الرئيسية > سياسة > ترجمة > استراتيجية عمل الصهيونية المسيحية الداعمة لإسرائيل 5
مقر السفارة المسيحية الدولية في القدس

استراتيجية عمل الصهيونية المسيحية الداعمة لإسرائيل 5

ترجمة: محمود الصباغ

الفصل الخامس: الهجرة الداعمة، مفتاح عودة اليهود إلى الوطن

“عندما ننظر، الآن، إلى بعض المقاطع ذات الطابع التنبؤي في الكتاب المقدس حول التجمع العظيم للشعب اليهودي في آخر الزمان، فسوف نرى أن هذا الأمر قد تحقق بمنتهي الدقة والتفصيل”. ديفيد بارسونز، مدير العلاقات العامة في السفارة الدولية المسيحية في القدس(2014a).

عملت السفارة يشكل منهجي، منذ سقوط الاتحاد السوفيتي في العام 1991، على مساعدة اليهود للعودة إلى إسرائيل، من خلال تقنيات  تواصلية وتوعوية عن مبدأ الهجرة تجاه يهود الشتات. وتزعم السفارة، أنها ساعدت، منذ بداية برنامج الهجرة، أكثر من 115.000 يهودي من الوصول إلى إسرائيل، من جميع أنحاء العالم، بتكلفة بلغت حوالي 45 مليون دولار أمريكي. وكنت قد أوضحت، في الفصل السابق، كيف قامت السفارة ببناء سردية شجعت الصهاينة المسيحيين على اتخاذ إجراءات تنفيذية بهدف استعادة إسرائيل. وسوف أستخدم في هذا الفصل المعيار النظري لكيفية تصور السفارة لدورها في استعادة إسرائيل من خلال استخدام نظرية هاردينغ حول كيفية إنتاج لغة خلاصية في سياق هذه الجهود لتكون جزءً من تحقيق النبوات. وبناءً على ذلك، سأفحص طريقة تنفيذ عمل السفارة من خلال الإجابة على سؤالي البحثي الثاني، ما هي الاستراتيجيات التي تستخدمها السفارة لمساعدة اليهود في إسرائيل؟ علاوة على ذلك، سأقوم خلال هذا الفصل بإلقاء نظرة على تأثيرات العمل المساعد للهجرة في الحفاظ على الدولة اليهودية، وسوف ألقي نظرة هنا، بعد سؤالي البحثي الثالث (ما هي التأثيرات التي لعبت، أو قد تلعب، دوراً في منهجية السفارة في الحفاظ على الدولة اليهودية؟) على كيفية مساعدة السفارة لليهود في إسرائيل، وسوف ألاحظ كيف تضمن السفارة بقاء اليهود في إسرائيل. وسأنظر أيضاً في الكيفية التي ترى فيها السفارة عودة اليهود إلى الوطن بوصفها وعوداً  كتابية تتحقق اليوم. لقد ساعدت السفارة اليهود من جميع أنحاء العالم بطرق مختلفة، وسوف يكون التعمق، في هذه الطرق، واسعاً للغاية بالنسبة لهذه الأطروحة. لذلك ركزت على حالتين، أولاهما السفارة في خدمتها الإعلامية: عودة اليهود الروس وعودة يهود هنود من قبيلة بني منسّي. وسوف أستخدم هاتين القضيتين للخوض في بعض التفاصيل عن أسلوب استخدام السفارة لمواردها لمساعدتهم في إسرائيل. وسأبدأ هذا الفصل بنظرة عامة موجزة عن تاريخ الهجرة اليهودية وقانون العودة

5.1 الهجرة اليهودية עלייה “عاليا” وقانون العودة

على الرغم من أن الأرض المقدسة لم تكن أبداً خارج حدود السكان اليهود ولم يتم “تطهيرها” منهم، وأن الهجرة اليهودية إلى فلسطين حدثت عبر التاريخ، فيمكن الإشارة، بصورة عامة، إلى بداية الـ ” עלייה عاليا” مع تيارات الهجرة اليهودية في أواخر القرن التاسع عشر. حين فرّ، في ذلك الوقت، ملايين اليهود من الاضطهاد ومعاداة السامية في الشتات الأوروبي والروسي إلى “موطن أجدادهم الذهبي”. وتشير كلمة עלייה “عاليا” في اللغة العبرية، في حد ذاتها، إلى معنى الصعود. وكانت تشير في إسرائيل القديمة إلى الاحتفال بالأعياد الدينية عندما كان الإسرائيليون القدماء يرتحلون إلى أورشليم للمشاركة في الاحتفالات. واستخدمت الكلمة، عبر التاريخ، أيضاً لحث الأولاد الصغار على قراءة نصوص من التوراة أثناء القداس في الكُنُس (Groth 2003, 218) . ويبدو أن الكلمة كانت تُنسب، في الثقافة اليهودية، دائماً، للدلالة على التنقل والسفر. وأصبحت ترادف بشكل أو بآخر، في نهاية القرن التاسع عشر، الهجرة إلى الأرض المقدسة تحديداً. لذلك، يشار، اليوم، إلى الهجرة الجماعية خلال الفترة ما بين 1882 إلى 1939، عندما استقرت مجموعات من اليهود في فلسطين، باسم أمواج العاليا(62). وأصبح مصطلح ” עלייה عاليا”، خلال هذه الفترة، مرتبطاً بالحركة الصهيونية، التي أنشأها وتزعمها تيودور هرتزل، ويُنظر إليه الآن على أنه “بناء إيديولوجي للعودة للوطن” (Remennick 2010, 191). وبعد عامين من قيام دولة إسرائيل، أصدرت الحكومة قانون العودة لضمان مبدأ الهجرة اليهودية غير المقيدة إلى إسرائيل. ونصت المادة الأولى من القانون على أن “لكل يهودي(63) الحق في القدوم إلى البلد باعتباره وطناً يخصه אולה [شكل فريد من نوعه للمهاجرين اليهود إلى أرض إسرائيل]” (Knesset 1950 (2003). لكن في العام 1970، تعرض قانون العودة لبعض التعديلات سمح بموجبها لأزواج وأبناء وأحفاد اليهود الحق في الهجرة إلى إسرائيل والحصول على الجنسية تلقائياً (Joppke 2009, 86). وهذا يعني أن أحفاد اليهود وأقاربهم يُسمح لهم بالحصول على الجنسية الإسرائيلية، وبالتالي شمل قانون العودة مجموعة كبيرة من الأشخاص المؤهلين للهجرة إلى إسرائيل. غير أن هذا القانون لا يشمل أولئك الذين يزعمون أنهم ينحدرون من أسباط إسرائيل المفقودة. ويبدو أن الروابط الأسرية أكثر أهمية من الهوية الثقافية والدينية، ولذلك اعتبر القانون، من قبل البعض، تمييزياً ضد اليهود غير الشرعيين، بمعنى الذين لا تعترف بهم الشريعة اليهودية :الهالاخا”. وكان لهذا الأمر تعقيدات مباشرة على عمل الهجرة الداعمة التي تقدمها السفارة. ففي إحدى الحالات التي حصلت في العام 2004، زارت السفارة الجالية اليهودية في كايفنغ Kaifeng في الصين، وأعرب هؤلاء اليهود عن رغبتهم في الهجرة إلى إسرائيل. ولكن السلطات الإسرائيلية لم تعترف بأهليتهم لأن يهود كايفنغ يتتبعون أصولهم اليهودية من خلال خط نسب الأب فقط، بينما يُطلب، حسب الهالاخا، إثبات النسب من جهة الأم (Schiavi 2004, 20). وأحدثت السلطات الإسرائيلية، في السنوات الأخيرة، ثغرة تمكّن اليهود غير الشرعيين من الهجرة بعد تلقيهم دورة تحويل “تحويلهم إلى يهود حسب الهالاخا” مدتها ثلاثة أيام. ومن الواضح أن قانون العودة قانونٌ عمليٌّ ويشمل مجموعة كبيرة من الشعب اليهودي. رغم أنه لا يُسمح لليهود المسيانيين، وهم مجموعة أساسية جداً من الصهاينة المسيحيين، بالذهاب إلى إسرائيل بموجبه.

أشرت في الفصل السابق، إلى أن اليهود، وفقاً للسفارة، لا زالوا بحاجة إلى الاعتراف بيسوع باعتباره المسيح المنتظر من أجل خلاصهم، وكذلك هو الحال بالفعل بالنسبة لليهود المسيانيين. ويُنظر إلى اليهودية المسيانية على أنها حالة توفيقية بين المسيحية واليهودية، حيث تُطبق الشريعة اليهودية، لكنهم يؤمنون بالإضافة إلى ذلك أن يشوع (يسوع) هو الميسيا، مما يجعلهم روحانيين أكثر. وذكرتُ، في الفصل السابق، اعتقاد السفارة بعودة اليهود إلى إسرائيل(64). يقول هوارد فلاورز: يأتي إليّ، من حين لآخر، أناس يسألون: “هوارد، لماذا لا تعظ هؤلاء الناس بالعقيدة الإنجيلية، لماذا لا تضع الكتاب المقدس في صلب إيمانهم؟ ماذا يحدث لو تحطمت طائرتهم ولم يتلقوا مساعدة؟ ” بادئ ذي بدء، لقد وعدنا الوكالة اليهودية بأننا لن نتعامل مع هذا الأمر، وقد قطعنا وعداً بذلك في العام 1990، لكن هذا لا يعني أننا لا نستطيع أن نصلي من أجلهم، بيد أن السبب الحقيقي هو أن الكتاب المقدس يقول بأن الرب سوف يعيدهم إلى الوطن، وبعد ذلك سيضع الروح [فيهم](65). ويبدو أن غياب تبشير السفارة تجاه اليهود له جانب براغماتي أيضاً، لأن معظم اليهود لا يحبون التعرض للتبشير(66) وكوعد للوكالة اليهودية، ولكن أيضاً لن يُسمح لليهود المتحولين بالهجرة وفقاً لقانون العودة. قدم ديفيد بارسونز فكرة مفادها أن السفارة لا تحدد من هو مؤهل للهجرة، وإذا ما رغب اليهود المسيحيون في ذلك، فهناك مكاتب محاماة يمكن أن تساعدهم(67). علماً أن قانون العودة تعرض أيضاً لانتقادات من قبل المجتمع الدولي لمنحه امتيازات لليهود المعترف بهم بحسب الشريعة “هالاخاه”، مما يعني أن إسرائيل دولة يهودية حصرية. علماً أن استخدام كلمة “عودة”، في ديباجة القانون، يؤطر “الحق الطبيعي لكل يهودي في العالم الهجرة إلى إسرائيل”، باستخدام كلمات يوبكه Joppke وروسينهيك Rosenhek ((2009, 78، انظر أيضاً قانون العودة Law of Return 1950 (2003)).

5.2 الانقسام بين الشتات والوطن

سبق أن أشرت إلى المصطلحين “الوطن” و”الشتات”، ولفتت الانتباه إلى استخدام كلمة “العودة” في قانون العودة. ولكن، هل يعقل الحديث عن وطن وشتات “دياسبورا” في عالم معولم كما هو حال عالم اليوم، وهل من الممكن الحديث عن عودة شعب عندما تكون العودة إلى بلاد لم تكن موطنه الأصلي، وليس لديه أقارب يعيشون هناك؟ كيف يمكن أن تكون هذه المصطلحات الثلاثة في سردية السفارة على تلك الدرجة من الأهمية، لفهمها عند مناقشة المزيد عن الطريقة التي تدافع فيها السفارة ليس عن حق اليهود في الوجود في إسرائيل في المجال العام فحسب، بل أيضاً عن كيفية تصور اليهود الذين يعيشون في الشتات في عالم معولم. حيث يمكن للناس التنقل بحرية أكثر أو أقل.

رأينا في الفصل السابق، في القسم 4.2.1-2 كيف تصور السفارة إسرائيل على أنها أرض الميعاد الممنوحة لإبراهيم، مع الكتاب المقدس باعتباره صك نقل هذا العهد، والذي يضمن لليهود الاحتفاظ بأرض كنعان إلى الأبد. لذلك يمكن فهم الوطن على أنه يشير إلى المكان الأسطوري حيث عاش، ذات زمن، أسلاف يهود اليوم ومنه انتقلوا للعيش في المنافي (Stock 2010, 24-25). ولا تزال دولة إسرائيل الحديثة مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بهذه الأرض الأسطورية، بسبب العهد الإبراهيمي، وبالتالي تم محو الفصل بين إسرائيل الحديثة والأمة الأسطورية المذكورة في الكتاب المقدس. لذلك يجب على اليهود العودة من الشتات إلى “وطنهم”، أرض الميعاد. في حين أن العديد من العلماء والأكاديميين يستخدمون مصطلح الشتات لوصف التشتت وحيث تكون الهويات الجمعية التي تشكلت عبر الزمان والمكان من خلال السلطة والسياسة، فإن السفارة تعيد مصطلح الشتات إلى معناه الأصلي للتجمع المسياني. واستخدم وصف الشتات diaspora  لأول مرة في إحدى الترجمات اليونانية الأصلية للكتاب المقدس، الترجمة السبعينية، وكان يشير إلى “تشتت مُنظم إلهياً لليهود من الأرض المقدسة” متجسداً مع مفهوم إيسخاتولوجي لمعنى الاستعادة  المسيانية (Shneer 2010, 263). وتنظر السفارة إلى المنفى باعتباره عقاب الرب لليهود لأنهم أساءوا التصرف وبالتالي أجبروا على الهجرة والعيش في الشتات، ولكن يُنظر إلى هذا الشتات على أنه حالة مؤقتة، وقد أوضح هوارد فلاور هذا على النحو التالي: [و] عندما ترى ما يحدث في جيلنا، فهذه أشياء ينبغي النظر إليها كأفعال يقوم بها الرب. هناك هدف تعويضي يؤدي إلى ذلك، ويجب أن نكون جزءً منه. في الواقع، عندما تنظر إلى النبي إشعيا، فقد كان دائماً ما يتجاهل العودة [من المنفى] لأنه كان يعلم أن الرب هو من سيعيد اليهود يوماً ما، وحتى حكماء اليهود قالوا إن الرب سوف يعيد اليهود، في يوم من الأيام، إلى الوعد. كل ذلك مذكور في النبوءات. كان الرب يتوقع دائماً أن يكون الأغيار الوثنيون جزءً من هذا(68). لذلك يمكن اعتبار الوطن والشتات على أنهما “(…) جزء (أجزاء) من مخطط خلاصي”، على حد تعبير بومان (2010). لذلك يجب أن يُنظر إلى اليهود المنفيين ويهود الشتات على أنهم في موضع عقابي. أما الآن، فقد سمح الرب، من ناحية أخرى، لليهود بالعودة إلى إسرائيل بعد أن بددهم في جميع أنحاء العالم. ولا تزال فكرة الشتات كمكان عقابي حاضرة في سردية السفارة. ويمكن ملاحظتها في حديثها  عن الخطر الذي يحيق بيهود الشتات. وفي مثالٍ من فرنسا يقول هوارد فلاور:.. لكن في السنوات القادمة جاء المسلمون أيضاً من شمال إفريقيا. لذلك يوجد عشرة مسلمين مقابل كل يهودي. وبعد انتفاضة العام 2000 انتقلت الانتفاضة إلى فرنسا واستمرت تلك المشاكل لمدة عشر سنوات وأحرقت السيارات وخربت المدارس. كانت هناك مناطق في المدن الفرنسية لا يمكن للشرطة أن تتواجد فيها دون دعم خاص، حتى أقسام الإطفاء لم تتمكن من الذهاب لأن الشباب الغاضب كانوا يرمونهم بالحجارة ويثيرون الوضع هناك. لكنهم استمروا على هذا النحو “لأن قانون الزيارة الفرنسي يسهل دخول هؤلاء إلى البلاد دون عواقب. لقد اعتقدت السلطات أنها قادرة على التعامل مع الأمر، لكن الأوضاع لم تتحسن. وفي العام 2007، انتخب [نيكولا] ساركوزي رئيساً وكان الناس يأملون في قدرته على تهدئة الأوضاع. كانت نسبة الهجرة خلال هذا الوقت في فرنسا تتزايد بشكل كبير وحاد. وقدّرت الوكالة اليهودية أن نسبة الهجرة زادت بنسبة 40٪ هذا العام، أي حوالي 2500 شخص [قادمون إلى إسرائيل](69). وهذا يؤكد وجهة نظر سردية السفارة عن الشتات كمكان عقابي وتأديبي لليهود. كان تأسيس إسرائيل في العام 1948 علامة إلهية على أن اليهود لم يعودوا مجبرين على العيش في المنفى، وبالتالي، سُمح لهم بالعودة إلى ديارهم. لذلك لا سبب لبقائهم في الشتات. ولكن، ولسبب ما، يبدو كما لو أن اليهود يقاومون الهجرة إلا عند الضرورة. ويمكن رؤية هذه الملاحظة الأخيرة فيما يتعلق بالمفهوم اللاهوتي للصيادين، الذين سيطردون اليهود من الشتات (انظر الفصل 4). بعبارة أخرى، تصور السفارة هنا على أنه ضرورة للشر في العالم لمطاردة اليهود اتجاه إسرائيل، بينما تظهر السفارة، في ذات الوقت، صورة واضحة لإدانة معاداة السامية (انظر الفصل التالي عن الإسلام). لا تنتظر السفارة قدوم الصيادون الذين سوف يصطادون اليهود من بقاع الشتات كافة، لكنها سوف تأخذ دور أولئك الصيادين الذين “يصطادون” لليهود، كما رأينا في سفر إرميا 16:16.

5.3 مجال عمل الهجرة اليهودية بالنسبة للسفارة على الصعيد العالمي

يهدف هذا الهدف إلى استكشاف أسلوب عمل السفارة في مساعدة اليهود في إسرائيل. وكما ذكرنا في المقدمة، بدأت السفارة برعاية رحلات هجرة في روسيا في العام 1991. ومنذ ذلك الحين كان هناك اهتمام متزايد بالخدمة، ووسعت المنظمة الهجرة الداعمة لتصل إلى جميع بقاع العالم. و تعمل السفارة اليوم (2014) مع ثمانية مكاتب أو وكلاء هجرة. ويشرف هوارد فلاور على أعمال الهجرة، في سانت بطرسبرغ، بمساعدة السفارة ويدير، بالإضافة إلى ذلك، الهجرة الداعمة من روسيا. وفي سيبيريا، تجد الكنائس المحلية مهاجرين يهوداً محتملين، بتمويل من السفارة ومنظمات مسيحية صهيونية أخرى مثل مجموعة دعم إسرائيل the Ministry to Israel ومؤسسة عزرا Ezra Foundation وجسور السلام Bridges for Peace. وفي آسيا الوسطى، يوجد مكتب يديره فرع السفارة الفنلندي ومجموعة دعم إسرائيل حيث يمولون عمليات “الصيد”(70) والمعدات لمكتب الوكالة اليهودية في طشقند، حيث يركز المكتب على هجرة اليهود من أوزبكستان وأذربيجان وجورجيا. يركز مكتب السفارة في لاتفيا على مرافقة المهاجرين من دول البلطيق ومن كالينينغراد، وكذلك تحديد مواقع المهاجرين اليهود المحتملين. كما يمول فرع السفارة الكندي مشاريع دعم وتقوية خطط استيعاب اليهود الروس الكنديين في إسرائيل من خلال برنامج مساعدة السفارة ICEJ-Aid، بينما يمول فرع الولايات المتحدة ما يعادل الفرع الكندي من برامج دعم  هجرة اليهود الروس الأمريكان. كما قام فرع السفارة النرويجي برعاية عمليات  “الصيد” في ألمانيا مستهدفين اليهود الناطقين بالروسية، وهناك أيضاً مبادرة من قبل إريك سيلي في الولايات المتحدة تستهدف اليهود المحافظين والإصلاحيين. وفي السنوات الأخيرة، توسع عمل السفارة ليشمل فرنسا وأمريكا الجنوبية، وقامت برعاية رحلات جوية من روسيا والسويد وفرنسا وفنلندا (ICEJ 2014a). ويصل عمل الهجرة في السفارة، كما نرى، في الغالب إلى العالم الغربي ودول الاتحاد السوفيتي السابق. ومع كل هذا، لا تمتلك السفارة تفويضاً قانونياً من السلطات الإسرائيلية لإكمال الهجرة اليهودية. وبالتالي، فخدمة الهجرة المدعومة التابعة لها تمر عبر المنظمات الصهيونية الإسرائيلية مع تفويض بمساعدة الهجرة اليهودية.

 5.3.1 تحالف صهيوني

تمر جميع أعمال الهجرة بمساعدة السفارة عبر منظمات هجرة إسرائيلية، التي لديها التفويض اللازم لاستقبال المهاجرين في إسرائيل. توفر منظمات الهجرة هذه أيضاً وسيلة نقل أكثر سهولة للمهاجرين اليهود من خلال تنظيم رحلاتهم الجوية واستيعابهم في المجتمع الإسرائيلي. من خلال التعاون مع هذه المنظمات، توسع السفارة وصولها إلى المهاجرين اليهود المحتملين، لأن هذه المنظمات اليهودية لديها شبكة أوسع حيث تتعاون مباشرة مع الجاليات اليهودية في الشتات. وقد رأينا أعلاه كيف تساهم السفارة في العثور على يهود يرغبون في الهجرة، ولكن يجب أن تمر جميع الأوراق القانونية من خلال منظمات الهجرة الإسرائيلية. تتعاون السفارة بشكل أساسي مع الوكالة اليهودية و منظمة שבי ישראל ” العائدون إلى إسرائيل”. ولكن الوكالة اليهودية هي أهم متعاون مع السفارة بهذا الشأن والتي تعمل على مساعدة اليهود الراغبين في الهجرة من الشتات ومساعدة المهاجرين עולים على الاندماج في إسرائيل(71). ووفقاً للمتحدث باسم الوكالة اليهودية جاك كوركوس، فإن الهجرة اليهودية إلى إسرائيل لها أهمية خاصة من أجل إنقاذ اليهود كشعب. حيث يشير كوركوس إلى أربعة أسباب توضح هذه الأهمية: فهي تحافظ على الشعب اليهودي وتمنع الزواج بين الأديان. كما تسهل من عمليات التمسك بالتقاليد اليهودية لجهة تأمين أغلبية يهودية بين السكان الإسرائيليين -والديموغرافيا هي أحد هذه التقاليد وهي ستكون  ديموغرافيا يهودية خالصة بصورة تلقائية في إسرائيل، والنقطة الرابعة الهامة هي النظر إلى إسرائيل كمكان خاص لليهود(72). وبعبارة أخرى، لدى الوكالة اليهودية أجندة صهيونية واضحة، وهي بالتالي تشترك في القواسم المشتركة مع السفارة. ويبدو أن الهدف المشترك لعودة اليهود إلى إسرائيل سبب كافٍ للتعاون بين الوكالة اليهودية والسفارة. ووفقاً لكوركوس، لا توجد مشكلة في التعاون مع المنظمات المسيحية الصهيونية مثل السفارة (73). وأشار إلى أن بعض اليهود يواجهون مشاكل في الحصول على مساعدات مالية من المنظمات المسيحية لأنهم يخشون أن تحاول هذه المنظمات تغيير دينهم. ويظهر أن العديد من اليهود يشاركون هذه الفكرة، باعتبارها المشكلة الرئيسية لسلوك المنظمات المسيحية في مساعدة اليهود لإسرائيل. وكما رأينا في القسم 5.1، وعدت السفارة الوكالة اليهودية بعدم التبشير بين اليهود. ومع ذلك، تقوم منظمات مسيحية أخرى بأعمال تبشيرية تستهدف اليهود حصرياً، مما يحافظ على نظرة الشك في أوساط اليهود، بما يخلق صعوبات تواجه عمل السفارة في الوصول إلى جميع المهاجرين اليهود المحتملين. وأشار كوركوس أيضاً إلى أن معظم اليهود لا يعرفون شيئاً عن التعاون مع المنظمات المسيحية(74)، وأكد أنه طالما أن تلك المنظمات تريد مساعدة اليهود في جعلهم يهوداً، وليس فرض معتقداتهم المسيحية عليهم، فهذا بحد ذاته يعد تعاوناً جيداً. ولا يبدو أن المفاهيم الإيسخاتولوجية للسفارة تمثل مشكلة أيضاً. لقد رفض كوركوس هذه القضية موضحاً: نحن نعلم أن السفارة المسيحية والمنظمات المسيحية الأخرى تساعدنا في جلب اليهود إلى إسرائيل، ونحن نعرف ما وراء ذلك، حسناً؟ هذا ليس سراً، لكننا نعتقد أنه طالما أن تلك المنظمات تريد مساعدة اليهود هنا، فنحن نعلم أن هذه ليست طريقة تفكيرنا وطريقة عملنا، نعتقد أنه تعاون جيد جداً(75). بمعنى آخر، على الرغم من حقيقة أن المنظمات اليهودية على دراية بالدوافع الأخروية “الإيسخاتولوجية” للمنظمات المسيحية الصهيونية، فإنها لا تعتبر ذلك ذلك عقبة أمام التعاون. ويبدو أن منظمات الهجرة اليهودية أقل اهتماماً بتلك الدوافع الأخروية طالما أن هذا ليس له أي تأثير على اليهود الذين يتلقون المساعدة. وبالتالي، يعتبر الفهم المتبادل لإسرائيل كوطن لليهود مع العمل السياسي الصهيوني التالي، كافٍ للوكالة اليهودية لتلقي المساعدة المسيحية. ويمكن أن نرى هذا بشكل خاص في المنظمة الثانية، التي تتعاون معها السفارة، شافي إسرائيل שבי ישראל ” العائدون إلى إسرائيل”، التي تتخصص في إعادة القبائل المفقودة في إسرائيل إلى الوطن. وقد أشرت في القسم 2.1 إلى أن المسيحيين في القرن السادس عشر زعموا أنهم اكتشفوا القبائل الإسرائيلية العشر المفقودة. يعتقد العديد من اليهود الصهاينة أن القبائل نجت في الشتات وأن المنظمة الصهيونية “العائدون إلى إسرائيل” متخصصة في الوصول إلى أحفاد اليهود لإعادة ربطهم بجذورهم اليهودية. وتتواصل المنظمة، على وجه الخصوص، مع اليهود “المفقودين” و”المخفيين” في الشتات، حيث يتم تحديد العديد منهم على أنهم القبائل المفقودة “في إسرائيل. علاوة على ذلك، ينظر إلى الجماعات اليهودية على أنها من بقايا الهجرة اليهودية عبر التاريخ، حيث اختفت الممارسات اليهودية تقريباً. بدأ مؤسس المنظمة، مايكل فرويند، النائب السابق للاتصالات في مكتب رئيس الوزراء(76)، أعمال إعادة هؤلاء اليهود إلى إسرائيل بعد أن تلقى رسالة من مجموعة من يهود شمال شرق الهند، يُدعون أنفسهم بني منسّي، رغبوا في الهجرة إلى إسرائيل. ادّعت هذه المجموعة النسب إلى قبيلة منسّي  الكتابية. ومنذ ذلك الوقت، ساعدت هذه المنظمة  اليهود “المفقودين” من جميع أنحاء العالم على الانتقال إلى إسرائيل (Shavei Israel 2011). وتشارك السفارة في عمل شافيه إسرائيل  لمساعدة بني منسّي على الهجرة، وهو ما سيتم تناوله بمزيد من التفصيل في القسم 5.4.2

5.4 المساعدة في العودة للوطن

سنقوم، في هذا القسم، بتحليل حالتين ساعدت فيهما السفارة مجموعتين مختلفتين جداً من اليهود. توضح الحالتان كيف تستخدم السفارة روايتها للمشاركة، بنشاط، في عودة اليهود إلى الوطن. المجموعة الأولى هي مجموعة اليهود الروس الذين كافحوا لمغادرة روسيا خلال الاتحاد السوفيتي. كانت السفارة أكثر نشاطاً هنا في تموضع اليهود الروس، ليس هذا فحسب، بل شاركت أيضاً في جلبهم إلى إسرائيل. المجموعة الثانية: بني منسّي. قبيلة اليهود الهنود المذكورين أعلاه والتي رغبت في الهجرة إلى إسرائيل، لكن أفرادها واجهوا صعوبات في كل من الهند وإسرائيل بسبب افتقارهم إلى ما يثبت يهوديتهم [ وفقا للشريعة :الهالاخاه]. ولا يُقصد من الحالتين أن تكونا دراسة مقارنة، ولكن يجب النظر إليهما على أنهما طريقتان مختلفتان تستخدمهما السفارة لمساعدة اليهود، وكيفية تتوافق عودة هاتين المجموعتين مع سردية السفارة.

5.4.1 اليهود الروس: “دع شعبي يذهب”!

يشكل اليهود الروس، اليوم، غالبية السكان اليهود في إسرائيل بنسبة تصل إلى حوالي 21٪. وتشكلت موجات الهجرة الثلاث الأولى، في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، أساساً من اليهود الروس الفارين من المذابح في الإمبراطورية الروسية، وسعى معظمهم للحصول على فرصتهم بالذهاب إلى أمريكا، ولكن حوالي 75.000  منهم استقروا في فلسطين أثناء فترة الانتداب البريطاني. وخلال فترة الحكم الشيوعي، كانت الهجرة اليهودية شبه مستحيلة، حيث احتجز اليهود خلف الستار الحديدي (Gitelman 1998, 138). ونظرت العقيدة التدبيرية إلى الاتحاد السوفيتي، على أنه الشخصيات التوراتية يأجوج ومأجوج الذين تحالفوا مع المسيح الدجال (Weber 2004, 204). ومن غير الواضح كيف حددت السفارة روسيا، كجزء من بابل. وبهذا أصبح تحرير اليهود الروس الهدف الأول للسفارة في العام 1991. وخلال المؤتمر الصهيوني الدولي الأول للمسيحيين في العام 1985، ناشدت السفارة الحكومة السوفيتية السماح لما يقرب من أربعمائة ألف يهودي روسي، ممن تقدموا بطلبات للحصول على تأشيرة خروج، بمغادرة الاتحاد السوفيتي، واختتمت السفارة طلبها بعبارة “أطلق شعبي”  المأخوذة من بداية الإصحاح التاسع من سفر الخروج حيث أمر الرب موسى بمواجهة فرعون بقوله: “1 ثُمَّ قَالَ الرَّبُّ لِمُوسَى: «ادْخُلْ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقُلْ لَهُ: هكَذَا يَقُولُ الرَّبُّ إِلهُ الْعِبْرَانِيِّينَ: أَطْلِقْ شَعْبِي لِيَعْبُدُونِي.”. ويقترح ويدنز أن السفارة نشّطت الأساطير الإسرائيلية القديمة باستخدام هذه الاقتباسات من العهد القديم (2007 ، 110). وبالتالي، فإن رفض الاتحاد السوفيتي السماح لليهود الروس بالمغادرة، يمكن أن يُنظر إليه كعمل موازٍ لرفض فرعون السماح لموسى بمغادرة مصر مع الإسرائيليين. ووفقاً لويدنز، لم يكن استخدام هذا الشعار التوراتي مجرد نداء للسلطات السوفيتية، بل كان أيضاً دعوة لليهود في الشتات للاستيقاظ والهجرة، لأن الخروج يلعب دوراً مركزياً في السردية اليهودية حول وضعهم في الشتات (2007، 110). لا تعتبر السفارة القصص التوراتية أساطير، لذلك سأجادل في أن استخدامها لمقطع الكتاب المقدس السابق بهدف التأكيد على أنه سوف يُسمح لليهود بالعودة إلى إسرائيل في نهاية المطاف. لذلك لن يكون الاتحاد السوفييتي قادراً على منعهم من العودة، لأن هذا من فعل الرب، كما سمعنا كلاً من ملاحظات بارسونز و فلاور.

دور المسيحيين الفنلنديين

إن الدور الذي لعبه المسيحيون الفنلنديون في المساعدة على الهجرة هو مثال على كيفية فهم أعضاء السفارة لدورهم كعملاء للرب على الأرض، والذين سوف يجلبون اليهود إلى إسرائيل. ففي العام 1989، احتشد المسيحيون الفنلنديون لإخراج اليهود من الاتحاد السوفييتي. وبدأت أربع منظمات مسيحية صهيونية(77) تعاوناً نتج عنه لجنة الهجرة الجماعية الفنلندية (أو Neliapila باللغة الفنلندية)، حيث لعبت أولّه يارفيليهو، مديرة الفرع الفنلندي للسفارة، دوراً مركزياً. ومنذ ذلك الحين، ساعدت المنظمة أكثر من 17000 يهودي روسي في الهجرة. وتمثل هذه اللجنة الفنلندية اليوم أكثر من 25000 مسيحي فنلندي (Flower 2011a). كان على اليهود الروس المرور عبر فنلندا لعدم وجود رحلات جوية مباشرة من روسيا إلى إسرائيل بسبب موقف العرب من شركات الطيران. لذلك اضطر اليهود الروس إلى المغادرة عبر فنلندا بواسطة وسائل النقل العام. وجهزت اللجنة حافلات خاصة لنقل اليهود خارج روسيا. وأثناء انتظار المزيد من وسائل النقل لنقلهم خارج فنلندا، عاش اليهود بين أسر مسيحية حيث أمضوا ثلاث ليالٍ (Flower 2011a). لقد ظهر دور المسيحيين بشكل مباشر في علاقته بمقطع الكتاب المقدس من الإصحاح 49  من سفر إشعياء :” 22 هكَذَا قَالَ السَّيِّدُ الرَّبُّ: «هَا إِنِّي أَرْفَعُ إِلَى الأُمَمِ يَدِي وَإِلَى الشُّعُوبِ أُقِيمُ رَايَتِي، فَيَأْتُونَ بِأَوْلاَدِكِ فِي الأَحْضَانِ، وَبَنَاتُكِ عَلَى الأَكْتَافِ يُحْمَلْنَ”. وأتت فكرة رعاية السفارة للهجرة اليهودية من السفير الإسرائيلي في فنلندا، آشر نعيم، في اجتماع حضره ممثلون من فرع السفارة في فنلندا وألمانيا. أرادت السفارة المساهمة في “الخروج” من الاتحاد السوفييتي السابق، وهكذا بدأ أول رحلة هجرة، التي أُطلق عليها اسم “حزقيال” تيمناً باسم النبي حزقيال، الذي عاون اليهود المحتجزين في الأسر البابلي (Flower 2011b). وفي أيار\مايو 1990، هبطت أول رحلة برعاية السفارة في مطار بن غوريون، وكان بانتظارهم “حشد من المسيحيين يغنون مبتهجين بانتظار وصولهم، وانفجر الكثير منهم في البكاء” عندما رأوا المهاجرين الجدد يخرجون من الطائرة، وانتقلت كلمة وصول المهاجرين الجدد إلى المسيحيين في جميع أنحاء العالم، وفقاً لـ Flower (2011b). ويمكن فهم رؤية السفارة هذه على أنها تكتيك تظهر من خلالها لليهود أن المسيحيين هم من يمولون رحلة الهجرة الخاصة بهم، على أمل أن يؤدي ذلك إلى علاقة أفضل بين اليهود والمسيحيين. ولكن، هل لدى السفارة أجندة خفية من خلال عملها هذا؟ يبدو أن السبب الرئيسي لاهتمام السفارة هو أن تثبت لليهود رعايتها للرحلات الجوية إظهار دعم المسيحيين للقضية اليهودية. وهذا أيضاً من الأهداف الموضوعية للسفارة، لإظهار الاهتمام بالشعب اليهودي (انظر القسم 3.1.2). رعت السفارة 54 طائرة كاملة حملت أكثر من 15.000 مهاجر يهودي روسي على “أجنحة النسور”(79) (Flower 2011b). تولى فرع السفارة في فنلندا مسؤولية الهجرة اليهودية من الوكالة اليهودية في العام 2004، عندما أغلق المكتب المحلي بسبب تخفيضات الميزانية. لذلك، تولت لجنة الهجرة دور وكالة هجرة لليهود الروس، وتم نقل هؤلاء اليهود على متن طائرات مستأجرة مع الحجاج المسيحيين إلى إسرائيل (Flower 2011a)

اصطياد اليهود الروس

بدأ هوارد فلاور “صيد” اليهود في روسيا في العام 1991. وفي عملية الصيد هذه، تعمل السفارة بشكل مباشر للعثور على اليهود الذين يريدون الهجرة إلى إسرائيل. ومن الملاحظ أيضاً طريقة استخدام السفارة لمقطع الكتاب المقدس من سفر إرميا 16:16 ، حيث سيرسل الرب العديد من الصيادين لصيد اليهود من أجل إعادتهم إلى إسرائيل، كما رأينا في الفصل السابق. وهذا يعطي السفارة مزيداً من المصادقة على عملها في العثور على يهود الشتات. منذ ذلك الحين، ترأس فلاور المكتب الروسي للسفارة في سانت بطرسبرغ. تم “صيد” اليهود الروس من خلال التحدث إلى الجاليات اليهودية في سانت بطرسبرغ، والإعلان في الإذاعة والتلفزيون والصحف. ومن أجل توسيع نطاق انتشارها، بدأت “مجموعة الصيد” في استخدام دليل الهاتف حيث يمكنهم البحث عن الأسماء التي تبدو يهودية. ووفقاً لفلور، فقد توصلوا إلى قائمة بثلاثين ألف اسم (Flower 2011c). أحضرت القائمة إلى الوكالة اليهودية في سانت بطرسبرغ، التي اختصرتها إلى عشرة آلاف اسم، وبدأت في الاتصال بالعائلات اليهودية. ووفقاً لما ذكره فلاور، فإن 20% من اليهود الذين تم استدعاؤهم كانوا مهتمين بالهجرة، اعتبرها فلاور “نتائج مذهلة” (Flower 2011c). كان هذا جزءً من مشروع المعلومات الوطني “دع شعبي يعرف!”، التلاعب بآية سفر خروج 9: 1 “أطلق شعبي”. وسعت السفارة، في العام 1993، عملية الصيد من خلال استهداف اليهود الروس في ألمانيا. فبعد انهيار الاتحاد السوفيتي، هاجر حوالي 250 ألف يهودي روسي إلى ألمانيا بين عامي 1991 و2005 بدعوة من ألمانيا. ووفقاً للسفارة، كانت عملية الصيد ناجحة هنا أيضاً، حيث رغبت 2600 عائلة يهودية في التواصل مع الوكالة اليهودية (Flower 2011c). وفي الوقت نفسه، تمت تجربة الصيد على اليهود الروس في أمريكا(80). لكنها كانت أقل نجاحاً، واضطرت السفارة لإعادة ترتيب استراتيجيتها لاستهداف هؤلاء اليهود. وهكذا تم اختيار الإنترنت، حيث تمكنت السفارة من الوصول إلى اليهود الأمريكيين بشكل عام عن طريق الإعلانات، والتي تُرجمت أيضاً إلى الإسبانية والروسية(81). واليهود الذين اختاروا الهجرة من أمريكا هم عادة من اليهود المحافظين الأرثوذكس، الذين يشكلون، وفقاً لبارسونز، أقل من 10% من السكان اليهود (حوالي 6 ملايين). تشترك معظم الجماعات المسيحية الصهيونية في قضية عدم اهتمام اليهود الأمريكيين بالانتقال إلى إسرائيل، ولكن بارسونز صرّح بأنهم “يأملون فقط أن يتخذ المزيد من اليهود الأمريكيين القرار، لأنهم ينتمون إلى هنا، لكن هذا هو قرارهم”(82). في غضون ذلك، كان من دواعي قلق السفارة  أن الهوية اليهودية في أمريكا آخذة في الضعف. ومع ذلك، أشار بارسونز أيضاً إلى أن الارتباط الإيديولوجي بإسرائيل لا يزال ثابتاً. وأشار أيضاً إلى أن معظم اليهود الأرثوذكس الذين يأتون من أمريكا يهاجرون إلى إسرائيل من خلال عمليات “الصيد”، وبالتالي يبدو أن السفارة حققت بعض النجاح في مساعدة اليهود الأمريكيين في إسرائيل.

5.4.2 بني منسّي: آتي بنسلك من الشرق

تندرج مساعدة هجرة بني منسّي في فئة أخرى من جهود السفارة في مساعدة اليهود في الانتقال إلى إسرائيل، لأنهم ليسوا يهوداً حسب الهالاخا، مما أدى إلى الكثير من الجدل حول هجرتهم إلى إسرائيل. وبحلول العام 2005، وصل 1200 شخص من أفراد بني منسّي، عبر جهود منظمة الهجرة اليهودية شافيه إسرائيل. وعندما سمحت السلطات الإسرائيلية لهم باستئناف هجرتهم في العام 2013، بدأت السفارة في رعاية تذاكر الطيران، في حين تنسق شافي إسرائيل المشروع. يفترض المرء أن هناك ما يقرب من 7000 من بني منسّي قد غادروا في الهند، ووفقاً للسفارة، فإنهم ينتظرون إمكانية الهجرة إلى إسرائيل. وفي إسرائيل، يوجد الآن ما يقرب من 2200 شخصاً منهم (Parsons 2013a). لقد اهتمت السفارة بهذه العودة، والتي كانت أحد الموضوعات التي ذكرها هوارد فلاور في محاضرته خلال عيد المظال في العام 2013، حيث أكد أن بني منسّي يعودون بأعداد كبيرة إلى إسرائيل في الوقت الحاضر. ومنذ استئناف هجرتهم، ساعدت السفارة 700 منهم (Parsons 2013a, 8, 2014a). وتحكي قصة الأسباط المفقودة أن الرب طرد عشرة أسباط إسرائيلية من إسرائيل بعد أن قاوموه بعبادة عجلين ذهبيين كما يذكر الإصحاح 12 من سفر الملوك الأول:” 28 فَاسْتَشَارَ الْمَلِكُ وَعَمِلَ عِجْلَيْ ذَهَبٍ، وَقَالَ لَهُمْ: «كَثِيرٌ عَلَيْكُمْ أَنْ تَصْعَدُوا إِلَى أُورُشَلِيمَ. هُوَذَا آلِهَتُكَ يَا إِسْرَائِيلُ الَّذِينَ أَصْعَدُوكَ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ». ووفقاً لتسفي بن دور بينيت، فإن الإبعاد هو “الخطيئة الأصلية” للقبائل العشرة، وهي خطيئة لن تتركهم أبداً (Ben-Dor Benite 2009, 9). من المفترض أن هذا النفي حصل بحدود العام 722 ق.م، عندما غزت الإمبراطورية الآشورية مملكة إسرائيل، حيث طرد الكثير من سكان المملكة الشمالية إلى المنفى، ولا توجد أية إشارة تذكر أولئك الإسرائيليين  المنفيين (Groth 2003, 41). وتقول الأسطورة كذلك عن تبعثر القبائل العشرة في أرباع الأرض. ويُنظر إلى عودتهم إلى إسرائيل، حيث يجتمعون مع إخوانهم اليهود، على أنها علامة على دخول العصر المسياني (Lyman 1998, 7). وفي حالة أفراد قبيلة بني منشيه، تعتبر السفارة أن عودتهم دليل واضح على أن العالم يقترب من خلاص إسرائيل (Parsons 2013a, 7). اكتشف المبشرون المسيحيون لأول مرة بني منسّي في أوائل القرن العشرين، الذين حولوهم إلى المسيحية. ثم أطلقوا عليهم اسم تشين-كوكي-ميزو Chin-Kuki-Mizo، ولكن بعد تعقبهم من قبل الحاخام اليهودي إلياهو أفيشيل في نهاية القرن، أخذوا اسم بني منسّي، الذي يعني “أبناء منسّى”، وهو اسم شخصية توراتية، ابن يوسف وأب قبيلة وردت في الإصحاح 14 من سفر يشوع :” 4 لأَنَّ بَنِي يُوسُفَ كَانُوا سِبْطَيْنِ: مَنَسَّى وَأَفْرَايِمَ. وَلَمْ يُعْطُوا اللاَّوِيِّينَ قِسْمًا فِي الأَرْضِ إِلاَّ مُدُنًا لِلسَّكَنِ، وَمَسَارِحَهَا لِمَوَاشِيهِمْ وَمُقْتَنَاهُمْ”.(Udren 2004) (83). تعني عودة بني منسّى إلى إسرائيل، وفقاً للسفارة، تحقيق وعداً كتابياً آخراً في وقتنا الحاضر. يذكر الإصحاح 43 من سفر إشعيا:” 5 لاَ تَخَفْ فَإِنِّي مَعَكَ. مِنَ الْمَشْرِقِ آتِي بِنَسْلِكَ، وَمِنَ الْمَغْرِبِ أَجْمَعُكَ”. وفسرت السفارة “نسلك” على أنهم القبائل المفقودة في الهند. وهذا يبين على قدرة السفارة في توظيف هجرة الأعراق المختلفة لتتناسب مع روايتها الخاصة عن إعادة تأسيس إسرائيل وفقاً للكتاب المقدس.

الاعتراف بيهودية بني منسّى

اعترفت الحاخامية بشرعية هجرة بني منسّي في العام 2005، ولكن في العام 2007، تم إنهاء ذلك لأن السلطات الهندية اعترضت على الفرق الإسرائيلية التي حددت مكان هذه القبائل وحولت بني منسّي ليكونوا يهوداً مؤهلين للهجرة وفقاً لقانون العودة. لذلك تم التشكيك في الهوية اليهودية لبني منسّي ومناقشتها في إسرائيل(84). ومع ذلك، لا تهتم السفارة بمن هم يهود مؤهلون والذين يحق لهم الهجرة، وهذا يتضح عند تحليل ما تتحدث عنه السفارة حول بني منسّي. حيث تشير السفارة هنا إلى المجموعة كشعب يدعي أحفاده أنهم من قبيلة منسّى. كما تمايزت السفارة المسيحية الدولية في القدس بالمشاركة في عودة هذه المجموعة الخاصة من بني منسّي من خلال رعاية رحلاتهم الجوية إلى إسرائيل. بني منسّي (“أبناء منسّى”) هم شعب يعيش في شمال شرق الهند يزعم أنه ينحدر من إحدى “القبائل المفقودة” العشر في إسرائيل (Parsons 2013a, 6). بعبارة أخرى، يبدو أن السفارة لا تدعي أن أعضاء بني منسّي ينحدرون حقاً من قبيلة منسى، ولكن يبدو أن هذه ليست مشكلة كبيرة، لأن السفارة لا تتطرق إلى من هو اليهودي المؤهل للهجرة(85). ويبدو أن عملية التحويل التي يمر بها بني منسّي من أجل استعادة هويتهم اليهودية الحقيقية، دليل كافٍ لاستعداد السفارة لمساعدتهم على الهجرة. ووفقاً لبارسونز، لا تعتبر أهلية اليهود للهجرة مصدر قلق للسفارة: نحن لا ندخل في مسألة من هو اليهودي ومن يحق له الهجرة. نحن نفعل الشيء نفسه إذا كنت تعيش في جبال كازاخستان، وهي في الواقع رحلة بالحافلة لمدة يومين أو رحلة بالقطار إلى مراكز الوكالة اليهودية، وجلب جميع وثائقك اليهودية، وهذا يكاد يكون مثل القيام برحلة هجرة إلى اسرائيل (…). [نحن] سوف نرعى بعض هذه الزيارات ليذهبوا لإثبات أنهم يهود، لذلك عملنا في دعم الهجرة يساعدهم أيضاً في الحصول على مؤهلاتهم مع الوكالة اليهودية (…). نحن لا نتدخل في هذه القضايا(86). ويبدو هنا أن السفارة قد اتخذت حلاً عملياً للمسألة الصعبة المتمثلة في من هو اليهودي من خلال السماح للوكالة اليهودية بتقرير أهليتهم للهجرة. لذلك يبدو في رواية السفارة أن مسألة من هو اليهودي هي مسألة ثانوية، طالما أن المرشحين للقيام بالهجرة أنفسهم لديهم هوية يهودية. ومن أجل تجنب الخلافات الدبلوماسية مع السلطات الهندية، نظمت الوكالة اليهودية الآن عملية تحويل أفراد بني منسّي في نيبال المجاورة، من أجل تجنب القوانين الهندية التي تمنع التبشير في الهند (Parsons 2013b).

أصبحت قبيلة بني منسّى جزءً أساسياً من سرد السفارة، حيث يُنظر إلى العودة على أنها علامة إلهية في خطة العناية الإلهية. وهذا ما يؤكده عنصر مركزي آخر في نبوءة العودة: يُعتقد أن بني منسّي ينحدرون من قبائل مملكة إسرائيل الشمالية، بينما يُعتبر معظم اليهود الآخرين الذين عادوا إلى إسرائيل أحفاداً لقبائل المملكة الجنوبية الإسرائيلية، أي مملكة يهوذا. وحسب السرد التوراتي، اتحدت المملكتان تحت حكم الملك داود، ولكن بعد خلافة الملك سليمان في العام 926 ق.م، بدأت القبائل الإسرائيلية تتعارض فيما بينها حول النزاع أحقية العرش، مما أدى إلى تقسيم المملكة. تتنبأ سردية السفارة بأن هاتين المملكتين ستجمعان وفقاً لما ورد في الإصحاح 37 من سفر حزقيال:” 22 وَأُصَيِّرُهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً فِي الأَرْضِ عَلَى جِبَالِ إِسْرَائِيلَ، وَمَلِكٌ وَاحِدٌ يَكُونُ مَلِكًا عَلَيْهِمْ كُلِّهِمْ، وَلاَ يَكُونُونَ بَعْدُ أُمَّتَيْنِ، وَلاَ يَنْقَسِمُونَ بَعْدُ إِلَى مَمْلَكَتَيْنِ”. لقد كانت هناك ثمة إشارة غريبة بعض الشيء عن هذه الفكرة فيما يتعلق بإحدى رحلات الهجرة، حيث جاءت طائرة بني منسّي من الهند عبر طشقند وبالصدفة انتهى بهم الأمر على نفس الطائرة التي استقلها اليهود الروس الذين هاجروا إلى إسرائيل. وهكذا تم تفسير هذا بأن يهوذا وإسرائيل سيعودان إلى الوطن كأمة واحدة. وقد أكدت السفارة على هذه المصادفة كدليل على الوفاء بالوعود الكتابية التي تتحقق في الوقت الحاضر  (Parsons 2013b, 6-7).

استراتيجية سياسية؟

هناك أيضاً ثمة جانب سياسي يمكن أن يفسر الحماس لإحضار بني منسّي إلى إسرائيل: يتمتع يهود قبيلة بني منسّي الذين يقيمون بالفعل في إسرائيل بسمعة طيبة لكونهم عمالاً جيدين ومواطنين وطنيين في إسرائيل. وفقاً لمارثا كروجر من معهد سياسة الهجرة، فإن ميل أعضاء بني منسّي إلى الاستقرار في الأراضي المحتلة دفع بعض الإسرائيليين إلى اعتبارهم قوة سياسية (Kruger 2005). ويشير مايكل فرويند من  منظمة شافي إسرائيل إلى هذا الجانب، أيضاً، في المقابلة مع Word from Jerusalem، حيث لخص فوائد وجود بني منسّي في إسرائيل على النحو التالي: إنهم أهل إيمان وصهاينة بشدة (…) إنهم يخدمون في الجيش الإسرائيلي، ويدافعون عن الأرض، وهم أعضاء منتجون وملتزمون في المجتمع الإسرائيلي. إنهم يجعلون هذا البلد مكاناً أفضل. والآن على وجه الخصوص، عندما تواجه إسرائيل الكثير من العداء والعديد من التهديدات حول العالم، لن يكون هناك شيء أكثر أهمية من مساعدة بني منسّي على العودة إلى الوطن لتقوية هذه الأمة (Parsons 2013b). لقد وجدت السفارة وشافي إسرائيل أرضية مشتركة حيث ستؤدي عودة قبيلة بني منسّي إلى تقوية دولة إسرائيل والحفاظ على “يهوديتها”. حقيقة أن بني منسّي يستقرون في الأراضي المحتلة يجعل حل الدولتين أكثر صعوبة. لذلك، يمكن للمرء أن يشكك في أن هذه المساعدة لليهود الهنود لإسرائيل هي خطوة تكتيكية من أجل تعزيز مطالبة إسرائيل بالأراضي المحتلة. وفي العام 2003، قامت منظمة شافي إسرائيل بتوطين مجموعة من 80 مهاجراً من بني منسّي في مستوطنة شافي شومرون بالضفة الغربية بالقرب من مدينة نابلس الفلسطينية (Rabinowitz 2003). ووفقاً لمايكل فرويند، فقد تم اتخاذ القرار لأسباب اقتصادية وليست سياسية(87). ومع ذلك، فقد صرح بشكل مباشر: “ليس بني منسّي سلاحاً محتملاً في الصراع الديموغرافي فحسب، بل انتهى بهم الأمر أيضاً إلى تعزيز المستوطنات” (Rabinowitz 2003). بعبارة أخرى، يبدو أن منظمة إسرائيل شافي كانت تستخدمهم لتعزيز الحيازة اليهودية على الأرض المحتلة. وفي العام نفسه، عارض وزير الداخلية، أفراهام بوراز (من الحزب الصهيوني الليبرالي شينوي)، هجرة بني منسّي وادعى أن القبيلة ليس لها روابط يهودية. وقال إن السبب الوحيد للاهتمام بإحضارهم إلى إسرائيل هو تعزيز “المستوطنات المتطرفة” في الضفة الغربية وغزة والخليل، حيث يرغب قلة من الإسرائيليين الآخرين في العيش، ويريدون الهروب من الفقر في الهند (Cook 2010). وهكذا أوقف بوراز هجرتهم إلى إسرائيل. ومع ذلك، بدأ منظمة شافي إسرائيل والأصدقاء المسيحيون لإسرائيل الضغط من أجل استمرار الهجرة (Cook 2010). ويبدو أن هجرة أفراد هذه القبيلة، بالنسبة للسفارة، يؤكد على صحة سرديتها، في الوقت ذاته الذي يضمن وجودهم توسعاً إسرائيلياً [في الأراضي المحتلة]، وبالتالي يعزز موقف إسرائيل للمطالبة بالضفة الغربية.

5.4.3 بناء المعنى من الدعم

أثبتت الحالتان السابقتان مساهمة السفارة المباشرة في مساعدة يهود الشتات من خلال تمويل رحلات الهجرة اليهودية، ولكن في حالة اليهود الروس، تلعب السفارة دوراً مباشراً في تحديد مكانهم. من خلال القيام بذلك، تتصور السفارة دورها على أنه مشاركة في تحقيق النبوءات الكتابية، وفي إنقاذ يهود الشتات من الخطر، كما رأينا في الفصل السابق. في حالة اليهود الروس، تلقى المسيحيون دوراً مباشراً مثل غير اليهود، الذين في الكتاب المقدس “يحملون اليهود على أكتافهم” إلى إسرائيل. قامت السفارة ببناء خدماتها على إضفاء الشرعية من الكتاب المقدس. واستخدمت عبارات ومصطلحات من الكتاب المقدس للتأكيد على ما ورد فيه من أن عودة اليهود إلى إسرائيل تحدث كما يصفها الكتاب، بنفس الطريقة التي عاد بها اليهود من المنفى الأول. وبالنسبة إلى السفارة، فإن القصص التوراتية عن اليهود في الأسر في الشتات وعودتهم هي تلك القصص التي تتحقق اليوم. يمكن القول أيضاً أن السفارة تأخذ، في سياق جهودها لإعادة اليهود إلى إسرائيل، هذه الأسماء التوراتية قيد الاستخدام، على أمل زيادة اهتمام اليهود بالهجوم، نظراً للدور المركزي الذي تلعبه هذه القصص التوراتية في هوية معظم اليهود. ومن ثم فإن استخدامها يمكن أن يشجع اليهود على زيادة الهجرة. وفي حالة بني منسّي رأينا  كيف فسرت السفارة هذه القبيلة الهندية لتصبح جزءً من التاريخ المعروف، حيث ستعود قبائل إسرائيل المفقودة يوماً ما إلى إسرائيل. وبهذه الطريقة، فإن جماعة بني منسّي ليست مجرد مجموعة ملائمة من “اليهود المتحمسين”، والذين يمكن استخدامهم في الحفاظ على يهودية إسرائيل. وتصبح عودتهم دليلاً آخر على خطة الرب للعناية الإلهية، حيث يكون في السيطرة المطلقة على العالم. وبالنسبة للسفارة، تصبح هذه طريقة أخرى لمعرفة التاريخ، على حد قول هاردينغ (1994 ، 60). ومن المهم أن تُظهر السفارة لليهود الذين يرعون علاقتهم، مما قد يؤدي إلى تعزيز العلاقة بين المسيحيين (الصهاينة) وجميع اليهود، بما يتماشى مع أهداف السفارة (انظر القسم 3.1.2). سيكون من المثير للاهتمام إجراء بحث مستقبلي لمعرفة ما إذا كان أي من هؤلاء اليهود لا يزال على اتصال بالمسيحيين الإنجيليين، أو إذا كان بعضهم أكثر ميلاً للتحول إلى اليهودية المسيانية. إذا كان الأمر كذلك، فسأفترض أن هذا لم يلق قبولاً جيداً من قبل جميع الجالية اليهودية في إسرائيل.

5.5 “زرع اليهود في وطنهم”

يذهب جزء حيوي من المساعدة في الهجرة إلى ما يعرف باسم “زرع” اليهود في المجتمع الإسرائيلي، كاستراتيجية للتأكد من اندماج المهاجرين עולים “العوليم” بشكل صحيح. وتصف السفارة هذا بأنه غرس مأخوذ من الإصحاح التاسع من سفر عاموس:” 15 وَأَغْرِسُهُمْ فِي أَرْضِهِمْ، وَلَنْ يُقْلَعُوا بَعْدُ مِنْ أَرْضِهِمِ الَّتِي أَعْطَيْتُهُمْ، قَالَ الرَّبُّ إِلهُكَ». وهكذا، تستخدم السفارة استراتيجيات من أجل دعم الاندماج الجيد للمهاجرين اليهود في إسرائيل، من خلال تمويل برامج استيعاب إسرائيلية مختلفة، مثل السجادة الحمراء Red Carpet وكتفاً لكتف כתף אל כתף (88)، وكذلك توفير برنامج الرعاية المنزلية الخاص به لليهود المسنين من السابق الاتحاد السوفيتي. علاوة على ذلك، تدعم السفارة أيضاً اليهود الذين يعيشون في المستوطنات في الضفة الغربية. يعتبر المجتمع الدولي هذه المستوطنات غير شرعية (Newman 2013, Sylte 2009). وبالتالي يمكن فهم هذا على أنه تكتيك لضمان اندماج المهاجرين עולים “العوليم” في المجتمع الإسرائيلي، وأقل احتمالاً للهجرة من إسرائيل، حيث يُنظر إلى الأخيرة على أنها مشكلة للوكالة اليهودية. ووفقاً لجاك كوركوس، كان التحدي الرئيسي من خلال مساعدة اليهود على الهجرة إلى إسرائيل هو جعلهم يبقون: “جعل الهجرة سهلة للغاية. من أوروبا 4-5 ساعات، من الولايات المتحدة 12 ساعة. ليست هذه هي القضية. المسألة هي الاندماج في إسرائيل. البقاء في إسرائيل هو القضية، لأنه من السهل جداً العودة إلى الوراء “(89). تشارك معظم المنظمات الصهيونية، وكذلك الحكومة الإسرائيلية، هذا القلق، ولكن يبدو أن الاهتمام يشمل في المقام الأول القضايا الأيديولوجية للمنظمات الصهيونية، التي ترغب أن عودة يهود الشتات إلى إسرائيل. وأعلنت السلطات الإسرائيلية، في العام 2007، أنها ستنفق 5،3 مليون دولار أمريكي على حملة لإقناع المهاجرين الإسرائيليين بالعودة، وقدّر معهد سياسة الشعب اليهودي عدد المولودين في إسرائيل الذين يعيشون في الخارج بين 500،000- 600000 شخص (Schwartz 2013, Della Pergola 2011, 152). من ناحية أخرى، لا تعتبر السفارة هذا الأمر مشكلة كبيرة لعملها. يقول ديفيد بارسونز، على سبيل المثال، “لا أعرف أرقام الوكالة اليهودية التي تعتمد عليها. إنهم [اليهود] يكافحون للعودة، وأعتقد أن السكان اليهود يتزايدون (…)، ولكن بسبب كل هذا الإرهاب [من حولنا]، نرى مزيداً من يهود يهجرون إسرائيل”(90). ووفقاً لبارسونز، هذا الأمر ليس مهماً للسفارة على صعيد القرار الشخصي للهجرة، ولا يُنظر إليه على أنه معاناة دائمة لإسرائيل، من قبل(91). تصر سردية السفارة، على أنه لن يتم اقتلاع اليهود من جذورهم مرة أخرى. ومن ثم، يمكننا أن نفهم عدم الاهتمام بالهجرة اليهودية كجزء من هذه الرواية، حيث لن يتم اقتلاع اليهود مرة أخرى. وهكذا، فإن لدى السفارة بعض الاستراتيجيات التي تضمن اندماج المهاجرين اليهود في المجتمع الإسرائيلي، ولكن لا توجد استراتيجيات مباشرة تستخدم لمنع الهجرة اليهودية.

كما رأينا في هذا الفصل، فقد استخدمت السفارة عدداً من الاستراتيجيات من أجل المساعدة في الهجرة اليهودية إلى إسرائيل. من خلال التعاون مع المنظمات الإسرائيلية، يمكن للسفارة المشاركة في جلب اليهود إلى إسرائيل. من خلال مقاربة براغماتية، تتكيف السفارة مع عودة اليهود المختلفين إلى الوطن ليتناسب مع روايتها، حيث تعتبر الوعود الكتابية تتحقق اليوم؛ مثل عودة قبائل إسرائيل المفقودة. وقد تطرقت هذه المساعدة في الهجرة اليهودية أيضاً إلى بعض القضايا المتعلقة بالنزاع الإسرائيلي الفلسطيني المعاصر، حيث تدعم السفارة السياسة الإسرائيلية اليمينية في المجال العام، من أجل ضمان استمرار وجود إسرائيل كدولة يهودية. لقد ساعدت السفارة حتى الآن [2014]  أكثر من 115000 يهودي في إسرائيل، وهو عدد كبير. مع شركائه المتعاونين، تستطيع السفارة استهداف اليهود من معظم أنحاء العالم. تساهم آثار هذه العودة إلى الوطن في خلق المزيد من “إسرائيل اليهودية”. قد يساهم هذا في زيادة رغبة اليهود في القدوم إلى إسرائيل وإعادة الارتباط بهويتهم اليهودية (JPPI 2014). من ناحية أخرى، يؤثر هذا أيضاً على الأقلية الفلسطينية التي تعيش في إسرائيل.

هوامش

62- وهذه الموجات هي: موجة الهجرة الأولى: 1882-1903 ؛ موجة الهجرة الثانية: 1904-1914؛ الموجة الثالثة: 1919-1923؛ الموجة الرابعة 1924 – 1929 والموجة الخامسة: 1929 – 1939.

63- كل يهودي يمكن أن يعتبر يهودياً وفقاً للشريعة اليهودية (الهالاخا).

64- لم تكن هذه فكرة جديدة، كما رأينا في القسم 2.1 ، إلا أن مفهوم “العودة مرتين” يعمل لصالح السفارة في مساعدة اليهود إلى إسرائيل.

65- محاضرة ألقاها هوارد فلاور في عيد المظال، 24 أيلول\سبتمبر 2013.

66- طبقاً لجاك كوركوس، في مقابلة أجريت في مقر الوكالة اليهودية، 9 تشرين أول\أكتوبر 2013.

67- في مقابلة أجريت مع ديفيد بارسونز 9 تشرين أول\ أكتوبر 2013 في مقر السفارة.

68- مقابلة بتاريخ 9 تشرين أول\  أكتوبر 2013 في مقر السفارة

69- مقتبس من محاضرة ألقاها هوارد فلاور في مهرجان المظال في 24 أيلول\  سبتمبر 2013.

70- تستخدم السفارة كلمة صيد عند الإشارة إلى تحديد مرشحين محتملين من فئة المهاجرين إلى إسرائيل.

71- الوكالة اليهودية هي منظمة صهيونية عالمية، أسستها المنظمة الصهيونية العالمية في العام 1929. حتى تشكيل حكومة في إسرائيل، كانت الوكالة اليهودية تتولى القيادة. ومع ذلك، فإن المنظمة اليوم غير حكومية وتتلقى تمويلها من تبرعات من المانحين الإسرائيليين والاتحاد اليهودي لأمريكا الشمالية (JFNA). (معلومات من مقابلة مع ممثل الوكالة اليهودية جاك كوركوس، في 9  تشرين أول\ أكتوبر 2013 في مقر الوكالة اليهودية).

72- المعلومات مأخوذة من مقابلة أجريت في مقر الوكالة اليهودية، 9 تشرين الأول\ أكتوبر 2013.

73- المعلومات المأخوذة من مقابلة أجريت في مقر الوكالة اليهودية ، 9 تشرين الأول\ أكتوبر 2013.

74- من المهم بالنسبة إلى السفارة أن يُظهر لليهود أنه وراء عودتهم إلى الوطن، ومع ذلك، هناك العديد من المنظمات المسيحية الصهيونية الأخرى التي تساهم وترعى الوكالة اليهودية، لذلك لا يعرف جميع اليهود أن المسيحيين الصهاينة يدعمونهم.

75- مقابلة أجريت في مقر الوكالة اليهودية في القدس، 9 تشرين الأول\ أكتوبر 2013.

76- تحت إدارة بنيامين نتنياهو.

77-هذه المنظمات هي: السفارة المسيحية الدولية في القدس, هجرة50 עלייה،50 غيشير هاجيستيا גשר הג׳סטסיה, جمعية الكرمل Karmel Association

78- إجمالاً (مع وبدون مساعدة السفارة) غادر حوالي 200000 يهودي الاتحاد السوفييتي السابق، وخلال العقد غادر أكثر من نصف مليون يهودي. بالمقارنة، كان هناك ما مجموعه 170 ألف يهودي غادروا في ظل النظام السوفيتي. (Gitelman 1998, 138).

79- مستوحاة بوضوح الإصحاح 40 من سفر إشعيا التي تقول: ” 31 أَمَّا الرَّاجُونَ الرَّبَّ فَإِنَّهُمْ يُجَدِّدُونَ قُوَّتَهُمْ، وَيُحَلِّقُونَ بِأَجْنِحَةِ النُّسُورِ. يَرْكُضُونَ وَلا يُعْيُونَ. يَمْشُونَ وَلا يَتْعَبُونَ.

80- لماذا تفصل السفارة بين صيد اليهود الأمريكيين الروس واليهود الأمريكيين الآخرين غير واضح من تقارير الهجرة الصادرة عنها، ولكن ربما يكون استهداف اليهود الأمريكيين الروس أسهل.

81- وفقاً للسفارة، بدأ اليهود الروس في الهجرة من أمريكا الشمالية إلى إسرائيل على نطاق أوسع بعد هجوم 11 سبتمبر الإرهابي في العام 2001 (Flower 2011b). ومع ذلك، وفقاً لإحصاءات الهجرة الإسرائيلية، ظلت أعداد المهاجرين اليهود من أمريكا الشمالية مستقرة إلى حد ما مع زيادة طفيفة في العقود الماضية (Libary 2014).

82- مقابلة أجريت في مقر السفارة، 9 تشرين أول\أكتوبر 2013.

83- تقول أسطورة قبيلة سبط منسي، بعد نفيهم في العام 722 ق.م، أنهم سافروا من إيران على طول طريق الحرير إلى الصين، حيث أصبحوا جزءً من مجتمع يهود كايفنغ. ومع ذلك، سافروا في وقت لاحق إلى الجنوب واستقروا في ولايتي ميزورام ومانيبور، وهما جيوب هندية تقع بين ميانمار وبنغلاديش، حيث لا يزالون موجودين. يقال إن أفراد سبط منسي استمروا في مراعاة الطقوس والتقاليد اليهودية، مثل قوانين الكوشر، والسبت، والاحتفالات اليهودية.

84- تم إجراء اختبارات الحمض النووي التي أظهرت أن أفراد سبط منسي يمكنها تتبع جيناتها في الشرق الأوسط، لكن النتيجة كانت غير حاسمة (لا ينطبق 2013).

85- وفقاً لديفيد بارسونز في مقابلة بتاريخ 9 تشرين أول\ أكتوبر 2013 في مقر السفارة.

86- مقابلة ديفيد بارسونز في 9 أكتوبر / تشرين الأول 2013 في مقر السفارة.

87- لم تتلق عائلة سبط منسي أي دعم مالي من الحكومة.

88- بمعنى “كتفًا إلى كتف”، وتقوم بتجنيد العائلات الإسرائيلية الأصلية التي تعمل كموجهين للعائلات الإسرائيلية الجديدة من خلال مساعدتهم على التعامل مع البيروقراطية الإسرائيلية، واختيار المدارس للأطفال أو أين يريدون العيش، وغير ذلك من الأساسي يحتاج في مرحلة بدء التوطن.

89- مقابلة أجريت في مقر الوكالة اليهودية في القدس، 9 تشرين الأول\ أكتوبر 2013.

90- مقابلة أجريت في المقر الرئيسي للسفارة في القدس، 9 تشرين الأول\ أكتوبر 2013.

91- ديفيد بارسونز في مقابلة أجريت في مقر السفارة في القدس، 9  تشرين أول\أكتوبر 2013.

عن محمود الصباغ

كاتب ومترجم من فلسطين

شاهد أيضاً

استراتيجية عمل الصهيونية المسيحية الداعمة لإسرائيل 6

ترجمة: محمود الصباغ الفصل السادس: محاربة نزع الشرعية الإسرائيلية في المجال العام “إسرائيل هي أيضاً …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *