلدها عن  مشاهير صندوق استكشاف فلسطين، مثل تشارلز وارن، الذين “ينقبون عن إله ووطن” وما زالوا يحافظون على سمعتهم حتى يومنا هذا. وبالتالي، فإن دراسة وفهم علم الآثار وعلاقته بسياسات الاحتلال الإسرائيلي لا يمكن فهمه دون دراسة كيفية تطور الحقل أولاً من بدايته إلى وقت احتلال إسرائيل للمدينة القديمة في العام 1967 ثم بعد ذلك حتى الوقت الحاضر. من الواضح أن استخدام علم الآثار للأجندات الدينية والسياسية ليس اختراعاً إسرائيلياً. لقد قدمت النماذج الاستعمارية الأساس الضروري والدائم للتطورات الاستعمارية الجديدة أو القومية للمساعي الصهيونية المبكرة والحالية للاستكشاف الأثري. بدون الإنجازات -بما في ذلك التجارب والأخطاء والتصحيحات- للحفريات المبكرة، لم يكن لعلم الآثار الإسرائيلي أن يقدم نفس المساهمات التي لا يمكن إنكارها للمعايير المهنية، والتي يتجلى في استخدام الأساليب الميدانية المحسنة، والمستويات العليا من التوثيق والتحليلات العلمية، ووسائل قوية بشكل متزايد للعرض العام وأدوات النشر. وهكذا فإن الخيط المستمر في الممارسة الأثرية في القدس هو نتاج مشترك للعلم والإيديولوجيا، حيث يغذي المرء الآخر، ويصبح تابعاً، وفي الواقع، يعزز تأثير الإقناع بشكل كبير.

القدس كدراسة حالة

تتطلب التعقيدات الدينية والاجتماعية والسياسية لعلم الآثار والتراث الثقافي في مدينة متنازع عليها مثل القدس تقويماً يأخذ في الاعتبار مجالات الخبرة وأساليب البحث العديدة، وهو مشروع ضخم جداً بحيث لا يمكن تلخيصه في كتاب واحد فقط. في الواقع، دفعتني ضخامة المهمة إلى الاستمرار في التركيز حصرياً على هذه المدينة الواحدة، مما أدى للأسف إلى استبعاد تحقيقات مقارنة لا تقدر بثمن. لذلك، أود أن أشير على الأقل إلى أن استخدام أو إساءة استخدام علم الآثار والتراث الثقافي لأغراض دينية وسياسية لا يؤثر على مدينة القدس فقط. إن ظواهر الحفريات والتراث الثقافي والسياسة المتشابكة -أو مجالات السياسة القديمة والسياسة الدينية- معروفة وتمت مناقشتها وكتابتها في أشكال وأماكن مختلفة، شعبية وأكاديمية. إن هدم وتجريف الطبقات الأثرية واللقى وإلقاء القطع الأثرية لا يقتصر على المدينة التي تخضع للفحص هنا. تُعرف مبادرات التدمير المتعمد والحفظ المنحاز والعرض والاستعراض التقديمي في كل مكان تقريباً حيث يتم تقويم العصور القديمة وإرثها. لقد تركت أعمال التنقيب والترميم ذات الدوافع الإيديولوجية، بالإضافة إلى الروايات التي تم التلاعب بها، بصماتها في العديد من المواقع الأخرى في المنطقة وحول العالم. على الرغم من تاريخها الفريد وتركيبتها العرقية والدينية والوطنية المعقدة، فإن القدس ليست المكان الوحيد الذي وقع فيه التراث الثقافي في صراع إقليمي. و يمكن دراسة اتجاهات وتطورات علم الآثار التوراتي في القدس في ضوء المواقع والمجالات الأخرى ذات الأهمية لهذا المجال البحثي، داخل الدولة اليهودية وخارجها، تحت راية دين مقابل دين آخر. ويمكن مقارنة دور علم الآثار في أنظمة التعليم الإسرائيلية ببرامج تعليمية مماثلة في أوروبا أو الولايات المتحدة. ويمكن إجراء مقارنات مع المنشورات الموجودة حول الأطر الاستعمارية والقومية لممارسة علم الآثار. يمكن إنشاء تمييز أكثر دقة بين المواقف الكولونيالية ومابعد الكولونيالية، بين القومية وما بعد القومية. يمكن للعلاقة بين القوى الحاكمة والاحتلال مع الأقليات المضطهدة في مجالات أخرى من الدراسات الثقافية أو الاجتماعية أن تفيد في تحليل الممارسات الآثارية في القدس ومناطق أخرى من الشرق الأوسط. يمكن دراسة تأثير إعادة واستعادة التراث الثقافي في الأماكن التي لها مسار تاريخي وسياسي مشابه للقدس. يمكن إظهار أوجه التشابه بين القدس والمدن الأخرى المتنازع عليها بنفس القدر في حالات الحرب أو ما بعد الصراع. إن وضع الروايات المتنافسة عن آثار القدس في السياق الأوسع للانقسامات بين الإيديولوجيات الغربية وغير الغربية والتفاوت في الأولويات الثقافية سيكون موضوع البحث في الوقت المناسب؛ أو بشكل أكثر تحديداً، يمكن أن يؤدي تضارب التصورات الغربية والإسلامية لعلم الآثار ونتائجه المأساوية إلى تعزيز الاهتمام الحالي بالتحقيق الحالي وتوفير سياق معاصر إضافي للمقارنة. الاحتمالات لا حصر لها تقريباً، وقد توفر المقارنة المقترحة بعض الإلهام للأفكار لإجراء مزيد من التحقيقات. في الواقع، ليست القدس هي المدينة الوحيدة التي وقعت ضحية للتطلعات الدينية والسياسية للمستكشفين الأفراد ومجتمعاتهم أو دولهم. ومع ذلك، فهو المكان الذي اخترناه لهذه الدراسة، وقد يكون بمثابة نقطة انطلاق مفيدة للبحث في المستقبل.

وسائل الإعلام والسوق

هناك مجال إضافي لم يتم استكشافه بشكل كافٍ في هذه الدراسة، ولكنه وثيق الصلة بمناقشة التراث الثقافي والإيديولوجيا في القدس، وهو دور التصوير الإعلامي والشعبي لعلم الآثار، والذي يستفيد من فكرة مشروع الكتاب المقدس واكتشافه. فرضت الإجراءات الإدارية والتقدم المنهجي بروتوكولاً منظماً متزايداً على المساعي الأثرية. ومع ذلك، على الرغم من التقدم العلمي والتكنولوجي في هذا المجال، لا تزال هناك آثار واضحة لروح المغامرة والروحانية الأصلية المرتبطة باستكشاف ماضي المدينة التوراتي. قد يكون هناك إجماع عام على أن سعي باركر الكبير للعثور على كنوز الملك سليمان في القدس كان مغامرة غير معقولة إلى درجة كبيرة، وغير علمية بما لا يقبل الشك، حتى بالنسبة للمبتدئين في أوائل القرن العشرين. ولكن الكثير من مساعي الوقت الحاضر في القدس يتم تحفيزها دون خجل من خلال العثور على رفات الملوك داود أو سليمان أو هيرود. ربما يتضح هذا بشكل أفضل من خلال الاهتمام المستمر باللقى والقطع الأثرية والمواقع ذات الأهمية التوراتية، والمشاركة المستمرة ورعاية المؤسسات الدينية في التنقيب عن الاكتشافات وتفسيرها وعرضها، فضلاً عن التغطية الإعلامية المتزايدة التي تروج بنجاح للإثارة الناتجة عن العثور على المكتشفات ذات الصلة بالروايات اليهودية واليهودية-المسيحية. العديد من المشاريع التي تضم العشرات، إن لم يكن المئات، من الطلاب والمتطوعين المحليين والدوليين، والصناعات التعليمية والسياحية المتنامية التي تطورت حول الاكتشافات، وأخيراً، الحوافز الاقتصادية وتسويق الآثار التي تعزز هذا الإحساس بالآثار، كل هذا ساهم في خلق هذا الارتباط الملموس بماضي المدينة الدنيوي المجيد في الحفاظ على الروح الأصلية للميدان وتعزيزها، والأهم من ذلك، التأثير بشكل دائم وواسع على الساحة الاجتماعية والدينية لسياسة القدس. إن إعادة العلاقة بين الإعلام والسوق -في الواقع، التبعية وتعزيز الصورة العامة لعلم الآثار في سياق صناعة سياحية ذات موقع استراتيجي في القدس الشرقية المحتلة- تهم الطموحات الأيديولوجية والسياسية المشتركة للدولة اليهودية والمسيحيون الإنجيليون، وهي صلة تم تأسيسها في سياقات أخرى عديدة وتستحق جيداً المزيد من البحث خارج الإطار الحالي. وأحد الأمثلة الأكثر وضوحاً التي توضح بأفضل وجه ما أسميه “المهزلة الشعبية لعلم الآثار” هو التنقيب في النفق في سلوان ومنتزه مدينة داود الأثري. بحجة استعادة الماضي الكتابي المجيد في القدس، يعود علماء الآثار المدربون بدقة إلى أساليب التنقيب التي عفا عليها الزمن لأكثر من قرن. يتم استثمار ملايين الدولارات في تطهير المساحات الموجودة تحت الأرض، بما في ذلك قناة الصرف الصحي القديمة، في حين تتعرض الظروف المعيشية للقرويين الفلسطينيين الذين يعيشون فوق الأرض للخطر الداهم البادي للعيان. تقارير التنقيب العلمية الصحيحة مفقودة، والمساهمات العلمية القيمة أو الاكتشافات التي تعزز المعرفة الحالية لتاريخ القدس غير موجودة. على الرغم من الاعتراف على نطاق واسع بالطبيعة الفاضحة لهذا المشروع وإساءة استخدام علم الآثار في مسعى ذي دوافع أيديولوجية بحتة ، إلا أن صورته الشعبية لم تتأثر. ويلعب الدور الترفيهي البارز في موضوع  الحديقة الترفيهية دوراً فعالاً في تشكيل الأحجار الرتيبة والتربة. يزدهر العمل على روح الكتاب المقدس المعاد تمثيله. لقد حققت مدينة داوود بالفعل مرتبة الموقع الأثري الأكثر زيارة في إسرائيل، وعلى الرغم من الانتقادات الدولية بشأن ارتباطها الواضح بسياسات الاستيطان الإسرائيلية، فقد تم اختيارها مؤخراً  كفيلم ذو مناظر خلابة تم إعداده لسلسلة إن بي سي  NBC الجديدة بعنوان DIG (2)

ممثلين رئيسيون

في دراسة موضوعية عن القدس، وصف كريغ لاركن ومايكل دومبر الوضع الراهن للتراث الثقافي واللاعبين المختلفين المتشابكين في النضال. تظل القدس، على حد تعبيرهما، “مدينة محتلة ومتنازع عليها في آن واحد تطالب بها مجموعتان قوميتان، وتخضع لتوجهات إقليمية ديناميكية ومصالح استراتيجية عالمية. أصبح التراث سلاحاً ذو أهمية متزايدة في المعركة المستمرة على القدس. إنه بالنسبة للإسرائيليين وسيلة لتوطيد القوة والسيطرة على الهيمنة، أما بالنسبة للفلسطينيين فقد أصبح دعوة حاشدة للمقاومة والتحدي. واليونسكو عالقة بين أجندتين مسيّستين غاية في التسييس، وبالتالي فهي تكافح من أجل صياغة دور وسيط مستقل أو إقناع أي من جانبي رؤية “التراث العالمي” المتمثلة في “الوحدة في التعددية” و”تعزيز التفاهم المتبادل والتضامن بين الشعوب”(3). يحدد لاركين ودومبر، في هذا الوصف المقتضب، الممثلين الرئيسيين الثلاثة الذين يشاركون في المعركة على القدس وأدوارهم المتباينة في التراث الثقافي. وقد حاولت دراستي هذه،  بالتأكيد، إبقاء هذه المنظورات والدوافع والأجندات المختلفة -المتعارضة في الواقع- في بؤرة تركيز مستمر. تتعدد الأمثلة التي تُظهر محاولات إسرائيل لتوطيد سلطتها وسيطرتها من خلال الأنشطة الأثرية. وتشمل هذه المشاريع التطويرية الأخيرة بقوة -تعزيز صناعة السياحة بشكل كبير من خلال بناء مجمعات معمارية ضخمة مثل مبنى بيت هاليبا أو مركز كيدم في قلب الحوض التاريخي، والتي تفرض ضرورة إجراء ما يسمى الحفريات الإنقاذية. ومن الأمثلة التي توضح المقاومة الفلسطينية وتحديها للهيمنة الإسرائيلية في القدس الشرقية رفضهم التعاون مع سلطة الآثار الإسرائيلية في جهودهم لترميم وبناء الحرم الشريف. يتضح صراع اليونسكو للتوسط بين طرفي الصراع في الغياب شبه التام للجهود الرامية إلى تعزيز الحوارات بين الأديان والثقافات بين الإسرائيليين والفلسطينيين، على عكس تدخلهم الأكثر إنتاجية في مناطق الصراع الأخرى(4).

وأحد العوامل المهمة التي يجب مراعاتها، من وجهة نظري، عند مواجهة هؤلاء الفاعلين المختلفين، كما حاول لاركين ودومبر والدراسات المقارنة المماثلة حول الصراع القيام به، هو عدم فرض إطار أو نموذج يعرض التماثل. حيث يكون، تقريباً، تأثير اللاعبين المعنيين غير متناسب في كل الجوانب التي تمس الآثار والتراث الثقافي في القدس،. في حين أن سيطرة إسرائيل على المشهد الأثري، تحت السطح وفوقه، وكذلك على السرد الذي يتم عرضه، تكاد تكون حصرية، فإن الجهود الفلسطينية والدولية لمواجهة هذه الجهود أو حتى موازنة هذه الجهود متواضعة، إن لم تكن عاجزة تماماً. يقودنا هذا إلى جانب آخر من عدم التناسق الذي لم يتم التطرق إليه صراحةً في جسم هذه الدراسة ولكنه يحدث في جميع الفصول. وهو ما يتعلق بعدم التناسق، أو ربما بشكل أكثر دقة، الوزن غير المتناسب للمسلم الفلسطيني والتراث المسيحي الفلسطيني للمدينة. دون فرض تسلسل هرمي على قيمة أو أهمية أحدهما مقابل الإرث الثقافي والديني الآخر في المدينة، فإن تأثير المجتمعات الدينية المعنية المختلفة وتركاتها المعلنة على علاقتها بالحكومة الإسرائيلية والقطاع اليهودي في المجتمع الإسرائيلي مختلف تماماً بشكل غير رسمي. وهناك أسباب متعددة لذلك، وليست كلها ذات صلة بهذه الدراسة. فيما يتعلق بالممارسات الأثرية وقضايا الإرث الثقافي هو حقيقة أنه، بالنظر إلى المدة الطويلة للحكم الإسلامي مقابل الحكم المسيحي في القدس، فإن التراث الإسلامي هو الذي يهيمن على المناظر الطبيعية للمدينة، على الأقل من الناحية الكمية. علاوة على ذلك، منذ نهاية الحروب الصليبية، ظل المجتمع المسلم هو الأكبر من حيث عدد السكان، وهو وضع لم يتغير إلا في نهاية الفترة العثمانية أو بداية الفترة البريطانية، عندما أصبح اليهود الطائفة الدينية المهيمنة. لكن بالنسبة للوجود المسيحي، استمر المجتمع المسلم في الحفاظ على أغلبيته. أحدث تغيير جذري في التركيبة السكانية والنسبة بين المسلمين والمسيحيين حدث بعد عام 1967. عندما احتلت إسرائيل القدس الشرقية، كان هناك 56795 مسلماً يعيشون في القدس، مقابل 10813 مسيحياً(5). وفي العام 2006، كان 32 % من سكان المدينة مسلمين؛ 2 % فقط كانوا مسيحيين. بعبارة أخرى، كان دور المسيحيين الفلسطينيين في الأمور المتعلقة بالتراث الثقافي في المدينة ضئيلاً نسبياً، مقارنة بالمسلمين الفلسطينيين. وعلى الرغم من حقيقة أنه قد حدثت زيادة كبيرة في “فلسطنة رجال الدين” في السنوات الأخيرة، فإن معظم قادة الكنيسة في المدينة لا يزالون ينتمون إلى مجتمعات غير محلية(6). ومن الواضح أن هذا التمييز العددي المهم بين الوجود الإسلامي والمسيحي للمدينة في القدس له آثار على الدور الذي يلعبه التراث الثقافي في الصراع الإسرائيلي الفلسطيني. هناك بالتأكيد بعض أوجه التشابه بين معارك إسرائيل مع المسلمين الفلسطينيين وتلك التي خاضتها مع المسيحيين الفلسطينيين. يتمثل أحد أوجه التشابه في الوجود العسكري والحضور الإسرائيلي المسيس المفروض في مواقع العبادة الرئيسية في المدينة، أي الحرم الشريف وكنيسة القيامة. ومع ذلك، فإن التمييز الذي لا يمكن إنكاره هو الاختلاف في حجم وشدة وتواتر الاشتباكات بين السلطات والطوائف العديدة المنخرطة في الصراع والتي تمثل مختلف جوانب النزاع. قائمة الأحداث الأخيرة التي فرضت قيوداً على دخول المصلين المسلمين والتي تنطوي على العنف المسلح والإرهاب في الحرم وبالقرب منه ستكون طويلة جدًا بحيث لا يمكن إدراجها هنا. آخر حادثة توتر كبيرة تتعلق بالإجراءات الأمنية الإسرائيلية للسيطرة على الوصول إلى كنيسة القيامة وقعت في العام 2000 ، في إطار الاستعدادات للاحتفالات الألفية، والتي كان من المتوقع حضورها حشود كبيرة من الحجاج. ومع ذلك، فإن التداعيات على الصراع الإسرائيلي الفلسطيني لهذا الحادث وغيره من الحوادث المماثلة، لا تذكر مقارنة بالآثار المحلية والإقليمية والدولية للاشتباكات والعنف المحيط بالقيود المفروضة على الوصول إلى الحرم الشريف. بصرف النظر عن هذه الفروق المهمة بين الطوائف الدينية المختلفة التي يتألف منها المجتمع الفلسطيني، هناك مع ذلك هوية مشتركة وتضامن بشأن العديد من القضايا التي تُعلِم مسائل التراث الثقافي. على الرغم من ارتباطها بالعديد من القضايا التي تم فحصها هنا، إلا أن هذه الموضوعات تتجاوز نطاق دراستي وتقع خارج نطاق خبرتي.

المبادرات الشعبية GRASSROOT

إن المعركة المستمرة بين مختلف الأطراف المشاركة في الحفاظ على التراث الثقافي للمدينة -بصرف النظر عن العديد من الأسباب الأخرى التي أثيرت في هذه الدراسة- هي نتيجة للتصورات المختلفة لما يشكل أهم فترات وثقافات القدس. وتتمثل إحدى الطرق الأكثر فاعلية للتغلب على هذا التفاوت في الاستثمار في تفسير أكثر تنوعاً ومرونة لماضي المدينة، بحيث لا تهيمن مجموعة دينية أو وطنية واحدة على السرد أو تتحكم فيه، ولكن يتم تنسيقها بين جميع المجتمعات المحلية المقيمة، مع المدخلات من المشاركين الدوليين والمتخصصين من الأطراف الثالثة وكذلك المحترفين في التحكيم. إن مفهوم التراث الذي ينتمي إلى البشرية جمعاء ليس مفهوماً يمكن فرضه وتنظيمه وفقاً لبروتوكول محدد ينفذ فقط الإجراءات والتغييرات المادية. يتطلب استثماراً طويل الأجل وتدخلاً على مستويات مختلفة عبر مختلف القطاعات الاجتماعية والدينية والديموغرافية والتعليمية في المجتمع. والأهم من ذلك أنها تتطلب مشاركة وإشراك جميع الجماعات المحلية المتورطة في الصراع الديني القومي. ومن بين الجهود الأولى للتغلب على التفاوت في وجهات النظر فيما يتعلق بالتراث المنطقي والثقافي في المنطقة، كان إنشاء مجموعة عمل الآثار الفلسطينية الإسرائيلية (IPAWG)، التي مهّد لها معهد الآثار بجامعة كاليفورنيا. وخلال سلسلة من الاجتماعات، التي عُقدت بين عامي 2005 و 2009، بدء علماء الآثار الإسرائيليون والفلسطينيون في معالجة قضايا الآثار وإدارة التراث الثقافي في إسرائيل وفلسطين. كان أحد الأهداف الرئيسية للمجموعة هو “النظر في الجوانب المختلفة لدور علم الآثار في الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، بما في ذلك التصورات العامة لعلم الآثار، ووضع المواقع الأثرية والاكتشافات في حالة تنفيذ حل الدولتين، والقدس كموقع تراث عالمي”. قدمت وثيقة تمت صياغتها بشكل مشترك توصيات بشأن دور التراث الأثري في اتفاقية الوضع النهائي. علاوة على ذلك، تم إنشاء جرد كامل للنشاط الأثري الإسرائيلي في الضفة الغربية بين عامي 1967 و 2007، ما يسمى بقاعدة البيانات الأثرية للضفة الغربية والقدس الشرقية (WBEJAD)(7). وكانت الجهود جارية لتجديد هذه المبادرات، فمثلاً، أصدرت اللجنة التوجيهية لمنظمة عمق شبه، (في حزيران\ يونيو 2016) خطة شاملة لإدارة المواقع القديمة في الحوض التاريخي للقدس، بعنوان المبادئ التوجيهية للخطة الرئيسية لآثار القدس(8). وحتى لو كانت قضايا التراث الثقافي غالباً ما تُعتبر نقطة ثانوية نسبياً وإرجاعها إلى مسائل هامشية في الصراع الإسرائيلي الفلسطيني الأكبر من ذلك بكثير، فإنها تؤثر بشكل مفاجئ على شرائح كبيرة من السكان المحليين وتشكل دوراً رئيسياً في تشكيل الرأي العام. وبالتالي، إذا كان من الممكن التمييز بين هذه القضايا بشكل مناسب، وتم حل المشاكل المحيطة بها، فإن احتمالات المفاوضات في المجالات الأخرى ستكون لها فرصة أفضل للتقدم.

ماذا بعد؟

مع أكثر من 1700 موقع تم التنقيب عنها في القدس، والثروات الكبيرة التي تم إنفاقها على العمل الميداني الأثري، والتفسير، والحفظ، والعرض والاستعراض، فإن معرفتنا بالتطور الثقافي للمدينة من عصور ما قبل التاريخ حتى الوقت الحاضر هائلة. تهيمن المواقع الأثرية والآثار القديمة والتحف على المناظر الطبيعية بل تطغى عليها بالفعل. على الرغم من الاستثمار الكبير في الممارسة الأثرية، فإن معظم المباني القديمة، لا سيما في المدينة القديمة والحوض التاريخي، مهملة وستستفيد من برنامج الإصلاح والترميم الكامل. علاوة على ذلك، لم يتم نشر معظم نتائج الحفريات المكتملة بشكل صحيح. قد يستغرق الأمر عقوداً أو حتى قرنًا من البحث، وتوظيف العشرات من علماء الآثار، للتعويض عن التقارير النهائية الناقصة، وهو دين يجب أن يطارد المهنة ويثير قلق المهتمين بتراث القدس الثقافي. لن يؤدي إجراء المزيد من الحفريات إلى زيادة الدين فحسب، بل سيؤدي في النهاية إلى توسيع الفجوة بين البيانات الفعلية والمعرفة. تزودنا الطبقات والآثار والتحف المكشوفة بالفعل ببيانات لا مثيل لها تقريباً لإعادة بناء تاريخ القدس عبر آلاف السنين. بدلاً من إلقاء الضوء على الأسئلة القائمة، غالباً ما تزيد المواد المستخرجة حديثاً من الألغاز الخلاصة وتنتج مشاكل جديدة لم يتم حلها. حان الوقت لوقف هذا النشاط والاستثمار في قطاعات أخرى من التراث الثقافي للمدينة -والأهم من ذلك، في مجالات التعليم والتدريب المهني وكذلك الحفاظ على الآثار المكشوفة والآثار القائمة. دعونا نجد ما هو موجود بالفعل، بدلاً من البحث عن شيء قد يزيد من تعقيد أسرار الماضي وصراعات الحاضر!

هوامش الفصل التاسع

1- يراجع ريتماير اثنتي عشرة نظرية مختلفة فيما يتعلق بموقع جبل الهيكل قبل الفترة الهيرودية. انظر، The Quest: Revealing the Temple Mount in Jerusalem (Jerusalem: Carta and The Lamb Foundation, 2006), 147. See also Humbert, “Aux racines cananéennes.”

2- انظر، A. Kaplony, The Haram of Jerusalem 324–1099. Temple, Friday Mosque, Area of Spiritual Power (Stuttgart: Franz Steiner Verlag, 2002), 23–31.

3- انظر، W. Montgomery, Muhammad: Prophet and Statesman (Oxford: Oxford University Press, 1974), 112–13.

4- من أجل نظريات مختلفة. انظر، Y. Z. Eliav, God’s Mountain: The Temple Mount in Time, Place and Memory (Baltimore: John Hopkins University Press, 2005), 85–91.

5- للحصول على وصف تفصيلي لجبل الهيكل خلال الفترة البيزنطية، انظر، Eliav, God’s Mountain 125–188.

6- انظر، Kaplony, Haram of Jerusalem, 33–57.

7- حول التجديدات في العصر الأيوبي. انظر، Hawari, Ayyubid Jerusalem; on Mamluk renovations, M. H. Burgoyne, “1260–1516: The Noble Sanctuary (al-Haram al-Sharif) under Mamluk Rule Architecture,” in Grabar and Kedar, Where Heaven and Earth Meet, 188–209; وحول تحولات الفترة العثمانية. انظر، A. Cohen, “1516–1917: Haram-i-Şerif— The Temple Mount under Ottoman Rule,” in Grabar and Kedar, Where Heaven and Earth Meet, 210–29, 399–400.

8- انظر، Eliav, God’s Mountain.

9- انظر، Berkovitz, Temple Mount, 12–13. وفقاً للوائح الإسرائيلية للحفاظ على الأماكن المقدسة لليهود لعام 1981، لم يتم تعريف جبل الهيكل من الناحية القانونية على أنه مكان مقدس، على عكس حائط المبكى. انظر، Berkovitz, Temple Mount, 91.

10- انظر، Y. Reiter and J. Seligman, “1917 to the Present: Al-Haram al-Sharif / Temple Mount (Har Ha-Bayit) and the Western Wall,” in Grabar and Kedar, Where Heaven and Earth Meet, 253. أثّر التغيير على الإطار الإداري الرسمي فقط. تأسست وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف في العام 1967. . انظر، Katz, Jordanian Jerusalem, 6.

11- منذ اندلاع الانتفاضة الثانية، تم تقييد وصول غير المسلمين إلى قبة الصخرة والمسجد الأقصى.

12- قضية ملكية الحائط الغربي معقدة على وجه الخصوص. على الرغم من أن إسرائيل امتنعت عن مصادرة السور المحيط الغربي، باستثناء الشريط الموجود في قاعدته، لم يتم تسجيل السور ولا الحرم القدسي في مكتب تسجيل الأراضي. انظر، Berkovitz, Temple Mount, 87–88.

13- انظر، Berkovitz, Temple Mount, 29, 57.

14- عن عمله في القدس. انظر، V. W. Von Hagen, F. Catherwood, Architect-Explorer of Two Worlds (Barre, MA: Barre Publishers, 1968), 35–45.

15- انظر، S. Gibson and D. M. Jacobson, Below the Temple Mount in Jerusalem: A Sourcebook on the Cisterns, Subterranean Chambers and Conduits of the Haram al-Sharif, BAR International Series 637 (Oxford: Tempus Reparatum, 1996); and E. Mazar, The Walls of the Temple Mount (Jerusalem: Shoham Academic Research and Publication, 2011).

16- انظر، K. A. C. Creswell, The Origin of the Plan of the Dome of the Rock (Jerusalem: British School of Archaeology, 1924); and M. van Berchem, Matériaux pour un Corpus Inscriptionum Arabicarum. 2, Syrie du Sud, 2, Jérusalem “Haram” (Cairo: l’Institut français d’archéologie orientale, 1927).

17- انظر، Hamilton, Structural History of the Aqsa Mosque.

18- انظر، E. Lefkovits, “Was the Aksa Mosque Built over the Remains of a Byzantine Church?” Jerusalem Post, November 16, 2008.

19- انظر، E. Mazar and B. Mazar, Excavations in the South of the Temple Mount: The Ophel of Biblical Jerusalem (Qedem 29; Jerusalem: Institute of Archaeology, Hebrew University, 1989); and M. Ben-Dov, In the Shadow of the Temple: The Discovery of Ancient Jerusalem (New York: Harper and Row, 1982).

20- انظر، R. Reich and Y. Billig, “Jerusalem, Robinson’s Arch,” Excavations and Surveys in Israel 20 (2000): 135*; E. Mazar, Discovering the Solomonic Wall: A Remarkable Archaeological Adventure (Jerusalem: Shoham Academic Research and Publication, 2011).

21- انظر، D. Bahat, The Jerusalem Western Wall Tunnel (Jerusalem: Israel Exploration Society, 2013); Onn, Weksler-Bdolah, and Bar-Nathan, “Jerusalem, The Old City”; and Weksler-Bdolah et al., “Jerusalem, The Western Wall Plaza Excavations”; M. Hagbi and J. Uziel, “Jerusalem, The Old City, The Western Wall Foundations,” Hadashot Arkheologiyot 128 (2016).

22- انظر، Warren and Conder, Survey of Western Palestine, 193–209; C. W. Wilson, Ordnance Survey of Jerusalem (Southampton: Ordinance Survey Office, 1865), 28–29, plate 12; C. W. Wilson, “The Masonry of the Haram Wall,” Palestine Exploration Quarterly 12 (1880): 9–65.

23- تم إجراء السنوات العشر الأولى من العمل دون إشراف أثري – وهو مصدر توتر بين السلطات الدينية ودائرة الآثار الإسرائيلية. انظر، Reiter and Seligman, “1917 to the Present,” 256. M. Ben-Dov, “The Underground Vaults West of the Western Wall,” Qardom 21–23 (1982), 102–5”; M. Ben-Dov, The Fortifications of Jerusalem: The City Walls, the Gates and the Temple Mount (Tel Aviv: Zmora Bitan, 1983), 146; D. Bahat, “The Western Wall Tunnels,” Qadmoniot 27 (1994): 38–48; D. Bahat, The Jerusalem Western Wall Tunnel; D. Bahat and A. Solomon, “Innovations in the Excavations of the Western Wall Tunnels,” Judea and Samaria Research Studies 11 (2002): 175–86.

24- انظر، Onn, Weksler-Bdolah, and Bar-Nathan, “Jerusalem, The Old City.”

25- انظر، Burgoyne, Mamluk Jerusalem, 223–40.

26- يقدم يوسيفوس روايتين مختلفتين قليلاً فقط عن بناء جبل الهيكل الهيرودي، إحداهما في الحرب اليهودية The Jewish War (5.5.184 – 227) والأخرى في آثار اليهود the Antiquities of the Jews (15.11.380-425).

27- انظر،  F. E. Peters, Jerusalem: The Holy City. in the Eyes of Chroniclers, Visitors, Pilgrims, and Prophets from the Days of Abraham to the Beginnings of Modern Times (Princeton: Prince-ton University Press, 1985).

28- من أجل المزيد عن مسح كامل لنقوش الحرم. انظر، van Berchem, Corpus Inscriptionum Arabicarum. بالنسبة للمخطوطات. انظر، Salameh, Qur’an Manuscripts.

29- من أجل ما يسمى تحصينات سليمان في عوفل [تل الظهور] انظر، E. Mazar, Discovering the Solomonic Wall وفيما يتعلق بالاختلافات في تأريخ جدار السور والمداخل الهيروديين، انظر، Bahat, The Jerusalem Western Wall Tunnel; Ben-Dov, The Fortifications of Jerusalem; E. Mazar, The Walls of the Temple Mount. وبخصوص التناقضات في تأريخ بقايا القرون الوسطى، انظر، Bahat, The Jerusalem Western Wall Tunnel; and Hawari, Ayyubid Jerusalem.

30- بعد فترة طويلة من الإهمال المستمر لآثار الحرم طوال المرحلة الأخيرة من الحكم العثماني، تم تنفيذ العديد من أعمال الترميم في ظل الحكم البريطاني والأردني والإسرائيلي. كانت العلاقة بين المؤسسة الدينية الإسلامية والأجهزة الأثرية والمعمارية الرسمية لحكومة الانتداب البريطاني علاقة مهنية وودودة. انظر، Reiter and Seligman, “1917 to the Present,” 237.

31- انظر، Reiter and Seligman, “1917 to the Present,” 258.

32- عن الحوادث الهامة بين عامي 1967 و1987 انظر، Reiter and Seligman, “1917 to the Present,” 254, وعن الانتفاضة الأولى و”مجزرة الأقصى” انظر، Reiter and Seligman, “1917 to the Present,” 260. وعن العلاقة بين الوقف والمؤسسات الحكومية الإسرائيلية المختلفة. انظر، Reiter and Seligman, “1917 to the Present,” 255.

33- اندلعت أعمال الشغب، التي أسفرت عن مقتل حوالي عشرين وإصابة أكثر من 150 فلسطينياً، بعد قرار من قبل منظمة مؤمني جبل الهيكل بوضع حجر الأساس لبناء الهيكل الثالث على الهضبة. انظر، Inbari, Jewish Fundamentalism, 79–80.

34- انظر، K. Romey, “Jerusalem’s Temple Mount Flap,” Archaeology 53, no. 2 (2000): 20.

35- انظر، Reiter and Seligman, “1917 to the Present,” 258.

36- انظر، Inbari, Jewish Fundamentalism; Inbari, “The Oslo Accords and the Temple Mount, A Case Study: The Movement for the Establishment of the Temple,” Hebrew Union College Annual 74 (2003): 279–323”; Inbari, “Religious Zionism and the Temple Mount Dilemma— Key Trends,” Israel Studies 12, no. 2 (2007): 29–47.

37- تم شراء الموقع من قبل منظمة صهيونية دينية “عطيرت كوهانيم”، التي شجعت إيرفينغ موسكوفيتش، المانح المنتظم للمستوطنات اليهودية في القدس الشرقية، على شراء المبنى.

38- انظر، H. Barbé and T. De’adle, “Jerusalem, Ohel Yizhaq Synagogue,” Hadashot Arkheologiyot 119 (2007).

39- انظر، Weksler-Bdolah et al., “Jerusalem, Western Wall Plaza Excavations.”

40- انظر، H. Barbé, F. Vitto, and R. Greenwald, “When, Why and by Whom the Mughrabi Gate Was Opened? Excavations at the Mughrabi Gate in the Old City of Jerusalem (2007, 2012–2014),”. في دراسة جديدة عن آثار القدس ومحيطها: Collected Papers, ed. G. D. Stiebel, O. Peleg-Barkat, D. Ben-Ami, and Y. Gadot, vol. 8, 32*–44* (Jerusalem: Tel Aviv University, Israel Antiquities Authority, and Hebrew University, 2014).

41- للحصول على هذا البيان. راجع موقع وزارة الشؤون الخارجية: http://mfa.gov.il/MFA_Graphics/MFA%20Gallery/Powerpoint/MUGRABI-ENG.pps.

42- انظر، UNESCO, Report of the Technical Mission to the Old City of Jerusalem (February 27–March 2, 2007).

43- ظهر مؤخراً رأي يقول أن الهيكل المقوس تحت الأرض تم بناؤه في العام 640، في بداية العصر الأموي. انظر، B. St. Laurent and I. Awwad, “The Marwani Musalla in Jerusalem: New Findings,” Jerusalem Quarterly 54 (2013): 7–30. وحول تأريخ مراحل البناء المختلفة لإسطبلات سليمان، J. Seligman, “Solomon’s Stables, the Temple Mount, Jerusalem: The Events Concerning the Destruction of Antiquities 1999–2001,” ‘Atiqot 56 (2007): 38*–40*; D. Bahat, “Re-Examining the History of Solomon’s Stables,” Qadmoniot 34 (2001): 128–29; and M. Ben-Dov, “Solomon’s Stables,” in The Mosque of al-Aqsa, the Double Gate and Solomon’s Stables, ed. E. Schiller (Jerusalem, 1978); and Ben-Dov, In the Shadow of the Temple, 346.  وعن إعادة تأهيل اسطبلات سليمان. انظر، N. al-Jubeh, “1917 to the Present: Basic Changes, but Not Dramatic: Al-Haram al-Sharif in the Aftermath of 1967,” in Grabar and Kedar, Where Heaven and Earth Meet, 288–89.

44- انظر، Reiter and Seligman, “1917 to the Present,” 269;” Seligman, “Solomon’s Stables,” 50*–51*.

45- انظر، Y. Baruch, “The Archaeological Finds in the Soil Debris Removed from the Temple Mount, Jerusalem, 1999–2000,” ‘Atiqot 56 (2007): 55*.

46- انظر، G. Barkay and Y. Zweig, “New Objects Found While Sifting the Rubble from the Temple Mount,” Ariel 175 (2005): 6–46.”

47- تم تجنيد ما يقرب من عشرين ألف متطوع سنويًا للمساعدة في عملية الغربلة منذ العام 2010.

48- انظر، D. M. Gitlitz and L. K. Davidson, Pilgrimage, and the Jews (Westport, CT: Praeger, 2006), 42; R. Bonfil, History and Folklore in a Medieval Jewish Chronicle: The Family Chronicle of Ahima’az Ben Paltiel (Leiden: Brill, 2009), 336; Y. Levanon, The Jewish Travellers in the Twelfth Century (Lanham: University Press of America, 1980), 259; S. Goldhill, Jerusalem: City of Longing (Cambridge: Harvard University Press, 2010), 74–75. According to al-Jubeh (“Bab al-Magharibah”), the Western Wall was not venerated by Jews before the Ottoman period.

49- انظر، Ricca, Reinventing Jerusalem, 212

50- انظر، Reiter and Seligman, “1917 to the Present,” 240.

51- انظر، D. Rossoff, Where Heaven Touches Earth: Jewish Life in Jerusalem From Medieval Times to the Present (Jerusalem: Guardian Press, 1988), 330–31.

52- انظر، R. Gonen, Contested Holiness (Jersey City: KTAV Publishing House, 2003), 135–37.

53- انظر، Reiter and Seligman, “1917 to the Present,” 239.

54- انظر، Reiter and Seligman, “1917 to the Present,” 265; and K. J. al-’Asali, Jerusalem in Arab and Muslim Travel Narratives, 39–40.

55- انظر، Reiter and Seligman, “1917 to the Present,” 258.

56- انظر، Reiter and Seligman, “1917 to the Present,” 258.

57- انظر تقاريرهم الأولية الثلاثة الأولى ، وكذلك بيان المهمة ، على موقعهم على الإنترنت: http://templemount.wordpress.com.

58- انظر، Al-Jubeh, “1917 to the Present: Basic Changes, but Not Dramatic,” 282.

59- وفقًا لأفني وسليجمان ، فإن معظم الاكتشافات تعود إلى العصر البيزنطي وما بعد ذلك. انظر Avni and Seligman, Temple Mount, 36. According to Bahat, the remains postdate the Ayyubid period. See D. Bahat, “Re-Examining the History of Solomon’s Stables,” Qadmoniot 34 (2001), 125–130 [Hebrew]

هوامش الخاتمة والاستنتاج

  1. ربما يكون أفضل توثيق لرفض تحمل المسؤولية الكاملة، كفرد متورط بشكل مباشر في هذا التشابك بين علم الآثار والسياسة، فضلاً عن نجاحه العلني، من خلال تصريحين حديثين أدلى بهما أحد علماء الآثار الإسرائيليين البارزين، والذي كان نشطًا حتى تاريخه. مؤخرا في القدس. كرر روني رايش، الذي تلقت مسيرته المهنية دفعة كبيرة من خلال منصبه ككبير علماء الآثار في مدينة داود والتمويل السخي من إلعاد، عدم مبالاته بالاستخدام السياسي لاكتشافات الموقع. في مقابلة في العام 2012 مع نير حسون من هآرتس (“In Jerusalem’s City of David Excavation, Politics Is Never Absent,” Ha’aretz, December 25, 2012)، أشار إلى نفسه مراراً وتكراراً على أنه” غير مبالٍ قليلاً”. عندما سُئل كيف “يمكن التوفيق بين رؤيته للعالم ونشاطه العلمي المكثف -الذي ساعد بشكل فعال منظمة يمينية على تهويد أجزاء من سلوان” – أجاب: “سيقول البعض إنني ألعب لصالح إلعاد.. نعم، يستخدمون ما أفعله.. ليس لدي أجندة للعثور على أي شيء معين. علاوة على ذلك، إذا لم أفعل ذلك، فسيكون شخص آخر كذلك. وسيكشف عن نفس القطع الأثرية. إذن ما هو الفرق؟.. ما يثيرني هو المساهمة بمعرفة جديدة، والتلوين في منطقة فارغة أخرى على خريطتنا المعرفية. أنا لا آخذ الجانب السياسي من الأمور على محمل الجد. أنا لست بهذه الطريقة. ماذا يمكنني أن أفعل؟” فقط بعد تقاعده أصبح منصبه أكثر انتقاداً، كما ورد في مقابلة أخرى مع هآرتس مع نفس الصحفي في العام 2016 (“Jerusalem, The Descent. A Voyage in the Underground City,” Ha’aretz, April 21, 2016 [Hebrew]; my translation) وفي إشارة إلى شارع ونفق هيرود، أحدث مشروع أثري في سلوان، قال: “هذا حفر في خدمة السياحة، ثم السياسة، أو ربما السياسة أولاً ثم السياحة.. من حيث المعلومات، فهي لا تضيف الكثير. قد يكون إسناداً رائعاً كنصب تذكاري، لكنه لن يضيف إلى معرفتنا بشكل خاص. نحن نعرف مسار الجدار، ونعرف كيف يبدو ومتى تم بناؤه”.

2- انظر، S. Levy, “Human Rights Groups Accuse NBC of Deceit about DIG Filming Locations in Occupied East Jerusalem,” Jewish Voice for Peace, June 5, 2014.

3- انظر، Larkin and Dumper, “UNESCO and Jerusalem.”

4- انظر، Pullan et al., Struggle for Jerusalem’s Holy Places, 142.

5- تأتي هذه الأرقام في أعقاب تعداد السكان والمساكن الذي أجراه مكتب الإحصاء المركزي لدولة إسرائيل. انظر أيضاً D. Tsimhoni، “Demographic Trends of the Christian Population and the West Bank 1948–1978،” Middle East Journal 37 (1983): 55.

6- انظر، Dumper, “Christian Churches of Jerusalem,” 53.

7- انظر، A. Yahya, “The Palestinian-Israeli Draft Agreement on Archaeological Heritage,” Present Pasts 2, no. 1 (2010): 72–74.

8- انظر http://alt-arch.org/en/wp-content/uploads/2016/07/Principles-Eng-A4-dbl-sided_2.pdf.

عن محمود الصباغ

محمود الصباغ
كاتب ومترجم من فلسطين

شاهد أيضاً

محو فلسطين لبناء إسرائيل: تحويل المناظر الطبيعية وتجذير الهويات الوطنية

كريستين بيرينولي ترجمة محود: الصباغ ربما كانت أعظم معركة خاضها الفلسطينيون كشعب هي حول الحق …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *