الرئيسية > سياسة > ترجمة > استيطان الفراغ: الصهيونية وأنقاض المشهد المكاني في فلسطين
بقايا قرية سلمة

استيطان الفراغ: الصهيونية وأنقاض المشهد المكاني في فلسطين

استهلال:

 يقدم مركز الجرمق الترجمة العربية للمقالة الأصلية : Repopulating the emptiness : a spatial critique of ruination in Israel/Palestine

من تأليف نعوم ليشيم  التي نشرت في مجلة جامعة دورهام البريطانية في الثالث من كانون الأول\  ديسمبر 2014  http://dx.doi.org/10.1068/d15711

ترجمة :محمود الصباغ

نبذة مختصرة

تتناول هذه المقالة بالدراسة بشكل نقدي مفاهيم الدمار والفراغ المكاني كما يعبّر عنهما ملمحهما المتذبذب في الأرشيف الاستعماري. وسوف يتم توضيح ذلك من خلال التركيز على تاريخ الاستعمار الصهيوني لفلسطين / أرض إسرائيل، بهدف بيان كيف تقوم المواجهة مع الأرض بتمزيق البناء الإيديولوجي للفراغ، وتضع في حسبانها، بالدرجة الأولى، الالتباس الموجود في قلب الخطاب الصهيوني الرسمي. وبرغم توفر عدد لا يستهان به من الدراسات التي تفكك مغالطة “الأرض الفارغة” الاستعمارية، إلا أن “عمليات” الإفراغ الواقعية والمادية، وأعمال الدمار، بقيت على هامش هذا الجهد النقدي. وسوف تلقي هذه الدراسة الضوء على التناقضات والالتباسات الكامنة في قلب المشروع الصهيوني للسيطرة على الأرض, فضلاً عن  الركاكة التي ينطوي عليها إنتاج الهيمنة على المكان، وذلك من خلال إعادة قراءة النصوص الصهيونية الرئيسية في لحظات تاريخية مختلفة.

في ليلة التاسع من تشرين الأول / أكتوبر 2000، وبعد فترة وجيزة من اندلاع أعمال العنف جراء الانتفاضة الفلسطينية الثانية، التي اجتاحت إسرائيل والضفة الغربية وقطاع غزة، وقع حادث في “كفار شاليم”، أحد أحياء تل أبيب العمالية، لم يلقَ اهتماماً  كافياً، حين هرع  المئات من السكان اليهود نحو مسجد مهجور يقع في قلب الحي، وباشروا بهدم أحد جدرانه بالقضبان المعدنية والمطارق. فقامت السلطات، على الفور، باستقدام نحو عشرين شرطياً مع هراواتهم، لتطويق المبنى، بقصد حمايته من الحشود. حادث كهذا سوف ينتهي ويُدفن بين آلاف الحوادث التي تم تسجيلها، خلال أعمال العنف التي حصلت في ذلك الشهر من نفس  العام (1) . ومن السهولة بمكان، إهمال مثل هذا الشغب الذي وقع في كفار شاليم. بيد أن ما حصل، وما يشبهه، يمكنه أن يلقي الضوء على بعض التقاليد والأعراف التي نستطيع من خلالها تحليل [مفهوم] الدمار المكاني والتحول التاريخي المتطرف في إسرائيل / فلسطين.

وبالعودة إلى المسجد المستهدف، فهو يمثل ما تبقى من قرية “سلمة” العربية الفلسطينية التي أجبر سكانها على الفرار من ديارهم عقب هجوم إسرائيلي في نهاية نيسان\أبريل 1948،ومن ثم قيام السلطات الإسرائيلية بتوطين المهاجرين اليهود في البلدة، مثلما حصل مع غيرها من القرى  الفلسطينية التي تم تهجير سكانها. وقد جاءت عمليات  الاستيطان لتخدم هدفين، فهي، أولاً، كانت  استجابة للنقص الحاد في السكن في ذلك الوقت, وثانيا هدفت لمنع  وإعاقة عودة المهجرين الفلسطينيين العرب إلى ديارهم (موريس 2004). وقد دمجت قرية سلمة في العام 1949 مع بلدية تل أبيب (جولان 2001), وبعد ثلاث سنوات أسبغت لجنة الاسماء الإسرائيلية الحكومية اسماً عبرياً جديداً على سلمة لتصبح “كفار شاليم” (قدمون 1994), وتم تحويل مسجد القرية إلى نادي شبابي, لكن ذلك لم يدم طويلاً، إذ تم نقل النادي إلى مكان آخر، في العام 1981, ومن ثم قامت السلطات بتسوير المبنى و إغلاقه. ووفقاً لأحد التحليلات النقدية، التي تبحث في السياسة الإسرائيلية المكانية, يمثّل تحول، وإغلاق، المسجد مثالاً إضافياً للجهود  المتّسقة التي تبذلها الحركة الصهيونية للتغيير الجذري للمشهد المكاني العربي المادي، والرمزي، في فلسطين, بهدف محو و إزالة التاريخ المكاني وإعادة بناء تاريخها، وذاكرتها وفق مبادئ إثنو قومية صارمة ( كما يناقش هذا على سبيل المثل كل من: بنفينيستي 2000, دلشايم 2004, مصالحة 1997, رام 2009).

وإذن! ما الذي يحفّز مثل هذا الهجوم على مبنى مهجور؟ باعتباره موضعاً من المفترض نسيانه وشطبه من الذاكرة؟

فشلت الهيئات الرسمية في محو تاريخ المسجد العربي، ومدلوله الثقافي، رغم بقائه مهجوراً, وربما مهملاً، لعدة عقود, علاوة على الجهود الواضحة للسلطات الرسمية لتحويله(2). ومن الواضح أن الحشود التي هاجمت المسجد لم يخامرها أدنى شك في التاريخ العربي للمبنى، كما أن هجومهم هذا لم يمنحهم أي شعور  بالخسارة  في ذاكرتهم الجمعية للمعنى الرمزي له في حال تم هدمه، فقد عرّف العديد من الأشخاص الذين أجريتُ معهم مقابلات  في العمل الميداني الذي قمتُ به في الحي في الفترة 2006-2009 بشكل متواتر المبنى على أنه “المسجد”، كما كان بمقدورهم تحديد تاريخه مع تاريخ سلمة قبل العام 1948 ( ليشيم 2010a). ويوضح الحضور غير الثابت للمبنى الشاغر، الذي يجذب انفعالات هائجة وعنيفة، الطبيعة المخادعة للمساحات التي تبدو فارغة: فمثل هذه الأماكن غالباً ما تظل ملازمة للسياسات والخطاب المكاني المسيطر، رغم خضوعها للدمار المادي وللجهود المبذولة لإعادة تدوين دلالتها الثقافية.

 إن البحث النقدي عن التحول المكاني، في إسرائيل-فلسطين، محمّل بإحالات المجاز الصهيوني للأرض الفارغة، وتنويعاته العديدة ومفاهيمه المتنوعة. وعلى الرغم من فقدان هذا المجاز لمصداقيته على أرض الواقع، إلّا أن مفاهيم، مثل الفراغ والمحو، لا تزال تتلطى خلف الأبحاث النقدية التي تأمل في إعادة النظر في تشكيل الفضاء الإثني-القومي في إسرائيل-فلسطين، وفي مصير الجغرافيات العربية المادية والثقافية. وبقدر ما تكون هذه العملية عنيفة ومكثفة، فإنني أزعم أن مفاهيم الفراغ، والمحو والإفراغ المكاني، لا يمكن أخذها على علّاتها ،إن أردنا أن نفهم على نحو أفضل القوى الإيديولوجية والخطابية المعقدة التي تشارك في إنتاج المكان.

وإذا ما أخذنا باعتبارنا ما يقف ما وراء الخطاب المنحرف لمجتمع استيطاني، فإن بمقدور هذه المقالة أن تقوم بتحليل التقنيات المكانية الملموسة للسلطة المستخدمة لتدعيم ما هو بطبيعته فانتازيا تأسيسية، غير مستقرة، وموضع نزاع.

وتبدأ المقالة في التحليل، بإعادة النظر في النصوص الصهيونية الرئيسية التي توثق استعمار فلسطين / أرض إسرائيل في القرنين التاسع عشر والعشرين(3). وتشير العودة إلى هذا الأرشيف الصهيوني إلى حالات يقوم  فيها اللقاء بالأرض بفتق البناء الإيديولوجي للفراغ, كما تكشف الخطاب المتناقض المتعلق بالأمكنة والمساحات العربية التي استولت عليها إسرائيل في حرب العام 1948، حيث يبدو مفهوم “المساحة الفارغة” غير ثابت على نحو ما، وغالباً ما ينقل معانٍ متناقضة ويكشف غموضاً إيديولوجياً وسياسياً عميقاً.  وتسعى هذه المراجعة النقدية لتوضيح  تناقض الجهود الصهيونية لاستئصال الحضور المادي على أرضٍ كان من المفترض أن تكون فارغة في المقام الأول.

 إن فهم الفراغ كـ”صيرورة مستمرة” واستبدال الدمار بـ “أفعال” و”نتائج” الدمار، يسلط الضوء على الجهد غير المكتمل لإيجاد حيز إثني قومي  متجانس في إسرائيل / فلسطين. وبالتالي، التمزّق الذي  يظهر في بنية هذه السلطة المهيمنة .

الأطلال والفراغ: إطار تحليلي

على الرغم من الترابط الوثيق، بين الدمار والفراغ، فإن كلا المفهومين -هنا-، ليسا مترادفين. فيقدم التعريف الشائع للأطلال، كفضاءات مقفرة، صورة جوهرية لما قد اختفى وتآكل منذ فترة طويلة، كما يمكن للمعنى وتدمير المادة أن يتحايثا في بعض الحالات, ويؤدي التدهور التدريجي إلى تآكل الأهمية التاريخية والمدلول الثقافي. ورغم كل هذا -ومنذ أن ظهرت النزعة الرومنسية على الأقل- اعتبرت الأطلال، أيضاً، بقايا من الماضي العظيم بوصفها دلالة على الأصل والإرث. وتشير كاثلين ستيوارت إلى أن الجسم المدمَّر يأخذ معنىً أو حضوراً أكثر إقناعاً من الأصل، حيث يمزج الأسطورة بالحياة اليومية (1996، صفحة 93). ويمكن أن يصبح، في الواقع، الانحطاط المادي دافعاً لتجديد الاهتمام بالدلالة التاريخية للموقع (هورن 2009). إن ما يجعل الأطلال ذات أهمية محورية لعمليات التحول المكاني (ذات التوجه الإيديولوجي) هو نوعيتها التي تبدو  “مرنة”، وقابليتها للتدوين، وإفراغها من معانيها السابقة، وبالتالي، إحلال المعنى الجديد المعين. فلا يكون الفراغ، بهذا المعنى، مجرد نتيجة بناء استحال إلى دمار، ولكنه يصبح، في حد ذاته، شكلاً من أشكال الدمار، وآلية تقوم بمهام عزل ما هو عديم الأهمية لظواهر مكانية معينة وتواريخ خاصة مرتبطة به.

وكما تظهر عدة حالات نوقشت هنا، فالفراغ هو أيضا مرحلة غير محددة نقدياً في إطار إعادة تنظيم الفضاء الإيديولوجي والسياسي. وينظر إلى المكان الفارغ باعتباره فشلًا وليس فرصة، ويشهد  الفراغ المكاني على إمكانات إنتاجية غير محققة، ليس فقط من الناحية الاقتصادية، ولكن، أيضاً، عند اعتباره جزء من مهمة قومية إقليمية تقوم على المثل العليا لاسترداد الأرض وتجديد السيادة عليها. ويدلّل، مثل التصعيد والتناقضات الواضحة في هذه الشروط، على النضال من أجل تموضعهم المنظم في سرد ​​متماسك يهدف إلى إرساء الأسس الثقافية والأجندة السياسية للصهيونية.

أنتج فتح الأرشيف الإسرائيلي، منذ أواخر سبعينيات القرن الماضي، سلسلة من الروايات التاريخية المؤثرة التي تحدّت التأريخ الصهيوني التاريخي للأحداث المتعلقة بإقامة دولة إسرائيل، والحرب العربية اليهودية للعام 1948. لكن هذا المقال النقدي الخاص لسياسات الفضاء الصهيونية والخطابات يدين بالكثير من زخمه التحليلي لبنائين من الدراسات التي توسع بشكل كبير النطاق المعرفي والمنهجي للأبحاث التاريخية السياسية، حيث يضع، البناء، الأول المشروع الصهيوني، في فلسطين ودولة إسرائيل، ضمن إطار استيطاني-استعماري، ويميزها عن المتروبول الكولونيالي، فلم يتم، في المقام الأول، إنشاء المستعمرات الاستيطانية لاستخلاص فائض القيمة من العمالة الأصلية. وكما يصوغ ذلك باتريك وولف “يركزون  إلى حد ما على تشريد السكان الأصليين من الأرض (أو استبدالهم)” (1999، ص 1). وشحذ، هذا التمييز الفريد، بشكل كبير، تحليل الأيديولوجيا والمؤسسات والسياسات الصهيونية، منذ أواخر القرن التاسع عشر وحتى يومنا هذا. وعلى الرغم من علاقاتها مع العواصم الإمبريالية العثمانية والبريطانية، لم تعتمد الصهيونية الاستعمارية، قط، على البيروقراطية الضيقة لحكم  عدد كبير من السكان الأصليين، بل سعت، بدلاً من ذلك، إلى توسيع سيطرتها على الأرض وتشجيع الهجرة اليهودية الجماعية، وتوفير العمالة التي ضمنت للمستوطنين معياراً أوروبياً للعيش.

وكان تصور نموذج المستعمرة الاستيطانية قد برهن على فائدته، لاسيما على صعيد التحقيق الأكاديمي في البحث عن المنطق البنيوي للصهيونية ومبررها الإقليمي(4). فقد قامت الحركة الصهيونية، بوصفها مجتمع استيطاني، بصقل موقف فريد تجاه الأرض، تجاوز الأبعاد الوظيفية للأرض، وعلاقات العمالة والمؤسسات الحاكمة. ومع هذا يبين عمل غابرييل بيتربرج (2008) أن الوجوه المادية للاستعمار الصهيوني لا يمكن فهمها ،بالكامل، دون النظر إلى ما استندت عليه من عوالم خطابية وإيديولوجية، منحت المصداقية الفكرية للأجندة السياسية الصهيونية وساعدت في ترسيخ مكانتها المهيمنة. وترتكز السردية الصهيونية الرئيسية على  ثلاثة مجازات متداخلة (2008، صفحة 94): أولها “نفي المنفى”، الذي يؤسس للاستمرارية بين الماضي القديم للسيادة اليهودية الكتابية، وبين الحاضر الذي يسعى لاستئناف إعادة استيطان فلسطين. أما المجاز الثاني فيتمثل في تعبير “العودة إلى الأرض”، الأمر الذي يمكّن اليهود من إعادة لعب أدوار القصة الكتابية من الخروج وخلاص الأرض المهجورة. لم يكن هذا الفراغ المفترض للأرض مادياً، بل كان يهدف إلى إبراز وجهة نظر صهيونية، رفضت الاعتراف بأي تاريخ جاد أو أصيل لا يمت لماضٍ يهوديٍّ بصلة. وأخيراً، يرى المجاز الثالث أنه لن يتمكن اليهود من حل معضلة المنفى الشاذ و”العودة للتاريخ” إلا من خلال العودة إلى الأرض.

بعبارة أخرى، تصبح السيادة الإقليمية، شرطاً لعودة الشعوب المتحضرة للتاريخ. ولا يوجد ثمّة حيّز كبير ضمن هذه السردية الاستيطانية لحضور السكان الأصليين؛ وكما طرح بيتربرغ  تلقّى العرب الفلسطينيون باعتبارهم جزء من البيئة الطبيعية، تعامل ينحدر بهم إلى مرتبة الموضوعات السلبية التي يمكن العمل عليها بحرية تامة.   والأهم من ذلك، أن هذا الالتباس الخطابي والمادي للحضور العربي لم يكن بسبب حالات تاريخية معينة طارئة فقط، بل كان بمثابة الشرط ذاته الذي سيخلق هوية تاريخية صهيونية مستقرة وشعوراً متماسكاً بالهدف الجماعي. وبالنظر إلى التوظيف السياسي والإيديولوجي الهائل في خلق مثل هذا الفراغ المكاني، فإن الاعتراف بوجود السكان الأصليين المستمر ضمن السرديات الاستعمارية إنما يشير إلى أن أسس الخطاب الصهيوني الاستيطاني وسياسته المكانية، لم يكن أقل صرامةً بكثير مما يتم توصيفه، في كثير من الأحيان،  في التحليلات النقدية للمشروع القومي اليهودي. وهنا يمكن القول أن العلاقة بين النقد الاستعماري الاستيطاني ونظرية ما بعد الكولونيالية ليست واضحة. فقد عارضت انتقادات كل من ما بعد الكولونيالية والاستيطان تحالف هذه الكيانات (ما بعد) الكولونيالية المختلفة، مستشهدين بالاختلافات التاريخية والسياسية والبنيوية التي تميز النموذجين.

ويسعى بيتيربرغ، في عمله المذكور أعلاه، إلى تمايزات أكثر وضوحاً عندما يجادل بالقول أن دراسة مجتمعات الاستيطان “لا تعد مشروع دراسات التابع subaltern  على الإطلاق. ولا تسعى مثل هذه الدراسات إلى إنقاذ وإعادة تأكيد أصوات المسلوبين، ولا تلتزم  بسجلّ أو منهجية ما بعد الكولونيالية  “(2008، صفحة 57).فيما يحذر -وهم على حق- كل من جونستون ولاوسون (2000) من استبعاد الاستعمار الاستيطاني من التحليل ما بعد الكولونيالي، كما أن استبعاد نقّاد ما بعد الكولونيالية، من قبل نقّاد الاستيطان، يعد أمراً غير مفيد على حد سواء. وأستطيع أن أزعم هنا، في الواقع، بأن التداخل بين هذين المشروعين الهامين، يقدم رؤى غاية في الأهمية في تشكيل واستدامة وتنازع الفضاء الاستيطاني.

مهّد مفكري وباحثي ما بعد الكولونيالية، من الناحية المنهجية، الطريق لإعادة النظر في أهمية الأرشيف الاستعماري الاستيطاني، بوصفه موقع يعبّر عن القلق السياسي والمعرفي، أكثر من كونه مجرد موقع لمصادر منحرفة ومتحيزة تحتفظ وتكرس التراتبية الصارمة(5). وسعت هذه المساهمة في توسيع مجال القراءة المتاحة للنصوص الاستعمارية إلى الفهم اللاحق لعلاقات السلطة ضمن هذه المشاريع الإيديولوجية والسياسية. وبالمثل، كانت إعادة النظر النقدية للسلطة الاستعمارية، تعبر عن السمة المميزة لمنظّري ما بعد الكولونيالية الذين طعنوا في الصّور المبسّطة للمستعمِر الذي لا يُقهر. لم يكن هذا مجرد محاولة لجذب الانتباه إلى أشكال متعددة من مقاومة التراتبية الاستعمارية، بل كان محاولة تقود إلى الفهم المتقن لتلك التناقضات المتأصلة والالتباسات في الحالة الاستعمارية نفسها. ويبدو أن استكشاف الإنتاج، غير المكتمل للفضاء، وعدم الثبات المتأصل، لسرديات الاستيطان، عبر الطيف التحليلي لنظرية ما بعد الكولونيالية، لا يحتاج -كليهما- إلى طمس الخصائص المميزة للاستعمار الاستيطاني. وكما أوضحت، ففي واقع الحال ينظر إلى فإن إعادة التأكيد على الوجود المستمر للمستعمِر في قلب سرديات المستوطنين، كاستجابة  لأحد الانتقادات الرئيسية للمنطق الاستيطاني الاستعماري، الذي يرفض الجهود المهيمنة لإنكار دور السكان الأصليين في تشكيل الهوية الجماعية لأمة المستوطنين.

خاضت السرديات الصهيونية صراعاً لا يهدأ مع فكرة الفراغ، وتبدو الجهود المبذولة لمطابقة الأطلال مع أي درجة من الاتساق محبطة للغاية. وتوضّح النصوص، التي تم تحليلها هنا، الجهد المتكرر للمفكرين والمسؤولين الصهاينة لحل، أو على الأقل، إيجاد السبل الكفيلة للقيام بالالتفاف على هذه المفارقات المتأصلة.

تتنوع المصادر الواردة في هذه الورقة من حيث استنادها على طيف واسع في الأسلوب والتحقيب التاريخي،  وكثيراً ما يرتبط مؤلفو تلك الأحقاب الأفراد بأقطاب متناقضة من الطيف الإيديولوجي الصهيوني: فعلى سبيل المثال، لا تتشارك الهواجس الفلسفية، والوجودية العميقة، لشخصيات صهيونية مبكرة مثل أحاد هاعام ويوسف حاييم برينر، الذي ناقشته في الجزء الأول من هذا المقال، كثيراً مع التصميم العملي للشخصيات السياسية مثل دافيد بن غوريون، أو مع اللغة البيروقراطية للموظفين، الذين يناقشون مصير القرى العربية الفارغة في الحرب. وبطريقة مماثلة، يستكشف التحليل، النصوص والخطابات، التي تشكل الركائز الأساسية للأرشيف الصهيوني، كما  يشمل أيضا  المصادر التي توثق الأبعاد الضيقة ظاهرياً للاستعمار، مثل كُتيب الدعاية، الذي صدر في خمسينيات القرن العشرين، أو مذكرة وزارة الخارجية متوسطة المستوى. ومن خلال تغطية مجموعة متنوعة من السجلات والفترات التاريخية والمصادر، غير معروفة نسبياً، إلى جانب البيانات الإيديولوجية الرئيسية، يسمح هذا بتوسيع النطاق التحليلي، ويمكن من تقدير أكثر شمولاً للطبيعة المنتشرة لهذه الفئات غير المحلولة عبر الأرشيف الصهيوني. ويتوجب، في الوقت ذاته، أن تساعد هذه العودة إلى أرشيف الصهيونية في تقويم بعض التوصيفات البحثية السائدة في المشروع الصهيوني في فلسطين، والتي غالباً ما تغفل التعقيد والتناقض في طبيعة هذه الفئات المكانية.

المواجهة واللقاء

بات شعار “أرض بلا شعب، لشعب بلا أرض”، هدفاً شعبياً للتوصيفات النقدية للطموحات الصهيونية للأرض، وموقفها من السكان العرب في فلسطين على حد سواء. ومع ذلك، استمر هذا الشعار، لفترة طويلة، في التعبير عن موقف سياسي فظ، وقد أتى تداوله في العقود الأولى من القرن العشرين بين المتحمسين الصهاينة، كجزء من محاولة التستر على إحدى التجارب التي صاغت الهجرة اليهودية إلى فلسطين، وتحديداً، ذلك الاصطدام القاسي بين الأحلام الرائدة المثالية، والحقائق الدنيوية التي تشكل التجربة الاستعمارية، وتبدو  المشاعر حيال هذا الشعار جلية، في واقع الأمر، في كتابات أولئك الذين سعوا إلى تحقيق حلم الاستيطان الصهيوني، باعتباره بروباغندا هجومية عنيفة تزدري الانطباع الخاطئ الذي ساعد في خلقه (على الرغم من كون المشاعر نادرة في  الشعار نفسه). ومنذ العام 1914، وصف الصهيوني موشيه سميلانسكي، وهو صاحب مزرعة، وكاتب، وأحد مؤسسي مستعمرة رحوفوت الزراعية، كيف “وصفت البروباغاندا الصهيونية، منذ اللحظة الأولى للفكرة الصهيونية، الأرض التي كنا نتجه إليها بأنها أرض مقفرة ومهجورة، تنتظر مخلصها بفارغ الصبر”. سميلانسكي هذا، الذي عمل في وقت لاحق عن كثب مع مؤسسات صهيونية مثل الوكالة اليهودية، كان قد أشار إلى أن هذه البروباغاندا خلقت “شعوراً كاذباً بأن فلسطين  كانت دولة بكر” (مقتبس في شابيرا ,2000 ,ص 58) .

كما يمكن عزو مشاعر مماثلة في كتابات شخصيات صهيونية بارزة، ويجسد الكاتب اليهودي يوسف حاييم برينر ، لحظة نقدية  كثيراً ما تم تهميشها في توصيف الهجرة اليهودية إلى فلسطين واستعمارها، في سردية مقنعة تشبه الاعتراف: “من يستطيع أن يتخيل ألم اليهودي الذكي سيء الحظ، الذي يأتي إلى هنا، راغباً في حياة مختلفة مفيدة أكثر، ومفعمة في العمل المادي، ورائحة الحقول -والذي بعد أيام قليلة، أدرك أن هذا الحلم كاذباً، وأن الأرض مملوكة بالفعل للمسيحيين العرب، وأدرك، أن مزارعينا،  ليسوا سوى مزارعين بالمعنى المجرد للكلمة، وأنه لا يوجد أمل  لشعبنا هنا؟” (برينر ,1924وص 53).

يصف برينر، بمثل عدم التحيز النموذجي هذا، الصحوة من الحلم الزائف الذي يتقاسمه المثقفون الصهاينة الذين جاءوا إلى فلسطين ليعرفوا في النهاية أن “أرض اللبن والعسل” الكتابية كانت مملوكة ومزروعة من قبل الآخرين. وما هو مدهش في هذا المقطع، ليس اليقظة الرصينة العالية فحسب، بل، أيضاً، التصوير القاتم للمسافة بين الخيال الجمعي، والواقع الملموس الذي يواجهه برينر، والفجوة بين التجارب المادية للأرض وبين هؤلاء “المزارعين المجردين”. لم يكن برينر وحده من يعترف بمثل هذا التناقض المدمر بين الخيال الإيديولوجي والواقع المادي، ففي أوائل العام 1891 ، كان آشر تسفي غينسبرغ، أحد آباء الحركة الصهيونية -المعروف في كثير من الأحيان باسمه الأدبي أحد هاعام (رجل من العامة)- قد عاد من رحلته الأولى إلى فلسطين، التي ألهمته كتابة مقالته الشهيرة “الحقيقة من فلسطين” التي ظهرت في الصحيفة العبرية هملتيس التي تصدر في سان بطرسبرغ. تنصل، المقال، علناً ​​من إحالات المهاجرين التي هيمنت على التيار الصهيوني السائد. وقد قوبل المقال بردود فعل عنيفة، حتى أن البعض اتهمه بتشويه جهود اليهود القومية، بشكل عام، وجهود المستعمرين اليهود في فلسطين العثمانية على وجه الخصوص. وينطلق المقال في الحقيقة من خلال هدم توقعات القراء، ويقارن بين أمل حلم “أرض العجائب” ويأس واقع المستوطنين: “بعد سنوات عديدة قضيناها في تفكيرنا، وتخيّلنا، لأرض آبائنا، وإعادة ولادة أهلنا فيها، حالفني الحظ، أخيراً، لأن أرى بأم عيني موضوع أحلامي، فهذه الأرض من العجائب التي تأسر قلوب الناس قاطبة، من جميع الشعوب وجميع البلدان، على حد سواء، قضيت حوالي ثلاثة أشهر هناك. رأيت أنقاضها، بقايا حياتها في “الماضي”.  ولم يفتني ملاحظة حالتها المزرية في الوقت “الحاضر”، لكنني أوليت اهتماماً خاصاً لمستقبلها، وفي كل مكان ذهبت إليه،  كان ثمة هناك سؤال واحد يتقدم كل شيء: في نهاية المطاف، ما هو أملنا هنا؟” (أحد هاعام 2000, ص 160.التشديد من الأصل).

تظهر لحظة المواجهة بين الحلم والأرض كلحظة أزمة -حيث يتزعزع الطيف القوي للمخيال الاستشراقي الكتابي الذي وصفه [إدوارد] سعيد (1978) وراباسا  (1993) وميتشل (2002) وغيرهم -بالمكان الذي لا يحمل تشابهاً لمثل هذه التصورات. فالأمر ليس مجرد إدراك أن هذا الحلم -الحيز الروحي مثل قصيدة رعوية تنتظر مسرحاً لها لعرضها  كمسرحية قومية رومانسية- أثبت أنه غير صحيح. بل يتعدى الأمر لما هو أكثر قلقا، لأحاد هاعام، لما هو تشتيت مسار تاريخي غائي يقود تقدم الحياة اليهودية من دولة كتابية  (“أرض آبائنا”) إلى تدهور الشتات، وأخيراً إحياء الحياة القومية اليهودية في أرض إسرائيل.

إن واقع الحياة في “الأرض” -أو بشكل أكثر دقة في “أطلالها”- يقوّض القدرة على تحقيق روح الصهيونية الأساسية للمستوطنين في “العودة إلى التاريخ” من خلال الرجوع للأرض.

وكما ذكرنا بإيجاز أعلاه، فإن العودة المادية إلى الوطن التاريخي للشعب اليهودي كانت أكثر من بحث استعماري عن المساحات المنتجة لاستخراج الموارد المادية. لقد كانت أسس الرواية الصهيونية عن الخلاص على المحك: فمن الناحية الزمنية، من المفترض أن يحقق المستقبل الموعود سرديته عن بؤس الماضي والحاضر. وكما لاحظ شاي غينسبرغ، في قراءة رائعة لمقال أحاد هاعام، اندمجت الحالات الوقتية الثلاث في “سلسلة متواصلة تميزت بآثار ووجود بائس” (غينسبرغ 2009, ص 185). وعلاوة على ذلك، يظهر الطباق  المكاني ممزقاً ،وهو الذي يفترض وجوده هنا بين فلسطين العثمانية وبين أراضي المنفى اليهودية – “نفي المنفى” -. فالأرض التي كان من المفترض أن تحل “المشكلة اليهودية”، في المنفى، أدت إلى تآكل الثنائيات الأساسية (الماضي / المستقبل؛ هنا / المنفى\السيادة؛ هناك ) التي دعمت الإيديولوجية الصهيونية وأجندتها السياسية. إن تصعيد التمثيل المكاني -الفجوة بين الكلمة والعالم- يعتبر ضرورياً لفهم التبرم الذي تعبر عنه هذه النصوص. وكثيراً ما درست البحوث ما بعد الكولونيالية البناء النصّي وإسنادات تصور العالم imago mundi الاستعماري. فيستخدم  إدوارد سعيد، على سبيل المثال، مفهوم “المواقف النصية” لوصف الميل البشري للارتداد عن النص، عندما يبدو أن عدم اليقين، يهدد إجماع المرء، لدرجة أن النص “يكتسب سلطة أكبر، ويستغل، حتى من يصفه “(سعيد 1978,ص 93).

ويشير ديفيد بون، إثر تنقيحه لمقولة سعيد تلك، إلى أن اللقاء الاستعماري مع المشهد المكاني يولد “شكلاً مبالغاً فيه من حالات الاتكال، أو “السند” لنموذج المشهد المكاني، على نموذج آخر(بون 2002,ص 122) .ويعكس كليهما، على الرغم من الاختلافات الاصطلاحية، اتفاقاً رحباً بأن كتابة الأرض (من خلال رسم الخرائط، أو مجلات السفر، أو رسم المناظر الطبيعية) يؤكد على نظام سيطرة قديم، قبل أن يطأ المستعمرون الأوروبيون بأقدامهم على الأرض المادية للأراضي “المكتشفة”، ويستمر في إدامة نماذج مماثلة من السيطرة والتحكم لفترة طويلة أبعد. وعلى العكس من ذلك، تجسد كتابات برينر وآحاد  هاعام، كما سوف أجادل، ديناميكية أكثر تعقيداً تبدو فيها سلطة النص غير قادرة على تحمل المواجهة مع حقائق الاستعمار.

لا تظهر الكتابة الاستعمارية للفضاء هنا على أنها تعويذة للتخلص من الالتباسات المكانية (دوسيرتو 1988، ص 134)، أو كمحو للصور المتنافسة، بل تظهر كموقع آخر تترك فيه مثل هذا الالتباسات بصمتها. إن قراءة متأنية لفقرات فضاءات المواجهة والالتقاء تكشف عن حقيقة التجربة الاستعمارية: تشظي السرديات  المتسقة واختراق هذه التعقيدات إلى أشكال تمثيل تبدو متجانسة ظاهرياً, أي النصوص ذاتها التي تقع في قلب الأرشيف الصهيوني.

وكان ميرون بنفينيستي قد صاغ، وفي واحدة من أهم الدراسات النقدية حول التحول المكاني في إسرائيل / فلسطين، مصطلح “البقع البيضاء” لوصف الآليات المادية والخطابية التي تمنع المشهد المكاني العربي من الدخول إلى فضاء الخطاب الإثني القومي الصهيوني. فكتب يقول لم يكن لـ ” التجمعات العربية والبلدات والقرى والأحياء مكان في تصور اليهود لطبيعة الوطن. لقد كانوا مجرد مجاميع عشوائية غير منتظمة من الكيانات ثلاثية الأبعاد” (بنفينيستي 2000، ص 56). بيد أنه يزعم في نهاية تلك الفقرة نفسها أن “موقف السكان اليهود إزاء  المشهد العربي- المادي والإنساني على حد سواء- كان خليطاً غريباً من التجاهل والقلق والمودة والتفوق والإنسانية والفضول الأنثروبولوجي والرومنسية، وقبل كل شيء، كان موقفاً أوروبياً متمركز إثنياً”. إن الحد من هذه الوفرة في الاهتمامات وتنوع الدوافع بحيث تشمل جميع مفاهيم “البقع البيضاء” أو المجاز الشائع لـ “الأرض الفارغة”، يدل على الحاجة التحليلية الأوسع لمقاربة أكثر دقة للواقع المتناقض للفضاء المستعمر في إسرائيل / فلسطين.

الفراغ ذو الكثافة السكانية العالية

يمكن، بالكاد، أن تقتصر لحظة المواجهة واللقاء على الموجات الأولى من الهجرة اليهودية إلى فلسطين، وتظهر بشكل متكرر في الأرشيف بعد فترة طويلة من إقامة دولة إسرائيل(6). ومع ذلك يتطلب التبني التدريجي لدولة إثنية قومية  كإطار صهيوني مسيطر(7) اهتماماً خاصاً لدور سرديات الدولة في تشكيل الإدراك الثقافي للفضاء القومي. ويقدم كُتيب صدر عن إدارة المعلومات الإسرائيلية (وهي هيئة رسمية تبث سياسات الحكومة على الصعيد المحلي) في العام 1962 مثالاً صارخاً على الجهود القومية في سعيها  لتحويل ما يسمى الفضاء المهجور تحت ستار الإنتاجية والاستغلال النفعي للموارد. ويعرض هذا النص، ربما بطريقة أقل وضوحاً، التهديد المحتمل لما تم تعيينه بالفراغ المكاني. ويصف الكتيب، الذي تم توزيع آلاف النسخ منه في جميع أنحاء البلاد، الواقع في الأنحاء الشمالية لإسرائيل بعد الحرب العربية اليهودية في العام 1948. ويركّز بشكل خاص على المساحات الشاسعة التي تم الاستيلاء عليها في الحرب، وما ترتب عليه من استقرار المهاجرين اليهود في مستوطنات زراعية جديدة، ويتابع الكتيب قوله عن انبثاق مفاجئ، ووافر نسبياً لعامل اقتصادي هام  بعد الحرب  -أي الأرض- فضلاً عن أن مساحات مكانية شاسعة أمست الآن مقفرة  -مما فاقم مشاكل إسرائيل الأمنية. فكان لابد من العثور عن الحل، الذي أمّنته المستوطنات الزراعية: فالأرض  متاحة، ويمكن استغلالها، وسوف تعزز المستوطنات الجديدة الزراعة لتأمين الغذاء للسكان وتحدّ من المخاطر الأمنية التي تنشأ من المساحات الفارغة (إدارة المعلومات الإسرائيلية 1862، الفصل 1). ويصف الناقد الإسرائيلي إسحاق لاؤور هذا النص بأنه يعبر عن “الملمح الأساسي للسردية القومية” (1995، ص 156)، واضعاً التقاليد الإقليمية، والخطابية، لما سيتم تأسيس  الروح القومية الإسرائيلية عليها -أي  مجموعة إثنو قومية من المزارعين المحاربين الحدوديين. وعلى ضوء ذلك، يخدم نص إدارة المعلومات في ظاهر الأمر غرضاً واضحاً يتمثل في إعادة تنظيم الواقع الفوضوي لما بعد الحرب، ضمن  مخطط  شمولي للتقدم والتراكم الإنتاجي. وتشبه هذه الديناميكية  إلى حد كبير ما يصفه ديلوز وغواتاري بإسالة وإعادة  هيكلة رأسمال  للمكان، علاوة على إعادة توصيفه. بمعنى إزالة الدلالات الموجودة كمقدمة لإعادة تعريفها بشروط أكثر ملاءمة لتراكم رأس المال (2004)

لا يعتبر استخراج الموارد من الأرض، في كتيب إدارة المعلومات، هدفاً رئيسياً لإعادة هيكلة المكان، بقدر ما هو حل عملي للتهديدات المحتملة التي يطرحها الفضاء الفارغ في سبيل السيطرة الإقليمية على الأرض. ويربط الفراغ المفروض على المشهد المكاني العربي بين وظيفتين – الفضاء كمورد إنتاجي، ودوره في الأجندة السياسية الإثنية القومية- والسعي لشل أي قدرة على منافسة المستوطن الطبيعي والمحايد في ابتلاع للأرض. غير أن عملية “تدوين  الفراغ”-لو جاز لنا استعمال تعبير سيمون ريان (1994)- ليست عملية محو بسيط أو مجرد تجاهل، فيمكن لنظرة فاحصة عن كثب أن تكشف، على سبيل المثال، كيف يدحض الكتيب السابق أحد أساسيات المنطق الاستعماري الاستيطاني الموصوف هنا. فالنص يصوّر بطريقة صريحة إلى حد ما، المستوطنة الزراعية اليهودية في فلسطين-التي تم الاحتفاء بها منذ زمن بعيد بسبب مذهبها الإنتاجي وفلسفتها الاجتماعية الجديدة – كأداة استعمارية في تشكيل مشروع المستوطنين. وعلى الرغم من الصبغة المحورية لملاحظات بعض الباحثين الذين حاولوا استكشاف الأسس الاستعمارية الاستيطانية للصهيونية مثل بيتربيرغ (2008) وشافير  (1996)، فإن حضوره الواقعي في كتيب الدعاية الحكومي أمر جدير بالملاحظة، فبدلاً من المجاز المتواري وراء مصلحة السردية الاستعمارية، يشجع  الفراغ على القيام بقراءات نقدية غزيرة لتناقضات النص الاستعماري، وعدم ثباته المتأصل. ولاحظ كل من حنان حيفر ويهودا شينحاف في دراستهما للتحولات العرقية -الثقافية الراديكالية في إسرائيل، أن الفعل المهيمين للمحو هو عملية إعادة تدوين  بين الفضاء العربي واليهودي بآن معاً، وكليهما “يتركان آثاراً كثيرة في الهوامش العريضة التي تحيط بخط الفصل” (حيفر وشينحاف 2011، ص 70). ما يتم التعرض له في هذه العملية هو “العمل الخطابي” الذي يعطل الانتقال السلس من فئة (سياسية أو ثقافية) إلى أخرى. انظر، على سبيل المثال الطريقة التي ينشئ بها كتيب إدارة المعلومات العلاقة السببية بين المساحات “المهجورة” و “التهديد الأمني”. وفي حين يشير الكتيب إلى أن الأراضي التي تم الاستيلاء عليها في حرب العام 1948 كانت “خالية من الحضور الإنساني”، فإنه يصمت تماماً عن التطرق للوجود المادي لنحو أكثر من 400 بلدة وقرية عربية تم اقتلاع سكانها منها  خلال الحرب(8). بعضها هدم أثناء الحرب أو بعدها بوقت قصير، لكن العديد منها، ولا سيما في المناطق الطرفية، بقيت سليمة حتى الستينيات (شاي 2006).

يبقى الكتيب غامضاً عن قصد حول ما إذا كانت هذه المخلفات المادية كافية لتحريض مثل هذا القلق والشعور بالتهديد. ومع ذلك، فإن هذا الغموض في سرد ​​الفضاء الفارغ يشهد على التحدي المتمثل في تجسير الفجوة بين المخيال القومي المنظم والحقائق المعقدة على الأرض.

سعى الخطاب الرسمي الإسرائيلي، في السنوات الأولى من عمر الدولة، إلى ترسيخ ما يبدو كأنه موقفين متناقضين  بشأن وجود بقايا مادية عربية. فهو، من جهة، سعى إلى  تشفير الدمار: ويصر ديفيد بن غوريون  أول رئيس وزراء للبلاد على أن المهمة الصهيونية هي “إحياء أنقاض أرض فقيرة ومدمرة.. تلك الأرض التي بقيت فارغة لمدة ألفي عام” (دورمان 1986,ص 73-74). إذن لا مغزى للخراب والدمار، بتصور بن غوريون  إلا بقدر ما يدلان على المملكة اليهودية القديمة، ويعملان كمؤشر على العودة الغائية إلى الأرض بعد ألفيتين من المنفى. وهذا لا يندرج في ما يعرف بمصطلح القائمة الفارغة tabula rasa، بل هو محاولة لفصل الآثار عن سياقاتها الثقافية والسياسية والتاريخية(9). وفي حالات أخرى  عندما يتم الاعتراف بالأصول العربية لهذه البقايا المادية للقرى والبلدات، فيتم اعتبارها “تهديدا أمنياً”يسوغ بدروه هدمها.

لقد تم تدمير العديد من القرى لمحاربة “المتسللين” العرب، ومعظمهم من اللاجئين الذين حاولوا العودة إلى فلسطين من الدول المجاورة، ووجدوا مأوى لهم في المنازل المهجورة. يذكر يحزقيل ساهار [أول قائد شرطة في إسرائيل] في مذكراته أن طلبه بهدم حوالي50  قرية تقريباً حوالي العام 1952 “خفف كثيراً من حربنا ضد المتسللين” (ساهار 1992، ص 98). إن التناقض الواضح بين “الفراغ المرغوب”، الذي قدمه بن غوريون، وتصورات ساهار، حول الفراغ كتهديد، يسلط الضوء على قدرة كتيب إدارة المعلومات في التخفيف بدرجة ما من هذا التوتر عن طريق الصراخ بصوتٍ عالٍ حول المهمة القومية للاستيطان والاستيلاء على الأرض. ومع كل هذا، ما تتوضح أهميته، بالنسبة للتأريخ النقدي للاستعمار، هو الإحساس المتواتر بأن الفراغ لا يخلو قط من “أشياء” تستمر في حمل معنى غير ثابت .

غالباً ما تتأرجح التوصيفات الإسرائيلية الرسمية المبكرة للمشهد المكاني العربي، الذي تم  الاستيلاء عليه في حرب العام 1948، ما بين الفراغ والخراب. وهذا الخلط بين المصطلحات أوجد نظرة ترى بأنه في حين لم تكن  هذه الأماكن شاغرة مادياً، إلا أنها افتقرت إلى الجودة البشرية التي تجعلها مهمة تاريخياً وثقافياً(10). وغالباً ما تدعي الأبحاث النقدية بخصوص التحول المكاني في إسرائيل بأن إعادة تدوين الأرض مكّن من محو حضور  السكان الأصليين أو التابعsubaltern  من خلال السرد القومي المهيمن (فلاح 1996، فينستر 2007، قدمون 2008). ورغم هذا، فثمة أمثلة  أساسية، في السرد الصهيوني المهيمن، توضح صعوبة التوفيق بين المشهد المدمر بعد الحرب، وبين الإحساس الواضح بالفراغ، ويقدّم  خطاب رئيس الوزراء دافيد بن غوريون في مؤتمر جمعية استكشاف إسرائيل (وهي جمعية صهيونية تشكلت في العام 1914 لإجراء أبحاث أثرية وتاريخية في فلسطين) رؤى قيمة عن مثل هذا التصعيد: “لسنا راضين عن مصير أرضنا، حتى على الجزء الذي نسيطر عليه. لقد جعل الغزاة الأجانب أرضنا صحراء. دمار واسع وهجرت مناطق شاسعة. وقد وسعت حرب الاستقلال الفراغ . فما ينبغي علينا أن معرفته هو أننا:.. لن نقبض على سهول النقب والرمال الساحلية والجبال العارية لفترة طويلة. إن الحفاظ على استقلالنا يجبرنا على بناء الأنقاض، واستعادة الأراضي الخربة، واستيطان المناطق المهجورة، وإسكانها  في أقرب وقت ممكن” (نشرة جمعية استكشاف إسرائيل 1949،  ص 120). لاحظ أن الأرض، التي اكتسبت خلال الحرب، لا توصف بأنها مكان فارغ تماما بصورة مجردة، ولكن  كأماكن محددة خضعت لعملية تدميرية طويلة. والفراغ، كما يصفه بن غوريون  مليء بالأطلال والنفايات.

ويصف بن غوريون في مقال آخر، بعد عامين، بشكل أوضح الطبيعة الانتقائية لعملية الخراب هذه: “جلبت حرب الاستقلال الخراب والدمار لآلاف المستوطنات، وعندما ظهرت الدولة، (كان هناك فقط المستوطنات اليهودية) التي أنشئت في السبعين سنة الماضية وبعضها لم يكن يهودياً” ( كما ورد في كليتر 2006، ص 46، التشديد مضاف).

يشير تصوير بن غوريون الواقعي للنتائج المكانية للحرب وما بعدها، إلى أنه خلافاً للنقد الحديث المعاصر للخطاب الصهيوني، لم يكن هناك البتة حلقة صمت حول الفضاءات العربية التي استولت عليها إسرائيل خلال الحرب. في الواقع، تكشف قراءة الأرشيف دون المساس بهوامشه، بدلاً من مواجهة الحقيقة المحرفة للمعرفة الرسمية (ستولر 2009)، عن جدل ثريّ حول هذه المواقع، وأوجه الشكوك العميقة حول مصيرها. فعلى سبيل المثال، حذر مسؤول في وزارة الخارجية الإسرائيلية في العام 1957 من أن أنقاض القرى والأحياء العربية، أو الكتل السليمة من البيوت التي ظلت مهجورة منذ العام 1948، لديها صلات عسيرة تتسبب في أضرار سياسية كبيرة. وخلال السنوات التسع الماضية، تمت إزالة العديد من الأطلال، سواء من خلال مشاريع التنمية، أو بسبب العوامل المناخية. لكن تلك التي نجت تبرز أكثر على النقيض من المشهد الجديد (دوثان 1957). ووفقاً لهذه المذكرة، ينبغي إيلاء اهتمام خاص بالبقايا العربية الواضحة للعيان، كتلك الموجودة في “المستوطنات اليهودية، وفي المراكز المهمة، أو على طول طرق النقل الرئيسية”. تركت الحالة المتدهورة لهذه المواقع، حسب الرسالة، “انطباعاً محبطاً جداً”. ولتجنب هذا “سيكون من المناسب إزالة الأنقاض التي لا يمكن ترميمها، أو تلك التي ليس لها قيمة آثارية”. وتعني “الإزالة” في معظم الحالات تدمير المباني، على الرغم من أن المسؤولين عن هذه العملية أبدوا أحيانا بعض القلق فيما يتعلق بنتائج أعمالهم. ففي اجتماع عقدته لجنة تحديد والمحافظة على المواقع في القدس في العام 1963، عرض أحد الأعضاء بديلاً للتدمير الكامل للقرى: “أقترح أن نجري مسح، ونتصرف كما هو الحال في سويسرة، حيث وضعت سويسرة خطة لكل مبنى قديم  للحفاظ على المدن القديمة. وبغض النظر عما إذا كان مقرراً تدميره أو الحفاظ عليه، فيتم تقديم صور أو مخطط لكل مبنى. يمكن إدخال أجزاء معمارية من البيوت العربية المخصصة للتدمير في متحف عربي يتم إنشاؤه مستقبلاً، بعد تدمير المنازل. كما ستوضح الصور ما كان موجوداً في المكان الذي سيتم تدميره. وإلا سيقولون عنا أننا قد دمرنا جميع الآثار بوحشية، حتى دون أن نترك الوثائق” (لجنة حفظ وتحديد المواقع في القدس، 1963)

يبدو أن ما يفصل السويسري “المتحضر” عن  البربري هو الميل -ربما حتى الالتزام- لتوثيق ورسم وأرشفة عملية التدمير. وأن ما ينبغي  توجيه اللوم له ليس فعل الهدم أو التدمير الفعلي، وإنما الفشل في التسجيل وتقديم الدليل على ما كان  ليس أكثر. إن وضع الأثر القديم في أقفاص زجاجية وأرشفة الخرائط المعمارية هي عتبات ما يسمى التحطيم الحضاري الذي يحدث لأغراض “تقدمية”، على عكس أعمال العنف البربرية العشوائية وغير المتطورة. لم يتم إقرار هذه المقترحات، على الأقل في شكلها البرامجي.

أخيراً، من المهم أن نتذكر أن الفضاء العربي لم يناقش فقط في المجرد. ففي أعقاب الحرب مباشرة، كانت القرى والأحياء العربية السابقة واحدة من أولى الحلول التي اتخذت لإيواء حشود  المهاجرين اليهود الذين وصلوا إلى البلاد .تم تحويل العديد من “الأنقاض” إلى منازل، بعضها عن طريق خطة حكومية محددة مسبقاً والبعض الآخر من قبل “واضعي اليد” أو “الغزاة” اليهود الذين كانوا يبحثون عن سكن خلال فترة النقص الحاد في المساكن في أوائل الخمسينات. هذا الإدماج العملي للمشهد العربي، في “الفضاء الإسرائيلي”، ينطوي على آليات قانونية وسياسية معقدة(11) ولعب دوراً رئيسياً في تشكيل النظام الداخلي الإسرائيلي للتنوع الثقافي والاجتماعي(12). غير أن التركيز هنا موجّه إلى حالات معينة من التناقض والريبة المترافقة مع جهود الدولة في استيعاب هذه الأماكن في الخطاب المكاني الإسرائيلي، من خلال ما هو مواجهة حميمية للغاية -السكن في بيت “العدو”. وأودّ القول، من خلال مثالين، أنه حتى مع تغير سكانه، فإن الخراب العربي -ككائن مادي ومجاز خطابي- يحافظ على قدرة مدهشة لمقاومة التحييد والامتصاص في فضاء قومي متجانس.

فخلال مناقشة الحكومة في العام 1949 حول الجهود الرامية إلى تشجيع الهجرة اليهودية، أشار وزير الشرطة والأقليات بيشور شالوم شطريت إلى الحالة الرهيبة لليهود من أصول عربية وشمال إفريقية، الذين انتقلوا إلى مساكن العرب السابقين، في مدينة طبريا الشمالية في نيسان\أبريل 1948. سكن المهاجرون الذين قدموا في الخرائب، بدون نوافذ أو أبواب. فإذا كان الجو حاراً هذه الأيام، فماذا سنفعل في الأيام الممطرة؟ لسبب ما، لم يكن هؤلاء المهاجرون محظوظين بما يكفي، ويطلق عليهم المهاجرون المغاربة والشمال أفريقيون.. تتحدث الحكومة كثيراً عن الهجرة وتشجيعها، لكن النتيجة لا تزال كما هي، يفرّ الناس إلى هذه البلاد، يأتون ويتم التخلي [عنهم] (شطريت 1949)

يمكن للمرء أن يتتبع في هذا البيان أصداء توصيف برينر، إذا كشف وصفه عن مغالطة الغزو الزراعي البطولي للأرض الفارغة، يوضح بيان الوزير كيف أن الخراب أصبح جزءً من التجربة الإسرائيلية للأرض الجديدة، وكيف يتفض الخرائب العربي تحييدها أو نبذها كعلامة للآخر. إعادة بناء الأنقاض تعني تآكل التقسيم الرمزي بين الفضاء اليهودي والعربي، مما يقوّض التظاهر القومي بإصدار نظام ثقافي-مكاني جديد. ونتيجة لذلك، تشهد هذه الخرائب على هشاشة النظام الرمزي، المتعلق بالأرض، الذي تسعى إليه الدولة القومية، ويشكك في القدرة الأساسية على دمج الناس والأرض. وحقيقة أن مدينة طبرية القديمة تم تدميرها بالكامل بعد ذلك بقليل، لا يقوض القيمة النقدية لهذا النوع من التحقيق.

إن إعادة قراءة رواية الاستعمار تكشف عن الدمار، حتى لو كان عابراً، كموقع للتناقض السياسي والتصعيد الأيديولوجي.

وفي حين رأى البعض أن الأطلال تشكل تذكاراً مربكاً، أو أشياءً متداعيةً، تلطّخ صورة الفضاء الحديث المتقدم أو تهديداً أمنياً، فإن البعض الآخر اكتشف نوعاً مختلفاً تماماً من الأطلال. ويتم هنا الاستشهاد بتأسيس مستعمرة عين حوض، وهي مستعمرة لفنانين يهود أقيمت في قرية عين حوض العربية المهجورة، كإيضاح مذهل للطريقة التي تم بها دمج الأطلال في نظام عقائدي يحجب النص الأصلي للحيازة والملكية. وتقترح سوزان سليوموفيتش أن الفنانين الدادئيين الذين جاءوا للعيش في عين حوض، ينظرون للانحلال والدمار على أنهما من أعمال الطبيعة، وأن الحطام كان ومازال “من السمات البدائية والقديمة للمشاهد المكانية” (1998، ص 51). كما يفترض حاييم يعقوبي أن “اكتشاف العمارة الشرقية أنتج بصورة ناجحة مجموعة تاريخية منظمة، كانت بمثابة أداة خاضعة للرقابة، لتنظيم المعرفة والذاكرة الجماعية (2008، ص 111). في حين أن الدمار كان حاسماً في خلق مفارقة تاريخية انتقائية -أي الاستيلاء على المشهد المكاني العربي لإثبات استمرارية الوجود التاريخي اليهودي في فلسطين- يكشف تحليل أوثق أن هذه المفارقة ليست حالة بسيطة من المحو الثقافي. فقد سبقت مجموعة الفنانين التي وصلت في العام 1953 محاولتين فاشلتين لإعادة استيطان عين حوض من قبل السلطات الإسرائيلية. أولا: تم نقل مجموعة من اليهود الجزائريين والتونسيين الذين تم توجيههم  [لاحقا] من القرية إلى موقع بديل أكثر ملائمة للعمل الزراعي (عساف 1853,ص 177-180). ثم، بعد ذلك، أقامت مجموعة يهودية ،في عين حوض  لفترة قصيرة ريثما تم إنشاء قرية جديدة لهم في العام 1950 وهي ذاتها المجموعة التي نجت من هجوم الجيش الأردني على كفار عصيون في أيار\مايو 1948. (دائرة المستوطنات 1949). تسجل هذه الإخفاقات تجربة أولئك الذين لم يشاركوا في “اكتشاف” فني لقرية قديمة استشراقية  في منازل عين حوض شبه المهدمة. ظاهرياً، تم إعطاء الأولوية للاحتياجات الأخرى: بالنسبة للمهاجرين من شمال أفريقيا، كانت الأولوية تتمثل في القدرة على تطوير وسائل العيش الأولوية؛ وعلى المرء أن يفترض أنه بالنسبة للناجين من كفار عصيون، الذين فقدوا أصدقاءهم وعائلاتهم في حرب العام 1948، لم تكن إعادة توطينهم في قرية عربية مهجورة تحمل إغراءً رومانسياً. تشير تجارب المجموعات التي لم تكن جزءً من التيار السياسي والإيديولوجي الإسرائيلي إلى أن تدمير الفضاء العربي لم يكن مجرد “مجموعة تاريخية منظمة ” كما يدعي يعقوبي، بل هو مجرد نقطة اتصال للمعاني والروابط غير المتجانسة.

الخلاصة: إعادة بناء المعنى في الفضاء المدمر

على الرغم من التأثير المدمّر لمشاريع الاستعمار على المكان المعيشي للعديد من المجموعات الإثنية التي خضعت له، فقد روّدنا النقد ما بعد الكولونيالي بموروثات مهمة يرتكز عليها الزخم النقدي لهذه المقالة. ويتعلق ذلك برفض قبول الهيمنة الاستعمارية كبنية سلطة محكمة. لقد كانت الممارسات المستخدمة لفرض واستدامة أنظمة الهيمنة والتحكم، حتى في أكثر مظاهرها تطرفاً، تمثل  في أغلب الأحيان “شيئًا من الارتجال الجماعي” (ريتشاردز 1993، ص 3) أكثر من كونها خطة  رئيسية منظّمة بدقة وتنفّذ بشكل كامل. وقد ثبت أن العديد من مشاريع المستوطنين، كافحت بواسطة التناقضات الإيديولوجية، والتصورات الوهمية للقيادات الفاشلة, ومجتمعات المستوطنين المستاءة. وبالتالي، من المستغرب أن تظل التناقضات الإيديولوجية للصهيونية, والفشل السياسي، والريبة البيروقراطية، غير خاضعة للتنظير  إلى حد كبير، ولا تلعب دوراً جوهرياً في التاريخ الأيديولوجي والجغرافي لإسرائيل / فلسطين.

إن إبراز هذه النقاط الملتبسة في المقدمة هو خطوة حاسمة لصياغة انتقاد أكثر دقة للهيمنة الثقافية والمشهد المكاني الذي تنتجه .

إن كل مساهمة هامة في النقاش حول الصهيونية وإنتاج الفضاء في إسرائيل تشير تقريباً إلى مفهوم الهيمنة. ومن المفترض أن تكون الأرض و المشهد المكاني، التي يُفترض أنها يمكن الاستيلاء عليهما بسهولة والتلاعب بهما، وسيلة فعّالة في بناء الهوية الجماعية والتوافق السياسي. فالفضاء المحلي، ومسارات التنزه والمشهد المكاني للمدينة، جميعها، منخرطة في مشروع إثني كبير. ولتبسيط حجة غرامشي  المعقدة، يمكن القول أن مثل هذه الأشكال من “الحس العام” و”العفوية” تدعم تمييز الهيمنة عن الأشكال الأخرى للإكراه المبطن (غرامشي 1971، ص 323). ومع ذلك، وكما يذكّرنا ويليامز بدرجة من الأهمية، بإن التحدي الأساسي هو التأكيد على أن الهيمنة “ليست مفرداً، وفي الحقيقة، تبدو أبنيتها الداخلية معقدة للغاية، ويتم تجديد هذه البنى، وإعادة إنشائها وصونها باستمرار؛ وعلى نفس المنوال، يمكن تحدي هذه البنى باستمرار وتعديلها في بعض النواحي  ” (ويليامز 2005 ص 38).

إن التدقيق في الفئات الأساسية المستخدمة لإضفاء شرعية خلق نظام مهيمن، كما فعلت هذه المقالة، هو الخطوة الأولى في رفض التظاهر الشامل للهيمنة. وبدلاً من التجانس والتوافق، فإن التباس الفراغ والدمار يفضح الشكوك والتناقضات العميقة المتأصلة في إنتاج واستدامة الأنظمة المكانية الإقليمية. وكما يوضح التحليل، لا يستطيع أتباع هذا المشروع المهيمن الاتفاق على معنى هذه المصطلحات الأساسية أو تسوية تناقضاتهم. إن الانزلاق والغموض اللذين يبتليان المجال الرمزي للإنتاج المكاني يشيران إلى اضطراب وتطاير بنية الهيمنة ويشيران إلى الحالات النقدية التي تضطر فيها إلى الدفاع عن أسسها الإيديولوجية وإعادة تأكيدها.

ولاتزال تخضع، بقدر ما من التعميم، المقاربات النقدية الأساسية، التي تعالج التاريخ الصهيوني وإنتاج الفضاء في إسرائيل / فلسطين، إما لجهد دراسي لاستكشاف هيكل، وعملية الهيمنة الصهيونية، أو من خلال الاهتمام بأشكال مختلفة من المقاومة المضادة للهيمنة. و يشير النقد المقدم في هذه المقالة إلى بُعد ثالث للتقصي النقدي. إن تحدي المفهوم الساذج للفراغ وفضح الطبيعة غير المحسومة للمساحة المدمرة يحدد تخوم القوة والمساحات التي لا تزال عملياتها غير مكتملة. ليس هذا مجرد مقدمة لظهور المقاومة، ولكنه فهماً أكثر دهاءً ودقةً للمشهد المكاني الملتبس للقوة في إسرائيل  – الفضاء الأيديولوجي الرمزي والأساطير غير الثابتة المتأصلة التي تأسست عليها الصهيونية، وكذلك المشهد المكاني غير المتجانس بعمق والذي لا يزال يظهر ملامح آثار العنف التي ينطوي عليها الاندماج القومي للسكان والأرض. إن ارتباط الصهيونية بمستعمرة استيطانية محضة قد يرجع إلى لحظات تكوينية في تطور المؤسسات الصهيونية في عشرينيات القرن العشرين (لوكمان 1996، شافير 1996)،  لكن الحجة هنا توضح الصعوبة الهائلة في إعادة إنشاء هذا “النقاء” بنجاح بمعايير مكانية، سواء في المشهد الطبيعي، أو الخطاب المحيط به. ولا ينبغي-مرة أخرى- الخلط بين هذا وبين التركيز ما بعد الكولونيالي المألوف عن الغموض والتناقض كعلامات مميزة لمقاومة التابع  subaltern، على الرغم من أن مثل هذه الأفعال للمعارضة الهدّامة قد تسعى، بالتأكيد، للاستفادة من مناطق عدم التعيين هذه. وبدلاً من ذلك، يتم التركيز على الإمكانيات التحليلية الهائلة لإلقاء الضوء على التوترات التأسيسية التي شكلت هوية المستوطنين، المتضاربة بشدة، وعلاقتها بمجال ما زال يمثل ماضيها العربي، ويقاوم قوى التجانس للدولة القومية الإثنية.

في نهاية المطاف، يتضمن إعادة ملء الفراغ أيضاً رفضاً أخلاقياً سياسياً للسيطرة على الهيمنة على المصطلحات الأساسية التي يمكن من خلالها التعبير عن التنافس. وبتوقع تركيز فوكو على الممارسات الخطابية، أدرك غرامشي أن “كل لغة تحتوي على عناصر تصور للعالم” (غرامشي 1971,ص 325).

 تسعى الهيمنة، بوحي من  إحدى وظائفها الأكثر تعقيدًا وفعالية، إلى السيطرة على المفردات المتاحة وتضع علامة على حدود الخطاب المسموح به، مما يثبط توضيح البدائل الاجتماعية ويجعل من الصعب على المستضعفين العثور على مصدر استيائهم، ناهيك عن معالجته. ويعمل الفراغ، في هذا السياق بطريقة مماثلة: فهو يصف ما ينتجه الدمار العنيف، لكنه يعيق بشدة في ذات الوقت القدرة على الاعتراف بأي علامة من علامات العنف. إن حرمان من تضرروا من التعبير عن فقدانهم أو تقديم أدلة عن الأضرار التي لحقت بهم ربما يكون التعبير الأكثر تطرفاً عن تقييد الهيمنة(13). ومن ثم، فإن كشف الغموض المرن للفراغ والدمار يشكل تدخلاً أكاديمياً يحجب تأثيرات إسكات مفردات إيديولوجية، وعلى أقل تقدير، يحافظ على إمكانية قيام بنى بديلة  بإعادة ملائمة وملء هذه التواريخ المكانية غير المكتملة.

………………..

هوامش

1 ـ انطلقت الأحداث من زيارة عضو الكنيست آنذاك أريل شارون إلى [جبل الهيكل]. تم تجميع وتحليل وقائع الأحداث في جميع أنحاء إسرائيل في تقرير لجنة  أور (خطيب وشامير وأور 2003). ترد الأحداث في كفار شاليم في تقرير اللجنة، المجلد2، الفصل5

  1. وُجِّه هذا الجهد الرسمي بالأساس إلى السكان اليهود في إسرائيل. لقد طوّرت المجتمعات العربية الفلسطينية، سواء النازحين داخل إسرائيل، بعد اتفاقية الهدنة لعام 1949، وأولئك الذين صاروا لاجئين في الضفة الغربية وغزة والبلدان المجاورة، أشكالاً مضادة للاحتفال والتوثيق للمعرفة التاريخية، والتي لم تتم مناقشتها في إطار هذه المقالة (انظر: ديفيس 2011؛ الخالدي 1992؛ سعدي وأبو لغد 2007؛ سليوموفيكس 1998).

3.على الرغم من أن بعض الإشارات موجودة هنا في الأماكن المعاصرة في إسرائيل، فإن هذا المقال لا يتعامل بشكل مباشر مع أكثر التعابير وضوحاً للدمار المعاصر في الأراضي الفلسطينية المحتلة. هناك ارتباطات وارتباطات واضحة بين الخطاب المكاني للاستعمار الصهيوني المبكر، والممارسات المستخدمة في ترسيخ احتلال إسرائيل في الضفة الغربية وغزة منذ العام 1967 (على سبيل المثال كيمرلنغ 1983؛ شابيرا 1992). يتجاوز، عموماً، هذه الأهداف المحدودة لهذه المقالة إلى حد بعيد للتوصيفات الجغرافية والتاريخية والسياسية الطارئة التي تهيمن على هذه البيئات.

4.انظر على سبيل المثال تحليل غيرشون شافير (1996) للمرحلة المبكرة من الحركة العمالية اليهودية في فلسطين، أورين يفتحئيل (2006)، استكشاف نقدي للأسس الإثنية للجغرافيا السياسية لإسرائيل أو تقرير ميرون بنفينيستي (2000) الاستثنائي عن استئصال الجغرافيا الثقافية العربية لفلسطين.

  1. كانت أعمال آن لوران ستولر (2008؛ 2009) ذات أهمية خاصة في صياغة الإطار التحليلي لهذه الورقة. هناك مجموعة ثابتة تتعامل مع المخاوف والتخيلات المتأصلة التي تشكل المحفوظات الاستعمارية المستوطنة، والتي تغطي الحالات الجغرافية المتنوعة من جنوب غرب أفريقيا الألمانية (نويز1992) إلى أستراليا (كارتر 1987,جاكوبز 1996) وكندا (مواني 2009).
  2. .في زيارته الأولى إلى الضفة الغربية بعد احتلالها من قبل إسرائيل في العام 1967، ردد يوسف فايتز، الذي خدم لعقود من الزمن كمدير للصندوق القومي اليهودي وقاد أنشطته التحريجية، مشاعر مماثلة في مذكراته عندما شهد إنجازات فلسطينية، فيقول: “كلما نظرت عن كثب، كلما شعرت بالخجل والإحراج وأنا أشعر بمقارنة جبالنا “في القدس” بجبالهم [أي العرب] في الخليل. نحن، الذين نستخدم الفولاذ (آلات الحراثة الكبيرة)، ومتدربين، ونملك ميزانيات ضخمة، ومياه باهظة الثمن، لم نحقق أي شيء مزدهر. نحن في مستوى أقل ثقافياً وعملياً بالمقارنة معهم، وكل ذلك لأنهم أناس يعملون في الأرض، وأن الأرض هي مصدر رزقهم الوحيد، وهم أبعد ما يكونون عن ذلك “(مقتبس في سيغيف 2008، ص 426).

7.على عكس الرؤى الثنائية القومية، أو حتى المناهضة للقومية، التي ظهرت في مناقشات يهودية سابقة كاستجابة لصعود الصهيونية.

8.يبقى العدد الدقيق للقرى التي تم إخلاءها من السكان خلال الحرب موضع جدل، حيث تراوح عددها ما بين 356 قرية (كيمرلينغ 1983)، إلى 531 (أبو ستة 2000، ص 7). وتختلف التقديرات بسبب التعريفات المختلفة لما يشكل القرية، على سبيل المثال، مستوطنة  زراعية موسمية (فيشباخ 2003، ص 3-4، جولان 2001، ص 12) .

9.لم يكن الانفصال الانتقائي للأطلال عن أصولها التاريخية “اختراعاً صهيونياً” بكل تأكيد: يلاحظ رشيد الخالدي، مؤرخ القومية الفلسطينية، الضجة التي تلت عملية شراء الأراضي  من قبل الحركة الصهيونية في العام 1910 في الفولة، والتي شملت أيضا أطلالاً لقلعة صليبية. وقد احتجت مقالتان، أعيد طباعتهما على نطاق واسع في الصحافة العربية، في ذلك الوقت على عملية البيع لأنه تسلّم “قلعة” يفترض أن من بناها هو  صلاح الدين، أي أنها جزءّ  قيّماً من التراث الوطني الفلسطيني الوليد”.  الشيء المهم، هنا،  ليس أن هذه الخرائب هي بقايا قلعة بناها صلاح الدين في الأصل فعلاً؛ بل ما كان يعتقده قراء هذه الصحف من أن جزء من تراث صلاح الدين […] قد يتم بيعه (الخالدي 1997، ص31)

  1. وهذا يشبه ممارسة مستعمرة مألوفة تقوم بنزع أنسنة الفضاء الأصلي، بدلاً من تجاهله فئوياً (نويز 1992,ص 196).

11.قام العديد من الباحثين الإسرائيليين بتحليل هذه العملية على نطاق واسع، ولكن عمل أورن يفتحئيل  وألكسندر كيدار وجيريمي فورمان يقدم منظوراً تاريخياً واسعاً وإطاراً نظرياً صارماً، يضع هذه الآليات في السياق السياسي للنظام الإثنوقراطي. انظر على سبيل المثال: فورمان و كيدار 2004 ، كيدار 2003، يفتحئيل 2006.

12.في العقد الماضي، كان هناك زيادة ملحوظة في الاهتمام الأكاديمي في المناطق الجغرافية الثقافية والاجتماعية في الفضاء العربي السابق. على الرغم من أن الكتاب الفلسطينيين قادوا الطريق من الثمانينيات (على سبيل المثال، وليد الخالدي 1992)، إلا أن الباحثين الإسرائيليين، والأجانب، تحوّلوا مؤخراً إلى تحليل مصير العمارة والفضاء العربيين، وتأثيرهم الأوسع على الثقافة والمجتمع الإسرائيليين. انظر: بنفينيستي 2000؛ ليفين 2005؛ سليوموفيكس1998؛ يعقوبي 2009.

  1. يشبه هذا ما اعتبره جان فرانسواز ليوتار على أنه “اختلاف”، وهي “الحالة التي يتم فيها تجريد المدّعي من وسائل مجادلته، ويصبح لهذا السبب ضحية. إذا تم تحييد المرسل والمتلقي ومنطق البينة، فإن كل شيء يحدث كما لو أنه لا توجد أضرار. ليوتار 1996

المراجع

Abu-Sitta S H, 2000 The Palestinian Nakba 1948: The Register of Depopulated Localities in Palestine Occasional Return Centre studies 4 (The Palestinian Return Centre, London)

Ahad Ha’am (Ginsburg AZ), 2000, “Truth from Eretz Yisrael” Trans. Alan Dowty, Israel Studies 5(2) 160 – 79

Asaf A, 1953 Moshve ha-`ovdim be-Yisrael [The Workers’ Community in Israel] (Hotsaat `Enot u-Tenu`at ha-moshavim, Tel Aviv)

Benvenisti M, 2000 Sacred Landscape: The Buried History of the Holy Land since 1948 (University of California Press, Berkeley CA)

Brenner Y H, 1924 Kol kitve Y. Ḥ. Brener [The Writings of Yossef Haim Brenner] Vol. 4 (Shtibel, Tel-Aviv)

Bulletin of the Israel Exploration Society, 1949, “The Sixth Archaeological Conference” 15(3/4) 116 – 31

Bunn D, 2002, “‘Our Wattled Cott’: Mercantile and Domestic Space in Thomas Pringle’s African Landscapes” in Landscape and Power, ed. W JT Mitchell (University of Chicago Press, Chicago) pp 127–174

Carter P, 1987 The Road to Botany Bay: An Exploration of Landscape and History (Knopf, New York)

Dalsheim J, 2004, “Settler nationalism, collective memories of violence and the ‘uncanny other'” Social Identities, 10(2) 151 – 170

Davis R, 2011 Palestinian Village Histories: Geographies of the Displaced (Stanford University Press, Stanford CA)

Deleuze G, Guattari F, 2004, Anti-Oedipus (London, Continuum)

de Certeau M, 1988 The Practice of Everyday Life (University of California Press, Berkeley, CA; London)

Dorman M, (Ed) 1986 ‘Al ha-hityashvut: kovets devarim, 1915-1956 [On settlement: collected writings 1915-1956] (Hakibutz HaMeuchad, Tel Aviv)

Dothan A, 1957, Letter to Yitzhak Eylam, Director-General of the Ministry of Labor, August 13 Israel State Archives GL/13/44881

Falah G, 1996, “The 1948 Israeli-Palestinian War and its aftermath: the transformation and designification of Palestine’s cultural landscape” Annals of the Association of American Geographers 86(2) (June) 256 – 85

Fenster T, 2007, “Zikaron, Shayachut Ve-tichnun Merhavi Be-yisrael” [Memory, Belonging and Spatial Planning in Israel] Teoryah Uvikoret 30 189 – 212

Fischbach M R, 2003 Records of Dispossession: Palestinian Refugee Property and the Arab-Israeli Conflict (Columbia University Press, New York)

Forman G, Kedar A, 2004, “From Arab land to ‘Israel lands’: the legal dispossession of the Palestinians displaced by Israel in the wake of 1948” Environment and Planning D: Society & Space 22(6) 809 – 830

Ginsburg S, 2007, “’Emet me’eretz yisrael’: musag ha-emet etzel ahad ha’am” [‘Truth from Eretz Israel’: Ahad ha’am’s notion of truth], in Rega` shel huledet: mehkarim be-sifrut `ivrit u-ve-sifrut yidish li-khevod Dan Miron [Moment of Birth: Studies in Hebrew and Yiddish Literatures in Honor of Dan Miron], ed H Hever (Mosad Byalik, Jerusalem) pp 260 – 275

Golan A, 2001 Shinui merhavi–totsat milhamah: ha-shetahim ha-`Arviyim leshe-`avar bi-Medinat Yisrael, 1948-1950 [Wartime Spatial Changes: Former Arab Territories Within the State of Israel, 1948-1950] (Ben-Gurion University of the Negev Press, Sedeh-boker; Beer-Sheva)

Gramsci A, 1971, Selections from the Prison Notebooks (Lawrence & Wishart, London)

Hever H, Shenhav Y, 2011 “ha-Yehudim ha-Aravim: gilgulo shel munach” [The Arab Jews – A Genealogy of a Term] Peamim 125-127 56 – 74

Hoorn, M, 2009. Indispensable Eyesores: An Anthropology of Undesired Buildings (Berghahn Books, New York; Oxford)

Israeli Information Administration, 1962 “Pitu’ach ha-karka ve’ bitchon ha-medina [Land Development and National Security]” Israel State Archives, Unit C/3045/5

Jacobs JM, 1996 Edge of Empire: Postcolonialism and the City (Routledge, London)

Johnston A, Lawson A, 2000 “Settler Colonies”, in A Companion to Postcolonial Studies Eds. Schwarz H, Ray S. (Blackwell, Boston) pp 360 – 376

Kadman N, 2008 Be-tside ha-derekh uve-shule ha-toda’ah: deḥiḳat ha-kefarim ha-‘Aravim she-hitroḳenu be-1948 meha-śiaḥha-Yiśre’eli [Erased from Space and Consciousness] (Sifrey November, Jerusalem)

Kadmon N, 1994 Toponomasticon: Geographical Gazetteer of Israel (Carta, Jerusalem)

Kedar A, 2001, “The legal transformation of ethnic geography: Israeli law and the Palestinian landholder 1948-1967” New York University Journal of International Law & Politics 33(4) 923 – 1000

Khalidi R, 1997 Palestinian Identity: The Construction of Modern National Consciousness (Columbia University Press, New York)

Khalidi W, 1992 All that Remains: The Palestinian Villages Occupied and Depopulated by Israel in 1948 (Institute for Palestine Studies, Washington D.C.)

Kimmerling B, 1983 Zionism and Territory: The Socio-territorial Dimensions of Zionist Politics (Institute of International Studies, University of California, Berkeley CA)

Kletter R, 2006 Just Past?: The Making of Israeli Archaeology (Equinox, London; Oakville, CT)

Laor Y, 1995 Anu kotvim otakh moledet: masot al sifrut Yiśre’elit [Narratives with No Natives: Essay’s on Israeli Literature] (Hakibbutz Hameuchad Publishers, Tel Aviv)

Leshem N, 2010a Taking Place: Spatial History in Israel and the case of Salama/Kefar Shalem PhD. dissertation, The London Consortium, University of London, London

LeVine M, 2005 Overthrowing Geography: Jaffa, Tel Aviv, and the Struggle for Palestine, 1880-1948 (University of California Press, Berkeley)

Lockman Z, 1996 Comrades and Enemies: Arab and Jewish Workers in Palestine, 1906-1948 (University of California Press, Berkeley)

Lyotard J-F, 1996, The Differend: Phrases in Dispute (Minneapolis, University of Minnesota Press)

Masalha N, 1997 A land without a people: Israel, transfer and the Palestinians, 1949-96 (Faber and Faber, London)

Mawani R, 2009 Colonial Proximities: Crossracial Encounters and Juridical Truths in British Columbia, 1871-1921 (UBC Press, Vancouver)

Mitchell WJT, 2002, Landscape and Power (Chicago, University of Chicago Press)

Morris B, 2004 Birth of the Palestinian Refugee Problem Revisited (Cambridge University Press, Cambridge)

Noyes J K, 1992 Colonial Space: Spatiality in the Discourse of German South West Africa 1884-1915 (Harwood Academic Publishers, Chur, Switzerland; Philadelphia, PA)

Or T, Hatib H, Shamir S, 2003. The Official Commission for the Investigation of Clashes Between the Security Forces and Israeli Citizens in October 2000, in Hebrew, http://elyon1.court.gov.il/heb/veadot/or/inside_index.htm, Retrieved 1 July 2011

Piterberg G, 2008, The Returns of Zionism: Myths, Politics and Scholarship in Israel (London & New York, Verso)

Rabasa J, 1993 Inventing America: Spanish Historiography and the Formation of Eurocentrism (University of Oklahoma Press, Norman, OK)

Ram U, 2003, “Ways of Forgetting: Israel and the Obliterated Memory of the Palestinian Nakba” Journal of Historical Sociology 22(3) 366 – 395

Richards T, 1993, The Imperial Archive: Knowledge and the Fantasy of Empire (London & New York, Verso)

Ryan S, 1994, “Inscribing the emptiness: cartography, exploration and the construction of Australia”, in De-Scribing Empire: Post Colonialism and Textuality Eds C Tiffin, A Lawson (Routledge, London; New York) pp 115 – 130

Sa’di A H, Abu-Lughod L, eds. 2007 Nakba: Palestine, 1948, and the Claims of Memory (Columbia University Press, New York)

Sahar Y, 1992 Sippur Hayyay [My life story] (Israel Ministry of Defense Press, Tel-Aviv)

Said E, 1978, Orientalism (New York, Pantheon Books)

Segev T, 2008, 1967: Israel, the War, and the Year That Transformed the Middle East (New York: Metropolitan Books)

Shafir G, 1996, Land, Labor and the Origins of the Israeli-Palestinian Conflict, 1882-1914 (Berkeley, University of California Press)

Shai A, 2006, “The fate of abandoned Arab villages in Israel, 1965-1969” History & Memory 18(2) 86 – 106

Shapira A, 1992 Land and Power: The Zionist Resort to Force, 1881-1948 (Oxford University Press, New York)

——— 2000, “Hirbet Hizah: between remembrance and forgetting” Jewish Social Studies 7(1) 1 –62

Shetreet B-S, 1949 “Israeli Government meeting minutes 23 August 1949” Israel State Archives open access material

Slyomovics S, 1998 The Object of Memory: Arab and Jew Narrate the Palestinian Village (University of Pennsylvania Press, Philadelphia)

Stewart K, 1996 A Space on the Side of the Road: Cultural poetics in an “other” America (Princeton University Press, Princeton NJ)

Stoler A L, 2008, “Imperial debris: reflections on ruins and ruination”, Cultural Anthropology 23(2) 191 – 219

——— 2009 Along the Archival Grain: Epistemic Anxieties and Colonial Common Sense (Princeton University Press, Princeton NJ)

The Committee for Locating and Preserving Sites in Jerusalem, 1963, “Meeting Protocol”, 24 February 1963 ISA GL/2/44889

The Settlement Department, 1949 Monthly Reports for the Haifa Region, May 1949 Central Zionist Archives 15S 9388

Williams R 2005, “Base and Superstructure in Marxist Cultural Theory” in Culture and Materialism: Selected Essays (London, Verso) pp 31 – 49

Wolfe P, 1999, Settler Colonialism and the Transformation of Anthropology: The Politics and Poetics of an Ethnographic Event (London, Continuum)

Yacobi H, 2008 “Architecture, Orientalism and Identity: The Politics of the Israeli-Built Environment” Israel Studies 13(1) 94 – 118

——— 2009, The Jewish-Arab City: Spatio-politics in a Mixed Community (London; New York, Routledge)

Yiftachel O, 2006 Ethnocracy: Land and Identity Politics in Israel Palestine (University of Pennsylvania Press, Philadelphia)

عن محمود الصباغ

محمود الصباغ
كاتب ومترجم من فلسطين

شاهد أيضاً

العدوان بلسانهم: محنة غزة وجحيم الـ F-16

عميرة هاس ترجمة محمود الصباغ I تقول مريم (50 عاماً): “كنت أشعر، مع كل قصف، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *