الرئيسية > سياسة > ترجمة > استراتيجية عمل الصهيونية المسيحية الداعمة لإسرائيل (2)
مقر السفارة المسيحية الدولية في القدس

استراتيجية عمل الصهيونية المسيحية الداعمة لإسرائيل (2)

ترجمة: محمود الصباغ

الفصل الثاني: التطور التاريخي للمسيحية الصهيونية

(أنت تدرس المسيحية الصهيونية؟ هل تعرف ماذا نسميهم؟ “الزنابير”(7)، لأنهم يلسعون. نحن لا نحبهم”).. عامل فلسطيني مسيحي في المعهد اللاهوتي السويدي في القدس(8).

(“أنا لا أهتم بآرائهم، فهم هنا لمساعدتنا وهم أصدقاؤنا”)..امرأة يهودية في القدس، صديقة لأحد موظفي السفارة(9).

مكروهين من قبل الكثيرين ومحبوبين من قبل القلّة: لديهم سمعة مضطربة بسبب عقيدتهم. يتهمهم أشد المنتقدين بأنهم معادون للسامية ويتطلعون إلى المحنة*(10) عندما يتم تخويف اليهود بأنه لن ينجو منهم سوى عدد قليل من المتحولين (Schulson 2014) يتهم المتآمرون المسيحيين الصهاينة بأنهم جزء من المتنورين(11) ويدعون أنهم متحالفون مع نسخة شيطانية من اليهودية (Marrs بدون تاريخ). يدعي آخرون أنهم يمارسون ضغوطاً ضد أي حلول للسلام في الشرق الأوسط، ويدعمون إسرائيل دون قيد أو شرط ضد  أي عمل لقيام دولة فلسطينية (Stephen Sizer 2006). ادعى عالم الاجتماع جوزيه كازانوفا أن العقيدة التدبيرية كانت شعبوية ومناهضة للفكر (Casanova 1994، 141). على العكس من ذلك، يتلقى معظم اليهود الصهاينة بسعادة مساعدة مالية ودعماً من أصدقائهم المسيحيين في هدف سياسي مشترك لاستعادة أرض إسرائيل. ويدعو الملايين من الناس، حول العالم، أنفسهم مسيحيين صهاينة، ويصلّون إلى الرب كل يوم ليعود اليهود إلى إسرائيل، ولحماية أمة الرب. وترتبط المسيحية الصهيونية، اليوم، ارتباطاً وثيقاً بالإنجيلية في الولايات المتحدة، أو تكاد تكون مرادفة لها. ومع ذلك، فهي ليست ذات أصل أمريكي، ولا يعتنقها جميع الإنجيليين. سوف يستكشف هذا الفصل الجذور اللاهوتية، وتطور الصهيونية المسيحية داخل الحركة الإنجيلية، ويوضح كيف تطورت من أفكار الإحياء الألفي إلى أن أصبحت حركة عالمية وقوة مؤثرة للغاية في السياسة الأمريكية. وينتهي الفصل ببعض الانتقادات الرئيسية التي تلقتها الحركة الصهيونية المسيحية لتأثيرها وتدخلها في الصراع الإسرائيلي الفلسطيني.

1.2 من الأفكار الألفية إلى السياسة: استعادة إسرائيل

من الصعب أن نحدد بالضبط متى بدأ المسيحيون، لأول مرة، في التفكير في الأمور الأخروية حول استعادة اليهود لوطنهم القديم، كشرط مسبق لمجيء المسيح الثاني. ومع ذلك، كانت القراءة الحرفية للكتاب المقدس التي ظهرت في أعقاب الإصلاح عاملاً رئيسياً. فقبل الإصلاح**، كان الإيمان بالعصر الألفي هو الاتجاه المهيمن داخل الكنيسة(12). انتقد الإصلاح كلاً من سلطة الكنيسة والقراءة المجازية التقليدية للكتاب المقدس -الآن، أصبح الكتاب المقدس هو السلطة وحدها، بالنص وحده Sola Scriptura (Goldman 2009, 8)(13). مع ما يترافق ذلك من قراءة حرفية للعهد القديم بطريقة جديدة، توقع المسيحيون الميسيانيين أن يلعب الشعب اليهودي دوراً مركزياً في العلوم الأخروية (Sharif 1976, 125, Ariel 2006, 75). وقد بدأ اللاهوتيون، بحلول نهاية القرن السادس عشر، في القيام بحساباتهم لتحديد موعد نهاية العالم، وعينوا البابوية الرومانية الكاثوليكية على أنها بمنزلة المسيح الدجال وخلصوا إلى أن اليهود سوف يتحولون إلى المسيحية ويعودون إلى وطنهم القديم (Cohn-Sherbok 2006, 3). وادعى آخرون، في ذلك الوقت، أنهم وجدوا أسباط إسرائيل العشرة المفقودة. اعتبر هؤلاء المسيحيون عودة القبائل المفقودة إلى إسرائيل علامة مسيانية(14). وتطورت أفكار إعادة اليهود إلى إسرائيل بشكل أكبر في القرن السابع عشر، عندما أثارت الثورة الإنجليزية “الخيال المسياني وأدت إلى ظهور مجموعات العقيدة الألفية التي اهتمت بالشعب اليهودي واحتمال عودته إلى فلسطين”، وفقاً لجاكوب آرييل (2006, 75). ومن بين مفكري ما قبل الألفية في القرنين السابع عشر والثامن عشر، كان المتشددون من بريطانيا وهولندا أكثر انخراطاً في إعادة الشعب اليهودي إلى الأرض المقدسة، حيث اعتقد هؤلاء “البيوريتان” أن استعادة اليهود لن تكون حلاً لـ “المشكلة اليهودية” في أوروبا فحسب، بل ستؤدي أيضاً إلى عودة وشيكة للمسيح. وشجع المتشددون- دون نجاح-، من خلال تفانيهم لهذه الفكرة، رؤساء فرنسا وإنجلترا وهولندا على المشاركة في خططهم(Cohn-Sherbok 2006, 3-5). ومع بداية القرن التاسع عشر، أبدت النزعة التشكيكية للمتنورين تحدياً لوجود الكنيسة، بينما واصل رجال الدين افتتانهم بمقولة نجاة الشعب اليهودي، كمجموعة منفصلة، عبر التاريخ في الشتات. وبحلول  العام 1795، كتب تشارلز جيرام، الطالب الجامعي في  كامبريدج، مقالاً ادعى فيه أن لليهود حقاً مطلقاً وغير محدود في الحيازة الأبدية لأرض كنعان، وأن هذا الادعاء سيكون دائماً منطقياً وعادلاً. وخلافاً للمترجمين النبويين الأوائل، جادل جيرام بأن اليهود سوف يتحولون إلى المسيحية بعد عودتهم  إلى وطنهم القديم (وهو مفهوم سيكون مهماً للصهاينة المسيحيين الذين سيأتون فيما بعد (Cohn-Sherbok 2006, 6, Lewis 2010, 44). ومن المثير للاهتمام، أن “النزعة العقلانية”، التي عرفت في القرن التاسع عشر، سوف تضطر للاستسلام للإحياء الإنجيلي في بريطانيا، حيث هيمن التفكير في استعادة اليهود لفلسطين على التقوى الفيكتورية. وقبل الانتقال لاستكشاف تأثير أتباع العقيدة الألفية على الحركة الصهيونية في منتصف القرن التاسع عشر، تجدر الإشارة إلى أن المسؤولين الحكوميين البارزين، بدأوا، أيضاً، يبدون اهتماماً في الأراضي المقدسة. وكان اللورد شافتسبري من بين أولئك الذين دافعوا عن استعادة اليهود لفلسطين في إطار السياسة الإمبراطورية البريطانية طوال القرن(15). وقد أيد رئيس الوزراء البريطاني، اللورد بالميرستون، خطط إحياء اللورد شافتسبري، ولكن ليس لأسباب كتابية، فقد انطلقت دوافعه من مصالح الإمبراطورية البريطانية، حيث يمكن لليهود في شرق المتوسط أن يكونوا أداة مفيدة لحماية مصالح إنجلترا المستقبلية. وقد أدى ذلك لاحقاً إلى إعلان بلفور في العام 1917، والذي كان خطوة رئيسية نحو إقامة دولة إسرائيل في العام 1948.

1.1.2 التأثير على الصهيونية اليهودية

شارك اليهود العلمانيون الطموحات لإنشاء دولة يهوديةـ تحميهم من الاضطهاد [القومي]، وذلك بالتوازي مع الرغبة المسيحية في عودة اليهود إلى فلسطين وحيازتها. ووفقاً لشالوم غولدمان، استبعدت السردية اليهودية الصهيونية تأثير السردية المسيحية الصهيونية عليها، لأنه كان واضحاً في الفهم الذاتي الصهيوني أن معاداة السامية المسيحية هي التي تسببت في الحاجة إلى دولة يهودية (Goldman 2009, 1) لذلك، يبدو أنه تم التقليل من تأثير الصهيونية المسيحية على تاريخ الصهيونية اليهودية(16). وعلى الرغم من أن معظم اليهود لا يشاركون المسيحيين الإنجيليين الأفكار المسيانية، إلا أنهم ما زالوا يقبلون، بأريحية، المساعدة المسيحية. ويعدّ رجل الدين البريطاني، وليام. ه. هيشلر، من أهم الشخصيات المسيحية التي أثرت في الصهيونية اليهودية، وقد كان قريباً من ثيودور هرتزل، في نهاية القرن التاسع عشر(Merkley 1998, 9-10). ووفقاً لبول تشارلز ميركلي، لولا مساعدة هيشلر، لما كانت هناك منظمة صهيونية عالمية، أو وعد بلفور، أو انتداب بريطاني أو دولة إسرائيلية (1998 ، 8) (17). وكان هرتزل قد دعى لعقد أول مؤتمر صهيوني في بازل بسويسرا في العام 1897. ولم يكن هناك سوى حفنة من المسيحيين، من بينهم السويسري الكالفيني هنري دونان، المعروف بمؤسس الصليب الأحمر، الذي كان  يبدي اهتماماً وقلقاً فيما يتعلق بوضع اليهود في أوروبا. ويُزعم أن هرتزل استخدم تسمية مسيحي صهيوني  Christian Zionist لأول مرة لوصف دونان في المؤتمر (Widnes 2007, 23, Cohn-Sherbok 2006, 95-6). ولعل هذا ما يمكن اعتباره بداية التأريخ للمسيحية الصهيونية بوصفها ظاهرة.

2.2 العقيدة الألفية التدبيرية Dispensational premillennialism

لابد لنا بالضرورة، كي نفهم كيف ارتبطت الصهيونية المسيحية بقوة بالعقيدة التدبيرية، استكشاف التطور اللاهوتي في الربع الأول من القرن التاسع عشر. ففي العام 1826، أضاف رجل الدين الاسكتلندي إدوارد إيرفينغ مقدمة من 203 صفحات إلى ترجمة كتبها لكتاب اليسوعي الإسباني مانويل لاكونزا، “مجيء المسيح في المجد والجلالة”. رأى لاكونزا الأحداث الأبوكالبتية في سفر الرؤيا أنها باتت وشيكة الوقوع. وقدّم إيرفينغ، في المقدمة تلك، تكهناته الخاصة حول النهاية المقبلة، حيث تنبأ بارتداد الكنيسة، وعودة اليهود إلى إسرائيل والعودة الوشيكة للمسيح بعد استعادة [ اليهود لفلسطين] (Cohn-Sherbok 2006, 13). وقد   ألهمت أفكار إيرفينغ عن العقيدة الألفية جون نيلسون داربي، وهو كاهن إيرلندي منشق عن الكنيسة، والذي طور المذهب التدبيري لحركة العقيدة الألفية. ومن وجهة نظر داربي، يتعامل الرب مع البشرية ضمن عهود مختلفة عبر التاريخ. ومع ذلك، يفشل الجنس البشري في العثور على رضا الرب في كل هذه التدابير، مما يؤدي إلى التدبير الذي يليه(Cohn-Sherbok 2006, 14). وهكذا، وفقاً لداربي، أصبحت التدبيرية طريقة لتقسيم تاريخ العالم، وادعى أنه سيكون هناك ستة تفاعلات مختلفة من الرب: تدبير الضمير (من آدم إلى نوح)؛ تدبير الحكومة (نوح لإبراهيم)؛ التدبير البطريركي (من إبراهيم إلى موسى)؛ تدبير ناموس موسى (موسى للمسيح)؛ تدبير النعمة الإلهية (عصر الكنيسة) تدبير المملكة الألفية (عودة المسيح). وتعيش البشرية حالياً في مرحلة تدبير “النعمة الإلهية” حيث سيحكم الرب على البشر من خلال علاقتهم الشخصية بيسوع المسيح (Weber 2004, 20). ومع ذلك، وفقاً لداربي، فقد فشلت الكنيسة أيضاً في هذا التدبير، وستحل إسرائيل في المستقبل محل الكنيسة، حيث سيواصل الرب خططه، كما كتب ويبر (2004 ، 23).

اعتقد داربي أن الرب أعطى اليهود أرض إسرائيل لامتلاكها إلى الأبد، وسوف يقوم بإفراغ الأرض من جميع سكانها ويعيدها لليهود قبل المجيء الثاني. وبعد عودة اليهود، سوف يقوم المسيح الدجال ويحكم الأرض لمدة سبع سنوات وسوف يكون اليهود إلى جانبه. سيظهر المسيح بعد ذلك، ويهزم المسيح الدجال ويؤسس الملك الألفي على الأرض، حيث سيتحول بقية اليهود. أما المؤمنون المسيحيون، قبل قيام المسيح الدجال، يتم اختطافهم من الأرض حيث “يلتقون بالمسيح في السماء” ويُعرف هذا باسم “اختطاف القديسين Rapture of the saints ” (Cohn-Sherbok 2006, 13-16). وفي عقيدة إيرفينغ وداربي التدبيرية، يتحكم الرب المطلق في مجرى التاريخ الذي سيؤدي إلى إعادة اليهود إلى إسرائيل وتحقيق النبوءات الكتابية في نهاية المطاف. كان لهذه العقيدة تأثير كبير على الكتّاب المسيحيين اللاحقين، خاصة بعد رحلة داربي إلى أمريكا في العام 1862، حيث لقيت أفكاره التدبيرية هناك استحساناً(Cohn-Sherbok 2006, 16-7).

2.2.1 الاستقبال في أمريكا

لقد كانت أمريكا(18)  هي المكان الذي لاقت فيه الأفكار التدبيرية أكبر قدر من الالتزام كي تصبح الحركة الأكثر تأثيراً داخل الأصولية البروتستانتية. لم تكن العقيدة الألفية شائعة في أمريكا قبل رحلات داربي هناك. غير أن هذا لا يعني أن الأمريكيين لم يستخدموا نبوءات الأناجيل لفهم العالم (Weber 2004, 11). يعتقد العديد من الأمريكيين أن العالم الجديد له أهمية تنبؤية. فعلى سبيل المثال، رأى اللاهوتيون البارزون مثل جوناثان إدواردز المتشدد، في الصحوة الكبرى الأولى(19)  بمنزلة خطوة أولى نحو تنصير العالم والمجيء الثاني بعد الألفية. بيد أنه لم يشارك الجميع مثل هذا الإكمال الإيجابي للنهاية، كما يرى ويبر. واعتقد العديد من المسيحيين، أثناء الثورة الأمريكية، أن الملك جورج، ملك إنجلترا، هو المسيح الدجال، بينما كان يُنظر إلى المتمردين الوطنيين في المستعمرات على أنهم “المرأة في البرية” في سفر الرؤيا***.ظهرت العقيدة الألفية التدبيرية الأمريكية في السنوات التي أعقبت الحرب الأهلية (1861-1865)، في أعقاب رحلات داربي التبشيرية الخمس إلى أمريكا من 1864 إلى 1865 (Weber 2004, 11-13). التقى داربي خلال جولاته في أمريكا بعدد من أتباعه، كان أبرزهم دي. إل. مودي، وجامز بروكس، وسي. آي. سكوفيلد، الذين أسسوا معاهد الكتاب المقدس وضغطوا من أجل المذهب الجديد (Cohn-Sherbok 2006, 98-100). قام سكوفيلد بتعميم آراء داربي التدبيرية واعتقد أن ” [كل] تدبير من التدبيرات يمكن اعتباره اختباراً جديداً للإنسان الطبيعي، وينتهي كل منها بالحكم – مما يجعل فشله التام في كل تدبير” (كما ورد في Weber 2004, 20). نشر سكوفيلد في العام 1909، كتابه المعنون الكتاب المقدس المرجعي سكوفيلد Scofield Reference Bible، والذي أصبح أحد أهم وسائل نشر العقيدة الألفية. فمع إنجيل سكوفيلد، تم إلقاء ضوء جديد على سفري دانيال والرؤيا، والذي كان يُنظر إليهما، عموماً، على أنهما أسفار غامض وغير قابلة للسبر. ووفقاً لشون شيربوك، أحدث إنجيل سكوفيلد تأثيراً كبيراً، و”أصبح الوثيقة الوحيدة لجميع مظاهر النزعة الأصولية [البروتستانتية]” (2006 ، 101-104). و كان ويليام. إي. بلاكستون أيضاً من تلاميذ داربي البارزين في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وأصبح وجوده ضرورياً لتطور الذهنية المسيحية الصهيونية فيما بعد. حيث أكد بلاكستون أن الرب قد أوكل لأمريكا، كجزء من خطته الإلهية الأكبر للبشرية، مهمة خاصة لإعادة اليهود إلى فلسطين (Ariel 2006, 77). ونجد بلاكستون قد شدد في كتاباته، (على سبيل المثال: “يسوع قادم Jesus is coming”، والذي تُرجم إلى 42 لغة وأصبح من أكثر الكتب مبيعاً)، على الحاجة إلى إقامة دولة يهودية في فلسطين. كما نشر في رحلاته حول أوروبا  كلمات مفعمة بالنشوة المتأصلة في المؤمنين، وقام بزيارة المستعمرين اليهود الرواد في فلسطين ليخبرهم عن دورهم المهم في تحقيق نبوءات الكتاب المقدس(Weber 2004, 103). وعندما عاد إلى أمريكا، عمل على الضغط بأفكاره على الرؤساء الأمريكيين، حيث روّج لفكرة إعطاء فلسطين لليهود. ووفقاً لآرييل، كان للضغط الذي قام به بلاكستون وقادة صهاينة آخرون تأثيراً مباشراً على قرار الرئيس وودرو ويلسون بالسماح لبريطانيا بإصدار وعد بلفور في العام 1917. لكن هذا غير معروف كثيراً،  لأن ويلسون لم يرغب في اهتمام الجمهور بمفاوضاته مع الحركة الصهيونية، فقد جرت المحادثات وراء الأبواب المغلقة (Ariel 2006, 79).

انتشار الأفكار التدبيرية

تم استيعاب التدبيرية، في أوائل القرن العشرين، من قبل أوساط كبيرة من أفراد الطائفة الإنجيلية في أمريكا وأصبحت جزءً من الحركة الأكبر للأصوليين البروتستانت(20). بدأ البروتستانت في التعبئة ضد ما اعتبروه تفككًا للدين في المجتمع العام، حيث بدأت في أوروبا ظهور نظريات نقدية جديدة  تتحدى النظرة التقليدية للعالم، مثل النقد العالي للكتاب المقدس (نقد المصدر) ونظرية التطور الداروينية، والتي أصبحت الشغل الشاغل للمحافظين البروتستانت. وقد طالبت النظريات الجديدة، والحديثة، بقراءة الكتاب المقدس من خلال معطيات التاريخ، وليس قراءة “التاريخ بعيون الكتاب المقدس”، لذلك عندما تم تحدي الكتاب المقدس بمقولات النقد العالي، تحولت “عصمة الكتاب المقدس” إلى عقيدة أصولية (Casanova 1994, 14-1) (21). ويعبر جوزيه كازانوفا عن سذاجة الطروحات الإنجيلية البروتستانتية حين توهمت بقدرتها على العودة، بأمانة، إلى الكنيسة الأصلية بمجرد رفضها للتقاليد الكنسية الراسخة بكل “فسادها الوسيط وتفسيراتها المدرسية”. ويشير كازانوفا، من ثم، إلى الحركة الإنجيلية “البدائية” على أنها حركة “شعبوية” و”مناهضة للفكر” (1994، 141). كما يصف هيمنة العقيدة الألفية بأنها عقيدة مفارقة للأصوليين البروتستانت، لأنها لم تكن تقليدياً من ضمن العقيدة الأرثوذكسية، ولا ضمن القراءة الحرفية للكتاب المقدس، بل مدرسة جديدة نسبياً، مقصورة على فئة معينة، لكنها تتمتع بشعبية لجهة التفسير، حيث فهمت الكتاب المقدس كنص مليء بالمعاني الخفية والحقائق العلمية والتاريخية (الماضي والحاضر والمستقبل)، التي كان وحيها مفتوحاً للناس العاديين الذي بدأ في “الحساب الألفي (Casanova 1994). لقد كانت الطريقة التدبيرية للعقيدة الألفية لقراءة الكتاب المقدس في الواقع طريقة “جديدة” وغير تقليدية ولكنها أصبحت الفرع المهيمن للأصولية البروتستانتية في أمريكا في نهاية القرن العشرين. واستوعبت حركات الخمسينية Pentecostalism **** أيضاً جزء من الأفكار التدبيرية ودمجتها مع عناصر خارقة للطبيعة، مثل التكلم بألسنة مختلفة، في أوائل القرن العشرين(Harding 1994, 66) (22). ويمكن أن تسهم حقيقة أن الحركة الخمسينية قد استوعبت العقيدة التدبيرية في شرح لماذا أصبحت الصهيونية المسيحية ظاهرة شائعة على نطاق عالمي. لقد أصبحت الخمسينية خياراً جذاباً للناس بفضل “الإيحاءات الروحية المباشرة” وجاذبيتها القوية للفقراء في المجتمع (Jenkins 2002, 63)

 2.3 إقامة إسرائيل: علامة إلهية للنهاية القادمة

تم الحفاظ على خطط الإحياء المسيحية في بريطانيا، وأصدرت الحكومة البريطانية، في العام 1917، وعد بلفور الذي دعم إقامة وطن لليهود في فلسطين. ودوافع هذا الإعلان غير واضحة، حيث زعم رئيس الوزراء البريطاني، ديفيد لويد جورج، أن دوافعه كانت تشجيع الممولين اليهود الأمريكيين على الضغط على السياسيين الأمريكيين للانخراط في الحرب العالمية الأولى. ومع ذلك، فقد ادعى المؤرخون، لاحقاً، أنه ربما كانت هناك دوافع استراتيجية أكثر لجعل فلسطين بمثابة وعد لليهود. كما أن هناك أيضاً عدة مؤشرات ترى أن ديفيد لويد جورج ووزير الخارجية آرثر بلفور كان لهما دوافع كتابية شخصية لإعادة اليهود إلى فلسطين (Spector 2009, 19-20). وبغض النظر عن الدوافع، قدم وعد بلفور لبريطانيا العظمى الأراضي الفلسطينية في العام 1922 في مؤتمر باريس للسلام في أعقاب الحرب العالمية الأولى. وتميزت فترة ما بين الحربين أيضاً بالهجرة اليهودية إلى فلسطين في مرحلة الهجرة  الثالثة والرابعة وبعدة انتفاضات عربية. ومع ذلك، أظهرت القوى الغربية القليل من النشاط السياسي في تلك الفترة، لكن المسيحيين الصهاينة في أمريكا تابعوا تطورات الوضع في فلسطين بشغف، وقرأوا عن جميع المستوطنات والتطورات اليهودية الجديدة في ضوء الأحداث الأخيرة (Cohn-Sherbok 2006, 111-115)، بيد أنهم أعربوا عن بعض استيائهم عندما أصدرت بريطانيا أوامر تقييدية للحد من الهجرة اليهودية بسبب الثورات العربية في أعوام 1936-1939 (Ariel 2006, 79). خفت النشاط السياسي للصهاينة المسيحيين في أمريكا، في فترة الحرب، ووصل إلى العدم تقريباً إثر محاكمة سكوبس في العام 1925*****(23). وفي بريطانيا، لم يكن حماس الإحياء سوى ظل لما كان عليه في السابق، في الوقت الذي ازداد فيه قمع النازيون للأنشطة المؤيدة للصهيونية في أجزاء كبيرة من القارة الأوروبية(Ariel 2006, 80). ودفعت، لاحقاً، الحرب العالمية الثانية، وما تبعها من إبادة 6 ملايين يهودي في الهولوكوست، إلى إنشاء دولة إسرائيل في العام 1948. وأصبحت فلسطين الأمل الوحيد لأكثر من 100000 ناجٍ يهودي عاشوا في معسكرات في أوروبا، وكانوا يتوقون لبدء حياة جديدة في فلسطين (Clark 2007, 141). وفي 29 تشرين الثاني \نوفمبر 1947، تبنت الجمعية العامة للأمم المتحدة خطة التقسيم (انظر الشكل 2)(24). ومع قيام إسرائيل، استعاد الصهاينة المسيحيون في أمريكا اهتمامهم بفكرة إعادة اليهود إلى الأراضي المقدسة على الرغم من ابتعادهم عن النشاط السياسي، بينما ظل الارتباط في بريطانيا مهملاً (Clark 2007, 145). وفي العام 1967، اندلعت حرب الأيام الستة، التي نتج عنها انتصار إسرائيل وبداية احتلال غزة ومرتفعات الجولان والضفة الغربية والقدس الشرقية (Lutes 2013, 369). كان للنصر الإسرائيلي الساحق تأثير كبير على المسيحية الصهيونية أدى إلى إعادة الاهتمام من جديد بالقضية الإسرائيلية. وقد اعتقد العديد من المسيحيين أن الرب كان إلى جانب إسرائيل. حيث كان هذا هو التفسير الوحيد لكيفية قيام إسرائيل بسحق مصر والأردن وسوريا، مثلما سحق داود جوليات في الكتاب المقدس. بالإضافة إلى ذلك، أدى احتلال إسرائيل لمواقع تاريخية مهمة في القدس الشرقية إلى تعزيز هذا الرأي (Ariel 2006, 81). ورحب المسؤولون الإسرائيليون بصداقة المسيحيين الصهاينة، وفي العام 1971، خاطب ديفيد بن غوريون 1400 مسيحي في مؤتمر القدس حول نبوءات الكتاب المقدس حيث أعلن إسرائيل أرض الكتاب المقدس. ونتج عن هذا المؤتمر بروز ظاهرة سياحية ضخمة تمثلت في قدوم الحجاج الإنجيليين، والتي تعتبر حتى يومنا هذا أمراً مهماً للاقتصاد الإسرائيلي (Spector 2009, 146).

2.4 إحياء الصهيونية المسيحية في أمريكا

بدأت الأصولية البروتستانتية، منذ أواخر سبعينيات القرن الماضي، في إعادة حشدها ودخولها مجدداً إلى معترك المجال السياسي. ووفقاً لكازانوفا، فإن تأثيرهم على الجمهور والسياسة قد “تجاوز حجمه” من قبل الأكاديميين والصحفيين (1994 ، 145). ومع ذلك فإن تأثير حركة اليمين المسيحي الجديد New Christian Right movement (25) لفت انتباه الجمهور إلى إسرائيل. وهيمنت البروتستانتية الليبرالية في الحيز العام، بعد مسار محاكمة سكوبس في العام 1925. لكن الطوائف الأصولية لم تختف. في حين اعتبر بعض الأصوليين المسيحيين العالم الحديث على أنه عالم ما بعد الخلاص وانسحبوا من المشاركة الاجتماعية، استأنف آخرون النضال من أجل استعادة السلطة الدينية في المجتمع العام (Casanova 1994, 146). وتمكن “الأصوليون الجدد”، في أواخر سبعينيات القرن الماضي، من توحيد البروتستانت المحافظين والتدبيريين نحو أهداف مشتركة. واستخدموا، في سعيهم هذا، تجهيزات جديدة من أجل الوصول إلى الجماهير(Hunt 2003, 65). حيث استطاع القائمون على الأنشطة المتلفزة، مثل جيري فالويل وبيلي جراهام وبات روبرتسون، من الوصول إلى ملايين المسيحيين في برامجهم عن طريق لغتهم الخلاصية، وأصبحت التدبيرية حقاً موضوعاً ساخناً في الثقافة الشعبية الأمريكية. فعلى سبيل المثال، قارن هال ليندسي في كتابه الأكثر مبيعاً ،”كوكب الأرض العظيم الفاني The Late Great Planet Earth”، تنبؤات نهاية الزمان الكتابية بالأحداث المعاصرة(26).

 اعتقد أنصار العقيدة التدبيرية، قبل العام 1980، أن زمن “الاختطاف” يعود لتقدير الرب، غير أنه كان بإمكانهم القول عن عثورهم على “علامات” لوقت الاختطاف بما يؤكد على أن النهاية باتت قريبة وأن النبوءات على وشك أن تتحقق. ومع ذلك، عندما وقعت الأحداث، التي يعتقد أنها حدثت بعد اختطاف المؤمنين إلى السماء عند المجيء الثاني للمسيح(27)، فجأة، مثل توحيد القدس في العام 1967، تم تعديل سردية النزعة المستقبلية التدبيرية المطلقة وحصل المسيحيون على دور فعال في خطط العناية الإلهية، وفقاً لـ Harding (1994 ، 66). وتصور ليندسي في كتابها “1980: العد التنازلي لهرمجدون 1980 The 1980: Countdown to Armageddon ” الأمة الأمريكية على أنها أمّة مهمشة وإذا لم يتحرك المسيحيون الآن، فإن أمريكا ستواجه مصيراً قاتماً. كما جادل إنجيليون بارزون آخرون، مثل تيم لاهاي، بأنه في حال سيطرة الإنسانيون الليبراليون بالكامل على الحكومة، فإن أمريكا ستواجه بالتأكيد المحنة. ولحسن الحظ، لم يكن هذا مقدراً مسبقاً، حسب لاهاي؛ فيما لو يقوم المسيحيون بدور أكثر فاعلية في الحفاظ على البلاد، فمن الممكن أن تظل أمريكا قوة عالمية (Harding 1994, 68-9). ومن الآن فصاعداً، سوف يقوم المسيحيون الصهاينة بدور أكثر فاعلية في تشكيل السياسة الخارجية الأمريكية تجاه إسرائيل. ويمكن النظر إلى القس جيري فالويل وبيلي غراهام كمثالين على الإنجيليين الذين أثروا في النخبة السياسية الأمريكية في القضايا المتعلقة بإسرائيل. ويمتلك هؤلاء المسيحيون الصهاينة علاقات وثيقة مع رؤساء الوزراء الإسرائيليين واستخدموا موقفهم لمعارضة نتائج مفاوضات السلام التي من شأنها إضعاف موقف إسرائيل(28). ومع ذلك ، لم تتصرف الحكومة الإسرائيلية دائماً وفقاً لرغبة الصهاينة المسيحيين: فقد دافع أرييل شارون وإيهود أولمرت، على الرغم من كونهما محافظين من الناحية السياسية، عن سحب المستوطنات من الأراضي الفلسطينية، إلا أن المسيحيين الصهاينة أدانوا هذه الأعمال (Spector 2009, 148).

في منتصف التسعينيات، نشر لاهاي أول كتاب من ملحمة المنسيون(29)، والتي أصبحت الرواية الأكثر مبيعاً عن نهاية العالم الخلاصية(30). ولازالت، حتى الآن، أنشطة روبرتسون ولاهاي وليندسي مع قادة مسيحيين صهيونيين آخرين، تصل إلى حوالي 100 مليون أمريكي أسبوعياً عبر الكتب والبرامج الإذاعية والتلفزيونية، بحسب كوهن شربوك (2006 ، 164). لقد أدى استخدامهم لوسائل الإعلام، حيث يشجعون دعم إسرائيل، إلى الحفاظ على إرث داربي في العقيدة الألفية التدبيرية. لقد تطورت الصهيونية المسيحية بالفعل إلى قوة رئيسية داخل المجتمع السياسي والعام. وقد أدى ذلك إلى إنشاء حوالي 250 منظمة إنجيلية مؤيدة لإسرائيل في أمريكا اليوم(Cohn-Sherbok 2006, 164). وحافظ القادة الصهاينة المسيحيون واللوبي الموالي لإسرائيل على تأثير مهم على الحكومة وساهموا في تشكيل السياسة الخارجية للولايات المتحدة. وفي العام 1991، تم إنشاء لجنة الشؤون العامة المسيحية الإسرائيلية (CIPAC)، والتي تشكل، منذ ذلك الحين، جماعة ضغط تعمل لصالح حزب الليكود الإسرائيلي. جمع التحالف المتحد من أجل إسرائيل (UCFI) المسيحيين واليهود معاً في هدفهم المشترك المتمثل في استعادة سمعة إسرائيل في الحيز العام، والذي يضم أيضاً أكبر المنظمات المسيحية الصهيونية، أي السفارة المسيحية الدولية في القدس، وجسور السلام والمسيحيون من أجل السلام (Cohn-Sherbok 2006, 182). وكجزء من عملها النشط، تضغط هذه المنظمات على وسائل الإعلام الأمريكية والمؤسسة السياسية، كما دعمت إسرائيل من خلال تنظيم جولات التضامن والحجيج إلى الأراضي المقدسة. وفقاً لوزيرة السياحة الإسرائيلية، فإن السياحة الإنجيلية إلى إسرائيل باتت تمثل صناعة بملايين الدولارات مع ما يقرب من 400000 زائر سنوياً(32). ومن أهداف زيارات التضامن هذه إظهار الدعم للمستوطنين اليهود في الأراضي المحتلة. كما شجع الصهاينة المسيحيون اليهود على استعمار الضفة الغربية. فعلى سبيل المثال، تمتلك منظمات مثل الأصدقاء المسيحيين للمجتمعات الإسرائيلية (CFOIC) برنامجاً يسمى “تبني مستوطنة” حيث يشجع هذا البرنامج الكنائس الإنجيلية على تقديم الدعم المالي للمستوطنين اليهود (Clark 2007, 210, Sizer 2004a, 270-1).

2.5 انتقاد الصهيونية المسيحية

كما لوحظ في مقدمة هذا الفصل، فإن سمعة المسيحية الصهيونية مضطربة. وجاء النقد الأقسى من المسيحيين الآخرين الذين يزعمون أن الصهاينة المسيحيين يمارسون ضغوطاتهم تبعاً لمصالحهم الخاصة. يشير سبيكتور إلى أربعة انتقادات رئيسية وجهت للمسيحية الصهيونية: (1) يدعم الصهاينة المسيحيون  هجرة يهودية لإسرائيل لأنهم يأملون في تسريع  المحنة والدخول إلى عصر الألفية. (2) دوافعهم الحقيقية هي التبشير بين اليهود وتحويلهم إلى الطائفة الإنجيلية (3) أساءوا فهم العهد والمعنى الحقيقي للكتاب المقدس، وهو الدفاع عن المظلومين (الفلسطينيين) وإظهار العدالة؛ (4) يقيمون تحالفات مع السياسيين الإسرائيليين اليمينيين المتطرفين، وهو ما يمثل عقبة رئيسية أمام السلام (2009 ، 111). وكان مركز سبيل اللاهوت المسيحي للتحرير المسكوني الفلسطيني Palestinian Christian Sabeel Ecumenical Liberation Theology Centre عقد مؤتمراً، في العام 2004،  لمناهضي الصهيونية المسيحية، وصدر عن المؤتمر بياناً صحفياً عبر فيه المركز عن رفضه “التعاليم المهرطقة للمسيحية الصهيونية التي تسهل وتدعم السياسات المتطرفة [إسرائيل والولايات المتحدة] لأنها تقدم شكلاً من أشكال التفرد العرقي والحرب الدائمة بدلاً من إنجيل الحب والفداء والمصالحة العالمي الذي يظهر في تعاليم يسوع المسيح “(مقتبس في Cohn-Sherbok 2006, 195). تم إعادة ذكر هؤلاء النقاد في إعلان القدس حول الصهيونية المسيحية (انظر الفصل 7). لقد كانت الصهيونية المسيحية موضع انتقاد جماهيري لدعمها غير المشروط للسياسة الإسرائيلية ولإفساد أي عملية سلام بين إسرائيل وفلسطين. ويزعم رامي م. هيجا أن الأهداف الإسرائيلية في احتلال الأراضي المحتلة في فلسطين سوف تتحقق  من خلال تأثير جماعات الضغط المسيحية الصهيونية (Haija 2006, 93).

لم تلق العقيدة التدبيرية الشعبوية والمناهضة للفكر، كما أشار إليها كازانوفا، قبولاً جيداً في العديد من الأوساط المسيحية كما هو موضح هنا. ومع ذلك، أصبحت المسيحية الصهيونية شعبية وعالمية، ووصلت إلى أبعد مكان في المجال السياسي وداخل المجتمع العام. لقد تناول هذا الفصل بالتفصيل صعود الصهيونية المسيحية منذ بدايتها كأفكار حول عودة يهودية إلى أرض الميعاد في القرن السادس عشر، بعد أن تطلب الإصلاح الديني قراءة جديدة للكتاب المقدس. ثم تطورت لتصبح عقيدة تدبيرية أصبحت شائعة داخل الحركة الإنجيلية. وسوف تركز الفصول التالية على سرد لمنظمة مسيحية صهيونية معينة، أي السفارة المسيحية الدولية في القدس، والتي – وفقاً لسايزر – تعد واحدة من أكثر المنظمات إثارة للجدل في إسرائيل (Sizer 2004b).

…..

ملاحظات المترجم

*تشير “المحنة” Tribulation في تفسيرات الخلاص اللاهوتية المسيحية إلى الفترة التي ذكرها يسوع فيما يعرف بحديث جبل الزيتون عن نهاية العالم وعودة المسيح [3 وَفِيمَا هُوَ جَالِسٌ عَلَى جَبَلِ الزَّيْتُونِ، تَقَدَّمَ إِلَيْهِ التَّلاَمِيذُ عَلَى انْفِرَادٍ قَائِلِينَ: «قُلْ لَنَا مَتَى يَكُونُ هذَا؟ وَمَا هِيَ عَلاَمَةُ مَجِيئِكَ وَانْقِضَاءِ الدَّهْرِ؟» 4 فَأَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُمْ: «انْظُرُوا! لاَ يُضِلَّكُمْ أَحَدٌ.5 فَإِنَّ كَثِيرِينَ سَيَأْتُونَ بِاسْمِي قَائِلِينَ: أَنَا هُوَ الْمَسِيحُ! وَيُضِلُّونَ كَثِيرِينَ.6 وَسَوْفَ تَسْمَعُونَ بِحُرُوبٍ وَأَخْبَارِ حُرُوبٍ. اُنْظُرُوا، لاَ تَرْتَاعُوا. لأَنَّهُ لاَ بُدَّ أَنْ تَكُونَ هذِهِ كُلُّهَا، وَلكِنْ لَيْسَ الْمُنْتَهَى بَعْدُ.7 لأَنَّهُ تَقُومُ أُمَّةٌ عَلَى أُمَّةٍ وَمَمْلَكَةٌ عَلَى مَمْلَكَةٍ، وَتَكُونُ مَجَاعَاتٌ وَأَوْبِئَةٌ وَزَلاَزِلُ فِي أَمَاكِنَ.8 وَلكِنَّ هذِهِ كُلَّهَا مُبْتَدَأُ الأَوْجَاعِ… إلى آخر الإصحاح 24 من إنجيل متى وكذلك مرقس 13 ولوقا 21] ويظهر حديث يسوع محنة من سوف يتعرضون  إلى ضغوط شديدة بسبب الحروب والحصار. وترى التفسيرات اللاهوتية أن هذه المحنة سوف تكون قصيرة نسبياً يوجه العالم خلالها صعوبات جمة مثل التعرض للاضطهاد والمجاعة والحرب والمعاناة والتي ستطال جميع البشر، والمحنة، بزعمهم تأتي قبل أن يحكم الشر هذا العالم، على مشارف المجيء الثاني، وأما المؤمنون فسوف يتم “اختطافهم” أي أخذهم جسدياً إلى الجنة ( وهو يعادل القيامة التي تحدث بعد المنحة) من قبل الرب قبيل المحنة، أي هم الفئة الناجية من المحنة، وبالتالي على هؤلاء المؤمنون  تحمّل تبعات المحنة كاختبار لإيمانهم. ترى العقيدة التدبيرية dispensational doctrine ( بوصفها عقيدة مستقبلية) أن المحنة أحد تجليات نهاية العالم وقدوم يسوع ليؤسس ملكوته الألفي، وسوف تستمر لمدة سبع سنوات عبرية نبوية (تدوم كل منها 360 يوماً) ما عدا المحنة العظيمة التي ستكون النصف الثاني من فترة المحنة (انظر متى 24: 15 و 21). ووفقاً لهذا الاعتقاد، فإن كل مسيحي حقيقي كان موجوداً طوال فترة العصر المسيحي بأكمله سوف يتحول على الفور إلى جسد كامل يقوم من الموت، وبالتالي سوف ينجو من المحنة.

** الإصلاح Reformation، أو الإصلاح البروتستانتي، أو الإصلاح الأوروبي حركة رئيسية داخل المسيحية الغربية في أوروبا تعود للقرن السادس عشر والتي شكلت تحدياً دينياً وسياسياً للكنيسة الكاثوليكية، وعلى وجه الخصوص للسلطة البابوية، وظهرت الحركة الإصلاحية، على يد مارتن لوثر، بهدف “تصحيح” ما كان يُنظر إليه على أنه أخطاء وإساءات وتناقضات من قبل الكنيسة الكاثوليكية. كان الإصلاح بداية البروتستانتية وانقسام الكنيسة الغربية إلى بروتستانتية وما يعرف الآن بالكنيسة الرومانية الكاثوليكية. كما تعتبر من الأحداث التي تسير إلى نهاية العصور الوسطى وبداية العصر الحديث المبكر في أوروبا. ويجادل الإصلاحيون بأن الخلاص في المسيحية حالة مكتملة قائمة بذاتها تقوم على الإيمان بيسوع وحده وليس عملية تتطلب أعمالاً صالحة، كما هو الحال في وجهة النظر الكاثوليكية.

*** [12:6 وَالْمَرْأَةُ هَرَبَتْ إِلَى الْبَرِّيَّةِ، حَيْثُ لَهَا مَوْضِعٌ مُعَدٌّ مِنَ اللهِ لِكَيْ يَعُولُوهَا هُنَاكَ أَلْفًا وَمِئَتَيْنِ وَسِتِّينَ يَوْمًا.. ]

****حركة دينية بروتستانتية ظهرت في الولايات المتحدة الأمريكية في أواخر القرن التاسع عشر والقرن العشرين، وتتميز بإيمانها بأن جميع المسيحيين بحاجة لأن يعيشوا اختباراً فريداً لكي يكونوا مسيحيين فعلا، ويسمى هذا الاختبار بمعمودية الروح القدس. وهذا الاختبار يجب أن يكون مطابقاً لما عاشه  الحواريون، بحسب ما ورد في الكتاب المقدس، لمّا حل عليهم الروح القدس في اليوم الخمسين لصعود المسيح للسماء (يوم العنصرة). وكان حلول الروح عليهم جلياً من خلال عدة علامات، أبرزها: التكلم بألسنة مختلفة، التنبؤ، وشفاء المرضى. انشقت الحركة الخمسينية عن حركة تعرف باسم حركة القداسة، وحافظت على بعض مبادئ الحركة الأصلية مثل التشديد على حرفية الكتاب المقدس، والتأكيد على الصرامة الأخلاقية. يرتبط تأسيس الحركة الخمسينية بالقس تشارلز. إف. بارهام (1873-1929)، ووليم. جي. سيمور (1870-1922). وتنتشر اليوم في جميع أنحاء العالم، لاسيما في دول الكاريبي وأمريكا الجنوبية وأفريقيا. اللافت للنظر أن المنتمي للحركة الخمسينية غير مجبر على التخلي عن كنيسته الأصلية قبل انضمامه للحركة الخمسينية.

*****قضية شهيرة في الولايات المتحدة, وتعرف أيضاً باسم “محاكمة القرد” كان طرفها المدرس في المدرسة الثانوية ،جون ت. سكوبس، المتهم بانتهاك قانون الولاية بتعليم نظرية داروين. من الجدير ذكره أن المحاكمة هذه ساهمت، بطريقة ما، بسرعة انتشار الأدلة العلمية على نظرية داروين في المجتمع الأمريكي  نظراً لاستخدامها في المحكمة واستدعاء نقاش قومي هناك، ومازال مستمراً حتى يومنا هذا، حول صحة، أو عدم صحة، نظرية التطور.

…..

هوامش

7- هذا مصطلح مهين يشير إلى البروتستانت الأنجلوساكسونيين البيض.

8- مسيحي فلسطيني مقيم في بيت لحم وموظف في المعهد اللاهوتي السويدي في القدس، حيث قضيت أسابيعي الأولى في القدس.

9- يهودية مقيمة في القدس. التقيت بها بالصدفة من خلال التعارف المتبادل.

10- فترة ما قبل المجيء الثاني للسيد المسيح.

11- في نظرية المؤامرة الحديثة، يشير المتنورين إلى مجتمع سري يتحكم في الأحداث العالمية (Barkun 2003).

12- في الإيمان الألفي، يحكم المسيح من خلال الكنيسة، بينما يُتوقع عودة المسيح في المستقبل البعيد. على الكنيسة إذن رسالة لضمان خلاص أتباعها. كان ينظر إلى الدلالات المسيانية في الكتاب المقدس على أنها مجازية. ومع ذلك، هذا لا يعني أنه لم تكن هناك أي مجموعات الألفية قبل الإصلاح. كان هناك عدد من المجموعات الألفية في جميع أنحاء العصور الوسطى التي توقعت عودة وشيكة ليسوع إلى الأرض (Ariel 2006, 74-5)

13-يشير أستاذ الدراسات الدينية، شالوم غولدمان، إلى أن القراءة الجديدة للكتاب المقدس أدت إلى اهتمام العلماء المسيحيين باللغة العبرية. كانت العبرية المسيحية هذه بين المثقفين بارزة بشكل خاص في إنجلترا، لكنها انتشرت مع ظهور المستعمرات الإنجليزية إلى أمريكا، حيث كانت موجودة في الكليات الأمريكية قبل الثورة الأمريكية(Goldman 2009, 9).

14- على سبيل المثال، سفير الملكة إليزابيث الأولى، غيلز فليتشر، كان أحد الذين جادلوا أن ملوك الشرق هم من نسل القبائل المفقودة، وتوقع أنهم، مع بقايا القبائل المتناثرة التالية، سيعودون ويؤسسون كومنولث في إسرائيل (Cohn-Sherbok 2006 ، 3 ، انظر أيضاً الفصل 5).

15- ظهرت المصلحة السياسية لإعادة اليهود إلى فلسطين في العلاقات مع المصالح الذاتية البريطانية في الشرق الأدنى عندما سيطرت الإمبراطورية العثمانية على بلاد الشام (انظر على سبيل المثال: Sharif 1976, 129).

16- أظهر غالبية اليهود القليل من الاهتمام بالأفكار الأخروية، على الرغم من أن البعض اعتقد أن الأمة اليهودية في فلسطين يمكن أن تسرع مجيء المسيح، وبدأت المجتمعات اليهودية الصغيرة في بناء المستوطنات في فلسطين في منتصف القرن التاسع عشر. يعتقد معظم الحاخامات المتعصبين( الأرثوذكس) أيضاً أن أي تدخل سياسي كبير في فلسطين يخالف تعاليم الرب -فالرب وحده هو الذي يستطيع إقامة دولة يهودية، ولا تزال المجموعات الصغيرة أو المستوطنين الأفراد يقبلون في الغالب على العيش في الوطن اليهودي القديم من قبل الحاخامات (Goldman 2009, 10) .

17- كان لهشلر صلات بالحكام المسيحيين البروتستانت، ومن خلاله تم تقديم هرتزل إلى الإمبراطور الألماني الذي أصبح راعياً للقضية الصهيونية (Ariel 2006)

18- كان لمراحل النهضة الإنجيلية الأمريكية تأثير هائل في تشكيل الأصولية البروتستانتية كما نراها اليوم. قد يبدو هذا بمثابة تناقض، ومع ذلك، يجادل جوزيه كازانوفا بأن عمليات إلغاء الكنيسة والدولة في أمريكا (التي يرى أنها حدثت ثلاث مرات)، جعلت الإنجيلية البروتستانتية (الأصولية المسيحية) تصبح “الدين المدني، أي الدين العام لأمريكا “(Casanova 1994, 136).

19-كانت الصحوة الكبرى عبارة عن سلسلة من النهضات الدينية التي حدثت بين منتصف القرن السابع عشر وأواخر القرن العشرين. كان ذلك من خلال الصحوات الكبرى عندما تحولت الإنجيلية إلى حركة في أمريكا اليوم (Spector 2009, 36). وكان يُنظر إلى الثورة، بالإضافة إلى الثورة الفرنسية، على أنها علامات نهاية العالم ويخشى الكثير من أن الثورات ستبلغ ذروتها في تدمير العالم بأسره (Weber 2004، 11).

20- أصبحت التدبيرية شائعة بين الإنجيليين، لكن ليس جميعهم، انظر القسم 1.2 لمزيد من التمييز.

21- يعود أصل كلمة “الأصولية fundamentalism ” إلى الفترة ما بين عامي 1910 و 1915 عندما بدأ اللاهوتيون الأمريكيون والبريطانيون في نشر كتيب بعنوان الأساسيات: شهادة عن الحقيقة، والذي كان استجابة شعبية للطرق الليبرالية البروتستانتية الجديدة لقراءة الكتاب المقدس (Spector 2009, 37-8). ويصف كازانوفا الأصولية البروتستانتية بأنها “رد فعل حديث مناهض للحداثة” ضد الانفصال بين الكنيسة والدولة، الذي حدث منذ الحرب الأهلية (Casanova 1994، 140).

22- بعد العام 1906، كان هناك “اندلاع” للمواهب الخارقة للطبيعة – كانت عودة المسيح في طريقها، حسب التدبيرية المعاصرة (Harding 1994, 66).

23- حظر قانون بتلر في ولاية تينيسي تدريس نظرية التطور في المدارس العامة، وأدين المعلم جون ت. سكوبس بتهمة التدريس غير القانوني لنظرية التطور بموجب القانون. حظيت القضية باهتمام وطني، لأن الأصوليين رأوها انتصاراً (أو على الرغم من حقيقة ذلك)، انسحبوا من المشهد العام (Brekke 2012، 218).

24- نص القرار على استقلال الدولتين اليهودية والعربية، وإنهاء الانتداب البريطاني في أقرب وقت ممكن (1947). وافق الصهاينة على الشروط، بينما رفض الفلسطينيون القرار بدعم من جيرانهم. وفي اليوم السابق لانتهاء الانتداب البريطاني، أعلن دافيد بن غوريون إسرائيل كدولة مستقلة، واعترفت الولايات المتحدة بإسرائيل في اليوم التالي (Clark 2007، 143).

25- يشير الائتلاف المحافظ المعروف باسم ” الحق لمسيحي الجديد” إلى حركة المشاركة السياسية المسيحية التي ظهرت في الثمانينيات في أمريكا.

26- أصبح الكتاب من الروايات الأكثر مبيعاً بعد إصداره في العام 1970 وكان أكبر الكتب غير الخيالية مبيعاً في السبعينيات، بغض النظر عن الموضوع أو المجال، وبيعت منه سبعة ملايين ونصف نسخة (Merkley 2002 ، 41).

27- في هذا الاختطاف ما قبل المحنة يوجد فصل واضح بين نبوءات الكتاب المقدس التي تحققت والتي لم تتحقق. ما دام المسيحيون على الأرض ، تظل نبوات الكتاب المقدس غير محققة. هذه هي النسخة الأرثوذكسية والمستقبلية للعقيدة التدبيرية (Harding 1994, 62)

28- ومن الأمثلة على ذلك فالويل الذي “هدد” بتعبئة 200000 قساً لمعارضة أي مطالب أمريكية عندما دفع بيل كلينتون نتنياهو للوفاء بشروط سحب المستوطنات اليهودية غير القانونية في اتفاقية أوسلو (Spector 2009, 147-8).

29- ملحمة المنسيون Left Behind تمت كتابتها بالاشتراك مع جيري. بي. جينكينز.

30- في منظمة الحق المسيحي الجديد كان لاهاي إنجيلياً بارزاً شجع فالويل على تأسيس الأغلبية الأخلاقية وأسس مجموعة الضغط المسيحية المحافظة، مجلس السياسة الوطنية. أصبحت المنظمة “نادي النخبة من المحافظين المسيحيين البارزين المهتمين بتشكيل السياسة الداخلية والخارجية لأمريكا” (Clark 2007, 197). ووفقاً لكلارك Clark 2007, 197 ، فإن معظم الصهاينة المسيحيين البارزين في أمريكا مرتبطون بمجلس السياسة الوطنية (2007 ، 198).

31- تم تصميم سيباك CIPAC على غرار لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية آيباكAIPAC ، وهي منظمة لوبي إسرائيلية في الولايات المتحدة.

32- أرقام من وزارة الخارجية الإسرائيلية تعود للعام 2013. كان هناك ما مجموعه 3.54 مليون سائح، منهم حوالي 60 % من السياح المسيحيين، ومن هؤلاء 20% من المسيحيين البروتستانت -معظمهم من الإنجيليين (2014)

عن محمود الصباغ

كاتب ومترجم من فلسطين

شاهد أيضاً

استراتيجية عمل الصهيونية المسيحية الداعمة لإسرائيل 6

ترجمة: محمود الصباغ الفصل السادس: محاربة نزع الشرعية الإسرائيلية في المجال العام “إسرائيل هي أيضاً …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *