الرئيسية > سياسة > ترجمة > استراتيجيات عمل الصهيونية المسيحية الداعمة لإسرائيل (1)
مقر السفراة المسيحية الدولية في القدس

استراتيجيات عمل الصهيونية المسيحية الداعمة لإسرائيل (1)

استهلال

 هذه سلسلة مقالات تشكّل، في مجموعها، أطروحة ماجستير مقدمة لجامعة أوسلو\النرويج، قسم الدراسات الثقافية واللغات الشرقية في العالم 2014 من إعداد الباحث سيليه بيلغوغ كنارود  Silje Belghaug Knarud(الترجمة من إعداد محمود الصباغ، ويقدمها مركز الجرمق لأول مرة في اللغة العرببة)

العنوان الأصلي للأطروحة: “Bringing God’s Chosen People Home”  A study of Christian Zionist strategies used to support and assist the State of Israel .  وتتكون الدراسة من ثمانية فصول سوف يتم نشرها تباعاً

تمهيد

مها أولت الأوساط الأكاديميّة، في العقود الأخيرة، اهتماماً متزايداً للحركة “المسيحية الصهيونية”، التي تمثّل الموقف الديني للمسيحيين الذين يدعمون إسرائيل الحديثة، والذين يعتقدون أن هذه الدولة سوف تلعب دوراً مركزياً قبل عودة يسوع المسيح. وقد ركّزت معظم الأبحاث المتعلّقة بالصهيونية المسيحية، وكذلك تعليقات وسائل الإعلام، على جوانبها الأبوكالبتية الخلاصية حول نهاية العالم  وتأثير هذه الجوانب على صنع السياسة الخارجية في الولايات المتحدة. غير أن هذا لم يمنع من تحوّل المسيحية الصهيونية إلى حركة عالمية نشطة للغاية داخل إسرائيل.

وتجادل هذه الأطروحة بضرورة إيلاء المزيد من الاهتمام لكيفية عمل المنظمات، من الحركة المسيحية الصهيونية، بشكل استراتيجي لتوطين اليهود في إسرائيل. حيث تحاول هذه المنظمات، بتقديمها المساعدة في الهجرة اليهودية، استعادة أرض الميعاد على أمل إعادة إسرائيل إلى حدودها التوراتية. وهدف هذه الأطروحة هو استكشاف الاستراتيجيات المستخدمة لجلب اليهود إلى إسرائيل، وكذلك الآثار والعواقب المحتملة التي قد تترتب على ذلك، من خلال التعرف عن كثب على إحدى هذه المنظمات المسيحية الصهيونية، ونقصد “السفارة المسيحية الدولية في القدس” وتعرف اختصاراً يـ (ICEJ). التي تنشط في مجال مساعدة الهجرة اليهودية منذ أوائل التسعينيات، حيث ساعدت، بحلول العام 2014 نحو 115000 يهودي على الانتقال إلى إسرائيل. ويستند الأساس التجريبي لهذه الأطروحة على بيانات الموقف والتقارير والمقالات التي نشرها السفارة المسيحية والتي يتبين خلالها ، أي المواد، تبنّي السفارة نهجاً براغماتياً للتأثير على المجتمع الإسرائيلي من خلال المساعدة في الهجرة اليهودية إلى إسرائيل، حيث كرست نفسها للعب دور مركزي في تدبير العناية الإلهية. فضلاً عن تصور السفارة عن الصراع الإسرائيلي الفلسطيني بوصفه تهديداً للطابع اليهودي لإسرائيل. لذلك، تنشط، السفارة، في مناصرة إسرائيل على صعيد المجتمع الدولي. وهي تأمل من خلال ذلك، دعم إسرائيل ومساعدة  اليهود في الوصول إلى إسرائيل،  في الحفاظ على الشخصية اليهودية. وقد أصبح عملها جزءً من نشاط الحركة المسيحية الصهيونية، وباتت لاعباً قوياً، ليس داخل إسرائيل فحسب، بل على النطاق العالمي أيضا. وبالتال, لا ينبغي التقليل من تأثير الحركة المسيحية الصهيونية على الصراع الإسرائيلي الفلسطيني.

1 المقدمة

“إن قراركم بتأسيس السفارة المسيحية الدولية في القدس -في وقت تخلى فيه الآخرون عنا وتركونا وحيدين بسبب إيماننا- كان عملاً جريئاً ورمزاً يعبّر عن مدى قربكم منا. لقد منحننا تلميحاتكم وأفعالكم شعوراً بأننا لسنا وحدنا “.

رئيس الوزراء الأسبق، إسحاق رابين، في إجازته للسفارة المسيحية الدولية في القدس (ICEJ 2013a).

كان الإنجيليون المسيحيون، والذي يعرفون  بالصهاينة المسيحيين، ينشطون لأكثر من عقدين ونصف  في مساعدة هجرة اليهود إلى إسرائيل. وقد سعوا، بوحي من الكتاب المقدس، إلى البحث عن اليهود في الشتات وتشجعيهم على الانتقال إلى أرض الميعاد. فبالنسبة لهم، لا يوجد فرق بين القصص الكتابية عن يهود المنفى وعودة اليهود إلى إسرائيل اليوم. ويُنظر إلى قدرة اليهود على إقامة دولة لهم في العام 1948 وعودتهم من الشتات في الوقت الحاضر، على أنها وعود كتابية على وشك أن تتحقق. ويتوقع هؤلاء المسيحيون الصهاينة ظهور المسيح الثاني، من خلال إعادة الغالبية العظمى من اليهود إلى إسرائيل. وفي الوقت الذي ينتقد فيه المجتمع الدولي والدول العربية المحيطة توسع إسرائيل في الأراضي الفلسطينية، يدافع هؤلاء المسيحيون عن هذا العمل ويساهمون بشكل أكبر في تقديم الدعم المالي لليهود الذين يعيشون في هذه المستوطنات، وهو ما أثار جدلاً واسعاً في الأوساط الدولية و المحليّة الفلسطينية، في الوقت الذي وجدت الأحزاب اليمينية الإسرائيلية، في موقف أصدقائها المسيحيين المخلصين هذا، فرصة سانحة ينبغي استغلالها جيداً. لقد دافعت الحركة المسيحية الصهيونية عن تصرفات إسرائيل أمام  المجتمع الدولي، في ذات القوت الذي تعمل فيه بنشاط داخل المجتمع الإسرائيلي، حيث ساهمت بدعم مالي وخيري تجاه اليهود الذين يعيشون في إسرائيل من أجل الحفاظ على استمرار وجود الشعب اليهودي في إسرائيل في المستقبل.

وسوف تبحث هذه الأطروحة في منظمة مسيحية صهيونية واحدة، وهي السفارة المسيحية الدولية في القدس، التي تأسست في القدس في العام 1980. والتي تروج لنفسها على أنها “سفارة مسيحيي العالم”. رغم أنه لا مكانة دبلوماسية لها  كسفارة. وقد حظي دفاع السفارة المستميت  عن إسرائيل بتقدير كبير من طرف السياسيين الإسرائيليين اليمينيين. ولعلّ الجانب الأكثر بروزاً في نشاط السفارة كان العمل على تقديم العون لهجرة اليهود في الشتات إلى إسرائيل . وقد موّلت، السفارة، منذ العام 1991، أكثر من 115000 يهودي وجلبتهم إلى إسرائيل على أمل تحقيق النبوءة الكتابية بإعادة اليهود إلى إسرائيل. تسعى هذه الأطروحة إلى استكشاف الاستراتيجيات التي تستخدمها السفارة لمساعدة اليهود في إسرائيل، والمشاركة في استعادة أرض إسرائيل كدولة يهودية، والتي يُنظر إليها على أنها حق إسرائيل الكتابي.

1.1 الهدف من البحث

ستبحث هذه الأطروحة في ظاهرة المسيحيين الصهاينة الذين يساعدون اليهود على الهجرة إلى إسرائيل من أجل إحياء دولة إسرائيل ضمن حدودها الكتابية القديمة. لقد اخترت أن أطلق على هذا النشاط اسم “الهجرة المساعدة”، وهدفي هو تحقيق فهم أعمق للطرق المختلفة التي يساهم بها الصهاينة المسيحيون في القرن الحادي والعشرين في استعادة أرض إسرائيل. وسوف أركز على السفارة المسيحية الدولية في القدس، التي تعمل في مجال الهجرة منذ أوائل التسعينيات. لقد اخترت دراسة هذه المنظمة لأنها ميزت نفسها على أنها منظمة مؤثرة في المجتمع الإسرائيلي وتعمل بنشاط على مساعدة اليهود  للوصول إلى إسرائيل، وهو جانب كنت مهتماً باستكشافه. وبالتالي، يمكن طرح المشكلة الرئيسية التي يجب معالجتها هنا  كما يلي: كيف تساهم استراتيجية الهجرة التي تبناها  السفارة في الحفاظ على (وتأكيد) إسرائيل كدولة يهودية؟ فالإيمان بإعادة قيام إسرائيل كشرط مسبق لمجيء المسيح الثاني، هو الذي يحرّك نشاط المسيحيين الصهاينة لضمان عودة اليهود إلى وطنهم وإقامة دولة إسرائيل وفقاً للحدود التوراتية، ويتعارض هذا الاعتقاد، بشكل واضح، مع مصالح  الجماعات الأخرى في أرض كنعان الحديثة حيث يتقاتل الفلسطينيون والإسرائيليون على امتياز حيازة الأراضي المقدسة. كما يقسم هذا الصراع المجتمع الدولي في محاولة التوصل إلى حل سلمي. وبهذا الصدد، تبنت السفارة موقفاً واضحاً منحازاً لصالح الجانب الإسرائيلي.

وسوف أتطرق، بهدف الإجابة على هدفي من هذا  الاستفسار، إلى أسئلة بحثية ثلاثة، تركز على أهداف المنظمة، واستراتيجياتها، وكذلك تأثير أنشطتها.

ويعدّ الفهم الصحيح لأهداف وغايات السفارة أمراً ضرورياً لفهم سلوكها. لذا فإن السؤال البحثي الأول هو: كيف تتصور السفارة النصوص الكتابية المتعلقة بضرورة عودة اليهود إلى إسرائيل والحفاظ على إسرائيل كدولة يهودية كجزء من مخطط خلاصي؟ سوف أقوم هنا بتحليل فهم السفارة للنصوص الكتابية، التي تقوم المنظمة على أساس هذه النصوص ببناء عملها، ودراسة كيفية استخدام بعض المقاطع الكتابية لتكوين سرد تتخذ السفارة، بموجبه، إجراءات تنفيذية من أجل تحقيق هدفها اللاهوتي. ثم، سوف ألقي نظرة على الوسائل والاستراتيجيات المستخدمة في مساعدة هجرة اليهود إلى إسرائيل. وسوف أسعى هنا للإجابة على السؤال التالي: ما هي الاستراتيجيات التي تستخدمها السفارة لمساعدة اليهود في إسرائيل؟ أفترض، هنا، أن السفارة تحتاج إلى شركاء متعاونين في إسرائيل ليس بالضرورة أن يشاركوهم ذات المفاهيم الأخروية، بل ما هو هام،  كيف ينظر الشركاء المتعاونون إلى هؤلاء المسيحيين؟ إسرائيل هي أيضاً عرضة للنقد من قبل المجتمع الدولي، مما قد يشكل تهديداً للطبيعة اليهودية لها في المستقبل أو يؤدي إلى خسارة إسرائيلية للأراضي. وبالتالي، فالسفارة من المدافعين النشطين عن إسرائيل في المجال العام وسوف أنظر إلى ذلك كعملية موازية في السياق الاستراتيجي  لعمل السفارة في لحفاظ على إسرائيل كدولة يهودية في المستقبل. وأخيراً، سوف أناقش ما إذا كان لعمل السفارة بشأن الهجرة والاستراتيجيات الإضافية أي تأثير على الحفاظ على إسرائيل كدولة يهودية. وسوف أسأل هنا: ما هي تأثيرات السفارة أو تلك، التأثيرات، التي يمكن أن تحدثها للحفاظ على الدولة اليهودية؟ سوف أقوم بإظهار التأثير السياسي للسفارة في إسرائيل والعالم. علماً أن المجتمع الدولي  كان قد أثار بعض المعضلات الأخلاقية فيما يتعلق بمثل هذه الأعمال التي تشارك فيها السفارة. لذلك سوف أبحث في كيفية استجابتها لمثل هذه الانتقادات.

2.1 توضيح المصطلحات

نادراً ما يتم استخدام مصطلح الصهيونية المسيحية في وسائل الإعلام أو في الكتابات الشعبية لأن القليل منهم يعرفون ما يعنيه هذا المصطلح, وغالباً ما يتم الخلط بينه وبين الشكل التقليدي للصهيونية، وهي فكرة أكثر علمانية عن دولة يهودية كما تصورها تيودور هرتزل. بدلاً من ذلك، يُشار إلى الصهاينة المسيحيين على أنهم إنجيليون، مسيحيون ولدوا من جديد، أصوليين بروتستانت، لكن هذه المصطلحات غامضة وليست مرادفة للمسيحية الصهيونية في حد ذاتها(1). لكنها مفيدة في إعداد وتطوير العمليات التي أدت إلى ظهور المسيحية الصهيونية كحركة عالمية، كما  سيتم ذكرها، تفصيلاً، في الفصل الثاني.

ومصطلح إنجيلي (والذي يعني “البشارة”) هو مصطلح عام يستخدم لوصف مجموعة غير متجانسة من المسيحيين يندرجون تحت طيف مجموعة واسعة من الانتماءات الدينية والآراء السياسية، بيد أنها تشترك في بعض الخصائص، والتي، وفقاً لستيفن سبيكتور، تتمثل في تجربة الميلاد الروحي (الولادة من جديد)، ومنح الكتاب المقدس سلطة عليا (باعتباره كلمة الرب الفعلية) وأخيراً مشاركة كلمة الرب (التبشير) (Spector 2009, 36).

وسوف أشير، في هذه الأطروحة، حصراً اعتناق المسيحية الصهيونية للرواية التدبيرية  الألفية المستقبلية  من الفكر المسيحي الألفي، التي تعتقد بعودة المسيح إلى الأرض، بعد أن يعود اليهود إلى أرض الميعاد، حيث يتم إعادة تأسيس إسرائيل وفقاً لحدودها الكتابية. وتشير العقيدة الألفية إلى الفكرة التي تقول بحدوث المجيء الثاني للمسيح قبل قيام مملكة الرب الألفية.

ومثل هذا التمييز عن العقيدة ما بعد الألفية حيث يجب على البشر خلق الألفية، ليعود المسيح إلى الأرض بعد نهاية الألفية ويحكم البشرية. تشير النزعة التدبيرية إلى طريقة أخروية لتقسيم التاريخ البشري إلى “تدابير” مختلفة (عصور أو حقب)، ضمن فكر العقيدة الألفية. فالبشرية الآن في عصر أو حقبة التدبير الأخير (عصر الكنيسة)، ويعتقد أنصار التدبيرية أن عودة المسيح يمكن أن تحدث في أي لحظة. كدليل على العودة الوشيكة، سيتم اختطاف المؤمنين الحقيقيين “لمقابلة المسيح في الهواء” بينما سيكون نصيب الأشخاص المتروكون  مواجهتهم للمحنة، التي سيكون من ملامحها أن يتبع معظم الناس المسيح الدجال الذي سوف يحكم حوالي سبع سنوات. ثم يعود يسوع  ليهزم الدجال ويؤسس المملكة الألفية على الأرض. معظم المسيحيين الصهاينة هم تدبيريون. لذلك تشير المسيحية الصهيونية إلى الاعتقاد بوجوب  عودة اليهود إلى إسرائيل وبوجوب إعادة تأسيس أرض الميعاد قبل عودة المسيح.

كثيراً ما أستخدم الكلمتين العبريتين عاليه [עלייה ‎] وعوليم [עולים]، واللتان تشيران إلى عملية الهجرة إلى إسرائيل وإلى الشخص المهاجر إلى إسرائيل. وكلمة عاليه بمعنى الإشارة إلى الهجرة اليهودية في الوقت الحاضر، يتم تهجئتها بالتشديد. ويتم استخدام التمييز ذاته عند الحديث عن الشتات اليهودي، حيث يتم تهجئة مصطلح الشتات المعاصر بالتشديد أيضاً. و الحدود الدقيقة لـ “أرض إسرائيل” بين المقاطع المختلفة الواردة في الكتاب المقدس وبين فهم السفارة، مازالت غامضة في تفاصيلها الدقيقة، لأنها تمتد إلى دول قومية محيطة مستقلة (انظر الشكل 1 المرفق). لذلك، فأنا،  أفهم أن “أرض إسرائيل” تشير إلى مناطق من الأرض التي أعطاها الرب  لأبراهام في سفر التكوين 16:18 لتكون أرض الميعاد النهائية[ هكذا في الأصل ولعلّه يقصد الآية 18 من  الإصحاح 15 وليس 16، والتي تقول” 18. فيِ ذلِكَ الْيَوْمِ قَطَعَ الرَّبُّ مَعَ أَبْرَامَ مِيثَاقاً قَائِلاً: “لِنَسْلِكَ أُعْطِي هذِهِ الأَرْضَ، مِنْ نَهْرِ مِصْرَ إِلَى النَّهْرِ الْكَبِيرِ، نَهْرِ الْفُرَاتِ”. المترجم ].  ولدى السفارة فهم أكثر واقعية لأرض إسرائيل، باعتبارها الأراضي الإسرائيلية الواقعة بين نهر الأردن والبحر الأبيض المتوسط​​، بما في ذلك الأراضي المتنازع عليها والمحتلة، أي الضفة الغربية وغزة ومرتفعات الجولان. وعلى الرغم من تعبير “دولة يهودية” مثير للجدل، إلا أنني استخدمه في هذه الأطروحة. وهو التعبير الذي استخدمته إسرائيل في إعلان الاستقلال، عند إعلان قيام الدولة. كما أعلن تصريح المواطنة الكاملة والمتساوية للأقليات (بن غوريون 1948). ومع ذلك، لم يتم الترويج للطابع اليهودي الحصري لإسرائيل من قبل الدولة حتى منتصف الثمانينيات (Jamal 2013). ونظراً لأن الشخصية اليهودية لإسرائيل ضرورية جداً للسفارة، فسوف أستخدم مصطلح “دولة يهودية”.

كما سوف أستخدم مصطلح “الهجرة المساعدة” لشرح العملية التي تعني كيفية العثور على يهود الشتات وإحضارهم إلى إسرائيل وتوطينهم داخل المجتمع الإسرائيلي. تستخدم السفارة مصطلح  واجب أو شغل العاليه لوصف نشاطها هذا. رغم  إني أجد مصطلح الهجرة المساعدة أكثر ملاءمة لشرح العملية برمتها.

3.1 دراسات سابقة عن المسيحية الصهيونية

رغم شيوع إسرائيل والصهيونية كموضوعات بحث في الأوساط الأكاديمية، لم تحظ المسيحية الصهيونية بالعناية ذاتها، ولكنها جذبت المزيد من الاهتمام خلال العقدين الماضيين. وما يميز هذه  الأدبيات هو التركيز على المفاهيم اللاهوتية والسياسية للحركة المسيحية الصهيونية. ومن الكتب  المميزة في هذا الشأن، هنا، على سبيل المثال، كتاب المؤرخة باربرا توكمان، بعنوان “الكتاب المقدس والسيف: إنجلترا وفلسطين من العصر البرونزي إلى بلفور (1956)، وكتابي أستاذ التاريخ، البروفيسور بول تشارلز ميركلي(2): الأول بعنوان “سياسات الصهيونية المسيحية، 1891-1948 ” والذي صدر في العام 1998, والثاني “المواقف المسيحية تجاه دولة إسرائيل” الصادر في العام 2001 . كما ركّز مؤلفون آخرون على الخطوط العريضة لتاريخ المسيحية الصهيونية وفحصوا كيف تطورت المسيحية الصهيونية وكيف تؤثر اليوم على السياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط. مثل كتاب أستاذ اللغة الإنجليزية، ستيفن سبيكتور “الإنجيليون وإسرائيل: قصة الصهيونية المسيحية الأمريكية” (2009) ، وكتاب الحاخام دان كوهن شربوك “سياسة نهاية العالم: تاريخ وتأثير الصهيونية المسيحية(2006)، وكتاب تيموثي ويبر “في الطريق إلى هرمجدون : كيف أصبح الإنجيليون أفضل صديق لإسرائيل” (2005), وكذلك كتاب الصحفية فيكتوريا كلارك “حلفاء من أجل هرمجدون(2007).

انتقد بعض اللاهوتيين من الكنائس الرئيسية(3) الحركة المسيحية الصهيونية من خلال بعض الكتب، رفضوا  من خلالها العقيدة التدبيرية، باعتبارها بدعة. وأبرز المؤلفين في هذا المجال  ستيفن سايزر ودونالد. إي. واجر. حيث كتب واغر ” التوق إلى هرمجدون” (1996) و كتاب سايزر “الصهيونية المسيحية: خارطة طريق إلى هرمجدون” (2005) وهما أكثر كتبهما أهمية، لكنهما أطلقا أيضاً موقع إلكترونياً بعنوان: www.christianzionism.org  والذي يهدف إلى الطعن في المسيحية الصهيونية.

قام بعض طلاب الماجستير في النرويج بأبحاث أكثر تحديداً حول السفارة المسيحية الدولية في القدس مثل بحث رايدر برينغاكير بعنوان: السفارة المسيحية الدولية في القدس (2013)، حيث قدم شرحاً عن  عقيدة السفارة وكيف تنظر إلى الصراع الإسرائيلي الفلسطيني ومقارنتها  بالمنظمات المسيحية الصهيونية الأخرى في النرويج, واعتبرت هيغي كريستين فيدنيس في بحثها المعنون “نحن الذين نحب إسرائيل (2007) أن السفارة المسيحية الدولية في القدس منظمة خلاصية، بينما أعطت لمحة عن عقيدة وأنشطة السفارة. وفي تركيزها على الجوانب الخلاصية للسفارة قدمت فيدنيس معلومات مفيدة حول كيفية تقسيم السفارة للعالم بين الخير والشر. ولذلك فقد استخدمتُ هنا في هذه الأطروحة النظريات التي تتحدث عن الحركات التي تؤمن بنهاية العالم واختتمت بوضع السفارة في إطار نهاية العالم.

تركز السفارة بشكل أكبر على الوفاء بوعود الكتاب المقدس اليوم، بدلاً من أحداث نهاية الزمان، وبالتالي وجدت هذه النظرية لاختزال  الصورة الكاملة للسفارة. كتب آرنت فيدار كلونغلاند ” نحن نشير, البلد يعظ”(2005) عن مشاركة السفارة في جماعات الضغط في الاتحاد الأوروبي. لم يكن لأي من هؤلاء أي تركيز خاص على عمل الهجرة بمساعدة السفارة.

أطروحتي لها موضوع ضيق للغاية ضمن البحث الذي تم إجراؤه بالفعل على السفارة  لملء الفجوة من خلال التركيز على كيفية مساهمتها بنشاط في الحفاظ على الشخصية اليهودية لإسرائيل.

4.1 منطلقات نظرية

الغرض من هذه الأطروحة هو فحص كيفية عمل المنظمة من أجل الحفاظ على إسرائيل كدولة يهودية من خلال مساعدة اليهود في الوصول إلى إسرائيل ودعم إسرائيل في المجال العام. لذلك أحتاج إلى نظريات يمكنها أن تشرح الأسباب الكامنة وراء عملها، وكيف يصبح هذا العمل مفيداً لها. لذلك فقد اقتبست بعض وجهات الآراء النظرية التي يمكن أن تسلط الضوء على الطريقة التي تتصرف بها المنظمة المسيحية الصهيونية في أداء عملها. لقد اخترت أجزاء من هذه الآراء والنظريات التي تتناسب مع منظوري النظري لهذه الأطروحة. هدفي هو تسليط الضوء على كيفية تصور السفارة لدورها في العمل الذي يقوم به من خلال مساعدة اليهود والدفاع عن إسرائيل.

لقد اقترضت وجهات نظر حول بعض الملاحظات التي أبدتها عالمة الأنثروبولوجيا سوزان هاردينغ بشأن انخراط المولودين الجدد المسيحيين الأمريكيين  في السياسة، فقد لاحظت أن الإنجيليين وغيرهم من المسيحيين المولودين الجدد في الولايات المتحدة قد أنتجوا اليمين المسيحي الجديد في الثمانينيات من خلال تشجيع الناس على “العمل خارج التاريخ”. تغيرت الحركة التدبيرية من كونها انفصالية ومنعزلة عن المجال العام. لقد تداعوا الآن، وبصورة مفاجئة، للنشاط السياسي والعمل. وقد لاحظ هؤلاء سلسلة من الأحداث، والتي كان يعتقد أنها حدثت بعد النشوة، والتي حدثت بالفعل، مثل احتلال إسرائيل للقدس في حرب الأيام الستة عام 1967 (Harding 1994, 66). بدأ المسيحيون المولودون الجدد يعتقدون أن “لدى الرب ما يخبئه” للمسيحيين أكثر مما كان يُجمع حتى الآن؛ كتبت هاردينغ (1994 ، 66): “قد يكون المسيحيون متورطين بشكل مباشر في نبوءات الكتاب المقدس أكثر مما كان يُفترض سابقاً، والمسيحيون يظهرون، ربما بشكل طفيف جداً، في الأحداث التي تعيد المسيح لإيقاف الانحدار المروع للتاريخ”. وهكذا، بنى هؤلاء رواية اعتقدوا فيها أن الرب سوف يدمر أمريكا ما لم يستجيب المسيحيون له، بأن يصبحوا أكثر حزماً في الدفاع العام عن الأخلاق والحشمة (Harding 1994, 68) وتجادل هاردينغ أيضاً بأن اللغة الخطابية للتفكير التدبيري هي لغة سياسية في حد ذاتها. إن قراءة الأحداث الجارية ليست مجرد “تفسيرات دينية صحيحة، القراءة التدبيرية هي  قراءة تلك الأحداث الجارية” (هاردينغ 1994 ، 60). بعبارة أخرى، تصبح التدبيرية طريقة لـ معرفة التاريخ، بحسب هاردينغ (1994 ، 60). وبوحي من طروحات هاردينغ، سوف أستخدم هذا الفهم للعقيدة التدبيرية كمقاربة لمعرفة التاريخ، وبهذه الطريقة في معرفة التاريخ، أنشأت السفارة سرداً تشارك فيه في خطة العناية الإلهية وكتابة نفسها في تاريخ العالم.

وسوف أستخدم أيضاً بعض الأفكار حول معضلة الشر، لأنها سوف تشكّل ملمحاً  مركزياً في فهم السفارة للعالم. ففي الحركات التي تحمل نظرة ثنائية للعالم، حيث ينقسم العالم إلى خير وشر، يوفر الصراع مع الشر معنى إلهياً لسبب حدوث الأشياء الشريرة (McGuire 2002، 43-44). هذا التوتر الثنائي بين الخير والشر موجود في سرد السفارة، ويمكن أن يساعدنا في فهم كيف تشرح سبب حدوث الأشياء السيئة لإسرائيل، في القوت ذاته  الذي يكون فيه الرب هو المسيطر المطلق على العالم.

بينما ستستخدم هذه الأطروحة بشكل أساسي المقاربات النظرية هذه، سأقدم خلال الأطروحة أيضاً بعض الأفكار والتصورات الأخرى من نظريات أخرى من علم الاجتماع والأنثروبولوجيا من أجل تسليط الضوء بشكل أكبر على عمل السفارة حول قضايا محددة.

5.1 الأساس التجريبي

كما ذكرت أعلاه، تدعم المنظمات المسيحية الصهيونية إسرائيل بعدة طرق. ومن أجل تغطية أنشطة واستراتيجيات السفارة، فقد استخدمتُ مجموعة متعددة من المصادر. وكان مصدري الأساسي هو مواقع السفارة والمجلة الشهرية “العالم من القدسWord From Jerusalem” حيث تنشر المنظمة التحديثات الإخبارية عن أنشطتها و البيانات اللاهوتية والسياسية حول الوضع في إسرائيل. وبسبب من أن السفارة تعمل داخل الفروع المحلية، ومن مقرها الرئيسي في القدس، فقد كان عليّ النظر لها ضمن نطاقها عالمي. غير أني في أغلب الأحوال كنت أركّز على المقر الرئيسي في إسرائيل و على فروعها في الولايات المتحدة والنرويج، وإن لم يكن ذلك بالمعنى الحصري. وبالتالي، قد يؤدي عدم الوصول إلى جميع الفروع المحلية، بسبب حواجز اللغة، إلى اختزال الصورة الكاملة لعملها. علاوة على ذلك، نشرت السفارة عدداً كبيراً من المقالات والتحديثات على موقعها على الإنترنت، وسيتجاوز كل ذلك وقت ونطاق هذه الأطروحة. لذلك نظرت إلى القضايا الرئيسية التي تهتم بها، والتي نشرت على مواقعها الإلكترونية. وتقدم مواقع السفارة على الإنترنت نظرة عامة عن أنشطتها كافة، وتوفر رؤية كافية لتحليل الأهداف والاستراتيجيات المستخدمة لدعم إسرائيل. وفيما يتعلق بهدف السفارة، المستند على أسس لاهوتية، فقد استخدمت سلسلة كتيبات مالكولم هيدنغ، مدير السفارة السابق والمتحدث باسمها الآن, والتي تحتوي على تعاليم لاهوتية وتعليمية عن الصهيونية الكتابية، فضلاً عن صفحة السفارة عن المسيحية الصهيونية  http://int.icej.org/media/christian-zionism-101, وفيما يتعلق باستراتيجيات دعم إسرائيل، فقد بحثتُ في المقالات المنشورة بما يتعلق أنشطة الهجرة “عاليه” على الموقع  http://int.icej.org/aid/icej-aid , وفي المقالات المنشورة بشأن الهجرة في مجلة السفارة في الفترة بين 2004-2014، وهي متوفرة في طبعات إلكترونية على الموقع. وتنشر السفارة مواقفها وسجالاتها بخصوص قضايا الصراع الإسرائيلي الفلسطيني على موقع  http://int.icej.org/campaigns ، وبشكل أكثر تحديداً بشأن قضايا مثل مساواة المجتمع الدولي للعنصرية والصهيونية، والمزاعم التي تعتبر إسرائيل دولة فصل عنصري وحل الدولتين. الجدل الذي تطرحه السفارة مثير للاهتمام لأنه يستخدم في المجال العام حيث تدافع  السفارة عن القضية الإسرائيلية. لقد أردت أن أجعل أطروحتي حديثة قدر الإمكان؛ لذلك، استخدمت الحالات من العام 2000 حتى اليوم، وهذا لايعني وجود حد زمني للمواد المستخدمة في هذه الأطروحة.

لقد استخدمت أيضاً المقابلات التي أجريتها مع المتحدثين الرسميين من موظفي السفارة، الذين عقدت معهم اجتماعات عندما أجريت بحثاً / عملاً ميدانياً في إسرائيل في الفترة من 11 أيلول\ سبتمبر إلى 14 تشرين أول\ أكتوبر 2013. لقد أجريت المقابلات قبل أن يتكون لدي رأي واضح عن الأهداف المحددة من البحث في هذه الأطروحة؛ لذلك، غطت أسئلتي نطاقاً واسعاً من أنشطة السفارة. لكنها، في الواقع، اشتملت على بعض القضايا التي أصبحت أخيراً موضوع أطروحتي. وهكذا، فقد استخدمت هذه المقابلات حيثما كانت مناسبة، لإلقاء الضوء على جوانب معينة من الموضوعات التي أحللها. وكان ممن أجريت معهم المقابلات مدير العلاقات العامة ديفيد بارسونز ومدير الهجرة هوارد فلاور. لقد استفدت أيضاً من  محاضرة، حضرتها شخصياً، ألقاها هوارد فلاور في عيد المظال في القدس في العام 2013, وحيث إني رغبت في القيام بتحقيق واسع النطاق لعمل السفارة في مساعدة اليهود في الوصول إلى  إسرائيل، فقد أجريت مقابلة مع أقرب شريك متعاون  مع السفارة, أي, الوكالة اليهودية، حيث تحدثت مع مندوبها جاك كوركوس. وبالتالي، تستند المواد الخاصة بي بشكل أساسي إلى رواية  السفارة الخاصة عن طريقة عملها.

ومع ذلك، فإن الكثير من عمل السفارة منخرط بشكل مباشر في الصراع الإسرائيلي الفلسطيني. لذلك، هناك بعض المعضلات الأخلاقية المتعلقة بعملها والتي أثيرت من قبل  المجتمع الدولي. لقد استخدمتُ “إعلان القدس حول الصهيونية المسيحية” –  وهو الإعلان الذي وقّعه رؤساء أربع كنائس محلية في القدس- لمناقشة بعض العواقب والقضايا الإشكالية التي تظهر في عمل السفارة في الحفاظ على إسرائيل كدولة يهودية. بالإضافة إلى ذلك، استخدمتُ مقالات صحفية وأدبيات ثانوية من أجل الحصول على مجال أوسع للمناقشات التي تشارك فيها السفارة من خلال عملها.

جميع اقتباسات الكتاب المقدس مأخوذة من نسخة الملك جيمس الجديدة، وهي النسخة الأكثر إنجيليةً من غيرها، وتضمنت استخدام السفارة، لأنه يُنظر إلى هذه النسخة باعتبارها تحافظ على كلمة الرب مع المزيد من الترجمات المباشرة للنصوص العبرية واليونانية والآرامية (NKJV 2010) .

6.1 مناهج البحث

للإجابة على هدفي من الاستفسار حول أهداف السفارة واستراتيجياتها وتأثيراتها، استخدمتُ التحليل النوعي القائم على الفئة كما هو موضح في كتاب توفه تاغارد Tove Thagaard “النظم والتعاطف”Systematik og innlevelse، حول المقابلات والخطب والوثائق والمقالات (2003 ، 150-1)، وتم اختيار هذه الطريقة لأنني سعيت لفحص حجة السفارة وبالتالي أصبح تحليل المقابلة هو الأنسب. لقد استخدمتُ أيضاً نهج التأويل لفهم السياق الذي يكون فيه سرد السفارة منطقياً (Czarniawska 1998, 4, Thagaard 2003, 39)

كما سجلتُ المقابلات والمحاضرات التي تحصلت عليها من رحلتي إلى إسرائيل، والتي قمت بنسخها لاحقاً من أجل تحليلها(4). كما عملت على تضمين بعض الآراء الشخصية لهؤلاء الممثلين لأنني وجدت أن هذه الآراء تقدم فهماً أفضلاً لدوافع عمل  السفارة (5). لقد كان تركيزي في هذه الأطروحة يتمثل في تحديد الحجج التي تستخدمها السفارة  لوصف واجبها في مساعدة الهجرة اليهودية والدفاع عن إسرائيل، وكيف أدت هذه الحجج إلى بعض الأعمال التنفيذية اللازمة للقيام بهذه الأشياء. وقد قرأـ العديد من المواد المنشورة فيما يتعلق بالهجرة المساعدة والدفاع عن إسرائيل، عن طريق ترميز الموضوعات الأكثر مركزية من أجل فحص استراتيجيات السفارة المستخدمة لترتيب عودة اليهود إلى الوطن.  وقد ساعدتني قراءة هذه المقالات على تصنيف كيفية فهمها لعملها كجزء من تاريخ المعرفة، كما هو موضح في نظرية هاردينغ. لقد قمت هنا بترميز أجزاء من كيفية استخدامها للكتاب المقدس لإيجاد الشرعية في عملها ودوافعها للقيام بذلك.

لقد قمت بنفس النوع من الترميز بمعظم الكلمات الرئيسية نفسها عندما قمت بتحليل عملها في الدفاع عن إسرائيل في المجال العام. لقد حددت هنا الحجج التي استخدمتها السفارة لتحديد الاهتمامات الرئيسية التي أثارتها تجاه إسرائيل، عند اللقاء مع الحيّز العام وكيف يتناسب ذلك مع روايتها. ولم أبحث بشكل مباشر عن الكيفية التي ترجمت فيها السفارة حججها التوراتية في دعمها لإسرائيل، لكنني، بدلاً من ذلك، قمت بترميز القضايا الأساسية التي تهتم بها السفارة، فيما يتعلق بالتشكيك بشرعية إسرائيل  وكيف  كان ردّها على هذه المسألة باستخدامها مقاربة علماني في حججها من أجل الرد على هذا التوجه ضد إسرائيل. لقد استبعدت تحليل المقالات التي لا تشكل أهمية لبحثي. وتدير السفارة مجموعة واسعة من الأنشطة لن تغطيها هذه الأطروحة، إلا بمقدار ضئيل بما فيد موضوع الأطروحة.

7.1 المحتوى

يتناول الفصلان الأول والثاني، بشكل أساسي، كيف انخرط المسيحيون الصهاينة سياسياً في عودة اليهود إلى وطنهم واستعادة إسرائيل. أقدّم في الفصل الثاني، كيف تطورت المسيحية الصهيونية تدريجياً من رجال الدين الذين وجدوا سبلاً جديدة لقراءة الكتاب المقدس بعد حركة الإصلاح. وكيف أدى ذلك إلى عقيدة تنظر في إنشاء وطن لليهود في إسرائيل على أنه شرط مسبق لمجيء المسيح الثاني. وانتشر هذا المفهوم في أمريكا، بوحي من أفكار الإحياء في الدوائر الإنجيلية في بريطانيا، ثم أصبح حركة عالمية ذات تأثير سياسي كبير. وبالتالي فإن نطاق الفصل الثاني سوف يستكشف كيف تحولت هذه العقيدة إلى هذا الوضع ولماذا.

وسوف أستكشف، في الفصل الثالث، المنظمات المسيحية الصهيونية من خلال التركيز على السفارة المسيحية الدولية في القدس. وفي الحديث عن السفارة، سوف أستعرض نطاق هذه المنظمة، والسياق التاريخي الذي تأسست فيه وكيف بدأت منوع من الاحتجاج على المجتمع الدولي لتصبح الآن “سفارة” للمسيحيين الذين يدعمون إسرائيل حول العالم .

وسأشرح هنا كيفية عملها، وأهدافها وأنشطتها والاستقبال الذي حظيت به في إسرائيل. وفي الفصل الرابع سوف يتم استكشاف الأهداف الأيديولوجية للسفارة ، وإلقاء نظرة على الفهم اللاهوتي الذي يحفزها لتحقيق أهدافها. أما في الفصل الخامس، فقد قمتُ بتحليل الاستراتيجيات التي تستخدمها السفارة لتحقيق أهدافها الموضحة في الفصل الرابع. وبالتالي، يركز الفصل الخامس على كيفية مساعدة السفارة في الهجرة اليهودية إلى إسرائيل، وكيف تعثر على اليهود في الشتات، الذين تتعامل معهم السفارة، وكيف أن هذا الإجراء هو جزء من الوفاء بالوعود الكتابية. يستكشف الفصل السادس كيف تدافع السفارة عن إسرائيل في المجال العام، لاسيما التأكيد بشكل خاص على الحجج التي تستخدمها لمحاربة التشكيك بشرعية إسرائيل. كما سوف أنظر في محاولات التأثير على صانعي السياسة الدولية لضمان استمرار امتلاك إسرائيل للأراضي المتنازع عليها والحفاظ عليها كدولة يهودية. ويبحث الفصل السابع، في العواقب الأخلاقية لعمل السفارة في ضوء بعض الأصوات الناقدة، حيث استخدمتُ إعلان القدس بشأن الصهيونية المسيحية كبداية لمناقشة هذه النتائج الرئيسية التي توصلت إليها النتائج الأخلاقية التي أثارها النقاد. وسوف ألخص، في الفصل الثامن، النتائج التي توصلت إليها وأختم هدفي من الاستفسار وأسئلتي البحثية حول أهداف السفارة واستراتيجياتها وتأثيراتها.

الهوامش:

– فكرة عودة اليهود إلى إسرائيل موجودة أيضًا في الطوائف المسيحية الرئيسية الأخرى. على سبيل المثال هناك كاثوليك يؤمنون بأن اليهود يظلون شعب الله المختار ويجب أن يعودوا إلى إسرائيل قبل المجيء الثاني للمسيح، مثل المنظمة الكاثوليكية لإسرائيل. جادل البعض أيضًا بأن المسيحيين الصهاينة يشيرون ببساطة إلى المسيحيين الذين يدعمون إسرائيل، دون أي دوافع أخروية (Spector 2009, 2-3).

2- بول. سي. ماركلي هو أيضاً عضو مجلس إدارة فرع السفارة في كندا.

3-  في هذه الأطروحة، سأستخدم تسمية “الكنائس الرئيسية” على جميع الطوائف غير التدبيرية، لأن هذا هو المصطلح الذي تستخدمه السفارة أيضاً عندما تشير إلى الكنائس التي لا تؤكد على الصهيونية المسيحية.

4- نظراً لأن المقابلات التي أجريتها مع متحدثين رسميين من السفارة ومن الوكالة اليهودية، لم أقم بإخفاء هويتهم، لأنني أردت الحصول على معلومات حول النسخة الرسمية  للسفارة  كمنظمة وليس رأياً شخصياً من أعضائها.

5-نظراً لأن هذه التصريحات أدلى بها متحدثون رسميون، ووافقوا على إجراء مقابلات معهم مع العلم بأن المعلومات ستُستخدم في أطروحة ماجستير، فقد قررت أنه من المبرر استخدام هذه البيانات.

6- أوضحت هانّا ترانغرود في أطروحتها كيف تترجم مكاتب المحاماة الإنجيلية حججها الدينية في مسار المحكمة من أجل البحث عن صدى في مجال علماني. استخدمت هنا نظريات من يورغن هابرماس تشير إلى أن اللغة المحايدة ضرورية لجميع أجزاء المجال العام (Trangerud 2014). يمكننا أن نرى أن السفارة تستخدم التكتيك ذاته لتبني لغة محايدة غير دينية في الاجتماع مع المجال العام.

عن محمود الصباغ

محمود الصباغ
كاتب ومترجم من فلسطين

شاهد أيضاً

العدوان بلسانهم: محنة غزة وجحيم الـ F-16

عميرة هاس ترجمة محمود الصباغ I تقول مريم (50 عاماً): “كنت أشعر، مع كل قصف، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *